كلمة شهر ربيع الثاني لعام 1427هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله الذي بسطَ لنا بساطَ شريعتهِ الغراء، وجعلنا في أهل دينهِ الحقِّ وملَّتهِ الكبرى؛ وصلى الله وسلَّم على سيدِ أهل الدنيا والأخرى، سيدِنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه، ومن سار في دربه.

     إلى إخواننا مِن أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله في كلِّ مكان ..

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

     وفي كلمة هذا الشهر نحب أن نتحدث عن واجبٍ عظيمٍ يتوجَّهُ على المؤمنين والمؤمنات، ذلك الواجب هو ارتقاءٌ واغتنامٌ، ارتقاءٌ في جميع ما ندينُ اللهَ تعالى به وما نعبده جل جلاله به من أنواع الطاعات، والأحكام الشرعيات، والتوجيهات والتعليمات الإلهيات والنبويات، فإن من المهمِّ المتأكد على المؤمن أن لا تنقضي أيامُه ولياليه ومستوى عملِه بطاعاتِ الله تعالى وفعلِه الصالحات في درجةٍ واحدة، بل يجب أن يترقى كلما مرَّ به الوقت، فليغتنم انتقالَه مِن عملِ جميع ما يعمل من الصالحات للإتباع والامتِثالِ مُخلصاً لوجه الله، إلى تذوُّقِ معنى المعاملة مع الحق تعالى وحلاوتِها، وإلى إدراك سرِّ ذلك التشريع ولطائف ذلك التعليم.

     هذا الترقي ينبغي أن يبرز منا معشرَ أهلِ الملة في قضيةٍ هي الحرية الشخصية التي يتحدث عنها أصحاب المبادئ المختلفة وأرباب الحضارات..

     ونقول أن من واجبنا أن نأخذ حظَّنا ونصيبَنا من الذوق في معاملة الخلاَّق، ونشعر بواجبٍ في منطقة هذه الحرية الشخصية، وهو واجب البيان والوقوف موقفَ المحافظة وموقفَ الحراسة وموقف الرحمةِ في شئون هذه الشريعةِ وأعمالِها، فنبين للعالم فيما حوالينا مِن خلال تطبيقِنا وتذوُّقِنا للطائفِ تشريع ربِّنا وإدراكنا لأسرارِ التعليمات الإلهية والمحمدية، من خلال ذلك التعمُّق في ذلك الذوق نبرز لمَن حوالينا أوجهاً تتناسبُ مع العقليات والنفسيات العائشةِ معنا في هذا العالم، للتوصل إلى كشفِ النقاب ورفع الحجاب وإزالة كثائفِ الأوهام والخيالات عن عظمة هذه الشريعة، وعما يقوم به أهلُها من الأعمال الصالحات، ليبرز لهم الجَمال، ولتتيسَّر الهدايةُ لكلِّ مَن لم يسبق عليه القول بالضلال، وليُصَدَّ المفسدون عن الوصول إلى حمى أهل الملة وزعزعةِ عملِهم بالصالحات، بل وتسييرِهم في مخالفات الشريعة بأوجه من المخالفات.

     وهذا الكلام في عمومه في جميع العبادات نخصُّ منه في هذه الكلمة موضوعاً عظيما وهو ما يتعلق بشأن المرأة المسلمة المؤمنة، بل هو حمايةٌ لمكانةِ وأعراضِ وقدرِ وحرماتِ المرأةِ من بني آدم كائنةً من كانت { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }المائدة50. فإن استُعملت الوسائل عند بعض أهل التفكير ممن غلبَ عليهم الطمعُ في أغراضٍ مِن التسلط وحيازةِ الثروات وما شابهَ ذلك، ولو كانت الوسيلةُ لتحقيق تلك الأغراض نشرُ الفساد ولو بالتدريج للوصول إليه والتحيُّلِ في عرضِ المقدمات إليه أو الأسباب الموصلة إليه، ببريقٍ من الألفاظ والشعارات. الذين أصيبوا بِلَوثةِ التفكير بهذه الصورة يسعون إلى أن يُقنَّن الفساد ويُحمى المرتكبون لجرائم الأعراض بصورة أو بأخرى.

     ومن الواجب العظيم الذي يسأل الله عنه المؤمنين القدرة الحاصلة في نطاق الحرية الشخصية للنساء المسلمات أن يبيِّنَّ حقيقةَ وعيِهن وفهمِهن لما شرع الله لهن من الإحتشام ومن الحجاب ومن الحشمة ومن الحياء ومن الأدب إلى غير ذلك مِن شرعِ الله تعالى في الأسرة، ويَقُمنَ مقاماً محموداً حسناً في سدِّ هذه الثغرة، بل في الرباطِ في هذه الثغرةِ ليساعدوا على حمايةِ حِمَى المؤمنات خاصة، وحمى المرأة في العالم عامة بِحُسنِ البيان وحُسنِ التعبير عن الرأي مُنوَّراً بنور الشريعة الغراء..

     فنهيب بأهل الملة أن يدفعوا زوجاتِهم وبناتِهم وأخواتهم إلى أخذِ النصيب من الذوق فيما يتعلق بهذا التشريع الإلهي المتعلِّق بهن والمتعرِّضات لأنواعٍ من التشويشِ والإفساد فيه مِن قبلِ جهاتٍ موجودة على ظهرِ الأرض تندرج كلُّها تحت معنى قول الله {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27. ندفع زوجاتِنا وبناتِنا وأخواتِنا لأن يأخذنَ نصيبَهن من الذوق والفهم والوعي، وأن يتجنَّدنَ للهِ الحقِّ الحيِّ القيوم في الدفاع عن شرعهِ ودينهِ موفياتٍ بعهدِه مُبتغياتٍ وجهَه الكريم، وليُقمنَ لذلك المحاضرات وليَنشرن الكتيِّبات والنشرات والأشرطة بكل الوسائل المتاحة، فبذلك نقفُ في ثغرٍ من ثغور الجهاد في سبيل الله في هذا الزمن.

     أسأل الله أن يبعثَ الهمةَ فينا معشرَ أهلِ الملةِ المحمدية، ملة الفطرة ملة الحق والهدى وبالله التوفيق وبه الاستعانة وعليه التكلان، وبه الثقةُ وعليه الاعتماد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.