كلمة شهر محرم

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين وأزكى الصلاة والتسليم على عبده الأمين سيدنا محمد وعلى مَن سار في منهجه إلى يوم الدين.
 أما بعد: فإلى كل من آمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صاحب الهجرة من مكة إلى المدينة نرفع تحية الإسلام..
                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
     ونذكركم ونحن في ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعظمةِ سيدنا رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومنزلتِه الرفيعة، وقَدرِه العظيم، أنه أكرم الخلق على الخالق جل جلاله وتعالى في علاه، وأن هجرتَه جاءت تبيِّن لنا كيف يجب أن يكون العبدُ المؤمن على ظهر هذه الأرض في تحمُّلِه لأمانة العمل بطاعة الله، وترجمة الإيمان بالحق تبارك وتعالى بالنصرة لله والذبِّ عن شرعِ الله، وتبليغِ دعوة الله جل جلاله، وأن يكون في سبيل ذلك صادقاً متحمِّلاً لكل مشقةٍ تعرض له، ولكل ما يطرأ عليه في سبيل القيام بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة. 
     أيها المسلمون: وقد صادف مطلعُ هذا العام الهجري ما يتذاكره أهل هذه الملة من تجرِّي وتعدِّي بعض أهل الكفر بالدانمرك على شخصِ سيدنا المصطفى محمدٍ وقَدرِه ومنزلتِه ومكانتِه وشريفِ مقامِه الأعلى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله؛ وإنه من الواجب المتحتِّم المتأكِّد على أهل الملة مِن الذين آمنوا بالله ورسوله أن يعلموا أنه تظهر أمثالُ هذه الفظائع لتكون باعثةً لهم على تفقُّدِ أحوالهم وشئونهم وأنفسهم واستمساكهم بحبلِ رسول الله عليه الصلاة والسلام إيماناً به وتعظيماً له ومحبةً له وتوقيراً ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) [الأعراف: 157].
     يجب أن نتفقد أحوالَنا فيما أهملناه وأغفلناه مِن سنن هذا النبي وأخلاق هذا النبي وغرسِ تعظيمه في قلوبنا وقلوب أهالينا وأسرِنا وذوينا ومَن يوالينا، وما نقوم به في هذا العالم من تبيين حقيقةٍ من حقائق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قيَمِه وأخلاقه وشيَمه وشمائله ومكارمه وآدابه وما حملَ للبشرية والإنسانية من الفضل العظيم والخير العميم. فإن كثيراً ممن على ظهر الأرض إذا عرف من ذلك نصيباً كان قريباً للاستمساك بحبل الهدى والحق والدخول في دين الله والإتباع لمحمد بن عبدِالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ مع هذا التفقُّد الواجب علينا في أحوالنا المختلفة وخصوصاً في غرسِ تعظيم رسول الله عليه الصلاة والسلام في نفوسنا ونفوس أهالينا وأولادنا مترجمةً بالعمل بسنَّته وتعظيم أوامره في شأن الصلوات وفي محبة الإقتداء به في الزي والمنطق والقول والفعل والحركات والسكنات، وفي بلاغِ رسالته، وتبيينِ حقائق مجدِه وكرامته وشرفِه وأخلاقه للعالمين، فإنه المرسَل رحمةً للعالمين.
     ولنعلم أنه مع هذا التنبيه الإلهي تنطوي حكمٌ كثيرة ومنها: تهيئةُ نفوسٍ وعقولٍ وقلوبٍ في كثير من البشر لأن تسمع عن هذا النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، فمع ما يَجُرُّ من ألمٍ شديدٍ على القلوب ذاك التهكُّم والاستهزاء فإن الله أيضاً يفتح به آفاقاً من الالتفات إلى مَن هو رسول الله، وإلى مَن هو محمد بن عبدِالله.. فيجب أن يُستَثمر هذا ويُغتنَم، وأن تكون المطالَبةُ جادةً بفتحِ مراكز للتعريف برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام عبر الصحافة في تلك البلدان وغيرها، وبإقامة مراكز ودوراتٍ لذلك مخصوصة.. عسى الله أن يجعل في ذلك هدايةً لكثيرٍ من عباده وأن نتذكر تقصيرَنا في إبلاغ الأمم والطوائف ما وصل إلينا من أخبار نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وما حدَّثنا الرحمن عنه في القرآن، وما تحدث به بلسانه الصادق الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما تحدث به أصحابُه عنه مما وصل إلينا من أخباره.. كم قصَّرنا في إيصال ذلك بوسائل كثيرة تُتاح لنا، لعامَّتنا ولعلمائنا ولتجارِنا ولدولنا! كم قصرنا في القيام بأداء الواجب والأمانة في بيان حقائق هذا النبي  معتزِّين بالانتماء إليه والانتساب إليه مما يؤثر في نفوس وعقول الكثير من عباد الله تبارك وتعالى.
      ولقد كانت ميزة أصحاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام أنه لا يُجالَس أحدُهم في ساعة من ليل أو نهار إلا وعرف الجليسُ له تعظيمَه للنبي محمد واعتزازَه بالانتماء إلى النبي محمد، وحرصه على إتباع هذا النبي محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه؛ ولذلك كان يتناقل المشركون بينهم البين ( ما رأيت أحدًا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا ) وقال خبيب ( ما أحب أن أكون في أهلي وولدي بدل أن أقتل ورسول الله تصيبه شوكة في رجله في موضعه الذي هو فيه ) كذلك يجب أن يكون حال المؤمنين، وكذلك يجب أن نتلافى تقصيرَنا في تأدية الواجب في بيان أوصافِ نبينا عليه الصلاة والسلام لمن أُرسل إليهم وهم جميع أهل الشرق والغرب. 
     ونقول إن من واجب المؤمن المتأكد عليه أن يبعث فيه مثلُ هذا الأمر الفظيع الشنيع نيةً صادقة في أن يدخل اسمَ رسول الله وحقائق من دينه في كل بيت من بيوت الدانمرك وغيرها من بلاد الغرب، ومن أهل الإتحاد الأوربي وسواهم من العباد الذين أُرسل إليهم خيرُ العباد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويصدقُ في ذلك ويترجمها ببذلِ ما يستطيعه ولابد مِن أثرٍ كبير لذلك، وبلا شك هناك استعداد كثير عند نفوس كثير من المؤمنين لأن تبذل ولأن تعطي فلتُجنِّد طاقتَها في إصدار النشرات والمطويات والأشرطة بالفيديو وبالسيدي وبأصناف الأشرطة ووسائل النشر وبالإنترنت وبالصحف بمختلف اللغات وخصوصاً باللغة التي انتشر بها ذلك التهكُّم وذلك السب وذلك الاستهزاء الصريح الفظيع الشنيع الذي هو في حقيقته فتحُ باب فوضى لأن لا يحترم الناس بعضُهم البعض في أغلى ما يكون لديهم مِن قيم ومبادئ، فإن كان هذا معنى الحرية فهي دعوة للفوضى ودعوة لأن يستعمل كلٌّ طاقتَه في إرهاب الآخرين بغير حق وبغير منطق من عقل ولا قانون وبئست الحرية تلك إذن والله.
     فعلينا أن نعي حقائق هذه الأمور وندرك التنبيهات الإلهية لنا في هذا الشأن، ونصدُق في أداء الواجب والمهمة، ونغتنمَ الفرصة بحسن البيان عن أحوال نبينا وما جاء به عن ربنا الخلاق جل جلاله ليُدخل اللهُ من يشاء من عباده في الدين أفراداً وأفواجا، وبه التوفيق وعليه الاستعانة.
     أيقظ اللهم قلوب أهل الملة وادفع عنا شر الذين يسارعون في الكفر.. قال الله عنهم لنبيه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)  [المائدة: 41] نعوذ بالله من الخزي والعذاب العظيم ونسأل الله الرحمةَ لنا وللمؤمنين ونشر الهدى والنور في جميع البرايا وأن يردَّ عنا كيدَ المستهزئين والمعتدين والظالمين والمفترين وأدعياء الحرية وأدعياء التطور وأدعياء الثقافة وأدعياء الوعي والفهم بلا حقيقة ولا حجة ولا منطق ولا برهان. 
     اللهم أصلح شئونَ المؤمنين والبشرية وادفع عنا الأذية وألهِمنا رشدنا وارزقنا حسنَ النصرة لك ولرسولك بأموالنا وعقولنا وأرواحنا وأفكارنا وبكل ما أوتينا، مقتدين في ذلك بِهَديه الكريم والضوابط التي خلَّفها فينا، صادقين معك مخلصين لوجهك الكريم وبالله التوفيق .
     واجعل العام يا ربنا مباركاً علينا وعلى أهل ملة هذا النبي واجعله عام نصرةٍ لسيدنا النبي وظهورٍ لاسمِه ووصفه في كل بيت من بيوت الأرض وسبباً لهداية العباد وادفع الأنكاد عنا وعن المؤمنين واختم لنا بالحسنى.
     وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.                                                    ( استمع إلى الكلمة )