خطبة مكتوبة في جامع الروضة بعنوان : مفهوم الحياة الطيبة

الخطبة الأولى:

الحمدُ لله، يأخذ بقلبِ من أراد له السعادةَ إلى مقاصدِ القُرب من حضرتِه، ويُنعِمُ على من أرادَ أن يحيِِيَهُ الحياةَ الطيبةَ بالتعلُّقِ به. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صاحبُ الـمُلكِ والـمَلَكُوت، وذو العزةِ والجبروت، الإنسُ والجنُّ يموتون وهو الحيُّ الذي لا يموت. مَن تَعَلَّق مِنْهم بِسِواه، نازلَهُ من شدائدِ الدَّارَين ما يكونُ بِهِ من أهلِ الإبعادِ الذين ضَلُّوا عن الله. ومن احتكمَت علاقتُه به عاشَ وماتَ وهو في ظِلِّ عِنايته ورعايتِه تعالى في عُلاه.

 وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيَّنا وقُرةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه. أَرْسَلَه بالهدى ودِينِ الحق ليُظْهرَه على الدينِ كلِّه ولو كَرِه المشركون. فكان القُدْوةَ العُظمى والمثَلَ الأسمى في كُلِّ ما تكونُ به السعادة. وتُنالُ به الحُسنى وزيادة. من أحبَّ الله تعالى أحبَّهُ من أجلِ الله وتَعَلَّقَ به، وسارَ في الحياة على مِنهاجِه وطَريقِه ودربِه. اللهم أَدِمِ الصلاةَ على النُّورِ المُبين الذي انْكَشَفَتْ به سُحبُ الظُّلمات عن قُلوب أهل الإجابة، وارتفعت به الغفلاتُ عن بَواطنِ أهل الاستجابة، عَبْدِكَ المصطفى سيدِنا محمد، وعلى آله الأطهار المقترنين بالقرآن لن يتفرَّقا حتى يَرِدَا عَلَيْه الحوضَ يوم القيامة، وعلى أَصحابِه الغُرِّ المهاجرين والأنصار الـمُرْتَقِيْن ذُرى الكرامة، وعلى من تَبِعَهُم بِإِحْسَان إلى يَوْمِ وَضْعِ الميزان.

 أما بعدُ عبادَ الله: فإني أُوصيكم ونفسيَ بتقوى الله. تَقْوَى اللهِ التي لا يَقْبَلُ غيرها ولا يَرْحمُ إلا أهلها ولا يُثِيْبُ إلا عليها.

أيها المؤمنون بالله تعالى في عُلاه: إنَّ الحياة الطيبة في الدنيا ثم المآل الحسنَ والمصيرَ الطيبَ في العُقبى، مخصوصٌ مَقْصُورٌ على من اتقى اللهَ تبارك وتعالى وأحبَّه، وعَرَفَ أُلُوْهِيَّته ورُبوبيتَه وتَوَحُّدَه بالخَلْق والإيجاد والإنعام والإمداد تعالى في عُلاه، فاستقام على مِنهاجه، واستضاء بالنُّور الذي أَرْسَلَهُ إلينا.

 أيها المؤمنون بالله: هذه حقيقةٌ كثيراً ما تَخَبَّطت العُقُولُ على الاستقامة على إدراكها، ثم على اسْتِشْعارِها، ثم على ذَوْقِها والتَّحَقُّق بها، فلم يَخْلُص إلى ذَوقِها والتَّحَقُّق بها إلا الخاصَّة من العِباد الذين هيَّأ اللهُ لهم حُسن المآب والـمَعاد، مع طِيْبِ الحياة في العُمْرِ الذي هو إلى نَفَاد.

 أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى: هذه الحقائقُ الكُبرى عند غيابِها عن الأذهان يعيشُ الناسُ فرائسَ للمُتَخَطِّفين لهم مِن شياطينِ الإنس والجن القاطعينَ عن الرحمن. وعلى قَدْرِ بُعْدِ الأذهان عن تَصَوُّرِ هذه الحقائق التي أنبأ عنها الخالق جلَّ جلالُه، تحصُلُ النَّكساتُ للبشر، ويحصُلُ لهم ما يحصُلُ من أنواع البلاء والشرّ، فيما بَطَنَ أو فيما ظَهَر.

 أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى: لقد ذَكَرَ اللهُ في كتابه عن المؤمنين من الذكور والإناث أنه يُحيِيهمُ الحياةَ الطيبة كما قال ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ فلا يتحقَّقُ الإيمانُ على وَجْهه، والعملُ الصالحُ في حياةِ فَرْدٍ ولا جماعة إلا حَيُوا الحياةَ الطيبة، وتُوُفُّوا يومَ يُتَوَفّون ﴿ تتوفاهمُ الملائكةُ طيبين يقولون سلامٌ عليكم ادخلوا الجنةَ بما كُنْتُم تعملون ﴾ و " إنَّ الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً "، وأنه الذي يُطَيِّبُ حياةَ الذي طَيَّبَ المعاملة معه جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

أيها المؤمنون باللهِ جَلَّ جلالُه، يجبُ أن نُدرِك التَّصَوُّر عنِ الحياةِ الطيبةِ ما هي، وإنه لَيُعْرَضُ علينا، في أسواقِ العُروضِ التي تكاثرت وتناولتها وسائلُ الإعلامِ المختلفة بأنواعٍ من ذلك العرضِ الـمُغري يَمنة ويَسْرة، وهذا عرضُ الرحمن على لسانِ سيدِ الأكوان، خيرِ إنسان، مَن أُنزِل عليه القرآن، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم، يَدْعُوْنا لما يُحيينا الحياةَ الطيبةَ الكريمة.. فما هي؟ وما هو التصوُّر عنها ؟ وكما عملت دواعي العُروض الكاذبة، لِما سمَّوْهُ بحياةٍ هنيئة أو طيِّبة أو متطوِّرة أو كريمةٍ.. إلى غير ذلك من الأسماء، كم عَمِلَت فيهم هذه العُروض إلى أن يَحِيْدُوا عن سُنَنِ الرَّحمن جلَّ جلالُه، الذي ارتضاهُ لهم، ثم لا يكسِبون من تلك الحَيْدَة بَعْدَ مُرور المُدَّة، إلا شقاءً وتعباً وتعاسةً في الدنيا قبل الآخرة. ومن دام منهم على ذلك الانقطاع، آل المصيرُ به إلى عذابٍ مُهينٍ أليمٍ شَديدٍ عظيمٍ. والعياذُ بالله جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه. وهم لا ينفكُّون في الحياة مهما استعملوا من الوسائل والأساليب ما لا ينفكُّون عن العيشة الضنك، ﴿ ومن أعرَضَ عن ذِكْري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشُرُه يوم القيامة أعمى ﴾ فبئستِ المعيشة، وبئس المحشر، هو في الدنيا في عيشة الضنْكِ، وفي القيامة أعمى ﴿ قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرا، قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها، وكذلك اليوم تُنسى ﴾ فيا أهلَ التصديقِ بِوَحْيِ الله، انظروا كيف تستقبلون العُروض الـمَعْرُوضة عليكم فيما تكسبون به خيرَ الحياة وتستعدُّون به لما بعدها مما هو أطول ومما هو أدوَم، ومما هو أبقى، ومما هو خالد.

أيها المؤمنون بالله: كم مِن عقولٍ فيما بيننا غَرَّها زُخرُفُ القول، فَقِيْدَتْ إلى وَهْمِ أنها تُدركُ طِيْبَ الحياة، إلى اقتحامِ لُجَّةِ وبلاءِ الربا والمعاملاتِ الفاسدةِ في الشريعة. ولا تمرُّ السنون والأيام، إلا والنتائج ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ ( البقرة 276). ولقد تَنَوَّعَتِ العُرُوْضُ وانهالَ الناس على كلِّ ما يُعرَض، وفيه الإيهاماتُ أن فيه المكاسب، وفيه إصلاحُ الحال، وفيه طِيبُ العيش؛ وينهالون انهيالاً غريباً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، ولقد أُغرِيَت قلوبٌ بأنها تُدْرِكُ المعيشةَ الطيبة، وطيبَ الحياة باعتدائها على آخرين، أو تَفَرُّدِها بِمُلْكِ شيء، أو بمكانةٍ ما مَنَ المكانات بمُختَلَفِ ألوانها، أو أنْ تَتَعَصّب لمعنى قَبَلِيَّةٍ أو منطقةٍ أو مذهبٍ أو تَحَزُّبٍ بشيءٍ من التَّحَزُّباتِ التي تَنْحَلُّ فيها عُرَى الأدبِ مع اللهِ وشرعِه ومنهاجِ نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلا يُقام في عقول أصحابها وَزْنٌ لإرشادِ الحق. وربما تطاولت العقول إلى لَيِّ معاني الآياتِ والأحاديثِ لتكون عُرضةً لتبعيَّةِ الأهواء ولتبعيَّة مُرادات النفوس، وما أنزلَ اللهُ الكتابَ إلا ليهذِّب نفوسنا، لا ليتَّبع شهواتها ولا ليكون محلَّ الغَلَيان لِمُراداتِها، ولكنهُ الكتابُ الذي يُخرِجُ نفوسَنا من غِلِّها وغِشِّها، ومِن قَذَرِها وكَدَرِها وأَوْساخِها، إلى الطُّهر الذي أَحَبَّهُ اللهُ تبارك وتعالى من البَرِيّة.

أيها المؤمنون بالله: هنا موازين في الكتاب الأعَزِّ وفي السُّنَّةِ الغَرَّاء لمعاني الطِّيبَةِ في الحياة واكتساب السعادة في الدارين، تقومُ على أساس إيثارِ الحقِّ على ما سواه، وإدراكِ المهمةِ الكبرى لِمَ خُلِقْنا في هذه الحياة، وإلى أين نَصِيْر، وإلى أين نمضي، وما الواجبُ علينا في التعاملِ مع مَن خَلَقَ ومع خَلْقِه، ومع أنفُسِنا هذه التي إما أن ترتفعَ وتتنقَّى وتتزكى فتقودَ إلى الدرجاتِ العُلى، وإما أن تُدَسَّ وتنْحَطَّ فتأخُذُنا إلى الهاوية، وبئس المصير، والعياذ بالله ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾

أيها المؤمنون بالله: ولنأتِ إلى معنىً من معاني الوزنِ بالميزان النبويِّ للنظرِ في هذهِ الشؤونِ والأحوال. إنَّ مما يتبادَرُ إلى الأذهان أنَّ الوفرةَ للأطعمة والملابس وأمثالها محلُّ الطِّيبة وسببُ السعادة للإنسان ووجودِ الخير له، وإنَّا لنعلمُ أنه لا ملامَ على أحدٍ في طلبِ الحاجة، ولا يُلام على كَفَاف، وأنه إن خرَجَ عن الميزان امتداداً إلى إرادة التَّنَعُّمِ في دارٍ ليست دارَ نعيم بأوهامٍ قادَهُ ذلك وساقَه إلى أودية من الضياع ومن البلاء ومن الشرِّ والشقاء بأنواعها المتنوِّعة، وهذه سُنَّةُ الله في هذا الوجود مِنْ أوله إلى أن تقوم الساعة. ولكن جَعَلَ الشرعُ المصون مساحاتِ المباحات ليقومَ الناس فيها على مراتِبَ في تحقيقِ الإيمان والإسلام، فيكونُ أدناهم درجةً من لا يسمحُ لنفسه أن تخرجَ عن هذه الحدود، حدودِ ما أباحَهُ الشرعُ في قَولٍ أو مُعامَلةٍ أو اكتسابٍ أو تفكيرٍ أو نَظَرٍ إلى الأشياء. وعندئذٍ يكونُ هذا عُنصراً يُؤْمَنُ شَرُّه ولا يأتي منه القَبيحُ الذي يَضُرُّ غَيْرَه. وهُمْ بعدَ ذلك درجات في نَظَرِهم إلى المباحات وكيفيَّة تعاطيهم لها ونِيّاتهم فيها ومُراداتهم منها.

 ثم إنَّه بعدَ ذلك إذا اقترن بالاتساعِ في المباحات دون وقوعٍ في المعاصي والسيئات، شؤونٌ أُخَر لا تتعلق بنفسِ اتساعِ المباحات، لكن بنتائج يُدْخَلُ فيها إلى حالات التَّباغُضِ والتَّحريش ببعضهم البعض والعِداءِ لبعضهم البعض، أن فَقْدَ تلك المباحات خيرٌ وأسلَم وأقوَم وأحسَن للبشر والناس، مع وُجودِها في وُجودِ هذه الظلمات. وهذا الذي تعدَّدَت فيه الروايات عن الناطق بالحق صلى الله عليه وسلم، وتأمَّلوا كلامَه عليه الصلاة والسلام وقد تكرَّر وجاء بالروايات المتعددة، ومنه ما تعلَّق بأنْ قال بعضُ أهلِ الصُّفَّة في مسجده الكريم، في المدينة المنورة، وقد كان من وَفَد إلى المدينة ولا مَعْرِفة له بأحدٍ فيها ينزِل في الصُّفَّة، وكان في غالب الأيام يَقسِم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمر مُدّاً أو مُدَّين لكل اثنين منهم، قوتُه في اليوم والليلة، حتى سَمِعَ يوماً بعضَهم يقولُ من خَلْفِه: يا رسول الله أحرقَ بطونَنا التمر. فصعد النبيُّ المنبر وقال: قد أَتَتْ عَلَيَّ وَصاحِبِي ثمانية عَشَرَ ليلة ما كان لنا من طعامٍ إلا البرير - يعني به ثمرَ الأراك، إذا اسْوَدَّ ثَمَرُ الأراك وأشرَفَ على الفساد يُقال له بَريْر. مَضَتْ عَلَيَّ وصَاحِبِي ثمانية عشر ليلة ليس لي فيها من طعام وله إلا البرير، وإنَّا وَفَدْنا على الأنصارِ في المدينة فواسَوْنا وعِظَمُ طَعَامِهُم التَّمْرُ فَوَاسَيْناكُم منه. أَمَا إني لَو أَجِدُ الخبزَ واللحمَ لأطعمتُكم منه أو لأشبعتُكم منه، ولكن كيف بكم بعدِي إذا أدركتُم زمناً يُغدَى فيه على أحدكم بالصحفة، ويُراح بأخرى، ويلبس حُلَّة، ويروح في أُخرى، وتُكسى البيوت كما تُكسى الكعبة. أنتم اليوم خَيرٌ أم أنتم يومَئذ؟ قال بعضُهم يا رسول الله نكونُ يومَئذٍ خير، نَتَفَرَّغُ للعبادة ونُكفى المؤونة. قال: لا، أنتم اليوم خيرٌ منكم يومَئذ. جاء في روايات " إنكم اليومَ مُتَحَابُّون، وإنكم يومئذٍ يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض." وفي لفظٍ " وإنكم يومئذٍ أعداء يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض." فلا بورك في ثروةٍ، ولا وفرةٍ من المال تُباعِد بين القلوب وتحمِل الناسَ على البغضاء والعداوة والشحناء بينهم.

أيها المؤمنون: موازينُ تتعلق بهذا يجب أن نَسْتَوضِحَها. اللهم املأ قلوبَنا بأنوارِ الإيمان واليقين، وأحيِنا حياةَ الطيِّبين الحياة الطيبة، وهيِّئْنا لنُزُل الصالحين من عبادِك في دارِ البقاء والخلود، واحْشُرنا في زُمْرَةِ نبيِّك وأنت راضٍ عنا يا بَرُّ يا وَدود، وأصلِح شؤونَ أمتِه أجمعين.

 والله يقولُ وقولُه الحق المبين: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وقال تبارك وتعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ. وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ. وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ. وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ. رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ. لَـٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَ‌ٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعَنا بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم. ثَبَّتَنا على الصراط المستقيم، وأجارَنا من خِزْيِه وعذابه الأليم. أقولُ قولي هذا وأستغفر اللهَ العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً تُشرِق به الأنوارُ في القلوب، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، منه مُبتَدَأنا وإليه نَرْجِعُ ونَؤُوب، وأشهدُ أنَّ سيدنا ونبينا وقُرَّةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وصفيُّه المحبوب. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك المصطفى سيدنا محمد، السَّجَّاد القانِت الأوَّاب الخَاشِع الخَاضع المُنِيب، كثير الدمع من خَشْيَتك، كَثيرِ الإنابة إليك، مَظْهَر الرحمةِ لِبَرِيَّتِك، مَن بكى من أَجْلِنا كثيراً، وسألك فينا كثيرا. صلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِه وصحبه ومَن سارَ في دربِه ومشى على طريقِه، فحازَ أجراً كبيراً، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين، وكفى بك ولياً وكفى بك نصيراً.

أما بعدُ عبادَ الله: فأوصيكم وإيايَ بتقوى الله. فاتَّقُوا اللهَ أن تُسلِموا أَزِمَّتَكُم في الفكرِ أو التَّعامُلِ أو الوِجْهاتِ إلى مَعْروضَاتِ الغافلين والفاسقين على ظَهْرِ الأرض، فَتَخْسَرُوا يومَ العَرض.

 يا مَن خُصِّصْتُم بمزايا نُورٍ من الرحمن، جَاءكُم به القرآن ومن أُنْزِلَ عليه القرآن بهُدىً وبيان، فيه لكل شيءٍ تِبيان، وفيه النجاةُ في الدنيا ويوم القيامة. عَضُّوا بالنواجذ عليه، وأَقبِلُوا بالصِّدْق على الله تبارك وتعالى، واحذَرُوا من تلك العُروض التي تُخزِيكم يومَ العرضِ الأكبر. ألا إنَّ من تَرَكَ لله شيئاً عوَّضَهُ اللهُ خيراً منه. وإنَّ من اقتحم لُجَّةَ مخالفةٍ للشرع رجاءً في شيء حُرِمَهُ وأَدَّاهُ ذلك إلى ضد ما يترجَّاه، فإما أن يُنْقَذَ قبلَ فواتِ الأوان، وإما أن يتمادى في العصيان حتى يلقى الجبَّار الديان جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

إننا في حاجةٍ لأن نُدْرِكَ نعمةَ الله علينا، وفضلَهُ الواصلِ إلينا، وأن نُدْرك عصمَتَنا بالمنهاج الإلهي فيما نتعامل به وننطلق به في هذه الحياة، فلنتَّقِ اللهَ في بيوتنا، ولنَتَّقِ اللهَ في جيراننا، ولنتق اللهَ في كيفية قضاءِ أوقاتِنا وأزمانِنا، ولنتقِ اللهَ في أسماعنا وأبصارنا، ولنتقِ اللهَ في وظائفنا وحيثُما كُنَّا وأينما كُنّا، ونتخلَّق بالخُلُق الذي يرضى به اللهُ عنا. وإن الحقَّ قد جَرَتْ سنَّتُه سبحانه في الوجود أن يتنازع الناس وأن يختلفوا ولو شاء لجعلهم أمةً واحدة. فانْظُر أين تكون ولا تكُن من عناصر الفُرقة، ولا من عناصر فَوْتِ الحياةِ الطيبة بالبغضاء أو الشحناء أو السبِّ أو الشتمِ أو الاعتداء على الأعراض أو على الأموال أو على النفوس، واتق الملكَ القدوسَ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، واعمل على تَبَعِيَّة الذي ارتضاهُ الله لك قدوةً وأسوة، ووعدك على تَبَعِيَّتِه رضاهُ تعالى ومحبتَه وغفرانَه. ﴿ قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ﴾ جَلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

انْتَهِضْ لتبعيَّةِ المصطفى في الظاهرِ وفي الخفاء، نزِّهْ بَيتَك عن مخالفاته في المنظورات والمسموعات، واصدُق في حُسْنِ  اغتنام الأوقات ومُرُوْرِ الأيام والأشهر عليك. واحذَر صديقاً يجرُّك إلى سَخَطِ الجبار الأعلى فهو العدوُّ على الحقيقة وليس بِصديق. يُزَيِّن لك فسقاً أو سوءًا أو قطيعةَ رحم أو عقوقَ والدٍ أو والدةٍ أو أذيَّةَ جارٍ أو تحامُلٍ على المؤمنين، واغنَم عمرَكَ القصير، يَمُرُّ بقلبٍ نَوِيْرٍ سليم مُطَهَّر، تبذُلُ جُهْدَك في أن تكون عُنْصُرَ تقريبٍ وجمعٍ وتأليفٍ ونشرِ هدى ومحبةٍ حتى تلقى الحقَّ جلَّ جلالُه.

اللهم وفِّقْنا وافتح لنا مِن خزائنِ التوفيقِ ما نرضى به مع أعلى رفيق. وما نُكْتَبُ به في خيرِ فريق. يا وليَّ التوفيق. يا بَرُّ يا رحيم يا رفيق. يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 وخُذْ باباً إلى حِيَازة الخيرات ودَفْعِ الآفات. ألا إنه كثرَةُ الصلاة والسلام على خير البريات. فإن لك بالصلاةِ الواحدةِ عليه مِن ربِّ الأرض والسماء عشرَ صلوات. وإن الله أمَرَنا أمراً بدأ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكته، وأَيَّه بالمؤمنين من عباده، فقال مُخْبِراً وآمِراً لهم تكريماً ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ اللهم صلِّ وسلِّم على النورِ المبين الهادي إلى سبيلِ الملَّة. عبدِك المصطفى سيدِنا محمد وعلى أصحابه وآله الأجِلَّة. خصوصاً أهل المراتب العُلا، خيارِ الملا، مُؤازِرِهِ في حالة السَّعة والضيق، خليفتِه سيدِنا أبي بكر الصديق. والناطق بالصواب، شهيدِ المحراب، أميرِ المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. والناصح للهِ في السرِّ والإعلان، من استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. وأخي النبيِّ المصطفى وابن عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمامِ أهلِ المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدِنا علي بن أبي طالب. والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيِّك بنص السنة، وأمِّهما الحَوراء فاطمة البتول الزهراء، وخديجة الكبرى وعائشة الرِّضى، والحمزة والعباس وسائر أهلِ بيتِ نبيِّك الذين طهَّرتَهم من الدنَس والأرجاس، وأهل بيعةِ العقبة وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وسائرِ الصحبِ الأكرمين ومَن تبعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلام وانصرِ المسلمين. أَشْرِقْ أنوارَ الحقِّ المُبين في قلوب المؤمنين. خُذْ بأيديهم ونواصِيهم إلى الجادَّة التي تحبُّها في الظاهر والباطن.. يا رب العالمين. قِهِم الفتنَ والمصائبَ والنوائب، وتولَّهم وادفع عنهم المِحن ما ظهر منها وما بَطَن، واجعلنا وأهلَ جُمعتِنا وأحبابنا وأهل الملة مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر. وأعِذْنا أن نكون سببَ بلاءٍ ظاهر أو باطن على أُمَّة نبيك محمد. اجعلنا في أنفعِ الأمة للأمة وأبرك الأمة على الأمة، واصرِفنا من جمعتِنا بقلوبٍ متلألئةٍ لأنوار توفيقِك لما تُحب، حتى ندخلَ دوائرَ من تحب، ونَسْلَم من كل ما يوجِب الكُربة في الدنيا والآخرة.

 اللهم احيِِنا حياة طيبة، واجعلنا في أهل القُربَة، وتولَّنا بما توليت به من أعليتَ لهم المنزلةَ والرتبة، وارحم موتانا وأحياءنا برحمتك الوسيعة. وادفع العذاب عن المُعَذَّبين من المؤمنين، واجعلْ قُبُورهم وقبورنا من بَعْدِهم رياضاً من رياض الجنة يا أكرم الأكرمين. وأصلِح يمنَنا وبلادَ المسلمين. ادفعْ عنا وعنهم الشرور، وقِنا وإياهم الآفات والمحذور، وأصلِح لنا ولهم جميعَ الأمور. اللهم اكشف الشدائد والمحن، واكفنا وإياهم شر الفِتن ما ظهر منها وما بَطَن. واجعلنا من الذين صدقوا معك في الإقبال، وتوجهوا إليك في جميع الأحوال. على القَدَمِ الذي تَرْضَاهُ في الأقوال والأفعال. والنيات والمقاصد والإرادات في كل حال. يا جزيلَ النوال، يا حي يا قيوم. واغفر لجميع والِدِيْنَا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أحياءهم وموتاهم إلى يوم الميقات. يا خير الغافرين.

 عبادَ الله: إن الله أمر بثلاث، ونهى عن ثلاث: ﴿ إن اللهَ يأمرُ بالعدل والإحسان والإحسان وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون )
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.