تفسير سورة إبراهيم، من قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ..}، الآية: 9

تفسير سورة إبراهيم، من قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ..}، الآية: 9
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى: 

{أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ (9) ۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ (10) قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11) وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)}

ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية

نص الدرس مكتوب:

الحمدلله مُكرمنا وإياكم بأنوار التّنزيل، وبَلاغِ عبده خَير هادٍ ومعلِّم ودليل، سيّدنا محمد خاتِم النبيين وسيّد المُرسلين صلَّى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه في كلِّ وقتٍ وحين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين وعلى من والاهم في الله واتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، صًفوة الحقّ مِن بين البريّة أجمعين، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أمّا بعد،، 

فإننا في نِعمة تأمُّل خطاب ربّنا وكلامه وتعليمه وإرشاده وتوجيهه وتنويره وتذكيره  وتبشيره وإنذاره على لسان نبيه محمدﷺ، إنتهينا إلى تأمّل بعضِ معاني قول الحقّ في سورة إبراهيم: (أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ)، وفي دراسة أحوال مَن مضى وتأمُّل وتدبُّر بداياتهم ونهاياتهم عِبرٌ عظيمة، وفوائد جَسيمة، ودلالاتٍ شريفة كبيرة فخيمة؛ تزدادُ بها الاستنارة للقلوب السّليمة، ويتذكّرُ بها مَن يتذكر، ويتبصَّرُ مَن يتبصَّر، وتُعلم بها حقائق. 

فما أكثر نسيانِ أهلِ الحاضر للماضي؟! وما أكثر غَفلَتَهم عن المستقبل؟! وهم في هذه الأرض؛ الإنس والجنّ، ومع من يُوصف منهم بعُمقِ الفِكر، أو بُعد النَّظر، أو حِدَّة الذكاء، أو العبقرية، أو الاختراع، أو الابتكار في الصّناعة وغيرها؛ هم في حَصر غريب في الحال الذي هم فيه، ناسين البداية وغافلين أو مكذّبين عن النّهاية، فما أعجب هذا الشأن؟! .. هذا حالُ من أُدخِل إلى مكان لا يَعرفه، فما كان له من فكرٍ لِمَ جاء إلى هذا المكان؟! وإلَّا من أدخله إليه؟ والَّا ما نهاية الوجود في هذا المكان؟ وإلى أين يذهب؟ هذا ناقص العقل.

العاقل بمجرد ما يُزجُّ بأيّ مكان، من أين جئت أنا؟ ما الذي جاء بي إلى هذا المكان؟ ما المقصود؟ ومن ثم أخرج إلى أين؟ هكذا كل عاقل.. لكن المبتكرون المخترعون؛ لا من أين جئنا ولا إلى أين نرحل؟!  مقفّل عندهم، فقط الحال الذي هم فيه؛ هذا من قِلة العقل، مِن عدم البصيرة، ولكن أنت والحرفة التي أنت مُشتغل بها والمهنة التي أخذت عمرك، من أين جاءت؟ وكيف؟ ولماذا؟ وما حكمتها؟ 

ثم صَرَّح من صَرَّح مِن أولئك الذين ضَعُفت عقولهم أشدّ الضَّعف: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)، قال الجبار: (ومَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ)، الدليل على هذا ما هو؟ المُرشد إلى هذا ما هو؟ الحاكم بهذا من هو؟ كيف حكمتم بهذا الحكم؟ عندكم دلائل تدلُّ عليه؟ عندكم براهين تقطع به؟ (إنْ يتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإنْهُمْ إلَّا يَخرُصُونَ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الجاثية:24-25].

(ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الجاثية:25]؛ هذا الاستعجال والقِصَر في النَّظر يقعون فيه إذا تُليتْ عليهم الآيات البيِّنات فيريدون أن يتحدّوا بمثل هذا. يقول جلّ جلاله -وتعالى في علاه- عن شأن أولئك القوم: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ)؛ هذه الحياة التي أنتم فيها، من أين؟ فكِّر لي في وضعك الحالي، كيف تم؟  كيف قام؟  كيف برز؟  قل لي: من عند آلاتك؟  من عند حِزبك؟  من عند وزارتك؟  كيف تم هذا الوضع الذي أنت فيه؟  من أحياك؟ (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) -هو الذي يُميتكم وهو الذي يرُدكم- (لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُون) [الجاثية:26-27]. أعاذنا الله من البُطلان، أعاذنا الله من الباطل وأهله.

يقول في تذكّرنا لما مضى ولبدايتنا ولبداية خلقنا وفي مصيرنا ونهايتنا؛ تنوير وتبصير بالحقيقة: (أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ ..(9))؛ أي قرون كثيرة وأمم كثيرة. فإن غرَّكم صناعة فقد صنعوا، وإن غرَّكم بناء فقد بنوا، وإن غرَّكم مَراكب فقد ركبوا، وإن غرَّتكم مآكل فقد أكلوا قبلكم، وكانوا أشدَّ منكم قوة وأكثر أموالا وأولادًا، (لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ)، لا يحيط بهم. ومعنا ذِكر لبعضهم بما يكفينا وبما يشفي كلّ ذي علَّة شكّ، وعلّة وَهْم، وعلة تردّد، معنا من ذكرهم ما يكفينا، ولا نحيط بهم، كثير لم نذكروا، قال الله لنبينا -أعلم الخلق بالله -: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر:78]، صلوات الله وسلامه على الأنبياء والمرسلين. 

فهناك أمم وطوائف ما نعلم أسماءهم كذَّبوا بالرُّسل، وجاءتهم الرسل، ما علمنا أسماء رسلهم، والنتيجة والعاقبة واحدة؛ كل من كذّب الرُّسل وخالفهم؛ أُهْلكوا ومُزِّقوا وذَهَبوا. وبقِي تعاقُبُ الرُّسل رسولا بعد رسول، حتى جاء الختم بالسيد الكريم، الحبيب العظيم، صلى الله عليه وعلى أهله وسلم، وخُتمَت النُّبوّة والرّسالة وبَقِيت أنوارها تتلألأ ، يتنوَّر بها كلّ عقل سليم، وكلُّ قلب سليم إلى يوم الدين. نور مِن الله جاء ومن لم يأخذ النّور هذا فلا نور له، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. يتفلسف ويطَّلع وينزِّل ويُفكِّر ويتصور، والنور لايوجد والحقيقة لاتوجد يَدُور في محلِّه، وفي حيثيّاته هذا، وغايته لمّا يَرى نفسه مُفكِّر كبير في شؤون جيولوجيا طبقات الأرض .. وهذا .. وهذا .. وهذا! 

من أين يا ناسي يا مُتناسي؟ يا جاهل يا مُتجاهل؟ يا غافل يا متغافل؟ مِن أين؟ من أين؟ يأتي للبِحار ويقول أوه وفي .. وفي .. وسأكتشف! من أين؟ ولماذا؟ هل صناعتك التي أوجدتك؟ هل من أمك؟  هل من أبوك؟  هل من دولتك؟! من أين هذه البحار؟ ومن الذي كوّنها؟ ويقول كواكب ونجوم وسنين ضوئية بين ذا وذا !! من أين؟ من أين؟ هل هو من حِزبك؟ هل هو من صناعتك؟ هل هو من جماعتك؟ هل هو من دولتك؟ أيه.. أفِقْ! مقفّل المسكين، مصمَّت، أبلَه .. بليد، ويريد نفسه صاحب نظر كبير في الآفاق، وصلنا القمر، وماذا بعد ذلك؟ عسى ما سقطت؟! أو رحت أو أتيت هنا وإلا هناك، ثم بعد ذلك ماذا تغيَّر في شكلك؟ لما رحت الى القمر؟ وماذا  أدركت من الحقائق؟ لا عرفتَ الشمس، ولا عرفت القمر، وإلا؛ لآمنتَ بإلاهِهما، (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) [فصلت:37]، عقب(بدل)  السجود لله جلَّ جلاله قالوا: نسجد للعلم! ماهو العلم؟ ما نكتشفه. الله.

هذا الذي يَتجدّد لكم ويرعاكم وأنتم كنتم نُطَف وعَلَقْ و مُضَغ ويعطيكم قُوّة تستطيعون أن تستكشفوا بها واستكشفتم، هو ذا يَصلُح أن يكون إله؟! هذه كُلّها مخلوقات في مخلوقات تحتاج خالق.. تسجدون لمن؟ ومعلوماتكم كل يوم منها ما يتناقض، ومنها ما يزيد على الآخر، ويُبيّن قِصر الذي قَبلَه؛ فأنتم عندكم إله مُخرْبط، لا له ثبات ولا له كمال؟ .. عندنا إله حقّ حيّ قيّوم أحاط علما بكلّ شيء، قادر على كل شيء، لا يتبدّل، ولا يتغيّر، هذا الإله الحقّ ولا إله غيره.

(أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ  ..(9)) بذلك لا نجد أحد على ظهر الأرض يعرف نسبه فلان بن فلان بن فلان بن فلان إلى أن يصل الى عند آدم، جاء واحد يدّعي النسب، وقال: أنا أنسب الناس، قال له سيّدنا علي: إنك لا تنسب الناس. قال بلى أنسِبهم! قال إنّ الله يقول: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [الفرقان:38]،  قال: أنا أنسِبُ القرون الكثير! قال له: فما تقول في قوله تعالى: (أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ  ..(9) )؛ سكت

(لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ)؛ لذا كان ابن مسعود إذا قرأ يقول: كذب النَّسّابون. إذاً فنحن عاجزون حتى عن معرفة أسماء أجدادنا، فهل من اكتشاف يا متطورين يخرّج للواحد منكم أسماء آباءهُ وعددهم إلى بداية التكوين من عهد آدم؟ هل عندكم؟ هل عندكم؟ لا! ضروري .. لا ! لماذا ضروري .. لا؟ لأنكم (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا) [الإسراء:85].  يقول ابن عباس إن بين عدنان، -عدنان جدّ النبي- وبين إسماعيل بن إبراهيم ثلاثون من الآباء لا يعرفهم. إذا كان يقول بعض الصحابة ما رأينا أحد يعرف من وراء عدنان؟ من وراء عدنان؟ النبي انتسب حتى وصل عند عدنان ووقف وقال: "كَذَب النَّسَّابُونَ"، سبحان الله!. 

(وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُ ..(9))، لكن الكل جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ما هذا؟ وضّحَ لهم الحق اغتاظوا وناكروا و استهزأوا واستخفّوا وأرادوا إسْكات الرّسل، وكل هذه المعاني عبّرعنها بقوله: (فَرَدُّوا أيْدِيًهُم فِي أفوًاهِهِم  ..(9))، ردوا أيديهم في أفواههم؛ 

  • والمُغتاظ يَعَضْعِض على أنامله يَرُدَّ يده في فمه 
  • والمستهزئ يضع يده في فمه                           
  •  والي يبغى الآخر يسكت، يضع يده في فمه                      
  • والذي ما عنده حُجَّة يضع يده في فمه 

وكل هؤلاء عندهم أمام الرسل، (فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِ ..(9))، قالوا للرسل، فهل ضر الرسل شيء؟ وهل تحول الرسل إلى غير رسل؟ وهل استفاد المكذبون شيء؟ الله!  بل خسروا .. الله .. الله !. 

يقولُ: (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9))، شك مخيف كثير ما نصدقكم، ولما قالوا ذلك؛ قالت الرسل خير من يُوضح ويُبين ويُقيم الحجة. (قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ ..(10))؟ تشكُّون في من؟ من هو أظهر من كل شيء؟ مُوجد كل شيء؟ (أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ)؟ أفي وجوده وعظمته وألوهيته شك؟  أحدكم بما أُوتي من عقل لا يصدق أن خاتماً ولو كان غير متقن الصنعة يوجد من نفسه من دون صانع، وكيف إذا كان مُزين ومُزخرف ومُنقش؟ ويأتي يقول: لا أدري، هل الخاتم هذا من نفسه جاء وإلا أحد صنعه؟ هل عندك عقل ولا خلاص؟ طيب قال هل الذي صنعه هذا حكيم عالم؟ .. وإلا .. وإلا انظر، هل الخاتم منظم ولا غير منظم؟ مرتب ولا غير مرتب؟ حسن النقش؟ تتكلم كيف؟ (أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ)؟ هذا وجود كله وأنت وما فوقك وما تحتك ومع يمينك ومع شمالك وأبوك وأمك وأهل قريتك؛ دلائل على وجوده وعظمته هو الّي خَلقَه (أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ)؟ في ماذا تشك؟ والأشياء التي تظن أنها يقين، عندك دليل عليها واحد اثنين ثلاثة هذا كله دليل عليه، عدد الخلق؛ أدِلّة على عظمة الخالق: سماء .. أرض .. عدد السماوات .. عدد ما بينهما .. كواكب .. نجوم .. حيوانات .. نباتات؛ كلها دلائل على وجود الله (أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ)؟

لذا أُعجب من قوّة إيمان المرأة العجوز، سيدنا الفخر الرازي، قالوا لها: هذا إمام يقيم على وجود الله ألف دليل، قالت: وهل يحتاج وجود الله إلى دليل ؟ هو الفخر الرازي، هذا مَتى جَاء؟ ومتى خُلِق؟ وهُوَ وَكلامُه دليل على وجود الله.. هل الله يحتاج إلى دليل؟ قال: اللهم إيمانا كإيمان العجائز هذا الإيمان القوي. نسألك الإيمان واليقين يا ربنا وزيادة الإيمان واليقين. 

يقول: قالت رُسُل الله: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..(10))، خالق كل هذا الذي أمامكم ومُوجِدُه ومُكوِّنُه جلّ جلاله، يدعوكم، ومع ذلك أرسل إليكم رسل وأنذر و(يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ)، وتجاوز عنكم ما قصرتم فيه. خلقكم بفضله ومنَّ عليكم بنعمه وعصيتموه وكذبتم، ومنكم من أشرك ومنكم من أنكر ومنكم من جحد ومنكم من عمل وعمل، والآن (يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ). 

(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى  ..(10))، شأنه في الحياة يعمّركم ما يتذكر فيه من يتذكر غالبا،إلى أجل مُسمّى، سمّاه لكل واحد منكم، لا يتجاوزه، إذا جاء مات وخرج كما دخل، لم يدخل باختياره ولن يخرج باختياره. ودخوله إلى الدنيا في وقت مُحدّد مُعيّن وخُروجُه في وقت محدّد مُعين، محسوب بالساعات بالدقائق .. بالثواني .. بالأنفاس، هو كذلك له مخرج وله مدخل محسوب بالنَفَس، بالثانية، (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34].

يقول تعالى: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ..(10))، ثم ثاني أمة تقول إن أنتم إلا بشر مثلنا.. طيِّب قل لي، قبلكم الأنبياء بشر ولا ما هم بشر؟ الأنبياء كلهم بشر، وجاء ثالث نبي يقول أنتم إلا بشر، رابع نبي يقول: (أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، وبعدين إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشْرٌ مِثْلُنَا، والله تعالى يختار للبشر رُسل من البشر، ولكن شُهود البشريّة مع نسيان الخصوصية؛ عمى قلبي، عمى قلبي، عمى عقلي. 

فهل يمكن صاحب أي خصوصية، تُنكر خصوصيته بحجة أنه بشر؟ قال لك: أنا مخترع، قلت له: أنت إلا بشر! طيب أنا أقُود الطاّئرة مُدرَّب كابتن، قلت له: أنت إلا بشر! طيب ماذا بعد ذلك؟ بَشَر .. بَشَر، ألا يُمكن أن يتعلّم قيادة الطائرة ويكون كابتن؟ يقول لك: أنت إلا بشر. طيب، انا أُحسن البناء، يقول: إن أنت إلا بشر! قل له أنا بشر! يا أخي.. لا توجد خصوصية؟ والرُّسل كلهم بشر، وكلّما جاء واحد قالوا: بشر، نوح قالوا بشر، طوائف كثيرة قالوا بشر، جاء سيدنا موسى بعد أمم طويلة فَقَالُوا (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) [المؤمنون:47]، (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المؤمنون:33]. 

والخصوصية في النبوة والرسالة كيف تُنكرها؟ وفي نبي ما يأكل ولا ما يشرب؟ ماهو تَصَوُّرك عن النُّبُوة أنت؟ (قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا ..(10))، من الأصنام والآلهه غير الله تعالى؛ (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10))؛ جاءوهم بالسلطان .. جاءوهم بالبينات .. جاءوهم بالآيات، قالوا: نريد سلطان ثاني، سلطان أقوى. قالوا: ربنا ما هو لعب قد أتاكم من الآيات ما يكفي ونحن بشر، منَّ الله علينا وما نأتي بسلطان ولا آية إلا بإذنه، قد أتيناكم بإذنه ما يكفي كل ذي عقل فإن آمنتم مرحبا وإن توليتم فعليكم إثمكم. 

(قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ ..(11)) في أصل التكوين، نعم. نحن قلنا لكم غير بشر؟! كوَّننا الله بشر، ولكن خصوصية النبوة في البشر .. خصوصية الرسالة في البشر  وخصوصية الاختيار الرباني من البشر في البشر. (إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ..(11))، هل يوجد عاقل في الدنيا يقول إن البشر كلهم سواء؟! كيف يعني مستوى التفكير، مستوى العمل، مستوى التأثير واحد، ما هذا؟!  ماذا تقول؟! هل ممكن هذا؟! لا يوجد عقل يتصور هذا، هل البشر شيء واحد؟ حتى في ألوانهم لا يمكن أن يكونوا شيء واحد! في صورهم لا يمكن أن يكونوا شيء واحد! في مقاساتهم: طول، عرض، ما هم شيء واحد ! 

يقول: البشر كلهم سواء! يعني عرض واحد وطول واحد!  كلام فارغ!! البشر في أصل البشرية سواء لكن في جزئيات وتفرُّعِ ما أوتوا وما أُعطوا وما يجري على أيديهم فارق كبير، يقول: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9]، (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]، نافع وضار وصالح وطالح كله سواء؟! إيش كله سواء؟! هم بشر نعم والله هم بشر لكن ما البشر سواء (إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِ ..(11))عز وجل، فالكفار دائم يقولون بشر، والمؤمنون في كل أمّة ينظرون إلى نبيهم؛ بشر مُكرم، بشر مَخصوص، بشر مُعظّم، بشر اصطفاه رب البشر. 

هكذا يشهدون الخصوصيات، وعلى قدر اتساع عقولهم وإيمانهم، في كل واحد؛ لو رأى طفل صغير مثل هذا، لا ينظر إليه أنه بشر .. ما ينظر؛ لأنه نظرة احتقار لكونه بشر ينظر فيه خصوصية أنّ الله خلقه لحكمة أن الله يريده بأمر، وهوعنده وظيفة في الطفولة يقوم بها في الحياة ويُؤديها؛ فيعرف خصوصيته حتى وهو طفل صغير. فكيف إذا وجد التقي الفقيه؟ كيف إذا وجد العالم؟ كيف إذا وجد الولي؟ ما يعرف الخصوصية ويقول بشر ..  بشر .. بشر .. بشر. وهؤلاء الذين يأتون للأنبياء وإلى الأولياء، يقولون: بشر .. بشر .. بشر؛ يروحون إما عند المهندسين وإما عند الطيارين وإما عند الجيولوجيين، يقولون: بشر .. بشر .. بشر .. ؟ ليسوا بشر، لا .. لا ما هو كذلك، حتى عند اللاعبين، عند اللاعبين؛ يُريد أنْ يمرّ فقط إلى الدُّكان حَقّه ويعطيه - ما أعرف كم مليون- لأنه بشر، ليس بشر .. بشر .. بشر. هذا لاعب كبير، وشهِدوا خصوصيات حقيرة، شوفوا الخصوصيات العُظمى، نبوّة ورسالة وولاية، قالوا بشر.. الناس سواء، ولما جاء عند اللعب! قال هذا عظيم، هذا كبير، الآن ماهذا اللعب في معنى البشر والخصوصية؟ 

من حُرم شهود الخصوصيات العالية، رُدِّي إلى شهود ما لا خصوصية وأنه خصوصية من الأمور التّافهة فقط، وأمّا يُسوّي بين الناس ما أحد لا مؤمن ولا كافر ولا مُدّعي التّسوية، كلهم لا يساوون بين الناس، ما يقدرون! ولا في أي وزارة، ولا في أي دائرة، ولا في أي شركة صلاحياتهم واحدة، أبدا! واحد مدير، واحد موظف، واحد نائب مدير، واحد مشرف ، وواحد رئيس شركة؛ كلهم بشر وإلا ماذا؟ لو قالوا اطلب من المدير يوقع فقال: لماذا المدير؟ المدير بشر وأنا بشر، يقول: اذهب ارميه فيه وجهك، هذا ما له قيمة عندي؛ لأن لنا خصوصية، هذا مدير الشركة، ثم بعد ذلك هذه الخصوصيات نشهدها، وخصوصيات الله عظمها وشؤونها مستمرة إلى الأبد ننساها! خصوصيات نبوة وولاية؛ هذه أعظم الخصوصيات، هذه التي يجب أن نشهدها، هذه التي يجب أن نعظّمها،  هذه التي يجب أن نعرف قدرها ومكانها، (إِنَّ نحْنُ إِلَّا بَشِرٌ مُّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مِنْ شَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، و تقولوا: هاتوا آية وهاتوا معجزة، (وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ ..(11)) وقد أتيناكم بما فيه الكفاية والزائد الذي طلبتم أمره إليه، إن أراد يُظهره عليكم فتزدادُ عليكم الحُجّة ويَقرُب مِنكُم العذاب إن كذَّبتم، فله أن يُظهره وإن لم يُرِد أن يظهره فما ربُّ العالمين لعبة لإقتراحاتكم وأهوائكم. 

(وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11)). اللهم حققنا بالإيمان و ارزقنا صدق التوكل عليك. يعني يقول لرسلهم: نحن توكلنا على هذا الذي -الله- آمنا به وندعوكم إليه، وكل مؤمن به يجب أن يتوكل عليه، كل من آمن بالله يجب أن يتوكل عليه، ويحذر من التّوكل على قدرته، ولا فطنته، ولا على درجته، ولا على شهادته، ولا على قبيلته، ولا على حكومته، ولا على دولته، ولا على زراعته، ولا على صناعته، (وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11))، (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة:23]، (إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس:84] في الآية الأخرى. 

قالوا: (وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (11))، و أوّلهم ؛الأنبياء، وأنتم مُتوكّلين على هذا؟. قالوا: (وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ..(12)) كيف لا نتوكل عليه؟ على من نعتمد سواه؟ (وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) أعطانا الحقيقة من التوحيد واليقين والإيمان والطاعة والمعرفة وإدْراك سرّ الخلق والوجود ولماذا خلقهم و بدايتهم ونهايتهم والاستقرار في الجنة وفي النار، وعلّمنا سبحانه وتعالى ما ينفعنا وما يضرنا وأرشدنا إلى ما فيه صلاحنا وحذَّرنا من الفساد؛ (وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا).

(وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ (12))، يعني إن كان هناك توكل صحيح؛ فهو التوكل على الحق وحده، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]. (وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ)؟ على من نعتمد؟ وهذه طريق الحق. لابد للمُؤمن من مُؤذي يُؤذيه، ولو دخل في جُحْرَ ضبٍّ لسلَّط الله عليه من يؤذيه، لكن (وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَا). قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام: 34]. ولذا لمّا جاء واحد لبعض الصالحين قال له: الناس يتكلّمون عليك هنا، قالوا: أنك ساحر، قال: أنت سمعتهم؟ قال: نعم. قال إبعدْ، أريد أن أسجد سجود شكر لله، ما لك؟ قال: شكر لله، يعدوني مثل الأنبياء. قال: كل ما جاء نبي قالوا: ساحر، وأنا جئت قالوا: ساحر، الحمدلله نعمة. سجد شكرا لله تعالى. 

(وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذِيتُمُونَا ..(12)) لا تعدُّونا في طائفة المستفزين الذين يُستَفزّون بأيّ شيء، لن ننزل إلى هذا المستوى، ولا نُقابلكم إلا بالصّبر، فإن بتطوِّلوا وإن بتقصِّروا على أنفسكم والأمر يعود جزاؤه عليكم، أمّا نحن بنصبر، هذا الكلام؛ دعوه  للاعبين في الحياة، لمن لا يعرف قدر الرسالة ولا قدر الاستعداد للقاء. 

(وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذِيتُمُونَا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ..(12))، كل من عنده توكل صحيح فعلى الله يتوكل؛ لأن التوكل على غيره، (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41]، وإن أوهن البيوت لبيتها، فصلّحت لها بيت ماشاء الله! لو يجي طفل صغير يضربها بأصبعه كذا؛ يتهدم البيت كله، يردّه وحده وهكذا؛

  • كل من اعتمد على غير الله كائنا ما كان
  • النّمرود اعتمد على غير الله فَراحَ كمثل العنكبوت اتخذت البيت. 
  • وعاد اعتمدوا على غير الله فراحوا وأهُلكوا بريحٍ صرصر عاتية
  • وفرعون اعتمد على غير الله فذهب
  • وهامان وقارون، وقرون بين ذلك كثيرا. 
  • ولكن الذين توكلوا على الله واعتمدوا عليه لهم الشّرف والكرامة، وهم في النعيم في البرازخ، ومنتظرين وصولنا ومَن بعدنا إلى النّفخ في الصور، ويوم القيامة، ويوم الحكم بين الأولين والآخرين، ولهم الجنّات، وما أعدّ الله من ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، فازوا. ارزقنا الاعتماد عليك والتوكل عليك يا رب.

بعد ذلك جاءت التّحدّيات التي تصدر بين البشر، تحدّيات الكفار: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13))،  كأن الأرض أرضهم، والله خلقهم هؤلاء على ظهر الأرض، ولكن نسبوها إليهم. وصارت أرضهم هم، قولوا لي ماذا خلقتم من هذه الأرض؟ نريد نعرف البقعة التي أنتم  خلقتموها ونقول أنها أرضكم؛ والله ما خلقوا شي. والله خلق الأرض لعباده وما عليها من الدواب جلّ جلاله، وهو يرث الأرض ومن عليها سبحانه وتعالى، إنّما قدّر بحكمته ما يَجعل في ملك المملوكين من عباده من قِطع الأرض يختبرهم بذلك لأجل معلوم، "مَن ظلَمَ من الأرض قِيدَ شبر طُوِّقه يَومَ القِيَامَةِ مِن سَبْعِ أَرَضِينَ"، وإلّا الأرض له، (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128]. 

والأعجب من ذلك نعيش بين من يُذكر لنا من أنهم أهل التّقدم، أنهم النُّخبة العليا من البشر، من يُفكّر فيهم أنه ضروري من على ظهر الأرض يروحون كثير ويموتون كثير. كيف؟ الثلث، النصف، الثلثين لابد يروحون، يروح من أين؟ من على ظهر الأرض. أرضك ؟ إن كان أنت أنت الذي خلقتهم تكلم، أنت مخلوق مثلهم أسكت، يا قليل الحياء ..  يا قليل العقل، يقولون: إنّ موارد الأرض بما فيها، لن تكفي البشر لأنهم يتزايدون.

في عندك سكن، روح أسكن مكانك كم أشبار تكفيك؟ كم أذرع ؟ روح اسكُن، دع خلق الله في أرضهم، لكن تفكيرهم يقول لهم: بنخرّج الأرض .. بنخرّج الناس من على ظهر الأرض، وأكثر الذين فكّروا هذا التفكير يسبق موتهم كثير، ويشرّعون بعض خطط: 

  • إما للتعقيم، 
  • وإما لنشر ما يقتل الناس بأصناف معيّنة، 
  • وإما بتخطيط مستقبلي على خطوات. 

قبل ما يمشون في هذه الخطط، هم يموتون، هم يخرجون من الأرض، كانوا يريدون وحدهم يعيشون على الأرض!  لاندري ما هذا التفكير الذي عندهم، يتعقّل قليل، في أولادي، وأولاد بعد أولادي يبقون وهؤلاء يروحون من الأرض؛ أي يموتون، لا أرضك ولا عبادك ولا خلقتهم ولا طلبوا منك ذرّة ولا حبّة يا قليل الحياء!  لكن عقليّات تعيش معنا، تفكر معنا هذا التفكير! (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا ..(13))  هل الأرض ملككم! لا إله إلا الله. 

(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود:6]، وانظر! أهل هذا الفكر تمرّ السّنوات ويكونون مِن أشدّ خلق الله تعبًا في الأرض وفقرا، والى من رَموا إليهم الأصابع بإرادة الإبَادَة ليكونوا من أكثر خلق الله مُلكا وسِعة رزق على ظهر الأرض. وهذا حكم من فوق، فإلى أين يصل حُكُم أهل تحت؟!  الله .. الله. وهذا يحصل ولايزال الناس في الدنيا ويشاهدون هذا، كما حصل نظيره في مَا مَضى، حَصل كثير من نظير أمثال هذا، سبحان خالق السماوات والأرض ومدبّر الأرزاق ومقدر الآجال، فلا يزيد منها شيء ولا ينقص إلا بقدرته. 

اللهم ارزقنا كمال الإيمان، اللهم ارزقنا كمال التوكل عليك، اللهم ارزقنا كمال اليقين وزِدنا مِن فضلك ما أنت أهله في خير ولطف وعافية، وأصلح أحوال الأمة أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.    

 

بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

22 جمادى الآخر 1443

تاريخ النشر الميلادي

25 يناير 2022

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام