شهر ذي الحجة 1434هـ

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله الرحمن الرحيم الكريم المنَّان، وصلى الله وسلَّم على عبده المجتبى المصطفى المختار من عدنان، من خصَّهُ اللهُ بإنزال القرآن، وعلى آله المطهَّرين عن الأدران، وصحبه الأئمة الأعيان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان.

وأمَّا بعد، فإلى إخواننا وأحبابنا في الله تبارك وتعالى حيثُما كانوا في أيِّ مكان.. من رحابِ مكَّة المكرَّمة نزُف لكُم:

السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

وفي كلمةِ شهر ذي الحجة من العام الرابِع والثلاثين بعد الأربعمائةِ والألف من هجرةِ المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نقول:

يجب على المؤمن أن ينطلقَ في مُعالجته للأمور ومحاولته لتحقيق أيٍّ مقصد، أو السَّلامة من كُلِّ مكروهٍ وسوء أن يكون في كل ذلك قائماً على الاتِّباع والأساس الذي بُعِثَ بِهِ خيرُ الخلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم في معالجةِ الأشياء ومحاولتها، وفي استجلاب الخيرِ ودفعِ السوءِ والضُّر والشَّر، فإنَّ من أعظَم الفقه في دين الله تبارك وتعالى فقهُ كيفيَّةِ المعالجة وكيفيَّة المحاولةِ للأمور، وإنَّ استعجال الإنسان وانطلاقَهُ في مُحاولة تحصيل خيرٍ أو دفعِ شرٍّ فيما يتعلَّقُ بذاتِه وشخصِه أو بأسرتِه أو بمجتمَعِه، أو فيما يتعلَّق بالخاصَّةِ أو العامَّة، إذا لم يكُن على تِلك الأُسُس التي تعلّمناها فإنه يجلِبُ أنواعاً من الضَّررِ على الإنسان، ويُفوِّت عليه خيراتٍ كثيرات على الأقل، فإذاً وَجَب التنبُّه والاهتداء.

وقد جاءنا في الأمورِ على العُموم، القيامُ فيها بالاستنادِ إلى الله تبارك وتعالى والتفويض إليهِ، وتحكيم شرعِه، فلا يكونُ الأسلوبُ ولا الوسيلة إلا ما وافقَ الشَّرعَ الحنيف، وما دخل تحت دوائرِ الإباحة أو الندب، ومن باب أولى ما كان شمِلَه قاعدةُ الوُجوب في الشَّرع المَصون، فيكون الحذر من أن يكونَ في الأسلوبِ مكروهاً في الشرعِ فضلاً عن أن يكونَ مُحرَّماً.

وعليه أن يتَّقِيَ الشُّبهةَ في القيام بالأمر ومحاولتِه، ولذا وَجَبَ التوقُّف عند فَهم النصوص، فلا تُتَّخذُ ذريعةً لأن يقضي بها الإنسانُ غرضاً فيما يُحاولُ في مُفردِه أو في الأمور العامَّة، بل عليهِ أن يستفتيَ القلبَ ويستفتِيَ أربابَ القلوبِ من العُلماء الرَّاسِخينَ في العِلم، وأن يكونَ على قاعدة الخضوعِ والاستسلامِ لأمر الكتابِ والسُّنّة والهديِ النَّبوي وطريقة السَّلف الصالح عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وتمام الاستسلام لذلك تخلُّصاً من آفات الهوى ومن دقائق الأغراض النفسيَّة التي تنطلي على الإنسان بحيلتِها، ثم يكتنفُ مُحاولتَه القيام بما يُحبُّه من جلبِ الخير أو دفع الشر آدابٌ نبويَّة،وذكرٌ للرحمنِ، ودعاءٌ له سبحانه وتعالى وتضرُّعٌ وابتهال.

وفي عُموم الأمور يُسبِّب النَّجاح للإنسان تفقُّد نيَّتِه في إخلاصِها القصد لوجه الله، ثُمَّ إعطاؤه الأمر ما يستحِقُّه من الهمَّة وحُسن التَّرتيب والتَّدبيرِ والبذلِ والتَّضحِية، ثُمَّ تفويضُه لله تبارك وتعالى في إتمام الأمر وبلوغ الغايات منه، وهذه أسُسٌ في كل عمل يقوم به الإنسان في الحياة، ثم التنبُّه الخاص بعد ذلك في التحرِّي لكيفية العلاج للأمور.

إنَّ كُل ما يجنح بالإنسانِ إلى الاستعجال أو إلى العصبيَّة أو إلى استعمال العنفِ والشِدَّةِ، غالبُ ذلك يكون محضَ ضررٍ عائداً بالسوءِ عليه دُنيا وآخرة.. ولنأخُذ من أسرار الحجِّ واجتماع الحجيج في هذه الرِّحاب تحت إرشاد ( خُذوا عنيِّ مناسكَكُم ) فوائدَ ودروساً تتعلق بتقويم عبوديَّتنا لله تبارك وتعالى على ظهر هذه الأرض، وأن ننطلق فيما نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإصلاح ما يمكن إصلاحُه، وتدارُك ما يمكن تداركُه، وتقويم ما يمكن تقويمُه، أن يكون ذلك منوطاً بتفقُّد النيَّة واختيار الأسلوبِ، وبما هو واضح بيِّنٌ في الشرع بعيداً عن الشبهة، بعيداً عن دخول الهوى وتعرُّض الإنسان إلى مخالفة التوجيه الربَّاني والنَّبوي، وخروجِه عن هديِ صالحي الأمة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

ومع ما يلزمُنا من رجاءِ الخير للأمَّة أجمعين وحُسن الظَّن بالجميع، لا ينبغي أن نعذرَ أنفُسنا بالتَّساهل بالانخراطِ فيما فيه الشُّبهة، أو فيما يقومُ على العصبيَّة، أو فيما يكون طرفاً في النِّزاع والصِّراع القائم وسط دائرة الفتنة و ما يَصِح أن يُسمَّى فتنةً كما دلَّت عليه النُّصوص، مثل هذا التحريش القائم بين الأمة، وظهور وبروز وتفرُّج العدو عليه، بل تدخُّله فيه وكلامُه عنه، وتسييره لشؤونه، ومرجعيةُ أهل ذلك الصِّراع إليه.

ونرتجي مع ذلك كلّه أن يتدارك الله الأمَّة عموماً والأفراد مِنَّا والأُسَر خُصوصاً في رفع عَلَم هذه الاستقامة التي من شأنِها أن يكشُفَ اللهُ بها الظُّلَم ويجلي بها الغُمَم، وهو القائل {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقا}، {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}، {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًايَهْدِي إِلَى الرُّشْد}، {إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}، {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }.

فلنُشارك أهل الطَّواف بالبيت بحُسن تِطوافِنا بكعبة الشَّرع المصون انقياداً وخضوعاً، ولنُشارك أهل التجرُّد عن الملابس المحيطة من الرجال الذين أحرَموا بتجرُّدنا عمَّا يُحيط بأفهامنا وانطلاقاتنا من الأهواء والأوهام والإرادات النَّفسيَّة، ولنُشارك أهلَ العبوديَّة المتردِّدين بين الصفا والمروة والواقفين بعَرَفة والراميين للأحجارِ بتحقيق الخضوع والانكسار للملك القهَّار جلَّ جلاله، والاستِسلام التَّام الذي تنازعُنا فيه اليوم كثيرٌ من دعوات الشرِّ، تنتزعُ حقيقة الاستسلام للرَّبِّ جلَّ جلاله بما يخادعونَ به الأفكار، ويخادعونَ به النُّفوس التي لم تتزكَّ ولم يتم تصفيتُها وتهذيبها.

 نسألُ الله أن يتدارك الأمَّة ويتقبل حُجَّاج بيتِه وزائري نبيِّه، وأن يجعلنَا من أهل إقامة هذا الأساس في الانطلاق فيما يخصُّنا في ذواتنِا وأنفسِنا وأسرِنا ومُحيطِنا، وفيما يكون من همِّنا بأمر العامَّة على الوجهِ الذي يُرضي الحقَّ جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 ونؤكِّد ماجاء في الحديث الشَّريف أنه عند بروز الفتن يكون اهتمام المؤمن بخاصَّتِه من ناحية، ومايقوم به شأن سداد الحاجَة في محيطِه من ناحية أخرى، يقول عنها صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: " فمن كان له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنمٌ فليلحق بغنمِه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضِه" رواه مسلم. إشارةً إلى إقامة الأسباب التي تسُدُّ حاجاتِ الناس، والبعد عن الدخول في صراع الأهواء والنفوس الأمَّارة.

أصلح الله أمورَ المسلمين.. صرَفَ الله شرَّ المؤذيين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.