تفسير سورة الكهف - 1 - من قوله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ... ) الآية 1 إلى 8

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الكهف: 

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)

مساء الإثنين 16 شعبان 1445 هـ 
 

نص الدرس مكتوب:

الحمد لله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل، والبيان على لسان الحبيب الهادي الدليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسار في سبيله خير سبيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهل التكريم والتشريف والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين..

 

أما بعد..

 

فإننا في تأمُّلنا لكَلام ربّنا وإلهِنا وخالقنا وتنزِيله ووحْيهِ على رسوله، وما بيّن لنا وعلّم وفهّم وشرح ومنَح ووصَف ونوَّر وذكَّر وبصَّر.. انتهينا إلى أوائل سورة الكهف الشريفة المعظمة، التي تحتوي على مائة وعشرٍ من الآيات، السورة المكية، التي ذكر الله فيها قصة أهل الكهف، وقصة موسى والخضِر، وقصة ذي القرنين، سورة الكهف من أعظم سور القرآن.. جاءنا في الخبر: 

  • أنه شيَّعها عند خروجها إلى الأرض سبعون ألف مَلَك. 
  • وأنها السورة التي فيها العِصمة للأمة من شرِّ المسيح الدجال، حتى جاء في الحديث: "أنّ من فاجأهُ الدجَّال وأدركَهُ فليقرأ في وجههِ بأوائل سورة الكهف".
  • وجاء أنّ "من حَفِظ عشر آيات من أوائل سورة الكهف عُصِم من فتنة الدجَّال" وفي رواية: "من قرأها' وفي رواية: "من آخر سورة الكهف". 
  • وقد رُوي أيضا "أن من قرأ الخمس آيات من آخرها عند نومه، استيقظ وبُعِث في أي ساعة شاء". 
  • سورة الكهف جاء أن "مَن قرأها في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، مُدَّ له نور من مكان قراءتِها إلى السماء ويبقى إلى الجمعة الأخرى". 
  • وجاء أيضا عند الإمام أحمد في مُسندهِ "أن من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أوالبقرة، غُفِر له إلى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاث أيام". 
  • كما أنه جاء أن "من قرأ سورة الكهف أو أوائل سورة الكهف وأواخرها مُدَّ له نورٌ بين يديه، فإن قرأها كلها مُدَّ له نورٌ إلى السماء" كما جاء "أن مَن قرأها في يوم الجمعة مُدَّ له نورٌ إلى البيت العتيق". من مكان قراءتها إلى البيت العتيق إلى الجمعة الأخرى.

 

ففي سورة الكهف آياتٌ عظيمات وأنباء ربّانيات تُوقِفُنا على الحقيقة، وتدلّنا على الاستمساك بالعُروة الوثيقة، وتنفي عنّا شرور الخليقة ونفثَ الشيطان وهمْزهِ ولمْزهِ ووسوسته وتَعوِيقه. 

يقول الحق -تبارك وتعالى- في افتتاح السورة: بسم الله الرحمن الرحيم (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ..) بيّن أن الحمدَ له، كان افتتح السورة التي قبلها سورة الإسراء بالتسبيح، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء:1]، 

  • والتسبيح؛ بدايةُ كُل مُتوجِّهٍ إلى الملك القدوس _جلَّ جلاله.
  • والتحميد؛ نهاياتُ كل مَمنونٍ عليه ومُكرَمٍ من قِبل الرحمن -سبحانه وتعالى-. 

وبالتسبيح وأسراره كمُلت ذات المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وهيأه الله لتكميل الغَير ونفع الغير وإفادة الغير وتقريب الغير، فأفاضَ عليه سر الحمْديّة لله -تبارك وتعالى-. 

فابتدأ في سورة الإسراء بالتسبيح، وابتدأ في سورة الكهف بالحمد، وفي سورة الإسراء أمورٌ تختصّ به من الإسراء به وما أعقبهُ من المعراج.

 

وفي سورة الكهف، تنزيل الكتاب الذي ينفعُ به العالمين وينفع به الأمة ويُنوِّر لهم الطريق ويرفعهم به إلى المراتب العُلى.. فابتدأ بالحمد، والحمد مستحَقٌ لله في كل حال، وهو الثناء والشُكر والاعتراف بالنعمة.. فأنواع الثّناء حق لله _جلَّ جلالُه_ وما يُثنى على غيره -سبحانه وتعالى إن كان بحقٍّ، فمن عطائه ومن إفضاله ومن إحسان ذلك الذي يُثنى عليه، فالثّناء راجعٌ إليه، وإن كان بغير حق، فباطلٌ كل ثناء على من لا يستحق الثناء، وإن الرجل ليُنْشرُ له الذكْرُ بين المشرق والمغرب وما يزِنُ عند الله جناح بعوضة.

 

يقول تعالى: (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ..) محمد ﷺ، (أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ..) القرآن، عبده الذي اختصَّه من بين العباد وجعله عبده المخصوص القائم بحق العُبودية والعَبدية والعُبودة.. قال في أول سورة الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ..) وقال في أول الكهف: (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ..)، (ٱلْكِتَٰبَ..) أنزل الكتاب على عبده محمد، ونعم العبد محمد، القائم بحق العُبودية للربِّ -جلَّ جلاله- فما عرف الرُّبوبية في عظمتها وجلالها أحد من الكائنات والخلق كما عرفها محمد حبيب الحقّ. ولا قام أحد بتحقيق العبودية للرحمن كما قام محمد ﷺ 

(ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ..)، فمِن شأنكم أن تحمدوا هذا الإله الذي اختار لكم هذا المصطفى من بين البرايا، وآتاه كتاباً بهذا الوصف الذي وصفه؛ نوراً لكم وهدايةً لكم وخيراً لكم وشفاءً لكم وتوجيهاً لكم وتعليماً لكم ورفعاً لكم وحفظاً لكم ووقايةً لكم ورفعاً لدرجَاتكم.. (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ..) القرآن المعظَّم. 

(..وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1)): 

  • لم يجعلْ لهذا الكتاب عِوج 
  • لم يجعل فيه اختلاف 
  • لم يجعل فيه التباس 
  • لم يجعل في هذا الكتاب خطأ 

(وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1)) ويُسْتعمل العِوَج للأمر المعنوي، وأما ما كان مستقيماً وقائماً يقول له عَوَج، يقول فيه العَوَج؛ وهو الميل والانحراف؛

  •  ما كان من قناةٍ وما كان من نحو شجرةٍ وما إلى ذاك يقول فيها عَوَج، أو شيء من الأدوات هذه المحسوسات.. 
  • وما كان من السّير في الطريق والأمور المعنوية قال فيه عِوَج؛ انحراف عن سواء السبيل.. 

(ٱلْحَمْدُ لِله ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1)) بل قائم ببرهان عظيم لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وقد تُحدُّوا ولم يزالوا مُتحدَّين بذلك، فلم يستطع أحد أن يأتي بمثل كلام الله -جلَّ جلاله-، المُنزل على النبي محمد، (وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1)).

(قَيِّمٗا..) لكن جعله تعالى قيَّماً مستقيماً تاماً معتدلاً في ذاته.. (قَيِّمٗا..) يقوِّم الآخرين، يقوِّم الفكرَ ويقوّم السلوك ويقوّم الوجهة ويقوّم النظَر.. (قَيِّمٗا..) قيماً على الكتب المُنزلة كلها مِن حيث أنه مُصدِّق لها، و ناسخ للشرائع التي فيها مما نزل فيه حُكُم يخالف شيئاً من الشرائع المُتقدمة.. فهو القيّم المُهيمن على الكتب كما قال في الآية الأخرى _جل جَلاله_ (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة:48]،  (قَيِّمٗا..) قيماً حَكَماً عدلاً، يرجع إليه أرباب العلم والمعرفة وأرباب السير إلى الله وأهل إدراك الحقيقة.. هذا هو القيّم لهم، كالقيّم في البيت يرجع إليه أهل البيت في شؤونهم وأحوالهم، وهذا القرآن قيّم في عُقول الناس وأحكامهم ووُجهاتهم وأنحَاء مسالِكهم، هو القيّم الذي يُرجع إليه،  فيَعْتدل المسار ويعتدل ويصلح الأعمال والسلوك والوجه والفكر والعقيدة.. (قَيِّمٗا..) هذا القرآن نزل بهذه الصورة وهو باقٍ بين أيدينا فضلاً من ربنا علينا محفوظاً بحفظه -سبحانه وتعالى- (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، يقول -جلّ جلاله- ونتلوه كما تلاه نبيّنا المصطفى محمد -صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على أسماع أصحابه الكرام، ومن تلقى عنه في زمنه المُبارك ﷺ.

 

(ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1) قَيِّمٗا..) وذَكرَ الحِكَم في هذا الكتاب ولخّص منها الحكمتين: 

  1. الإنذار
  2. التبشير 

فهو مُنذِر لكل طاغٍ ولكل فاجرٍ ولكل كافرٍ ولكل مُعتدٍ ولٍكل ظالِم ولكل مُلحِدٍ ولكل من ينسِبُ إلى الربوبية والألوهية ما لا يليق بها. قال -سبحانه وتعالى-: (قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ) المُكَلّفين. 

(بَأۡسٗا شَدِيدٗا) أي عذاباً ونكالاً شديداً (مِّن لَّدُنۡهُ) يعني من عِنده -جلَّ جلاله- لا يُطاقُ ردُّه ولا يُطاق تَخفيفُه، ولا يُطاق مُعاكَستُه ولا يُطاق تحمُّله (بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ) أي يُنذِر بذلك مَن كفر بعد أن وصلته الدعوة ومَن عانَد ومَن خالَف بعدما وصله هذا النور وهذا الهُدى (لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ) وهو الذي(لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]، فلا يُطاق غضبه ولا سخطه ولا عذابه.

 اللهم أجِرنا من العذاب الشديد والبأس الشديد والغضب والطّرْد والحِرمان والسَّخط، لا إله إلا أنت نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.

 

   (قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ..(2)) اللهم اجعلنا منهم (وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (2) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (3))

(وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) من استقر الإيمان في قلوبهم وانطلقت أعضاؤهم فيما أحبَّ الله منهم من الأقوال والأفعال والمعاملات يقول: (يُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا..) والأجر الذي يستلِمونه موصوفٌ بهذه الأوصاف من قِبَل رب العالمين خالق الكون -جلَّ جلاله- أنّ هذا الأجر حسن فما أحسنهُ وما أزهاه -الأجر الحسن- لكل نيةٍ صالحةٍ صحيحة، لكل مقصدٍ صافٍ صالح، لكل حركةٍ وسكونٍ على وِفق العبودية والاتّباع ومُوافقة الشرع المُطهَّر المَصون، على كل حسنةٍ يعملها المؤمن أجر حسن؛ يجد أجر حسن يُعجَّل له منه في هذه الدنيا طُمأنينةً وسكينةً ولُطفاً وأنواعاً من دفع البلايا والآفات، وكل حسنةٍ قُبِلت يبقى أثرها إلى عند الممات وما بعد الممات إلى يوم الميقات وفي مواقف القيامة إلى الجنة ويدوم أجرها وأثرها ونتائجُها وما تسبِّبه من النعيم أبداً سرمداً بلا انقطاع. 

(أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (2) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (3)) فأنعِمْ بهذا الأجر الحسن الذي يدوم ويتأبَّد فإن مَن ضيَّعه بعدما جاءه الأمرُ من الله ورسوله وارتكب باتّباع الهوى والشهوات وخالف أمر الله -جل جلاله- مع ما يفوته من الأجر الحسن المُؤبَّد، في نعيم مُؤبَّد، في عِزّ مؤبَّد، في كرامة مؤبَّدة، في صحة مؤبَّدة، في حياة مؤبَّدة، من فاته ذلك يفوته ذلك وفوق ذلك، يستبدِل هذا الخير العظيم بعذابٍ مُؤبَّد، بنكالٍ مؤبَّد، بألمٍ مُؤبَّد، بهَوانٍ مؤبَّد، بِذلٍّ مؤبَّد -نعوذ بالله من غضب الله- 

فماذا يضيَّع أهل الكفر والعِصيان والفسوق على أنفسهم بعد أن تبلُغهم دعوة الله؟! ويل لهم، ماذا يغنيهم؟ الدولارات تُغنيهم! أم جُنيهات تُغنيهم؟ أم يورو يُغنيهم! أم ذَهب يغنيهم! أم فضة تُغنيهم! أم دولا تُغنيهم؟ أو أسلحة تغنيهم؟ أو فتن تغنيهم! ما الذي يعوِّضهم عما فوَّتوه؟! مساكين هم الذين لا يعقِلون، ولو عقلوا ما رضوا لأنفسهم بمُلك الأرض، ليس  في أيام حياتهم، بل من أول ما خُلِقت إلى أن يُنفخ في الصور، مقابل تفويت بعض هذا الخير لكان ذلك غَبناً وكان ذلك شرًا عليهم، فكيف مع تفويت الخير وفوقه تأبيد الغضب والسخط والهوان والذل والعذاب مساكين.. ماذا يفيدهم كل متاع هذه الحياة الدنيا (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207]، (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) [البقرة:96]، تعمّر ألف سنة وبعد ذلك عذاب مُؤبَّد يا مجنون! وما يفيدك تعمير ألف سنة أن تُعمَّر(أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) بعدها عذاب مُؤبَّد وسخطٌ مُؤبَّد وهوانٌ مُؤبَّد ويُقال لهم: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف:20]، فنعوذُ بالله من غضب الله، ونسألُ الله نَيل البِشارة وأن يجعلنا من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.(وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (2) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (3)) 

  

     ولمّا كان الكُفر والعِصيان مُتعدِّد الأطراف والأعمال والصفات، نصَّ على واحدٍ منها لأنه مِن أكبرها وشرّها وهو أن يُنسَب إلى الإله الحق ما لا يليق بجلاله؛ إساءة الأدب مع المُكوِّن والإله المُوجِد البارئ الذي خلق وأنشَأ وصنع وفَطَر -جل جلاله- فأعادَ الإنذار على هؤلاء بخصوصهم في قوله:(وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا (4)) -تعالى الله- إنّ هذا الاستِيلاد وما يتركَّب عليه وما يقومون به وَصفُ جِسميَّاتٍ مخلوقاتٍ حادثاتٍ لا تليق بالألوهية ولا بالربوبية، إنها وَصفُ الحوادث الجِسمانية الماديّة قال تعالى:(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌاللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:1-4] يقول: (ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا) مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُون؛ الْمَلَائكَة بَنَات اللَّهِ، وَمِنَ الْنَصَارَى الَّذِينَ يَقُولُون (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) [التوبة:30] وَمِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَقُولُون: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة:30] 

 

    (وَيُنذِرَ ٱلّذينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا(4))ويقول الله هذا رأس الكفر ثم ما دونه كله قائم على غير أساسٍ من علمٍ قطّ، من قريبٍ ولا من بعيد بل هو جهلٌ محضٌ وخيالٌ ووهمٌ بعيدٌ عن الحق، بعيدٌ عن الحقيقة. 

   

   (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ) أيُ شيء يُسمَّى علم ما عندهم! ما عندهم فما يبتَنِي الكفر -وإن ادّعَوا العلم- إلا على ظُنون وأوهام بعيدة عن العلم، بعيدة عن حقيقة العلم، وكم حاولوا خصوصاً في القرن هذا الماضي أن يُوحوا إلى عقول الناس أن العلم ما قالوا هم، وما جابوا هم وأن يُسمّون شؤونهم وآراءهم حتى، علمية، ونظريّاتهم علمية ويُسمّون أنفسهم أهل العلم ويُسمّون المواد التي هم يُقيمون النظَر فيها أو التوصُّل إلى شيء مما يتعلق بها يُسمّونها علوم؛ ليُبعِدوا وصْف العلم عن القرآن وعن السنة وعن العلم الحق الصحيح، وحاولوا ذلك كثيراً ولكن كشأنِهم فيما قبل، شأنِ إبليس وجنده، فيما قبل وفيما بعد (لَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة:64] (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ) [الفتح:15] (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32] جَلَّ جَلَالُهُ .

 

   (وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا (4) مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ) كيف يكون هذا؟! إنْ كان الحق تعالى جِسماً أو شخصاً فهو مَخلوق من جُملة المخلوقات -نعوذ بالله- نحتاج إلى خالقٍ يخلقه! إنما نتحدثُ عن ذات مُقدّسة مُنزّهة جَلّت عن أن يُشابِهَها شيءٌ غيرُها، أوجَدتْ وأفعلت فالكون وما فيه كلُّه فِعْلُه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد:16] ولا يكون الإله إلّا كذلك.

  وَأَمَّا مَنْ شَابَهَ الْكائِنَاتِ فِي تَكْوِينها فَهُو مِنْهَا وَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُكَوِّن؛ وَلكن لابد مِنْ الْقُوَّةِ الَّتِي لَا مَثِيلَ لَهَا ولَا نَظِير أَوْجَدَت الْوجُودُ وَهَذَا فِعْلُهَا، هكذا مُقتضى العقل، مُقتضى المنطق، مُقتضى الفهم، مُقتضى الوعي، مُقتضى الحكمة، فبأي علم ينسبون الولد إلى الرحمن؟! لذلك قال الله عن فظاعة هذا الأمر:( تكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًاوَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًاإِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًالَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّاوَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:90-95].

 

   (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ..(5)) الذين مَضَوا في نفس الشُّبُهات ونفس التلبيسات ونفس الادّعاءات (مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ)

 

   (كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ) أي كبُرت الكلمة الخبيثة القبيحة (كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ) فيها مَلمَح إلى أنّ الكلام أيضًا حتى هم عند فِطَرِهم وعُقولهم ما يستوعبون أو ما يصدّقون من الباطن ولكن يُكابرون ويُعاندون، فالكلام من أفواههم فقط. 

 

   (كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ) يقولون بأفواههم، هم من الباطن يقولون، هذا إله له ولد! ما يجي! ما يتركب في العقل ما تقبله العقول أصلاً! لكن هم ما يقولون بعقولهم ولا بقلوبهم، يقولون بأفواههم في الدعاوي الباطلة، وهكذا يعملُ الهوى.

 

   (كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا (5)) ولمّا كانت هذه المُهمة العظيمة في هذا الإنذار والتبشير على يد البشير النذير -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- واقتضت حِكمةُ الله تعالى أن يخلقه مَجْلى للرحمة وأن يملأ قلبهُ رحمةً على عباده ﷺ أهمّهُ أمر المُكذبين والكافرين والجاحدين وخصوصاً مَن يموت منهم على ذلك فيتأبّد في الغضبِ والسخطِ والهوانِ والذُلّ والخِزي إلى ما لا نهاية، فكان ذلك يشقُّ عليه ﷺ لِمَا فَطَره الله عليه من الرحمة، وجعل الحقُّ يُسلِّيه ويخفّف عنه ويقول حِكمةُ الألوهية والربوبية مِن وراء ذلك وأنت لم تُقصِّر فيما أوكَلنا إليك وما كلّفناك به مِن أمر البَلاغ (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8].

 

   (فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ.. (6)) مُتْلِفها ومُهلِكها، (بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ) مُجهِدُها ومُنهِكها (فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ) يعني مِن وراء كُفرهم هذا، ومِن وراء مَن تراهُ يموتُ كافراً.

   ولمّا بكى عند مرور جنازة اليهودي قالوا: يا رسول الله تبكي وهذا يهودي قال: "نفسٌ تفلَّتت عليّ إلى النار" -صلى الله عليه و آله وصحبه وسلم- كان يودُّ أن يُنقذه من النار ويدخل الجنة وأمامه النبيّ بنُورانيته وببهجته وببهائه وبحُجّته القوّية، لماذا يدخل النار؟! لماذا يُسيِّب هذه الفرصة؟! فبكى عليه ﷺ عبودية للرب -جلّ جلاله- وفي قِيامه بحقِّ العُبوديّة تتولّاه الربوبية وتخفّفُ عليه أحزانه وهمّهُ وغمّه في الأُمّة ويسلِّيه الرحمن -جل جلاله- تَولِّياً من الربوبية للعبودية. 

  يقول: (فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا (6)) من الحُزن والأسف والحُرقة عليهم تكاد تبْخَع نفسك، تُتعِبها وتُنهِكها وتُجهِدها وتُضنِيها وتُهلِكها

  

  (فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا (6)) يقول له تعالى إنما هي حِكمةٌ من الحِكم. 

 

(إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا (7))، (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا (7)) ما على الأرضِ جعله زينة لهذه الأرض، مُدة بقاء هذه الأرض وبقاء الناس فيها؛

  • الزينة الحِسّية بما جعلَ من أشجار، وما جعلَ من أنهار، وما جعلَ من أبنية، وما جعل من مظاهر..
  • والزّينة المعنوية بما جعل من أنبياء، وبما جعل من أولياء، وبما جعلَ من علماء، وبما جعل من صُلحاء.. 

 

    فهذه زينة الأرض في الظاهر وفي الباطن.. وخلق الله هذه الأرض وما عليها من كلِّ زينة ظاهرة وباطنة اختبارًا.. من الذي يختار ما اختاره له الحق؟ من الذي يزهد فيما يصُدّه عن إلهه وما يقطعه عن رضى مولاه؟ من الذي يؤْثر منهج ربه وتعاليمه وطلب رضاه على نفسه وهواه وشهواته والاغترار بهذه الزينة التي على ظهر الأرض؟! 

 

   (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا (7)) قال وفي هذا أيضا بيانٌ من الرحمن أنّ الزّينة لنا ليس بما على الأرض؛ وأن الزينة لنا إنما هي أحوالُ معرفتنا وإيماننا وتقوانا له، هذه زينتنا نحن، أما هذه ليست زينة لك أنت.. هي زينة للأرض.. ولذا يذهب أصحابها ويتركونها، وكم من عامرِ بيت كان سكن الذين من بعده  فيه أكثر من سكنه بأضعاف مضاعفة، وكم من عامرِ قصرٍ لم يسكنه هو وسكنه غيره وأخذه.. فليست زينة لهم إنما زينة للأرض.

 

  (إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا)، إن أردتم أنتم زينتكم تعرّفوا إلينا وعرِّفوا شرعنا وقوموا بأمرنا؛ هذه زينتكم، زينتكم التقوى، وإنما هذه زينة للأرض، والأرض وما عليها فانية كلها وزائلة.. هذا الذي عليها .

 

  (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا (8)). أمّا الزينة الباطنة ففي رفْعها إلى عِليّين والدرجات العُليا، وأمّا الزينة الظاهرة فبهَدمها ومَحقها وتَسويتها بالأرض، (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا..) أي أرضًا مستوية تماما، لا ارتفاع ولا انخفاض فيها.. (جُرُزًا (8)) لا شجرَ عليها ولا زرع عليها ولا نبات عليها.. 

 

   (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا (8)) جميع هذه الأشجار والأموال والقصور والجبال وما على الأرض أجمَع من طرَفهِ إلى طرَفهِ سيتحوّل (صَعِيدٗا جُرُزًا (8)).. (صَعِيدٗا جُرُزًا (8))؛ صعيد -أرض مستوية- من الطرف إلى الطرف لا شيء فيها انخفاض ولا ارتفاع.. (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:107]، 

 

 

   و"جُرز" لا عليها نبتة ولا عليها شجرة ولا عليها زرع ولا عليها قصر ولا عليها بناء أبدا (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا (8)) إنّما صنعناها اختبارا للعباد في مُددٍ مُحدّدة ثم نجعل ما على الأرض (صَعِيدٗا جُرُزًا).. بل وتتخرّب الأرض والسماوات وما بينهما (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْوَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْوَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْوَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:1-5]. (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْوَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْوَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْوَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْوَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْوَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْبِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْوَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْوَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْوَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) [التكوير:1-13]، يقول سبحانه وتعالى:(إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْوَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْوَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ)[الانفطار:1-4]. لا شيء يبقى من هذا إنما مُدّة وتنتهي (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم:49]. (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا) [الفرقان:25]. (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًالَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:105-107]. لا طلوع ولا نزول.

 

  (وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا (8)) يقول الله؛ حبيبنا،، اقتَضتْ حِكمتنا خَلْق هؤلاء المُكلّفين وآتيناهم الأسماعَ والأبصار نختبرهم، وجعلنا لهم القلوب والأفئدة، وأرسلنا لهم الرسل وختمناهُم بك وأنزلنا الكتب وختمنا بالكتاب الذي أنزلناه إليك، وجعلناه قيّما ومُهيمنًا على كل كتاب؛ لنختبر هؤلاء العباد ونمِيز الخبيث من الطيّب، وشاءتْ حِكمتنا وإرادتنا ومَشيئتُنا أن نجعلهم فريقين؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.

فهذه حكمتنا البالغة ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8] (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) [فاطر:8] .

 

   اللهم اهدنا فيمن هديت ولا تفتِنّا بالأرض ولا ما على الأرض، ولا تفتِنّا بشيء مما خلقت وارزقنا زيادة إيمان واجعل كل ما خلقته سببا لزيادة إيماننا وادبنا معك ووفائنا بعهدك وتعظيمنا لأمرك وجلالك ولا تفتنّا بشيء مما خلقتَ ولا تقطعنا بشيء من الكائنات عُلوِيّها وسُفلِيّها ظاهرها وباطنها.

 يا حي يا قيوم اجعلنا من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، فنالوا منك الِبشارات على لِسان أكرم خلقك خير البريّات خاتم النبوة والرسالات محمد ﷺ و(أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (2) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (3)) اجعلنا منهم يا عالم ما خفي وما بَدى، يا حاكم الآن وغدا، يا من بيده ملكوت كل شيء. وادفع عنا شرور العِدى وكل من اعتدى، يا أكرم الأكرمين.

   بارك لنا فيما بقي لنا من شعبان وبلِّغنا جميعا رمضان واجعلنا من خواصّ أهله، وأرِنا ألطافك وجُودك وكرمك لأمة حبيبك محمد ﷺ في جميع الأقطار وفي أرض فلسطين التي ابتُليَت بتسلُّط مجرمين فاسقين مُعتدين غاصبين ظالمين لا يرقُبون في أحد من البشر إلّاً ولا ذمّة.

  اللهم وبقيّة أقطار المسلمين أرِنا فيها لُطفك ورحمتك ونصرتك للمؤمنين والحق والهدى وخذلك للمعتدين والظالمين والغاصبين والمفسدين والفاسقين يا قويّ يامتين واجعلنا من أنصارك وأنصار حبيبك الأمين ظاهرا وباطنا يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين آمين اللهم آمين. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه 

 

 

                            

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

20 شَعبان 1445

تاريخ النشر الميلادي

29 فبراير 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام