كلمة شهر رجب لعام 1426هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على عبدِه المصطفى الأمين، الذي تمَّت مقدماتُ بروزه إلى هذا العالم في شهر رجب الأصب بحملِ أمه به، وتوالَت الإشارات والبشائر بعد ذلك حتى جاء ميلاده، ومضى في أيام طفولته إلى شبابه والإرهاصات متوالية والإشارات متتالية حتى جاء الوحي الشريف فجاء للأمة بالعزِّ الأعلى المنيف، أدمِ الصلاةَ يا ربنا عليه وعلى آله الغرِّ الطاهرين وأصحابه الكرام الميامين، وعلى مَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي كلمة هذا الشهر المبارك شهر رجب الأصب إلى إخواننا في الله وأحبتنا في الله وأهل الولاء في الله وأهل الوجهة إلى الله وأهل الإيمان بالله عليهم جميعاً سلام الله ورحمته وبركاته.
إن من غنائم المؤمن حسنُ اغتنامه لوجهته الصادقة إلى الرب عند ظهور أنواعٍ من الفتن والإضطرابات على وجه الخصوص، وقد جاء في الحديث ( عبادةٌ في الهرج والفتنة كهجرة إلي ) [رواه الطبراني في الكبير] ، وكما صح في الحديث عن عبدالله بن مسعود أن النبي قال: ( ذاكرُ الله في الغافلين بمنزلةِ الصابر في الفارين ) [رواه الطبراني في الكبير] ،  و( المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد ) [رواه الطبراني في الأوسط] ، وفي رواية البيهقي في الزهد ( له أجر مائة شهيد ).
وإن من أسنى مظاهر القيام بأمر الصدق مع الله والعبادة لله والثبات على منهج الله تبارك وتعالى، أساسان عظيمان:
الأساس الأول: حُسنُ التحكُّم في الأجهزة والآلات والوسائل المبتكَرة المخترَعة الداعية لمتناوليها لاستعمالها في كثيرٍ من الشرور والمفاسد، فالقيام بصدق التحكُّم فيها علامةٌ على صدق القائم في وجهته إلى الرب وإيمانه بما جاء عن نبيه المقرب ، وفي ذلك إحياءٌ لسننِ المصطفى من غضِّ البصر، والكفِّ عما لا يعني، والتركِ لمقدِّمات الذنوب والمعاصي، وصيانة السمع، ومراقبة تصرُّف اليد.. إلى غير ذلك من السنن الكريمة وسنن التربية وسنن إيثار ما عند الله وترك الهوى من أجل الله.
 إحياء هذه السنن كلِّها بحُسن التحكُّم في استعمال هذه الأجهزة المنتشرة والوسائل المبتكرة، التي صاحبَها كثيرٌ من الانجراف وراء أنواعٍ من الشرور والمفاسد، فحسن التحكُّم فيها علامة الصدق في الإتباع ووسيلة الارتقاء والارتفاع.
والأساس الثاني: تمكين محبة الله ورسوله من القلب بحيث تغلب على الإنسان المؤمن فينتج عنها تعظيم الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والصحابة وأهل البيت الطاهرين، فيستقر بذلك أصل ( لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله ) متفرعاً عنه قاعدة: لا نفرِّق بين أحدٍ من أوليائه، قائمةً عليه أساسيات: لا نفرِّق بين أحدٍ من صحابته، ولا نفرِّق بين أحدٍ من أهل بيته. بهذا المعنى الذي يُذكر في الكتاب العزيز ( لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله ) [البقرة:285] مع أنه من المعلوم قوله تبارك وتعالى ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) [البقرة:253] ، لكن التفريق المنفي هو ذلك التفريق المذموم الذي يجب أن ينتفي من المؤمن وعن المؤمن بين أنبياء الله وبين أولياء الله وبين ملائكة الله وبين صحابة محمد وأهل بيته كذلك، ذلك التفريق القائم على الهوى، والمؤدِّي إلى انتقاص أحدٍ من المسلمين على العموم وخصوصهم على الخصوص وقد قال : ( بحسب امرئٍ من الشر أن يحقرَ أخاه المسلم ) [رواه مسلم].
 وإنا لنرجو للمهتم بالأصلين والأساسين المذكورين أن يُبَارَكَ له في رجب وشعبان وأن يبلغَ رمضان مستعداًّ متهيِّئاً لاستقبال فائضات نفحات الرحمن..
 جعلنا الله وإياكم ممن يُحكم هذين الأساسين، ويستقيم في شئونه على اتباع سيدِ الكونين، الذي أُسري به إلى بيت المقدس، وعرج به فوق السماوات العُلى وإلى قابِ قوسين أو أدنى، وفي شهر رجب على أشهر الأقوال وأصحها.. وبالله التوفيق.
اللهم بجاهه عندك خلِّص بيتَ المقدس من سلطة أعدائك، وأصلح شئونَنا وشئونَ أمته بالصدق معك وإيثارك على من سواك.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.