الهوية والمرجعية والواجب ، من نحن وما مرجعياتنا وما واجباتنا نحو المجتمع والأمة

الهوية والمرجعية والواجب ، من نحن وما مرجعياتنا وما واجباتنا نحو المجتمع والأمة
للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في ملتقى العلماء الثاني عشر بمدينة سوميدانغ جاوى الغربية، ظهر الأربعاء 1 صفر الخير 1440 هـ، بعنوان:

الهُوِيَّة وَالمَرْجَعِيَّة والوَاجِب

مَن نَحنُ؟ ومَا مَرجَعِيَّاتُنا؟ وَمَا وَاجِبَاتُنا نحَو المُجتَمع وَالأمَّة؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله على جمعٍ يُقصَد به وجهُ اللهِ الكريم، وتتعلَّقُ فيه الآمالُ بِنُصرتِه ونُصرةِ رسولِه الكريم، وتمتدُّ فيه الرغباتُ إلى الانتهاجِ في النَّهجِ القَويم، والدخولِ في دائرةِ المُكرَمين على اللهِ تباركَ وتعالى مِن أهلِ الفَضلِ العَظِيم، ونشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، الملكُ الحقُّ المبين، المنفردُ بالخَلقِ والإيجادِ وجامعُ الأوَّلينَ والآخِرِين ليَومِ الدِّين.

 ما نالَ حقيقةَ عزةٍ من خلقِهِ أحدٌ إلا بقدرِ ذِلَّتِه له، ولا أدركَ حقيقةَ كرامةٍ أحدٌ مِن المكلَّفِين إلا بقَدرِ تَقواه إياه، ولا ظَفِر بحقيقةِ السَّعادةِ إلا مَن أطاعَه وأخلصَ لِوَجهِه الكريم.

 ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّة أعيُنِنا ونورَ قُلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه ذو الخلُقِ العَظيم، خاتمُِ النبيِّين وسيِّدُ المرسلين، الحبيبُ الأعظمُ لِربِّ العالمين، ما خلق اللهُ مثلَه قبلَه ولا بعدَه، بل هو الأولُ في الخَلقِ والإيجادِ، وهو المتلقِّي الأولُ للفَضلِ والإمداد، ومنه تفرَّعَ جودُ اللهِ الجوادِ على جميعِ الخلقِ والعبادِ، وقد أكرمَنا وخصَّصنا به إذ جعَلنا في أمَّته.

فَحَمْدًا لِرَبٍّ خَصَّنَا بِمُحَمَّدٍ ** وَأَخرَجَنَا مِن ظُلمَةٍ وَدَيَاجِر

إِلى نُورِ إسلامٍ ونُورٍ وحِكمَةِ ** ويُمنٍ وإيمانٍ وخَيرِ الأَوَامِر

وطَهَّرَنا مِن رِجْسِ كُفرٍ وَخُبثِهِ ** وشِركٍ وظُلمٍ واقْتِحَامِ الكبائر

أَتى بِكِتَابِ اللهِ يَتلُوه دَاعِيَا ** إلى اللهِ بالحُسنَى وَخَيرِ البَشَائِر

فَلبَّى رِجَالٌ دعوةَ الحَقِّ فَاهتَدَوْا ** وَنَالُوا الـمُنَى فيِ عاجلٍ وأَوَاخِر

وَأَنْكَرَ أَقوَامٌ وَصَدُّوا وَأَعرَضُوا ** فَقَوَّمَهُم بِالـمُـرهَفَاتِ البَوَاترِ

وَسَارَ إليهم بالجُيُوش وبعضُهُم ** ملائكةٌ أَعظِمْ بِهم مِن مُؤَازِرِ

فَرَايَاتُه معقودةٌ وجُنُودُه ** مُؤيَّدَةٌ بِالنَّصرِ مِن خَيرِ نَاصِر

هُوَ القَائمُ السجَّادُ في غَسقِ الدجى ** فَسَلْ وَرَم الأقدَامِ عَن خيرِ صَابِرِ

هو الزَّاهد الـمُلقِي لِدُنيَاهُ خَلفَهُ ** هو الـمُجْتَزِي مِنها بِزادِ الـمُسَافرِ

وَبَاذِلُهَا جُودا بها وسَماحةً ** بِكفِّ نَدَاها كالسَّحابِ الـمَوَاطِر

هو السَّاس وَهوَ الرَّأسُ لِلأمرِ كُلِّه ** بِأَوَّلِهِم يُدعَى لِذاكَ وَآخرِ

وتَحتَ لِوَاهُ الرُّسلُ يَمشُون لِغَدٍ ** وَنَاهيكَ مِن جاهٍ عَريضٍ وَبَاهرِ

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك ومُصطفاكَ سيدِنا محمد، وعلى آله وصحبِه ومَن سارَ في دربِه إلى يومِ الدِّين، وعلى آبائه مِن الأنبياءِ والمرسلين وآله وصَحبِهم أجمعِين، وعلى الملائكةِ المقرَّبين، وعلى جميعِ عبادِك الصالحين، واجزِه عنا أفضلَ ما جزيتَ نبيّاً عن أمَّتِه .

[ما هويَّتُنا؟]

أما بعد، فأَحضِروا قلوبَكم أمَام هذه المهمَّةِ العظيمةِ والأمانةِ الكبيرة، وهي أن نُدركَ ونستَوعِبَ ونتحقَّقَ هُويَّتَنا في هذا الدينِ وهذا الإسلامِ وهذا الانتماءِ إلى الحقِّ ورسولِه، يجبُ أن يصحَّ ويصدُقَ تصوُّرنا مَن نحن، مِن خلال ميزانِ اللهِ، وما وضَعنا سبحانه وتعالى فيه، حتى تكونَ تصرُّفاتُنا وانطلاقاتُنا مَبنيةً على إدراكِ هذه الهُويَّة، فالهُويَّة التي نَنتمِي إليها ونعتزُّ بها ونتشرفُ هويَّةُ الإسلام، أننا مُسلِمُون لخالقِ الأنام، مُسلِمُون لربِّ الأرض والسماء، مُسلِمون للَّذي ابتدأ الخلقَ وإليهِ المصير.

 هذه الهويَّةُ التي أعلَنها اللهُ تعالى على لسانِ أنبيائه ورسلِه ليُبيِّنوا لمن يعيشُ معهم على ظهرِ الأرضِ أنَّ هذه هُوِيَّتُهم، قال تعالى لنبيِّه:  {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ }، وقال: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }آل عمران64 ، وقال تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ..}آل عمران20.

 وفي قوله (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) يحتمل المعنيَين:

 فالأول: أنَّ كلَّ مَن اتَّبعَنِي يُسلِم وجهَه لله إسلاماً، وهذا واجبُ كلِّ مسلم، ولكنا مهما أسلَمنا وجوهَنا لله فإسلامُنا لوُجوهِنا بأنفسِنا وأيدِينا، هو معجونٌ بضَعفِنا وعَجزِنا وتَقصيرِنا، فنحتاجُ إلى المعنَى الثاني (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) يعني: وأسلمتُ وجوهَ مَنِ اتَّبعنِي لله، فيكونُ المُسلِم لِوُجوهِنا على قدرِ اتِّباعِنا له رسولُ الله محمدٌ يُسلِم وجوهَنا إلى الله، فإسلامُه لوُجوهِنا أكملُ وأشرفُ وأعظمُ .

 ويقولُ تباركَ وتعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } البقرة136؛ يعني أعلنُوا هُويَّتَكم لأهلِ الاتجاهاتِ المختلفَة على ظهرِ الأرض، إذا كان مَن في الأرض لهم أي هويَّةٍ ينتمُون إليها فهذه هُويَّتُكم التي تنتمونَ إليها لا حقَّ لهم في أن يُطاوِلوكُم بهويَّاتِهم، ولا يجوزُ لكم أن تَنزِلُوا، فتَتخلَّوا عن هُويَّتِكم لهويَّةِ أي أحدٍ على ظهر الأرض؛ في الأرضِ هُويَّةُ الشِّركِ وهويَّةُ الإلحاد، وهُويَّةُ اليَهوديَّة الُمحرَّفَة، وهويَّة النَّصارى المُحرَّفة، وهوية المجُوس، وهويَّة البُوذيَّة، ومختلفُ أصحابِ الأديانِ غير دينِ الإسلام، وهوياتٌ تطرأ وتظهرُ على الناس مِن وقتٍ لآخر، هويَّةُ لِيبراليِّين، هويَّة حَداثِيِّين، هويَّة تبعيَّة لسياسَاتِ الشَّرقِ والغَرب، هويةُ انحلالٍ وتخلِّي عن القِيَم، هويَّة سِياسَاتِ دُولِ الشَّرقِ والغَرب، هويَّة العلمانيِّين الذين يتسمَّون باسمِ العلمِ صورةً وهم بعيدونً عنه حقيقةً ومعنَى، هويةُ العقلانيِّين الذين يعبدونَ ويُؤَلِّهُون عقولَهم وهم في ذلك مِن أبعدِ الناسِ عن حقيقةِ العقلِ ويدَّعونَ العقلانيَّة.. هذه كلُّها هويَّات غيرُ هويَّتِنا، غير هويَّةِ الإسلام، لا يجوزُ لنا أن نَنمَاع في شيءٍ منها ولا أن نمحوَ شيئاً مِن هويَّتنا لأجلِ شيءٍ مِن هذه الهُويَّات، (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ولا حقَّ لشيءٍ مِن هذه الهويَّات أن تُنازِعَنا في هُويَّتِنا ولا أن تَستذِلَّ هويتَنا ولا أن تُخضِعَ هويتَّنَا لهم، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.

وهكذا جاءتنا النُّصوصُ في الكتابِ والسنَّة في إثباتِ هويَّةِ المسلم و تحرِّره مِن كلِّ هويةٍ أخرى تُخالفُها بأيِّ فكرٍ وبأيِّ تصوُّر، ويقولُ تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله) ثم ذكر علامةَ صحةِ أنه داعِي إلى الله، فقال: (وَعَمِلَ صَالِحاً) إثباتُ للعملِ والخلُق والتطبيق والاتِّصاف، (وقال إنِّني من المسلمين) إعلانُ لهويَّتِه على ظهرِ الأرض، (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) مُفتَخِراً ومعتزّاً بهويَّتِه في الإسلام ونسبتِه إلى الرحمنِ ورسولِه .

 إذا عرفنا مَن نحن وما هويتُنا نعرف تكريمَ اللهِ لمَن صدقَ في الاتِّصافِ بهذه الهويَّة، فنقرأ قولَ الله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ومِن معانيها: خيرُ أمةٍ للناس أُخرجت، فأنتُم للناسِ خيرُ أمةٌ أُخرِجَت للعالَم، أي لن يجدَ الناسُ أصلحَ لهم وأنفعَ مِن هذه الأمَّة.

 وقال تبارك وتعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) إنها هوياتٌ مختلفةٌ لا يمكنُ أن تستويَ، ويقول جل جلاله (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ) وأعظمُ ما يختلفُون فيه المستقبلُ الأكبرُ وحالُ الدوامِ والخُلود، (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) كيف يَستوِي هؤلاءِ وهؤلاء؟ (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) اللهم اجعلنا منهم، وارزُقنا الفوزَ الأكبَر، يا مَن قلتَ في كتابِك (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) ونسأله كما جمعَنا وإياكم على تذكُّرِ هذه الهويَّة أن يجمعَنا مع المتحقِّقين بها في دارِ الكرامةِ وفي فِردَوسِه الأعلى.

 والعجيب والعظيمُ في هذهِ الهُويَّة أنه مَع تميُّزِها عن جميعِ الهُويَّات واعتلائها عليها وسموِّها يتشرَّفُ ويعتزُّ أصحابُها بها، ومع حقيقةِ هذا الشرفِ والعِزَّة لا يتكبَّرُون، ولا يريدون شرّاً للغَير، ولا ينقطعُون عن حُسنِ المعاملة مع الغَير، ولا يَقصُرُون عن رحمتِهم وإرادةِ هِدايتِهم، فهي هُويَّةُ حقٍّ ونُورٍ ورحمَة.

 وأكثرُ الهُويَّاتِ الأخرى تنظرُ إلى غيرِها نظراً سيِّئاً وتريدُ له الشَّرَّ، فإن حسَّنَتْ معاملةً أو قدمَّتْ معروفاً فلِغَرضٍ مِن الأغراضِ تصلُ إليه، والغاية يحبُّون أن يكونَ الآخرُ خادماً لهم أو مَثيلاً لهم يدخلُون النارَ معهم، وقد يتوصَّلون إلى ذلك بصُورةٍ مزيَّفة عنِ الإكرامِ وإرادةِ التقدُّم والتطوُّر لكم، إلى غير ذلك، (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً) (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى) وبذلك كان في هُويَّتِنا للمُحافظةِ عليها والتَّحقُّقِ بها تَشرِيعٌ مِن الله أنَّنا نتعلمُ البِرَّ والقِسطَ ونتمنَّى الهدايةَ، ولكن لا نوادُّ ولا نحبُّ كفراً لأحدٍ ولا معصيةً مِن أي عاصٍ فلا ولاءَ إلا للهِ وللرسولِ وللمُؤمنين، فحرَّم علينا الموالاةَ والمودَّةَ، وشرعَ لنا البِرَّ والقِسطَ وتمنِّيَ الخير  والهداية، (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ) تهديداً لهم لأنهم لم يحقِّقوا الهويَّة، فأحبُّوا أيَّ شيءٍ أعظم من الله ورسوله وجهاد في سبيله!؟، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)

[ما مرجعياتنا؟]

نحن لِتَقويمِ هذهِ الهُويَّة وتَصحِيحِها نَبنِي المعاهدَ ونعقدُ المجالسَ ونعقد الاجتماعاتِ وندعُو إلى اللهِ تعالى، فمَن مَرجعيَّتُنا في إدراكِ حقائقِ الأمورِ، وفي إقامةِ ميزانِ القَبولِ والرَّدِّ والرَّفض؟ فكلُّ الهُويَّات في الدُّنيا تُلقِي إلينا تَصوُّراتٍ وتُطالِبُنا بأن نَرجعَ إليها في شيءٍ مِن الشُّؤونِ، فما المِيزانُ عندنا؟ وما المَرجعيَّة لنا؟ إنَّ مَرجَعِيَّتَنا في هذه الهُويَّةِ في الأصلِ هو اللهُ جل جلاله..

 كيف تَتحقَّقُ مَرجعيَّتُنا إلى الله؟ بِتَحكِيمِ كتابِه وسُنَّةِ نبيِّهِ محمَّد، فنُرجِعُ كلَّ شيءٍ مِن أحوالِنا إلى هذا الكتابِ وهذهِ السُّنَّة، ثم نجدُ الكتابَ والسُّنَّة لتَيسيرِ الأمرِ علينا أقامَ لنا مَرجعيَّاتٍ في كثيرٍ مِن الشُّؤونِ والفَرعيات نرجعُ إليها لنتحقَّق ويصحَّ لنا ونطمئنَّ أنَّنا على منهجِ الكتابِ والسنَّة مِن خلال المرجعيَّات التي أقامَها الكتابُ وأقامَتها السُّنَّة، فنجِدُ الحقَّ تباركَ وتعالى يجعلُ لنا مع رسولِه صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلم أهلَ بيتٍ وصحابةً ويجعلهم مِن مرجعيَّاتِنا في الفَهمِ عنه، وفي العملِ بما يرضيه، ورأسُ الصحابةِ في المرجعيَّة السابقُون الأوَّلون مِن المهاجرين والأنصار، وفي هؤلاء السابقين الأوَّلِين مِن المهاجرِين والأنصار رأسُ رؤوسِ أهلِ البيتِ الطاهر، كسيدِنا عليِّ بن أبي طالب، وسيدنا جعفر بن أبي طالب ومَن هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أهلِ بيتِه. ومِن أعظمِهم ابنتُه الزهراء، وأخواتها زينب ورقية وأم كلثوم، قال سبحانه وتعالى (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) أثبتَ المرجعيَّة لهم، وأمرَ باتِّباعِهم، بل وأن نُحسن الاتباعَ لهم.

  ثم جعل لنا مرجعيةً في مَن يبلغُ درجةَ الاستنباطِ مِن علماءِ الأمة، فيقول تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ): إرجاعٌ لنا إلى مَن بلغَ رتبةَ الاستِنبَاط وهو الاجتهاد، ويقول سبحانه وتعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، ويقول تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً)، ويقول: (وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) يقول ابنُ عباس: "ما آتى اللهُ عالماً علماً إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبيِّنَه للناسِ ولا يكتُمه".

 إذاً فالمجتهدون مِن الأمةِ مرجعيةٌ للأمةِ ليَستقِيمُوا على منهاجِ الكتابِ والسنَّة، ورأسُ العلماءِ المُستَنبطين ساداتُنا الخلفاءُ الراشدون وهم داخلون في السابقين الأوَّلين من المهاجرين، يقول صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنَّتِي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهديِّين مِن بعدِي عضُّوا عليها بالنَّواجِذ"، ثم جعلَ الحقُّ تبارك وتعالى لنا أيضاً مرجعيةً وهم السوادُ الأعظمُ بعدَ الإجماع، فالإجماع مرجعيةٌ قبل، ثم السواد الأعظم، قال سبحانه وتعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)، وقال صلى الله عليه وسلم: "لن تجتمعَ أمَّتي على الضلالة"، وجاء أيضا في الحديث أنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وكان قاضي المدينة وفقيهُهم، يقول أبو نضرة أتيتُ الحسنَ البصري قال انطلق بنا إليه، قال فلما رأى الحسنَ قال: مَن أنت، قال: أنا الحسنُ بن أبي الحسنِ البَصري، قال فقال له: أنت أحَبُّ مَن ألقاه في هذا المِصر. يعني في هذه المدينَة، بلَغنِي أنَّك تُفتِي الناسَ، فاتقِّ اللهَ يا حسَن، اِفتِ النَّاسَ بالقرآن، أو سنَّة ماضية، سنَّها الصالحُون والخُلفاء، وانظر رأيَك الذي هو رأيُك فألقِه"، فبهذا تبيَّنَ أنَّ المجتهدِين إنما يتحرَّون معنى كلام الله ورسوله لا يُدخِلون آراءَهم.

 وجاءنا أيضا في الحديث "اللهم ارحَم خلفائي"، فقالوا: ومَن خلفاؤكَ يا رسولَ الله؟ قال: "قومٌ يأتُونَ مِن بعدِي يروُون أحاديثي ويعلِّمُونَها عبادَ الله"، ثم لنا مرجعيَّة أثبتَها لنا اللهُ في الكتاب وهو أربابُ الصدقِ وأربابُ الإنابةِ إليهِ في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) فالصادقُون المُنِيبُون الذين هم شيوخُ الإرشادِ والتزكية في الأمةِ مرجعية للأمةِ في تهذيبِ أنفسِهم وتزكيةِ أخلاقهِم وتقريبِهم إلى خلَّاقِهم.

 إذاً: فمرجعيَّاتُنا: الأصل هو الله، ورسولُه محمد، والأساسُ في المرجعيَّة: الكتابُ والسنَّة.

 ولنا مرجعيَّةٌ إلى السابقِين الأولين مِن المهاجِرين والأنصار، ومرجعيَّةٌ إلى أهلِ البيتِ الطاهر، والمُراد عُلماؤهم وصُلحاؤهم، ومَرجعيةٌ إلى الإجماع، ومَرجعيَّةٌ إلى المُستنبِطين المجتَهدين، ومَرجعيَّة إلى الصادِقين المُنيبين، ومرجعيَّة إلى السَّوادِ الأعظمِ مِن هذه الأمة، فإذا عرَفنا هُويَّتَنا هذه ومرجعيَّتَنا فما واجباتُنا؟

[ما واجبنا؟]

ما أعظمَ الواجباتِ لأهلِ هذه الهُويَّة، وأهلِ هذه المَرجعيَّة، إنَّ واجباتِهم في أنفسِهم أن يترقَّوا مَراقيَ علمِ اليقين وعينِ اليقين، ويطلبُوا الوُصولَ إلى حقِّ اليَقين، وواجباتُهم حراسةُ هذه الهويَّة في أنفسِهم وأهلِهم وأولادِهم وأصحابِهم، وأن يَعودَ أهلُ العلمِ فيهم وأهلُ الخيرِ والفَهمِ إلى عوامِّهم بحِفظِ هذه الهويِّة وتعليمِهم حقائق الإسلام ومَن هم.

 ومن واجباتِهم:

 أن ينصُروا اللهَ وينصرُوا رسولَه، بكلِّ معاني النُّصرة في أنفسِهم وأهلِيهم وأصحابِهم وجماعاتِهم وكلِّ ما قدرُوا علَيه. ومِن واجباتِهم: أن يكونُوا رحمةً للعالمين لأنه بهذا بُعِث رسولُهم. وأن يُبلِّغُوا هذا الدِّينَ لكلِّ مَن قدرُوا على تبلِيغِه إياه رحمةً بعبادِ الله. وأن يتآخَوا أخُوَّة الإيمانِ ويتوحَّدُوا في وجهتِهم وكلمتِهم وقلوبِهم إرضاءً لإلهِهم جلَّ جلاله.

 ويتفرَّعُ عمَّا ذكرنَا واجباتٌ كثيرةٌ تتعلقُ بخدمةِ الناسِ ومنفعَةِ الناسِ والسَّعيِ في مصالحِهم، فإنَّ اللهَ أرسلَ نبيَّنا محمداً صلى اللهُ عليه وسلم إلى الناسِ كافَّةً لإرشادِهم وإصلاحِ معاشِهم ومَعادِهم.

 ويتعلقُ بالعلماءِ مُهمَّاتٌ وواجباتٌ عظيمةٌ، أن يُجنِّبُوا الناسَ الفِتَن، الخاصَّة فيما يتعلقُ بنفُوسِهم وأهوائهِم، والعامَّة فيما ينتشرُ مِن أفكارٍ وما ينتشرُ مِن نزاعٍ وصِراعٍ على الدنيا.

 ومِن أعظمِ مقاصد مجلسِ المواصلَة بين علماء المسلِمين أن نتصوَّر هذه المهمةَ الكبيرة، ونمدَّ أيديَنا للتعاونِ مع الأفرادِ والجماعات الذين يهمُّهم نصرةُ اللهِ ورسولِه، ومِن سُنَّةِ الله إذا قامُوا بذلك وتحرَّكوا مُخلِصين أن يؤيِّدَهم ويسخِّر الأسبابَ لهم وينصرَهم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، إنَّ الناصرِين لأنفسِهم ولأهوائهم ولأحزابِهم ولمطامعِهم في الدنيا كثير وكثير وكثير مِن المسلمِين وغيرِ المسلمين، لكنَّ الناصرينَ لله ورسولِه قليل، وهم محلُّ التَّبجِيل والتَّفضِيل، الله يُحقِّقنا بحقائقِ النصرةِ له ولرسولِه.

 وسمعتم ما ذَكر كياهي محي الدين مِن تيسيرِ الله له فيما رامَ مِن قيامِه، الحمد لله على ذلك، والله يزيده توفيقاً وتيسيراً، وجزاه خيرا على نيَّته في الجمعِ ومحبتِه ورغبتِه أن يجتمعَ العلماءُ عندَه.

 وسمعنا المحافظ الذي تولَّى محافظة جاوة الغربية في هذه الفترة أنه يرغبُ ويُحبُّ أن تكونَ المنطقةُ منطقةً لأهل السنة والجماعة ظاهرٌ شعارُهم فيها، ومبسوطٌ المجالُ لهم فيها، وهذه نياتٌ طيِّبة وأبوابٌ تنفتح للخير، واغتنامها على العلماء. هذه أبوابٌ تنفتحُ، وشؤونٌ تُسخَّر، لكن لن يقومَ نصرةُ السنةِ والجماعةِ وتثبيتُها إلا على أيدِي العلماء المخلصين الصادقين.

 وبحمدِ الله أنه في عمومِ إندونيسيا عامة وعند وجود مثل هؤلاء المسؤولين في بعض المناطق خاصة يتيسر القيامُ بنصرةِ الحقِّ والهدى ورفعِ شعارِ أهلِ السنة والجماعة، وبتكاتُفِكم وتعاوُنِكم لا يستقرُّ في البلد إلا هو إن شاء الله تعالى، وعلى قدرِ إخلاصِنا، وصدقِنا، واستمرارِنا في بذلِ الجهد تُسخَّر لنا الأسبابُ بأنواعِها وأصنافِها، مِن حُكَّامٍ وغَيرِهم، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

 شكر الله سعيَكم واجتماعَكم وقَبِلَه عنده وجعلَه أطيبَ الآثار، وجعلَ الله له أطيبَ الثمار في صلاحِ أنفسِنا والبلاد والعباد وإندونيسيا وشرق آسيا وجميع الأرض والعالم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

للاستماع إلى المحاضرة

 

 

 

العربية