كلمة شهر ربيع الأول لعام 1427هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على سيدنا المصطفى محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
 أما بعد: فإلى إخواننا في الله من أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله  نوجه كلمةَ الشهر في خواتيم شهر ربيع الأول الذي يشهد احتفالات المسلمين تعبيرًا عن فرحهم بذكرى ميلاد نبيهم المصطفى سيدنا محمد .
والإيمان بالنبي محمد هو الحد الفاصل بين جميع طوائف المسلمين وغير المسلمين، وأما تصديقه ومحبته وتعظيمه وإجلاله ومتابعته فميدان المنافسة والمسابقة فيه بين طوائفِ من آمنوا به ، ورزقنا الله كمال الإيمان به وكمال محبته وكمال القيام بنصرته إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
إن واقع الأمة شديد الحاجة إلى التفات القلوب حول حقائق العزة العظمى في إيمانهم بالله ورسوله، ونزولهم مكان الأستاذية في هذا العالم لمَن وراءهم من الناس رحمةً بهم وبياناً عن الله تبارك وتعالى، وبلاغاً عن رسوله المصطفى محمد ، الذي عهد إليهم العهد في بلاغ الرسالة لمن وراءهم وهو المرسل رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الذي قال لهم ( بلغوا عني ولو آية ) ..( ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب . وبذلك وعى الصحابة رضي الله عنهم هذه المهمة العظيمة في حياته وبعد انتقاله من عالم الدنيا القصير إلى الرفيق الأعلى، وكان تعبيرهم ما قاله ربعي بن عامر لفئات الكفر والطغيان: الله ابتعثنا لنخرج العبادَ من عبادةِ العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وما أفقههم لهذه المهمة التي ذهب عن أذهان كثيرٍ المسلمين معناها وتصورها فضلا عن عمقها وحقيقتها وتذوُّقها والعمل عليها .
 لذلك كان من الضروري إقامة الاحتفالات التي تنمِّي حقيقة الصلة القلبية برسول الله التي هي حقيقةٌ عن الإيمان بالله، فيجب أن نتبين نقاطا مهمة في شأن صلتنا بهذه الرسالة وهذا الرسول وأداء واجبنا في هذه الحياة التي نعشيها في مددنا القصيرة التي تنتهي لكل منا عما قريب ..
النقطة الأولى: حقائق العزة بالله تعالى، فيجب أن يترسخ في أذهاننا وعقولنا أن العقول البشرية لا تملك أن تُحدث منهجاً في الحياة يقارب منهج الله في حُسنه وجماله كماله فضلاً عن أن يكون مثله أو يعلوه، قال تعالى ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )
وبهذا اليقين نقابل جميع الضجيج الذي يحصل للترويج للنظريات وللأفكار وللمناهج التي توضع شرقا أو غربا تحت أي مسمى، وبأي صورة تظهر، نقابلها بيقين أنه ليس عندهم ما يمكن أن يقارب منهجَ الله في كماله وحسنه فضلا عن أن يكون مسعداً للبشرية أو يكون مثل منهج الخالق الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا. وحينئذ نُنزل الأشياء منزلَها، ونرثى الذين ظنوا أنهم ربما قدروا أن يُحدثوا ما هو أنفع للبشر رجالا ونساء من منهج رسول الله .
النقطة الثانية : مرتكز الاعتزاز بهذا المنهج تعظيمٌ في القلب لله تبارك وتعالى يتضح تماما في تعظيم ما أنزل ومن أرسل وما به أرسله.. وهنا تأتي معرفة أن العظمة المطلقة من جميع الجوانب تكون لله سبحانه وتعالى، وأن العظمة النسبية في كل ما يؤتى المخلوقون على مختلف أصنافهم أعظمهم وأجلهم في كل فضل وكمال ومكانة وشرف هو رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فليس في كائنات الله أكرم ولا أعز ولا أشرف من سيدنا محمد ، وقد بين هذه الحقيقة بقوله ( ألا وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ).
وقد بيَّن القرآن عظمته في قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وقوله (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) فقصائد الشعراء والمادحين لا تساوي شيئا عند مدح الله له .
وكل رسول يُبعث إلى قومه خاصة ولكن نبينا محمدا أُرسل إلى كل عربي وأعجمي وأبيض وأسود وأصفر وأحمر من الإنس والجن إلى يوم القيامة، فأكرِم به من بشر معظَّم مخصوص بالخصائص الكبرى من حضرة الله، تحمَّل إبلاغ الرسالة لجميع البشر، وفي خلال سنوات قصيرة أرسى قواعد الدين التي يُبنى عليها إلى آخر الزمان.
النقطة الثالثة : إلى ماذا يصرف المؤمن محبته ؟
من المعلوم أن أولى من نحب هو خالقنا من العدم ربنا جل جلاله، وبإيماننا بالله تتبين علاقتنا بخلقه أجمعين، فمحبتنا لهم يجب أن تكون على قدر منزلتهم عنده ومكانتهم لديه وعلى قدرِ محبته لهم، وقد جعل الله تعالى على العموم محبتَه للمتقين والصابرين، ولكن خصص من بينهم أنبياء ورسلا جعلهم أحبَّ المحبوبين إليه وأعلن أن أحب الخلق إليه محمدا .. فنقرأ في صحيحي البخاري ومسلم: ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سواهما. ونقرأ قوله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادَها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.
قام جهاد الصحابة ونصرتهم لله ورسوله على المحبة والتعظيم فبذلك اعتزوا بالمنهج، ونشروه في شرق الأرض وغربها، كان ذلك الواضح البين في مسعاهم وممشاهم وسيرهم نساء ورجالا .. نسمع عن امرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. تلك حقائق المحبة التي لا يتأتى أن تكون في الواقع دعوى باللسان ولا قولا مجردا ولا فعلا جامدا، ولكن عواطف جياشة وأحاسيس متدفقة بمعاني الوداد والإجلال والإعظام لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وفي ضوء هذه النقاط يدرك الكل منا واجبه الكبير في هذه الحياة فيما يستقبله من العمر القصير، وكيف يؤدي دوره الفعال في البيت والمجتمع والأقارب والأصدقاء وفي كل من يجالسه، وكيف يعلم مكانته في تصحيح الوضع واستقامة المسلك، وصدق الواحد منا مع الله كفيل أن يرد أنواع الفتن بشدائدها وأهوالها الكبيرة، وهنيئا لمن أحيى السنة عند فساد الأمة.. ورسول الله يقول: من أحيا سنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد.
   أصلح الله لنا الشأن كله، ودفع عنا كيد الفاجرين والمنافقين وأعداء الدين وشياطين الإنس والجن أجمعين، وجعلنا في حصنه الحصين وحرزه المتين، وثبتنا على ما يحب، وجعلنا فيمن يحب، وجنَّبَنا موجبات الندامة في يوم القيامة، وحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
           وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. والحمد لله رب العالمين.