كلمة مكتوبة في المولد السنوي الكبير بدار المصطفى

كلمة الحبيب عمرالحَمْدُ لله، على تَلأْلُئِ أنوارِ الدلالة على الله وإشراقاتها بمحمد بن عبد الله، وانتشارها في الأكوان برعاية المكوِّن، بوَجاهة هذا الذي أُنزل عليه القرآن، وبقاء آثارها بين الربوع والديار في مختلف الأعصار، حتى التقينا بهذه الوجهات في نصرة الحق وخير البريَّات، مُعلِنين المحبة، متودديْن إلى الرب، متوددين إلى رسولها أن يرضوا، وأن ننال لديهم في الرضى رتبة، نرقى بها مع الأحبة ونحوزُ مِنْ خير الدنيا والآخرة ما نرقى به مراتب السعادة مع أهل الدرجات الفاخرة.
 الحمدُ لله على بقاءِ هذه المظاهِر المعبِّرة عن محبة سيدِ الأوائل والأواخر والمتصلة بأقدام الأكابر والأطاهر مِنْ زَمَنٍ بَعْدَ زمن وعصرٍ بَعدَ عصر، ثم إننا اجتمعنا مع العدد الكبير من أهل العلم ومِن أهل النور ومن أهل السرِّ ومن مناصبنا ومن الأعيان ومن الصغار والكبار ومن مختلف الأقطار مِن بلاد شتى وقبائل شتى، وجمعيةُ لا إله إلا الله كما سمعتُم جمعَتْنا وزجّتْ بنا إلى أبواب الرحمة من الرحمن نطرُقُها، وأبواب الفضل الصمداني نقرعُها، مقتدِين بِخيرِ البشر، مُقْتَفِين للأثر، جاءت الأقطار المختلفة بآثار من مضى من أرباب أهل الصدق مع الله تبارك وتعالى في البلدة المباركة وكما وصلت آثارُهم إلى مختلَف الديار، رأينا أيضاً على ممر الأَعصار وُرُوْد الواردين مِن مختلف الأقطار إلى هذه الربوع وإلى هذه الديار، يبرزُ منهم نجمٌ من نجوم الصدق والإخلاص فيجمعُ الله تعالى به قلوباً عليه تعالى، من المشارق والمغارب والإنس والجن، ونجدُ ذلك في تاريخ أولئك الأكابر، وهذا الشيخ أبو بكر بن سالم يقطن قريةً من قرى الوادي، وإذا بالقرية محط أنظارٍ لكبار وكثير من مختلف الأمصار والأقطار، حتى تأتي قافلةُ الروم وتحطّ تحت داره في قرية عينات، ونرى الإمام عبد الله بن علوي الحداد ينتزح جانباً من البلدة، وإذا بالحاوي يصير محلاً لأنظار أهل الوجهة إلى الله تبارك وتعالى، فيرِدُ الوارد من الحرمين أو من الشام أو من مصر أو من المغرب ويمرون وينهلون مِنْ مَعين ذاك الإمام. وهكذا نجد بعد ذلك كتُبه تسري من هنا إلى هناك وإلى هناك، ونجد هكذا فيمن قبلهم وفيمن بعدهم إلى المتأخرين الذين فيكم منهم من أدرك منهم من أدرك، وأقاموا الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وأسسوا هذا الرباط وجمع الله لهُ قلوباً من الشرق والغرب، وقام العملُ فيه من الحبيب عبد الرحمن المشهور وولده الحبيب علي والحبيب علوي المشهور وجاء تفرُّغ الحبيب عبد الله بن عمر الشاطري من أول شبابه إلى وقت وفاته عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وظهرت انتشارُ العلوم على قَدَمِ الصدق مع الحي القيوم، على تواضع، على إخلاص، على إنابة، على زهادة، على تقوى، على بِرّ، على اتصال السند واتصال القدم بالقدم، قدماً على قدمٍ بجدٍ أوزع.
 وكم من بعد ذلك من تلامذته بعد شيوخه ممن عَمَّت دعوتُهم وخيراتُهم كثيراً من عباد الله تبارك وتعالى هنا وهناك، وسمعتم ما سمِعْتم عن أحد تلامذته سيد الوالد عليه رحمة الله تبارك وتعالى، سَرَى في روحه وجسمه ودمه محبة الله ومحبة رسوله والرحمة بالأمة والغَيْرة على دين الله تبارك وتعالى، ولما وُجِّهت إليه على شكل النصائح مِن عدد من الناس أن الوضع يقتضي أن تَبْعُد منه وتهرب، وألا ترجِع في آخر حجة حجَّها في الديار المقدسة إلى البلد، قال لمن نتركُ البلد، ولمن نتركُ المنهاج ولمن نترك السنَّة ولمن نترك السيرة ولمن نترك الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وقَدَّم الروح في سبيل ربه جلَّ جلالُه وتعالى في علاه، وسمعتم أن الآثار تنتشر، واليوم على الآثار التي كانت من الاتحاد السوفيتي مما ابتَلَى الله به العباد في فترة من الفترات، يتقطَّعون البلدان هم وغيرهم من أهل النظام الكافر الثاني ويُمضون فيها كثير من أفكارهم وشؤونهم، وفتكوا في كثير من البلدان وعملوا ما عملوا من مسائل الإرهاب بإطناب، ومن مسائل الأذى لعبادِ الله تبارك وتعالى، ووصل إلى البلد ما وَصَل من أثر ذلك واستخدموا من استخدموا أيضاً من أهل البلد، وكما سمعتم أن الله حَمَى حِمَى الدين فلا يوصَل إلى داخله إلا بأيدي أناس من أبنائه، وأيدي أناس منهم والعياذ بالله تبارك وتعالى. وقد وُعد صاحبُ الرسالة من قِبَل خَلَّاق السماوات والأرض، ألا يُسَلَّط على أمته المجيبين له من المؤمنين عَدُوّ مِن خارج أنفسهم، ولكن من بينهم البين، يُذِيق بعضهم بأسَ بعض. فيصير كثير من المسلمين أذناباً وأسلحةً لأعداء الله تعالى يؤذون بهم المسلمين والإسلام من داخل المسلمين، فاحذر وحَذِّرْ أبناءك وحَذِّر أصدقاءك ألا يُتَّخَذ أحدكم مطية ولا أداة في يد الكافر يؤذي بكم أهل الملة، يؤذي بكم أهل الدين بشيء من الأفكار أو بشيء من التوجهات التي تَضُرُّ الناس في مسالكهم والعياذ بالله تبارك وتعالى. كان في تلك الفترة ما كان ومنه هذه الاختطافات وللوالد ولغيره، وكان ما كان واليوم، نرى في تلك البلدان التي ابتدأ فيها هذا النظام، خَبَرُهُ ابتدأ هناك بِقَتْل كثير وبأذى كثير، وصلنا أثره من نفس البلدان يتوافدون علينا ويجيئون إلى الموطن، يجيئون إلى الموطن لإحياء ما أراد أولئك أن يُميتوه، وعِمارة ما أراد أولئك أن يخربوه لم ؟ لسر واحد. أنَّ الكون فَوْقَه مكوّن لم يضيّعه لأحد، ولم يسيّبه لأحد، قيّوم، قيومٌ على ما خلق، قيومٌ على ما قدَّر ودبَّر، لا فكرة شرقي ولا غربي، تحكم شرق ولا تحكم غرب، ولكن ربُّ المشارق والمغارب. ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾، وجاءنا من نواحي تلك البلاد التي حُكِمَت بذلك النظام، وأوذي فيها أهل العلم، وكما سمعتم في كلام النائب عن المفتي في داغستان، ببركة من فيهم من أهل التصوف وأهل الرابطة الروحية القلبية بالصالحين والعلماء العاملين حُفظ الإسلام وبقي، وإلا كم تعرضوا لقتل، كم تعرضوا لأذى، ومرت سنين لا يستطيعون أن يتعلموا ولا يدرسون إلا تحت الأرض، يجعلون لهم أنقاب تحت الأرض يخرجون إليها في بعض بلدانهم، وهناك مستخفين عن الصغير والكبير يتعلمون ويقرؤون البخاري ويقرؤون من كتب الفقه ويقرؤون من هذه الكتب الموروثة النافعة. وهكذا، وأشار إلى دُخُول الإسلام من عهدِ الخليفة سيدنا عمر بن الخطاب، ما الذي أوصل الإسلام إلى هناك ؟ ما هو إلى داغستان , إلى نواحي موسكو وصل الإسلام في خلافة عمر. ما كان بينه وبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إلا السنوات المعدودة، ما وصلت من هجرة الرسول ست وعشرين إلا وقد وصل الإسلام إلى هناك. هِمَمْ، صِدْق، مدارك أدركَتْ أسرارَ الرسالة لتخاطب العالم بخطاب رب العالم. فخاطبوا الناس مخاطبة بأقوالهم وبأفعالهم وأحوالهم وأذواقهم وحملوا هَمّ الدين، وعَلِموا لم خُلِقوا وعَلِموا سرَّ بلاغ الرسالة المحمدية، فبذلك انتشروا هنا وهناك، وبذلك وصلوا. بعض الصحابة الذين حضروا وفاة النبي في المدينة المنورة، قُبُورُهم هناك. في سمرقند يوجد سيدنا القُثَم بن العباس بن عبد المطلب. كان يوم وفاة المدينة وهو في المدينة، أي شيء الذي وصله إلى سمرقند ؟ لا طائرة، ولا سيارة، ولا دراجة، وأي شيء الذي وصَّله إلى هناك ؟ همّ الدين، إدراك سر الرسالة، معرفة دور الخلافة عن الله في أرضه، جلَّ جلالُه. الاستعداد للقاء الله. هذا الذي حركهُم في العالم، وهذا الذي وزَّعهم على العالم. اليوم تجدونهم يردون ويأتون لتتم الصلة والاتحاد القلبي والروحي تحت راية محمد بن عبد الله وفي ذكرى مولده، وفي أخبار ما خلف فينا من علم وعمل وسيرة ومِن طُرُق آل بيته وصلحاء الأمة. سَنَد قوي قوي متصل، نِعَم من نِعَم الله، تُنادي كل عاقل على ظهر الأرض لتكون كلمة الله هي العليا، قال سبحانه وتعالى في ذِكْرِ رسوله صَلَّى اللهُ وسلم وبارك عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، والقيام معه ﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذا هما في الغار إذ يقول لصاحبه ﴾ يعني سيدنا أبا بكر ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾  ومِنْ سِرّ " إن الله معنا " كل مظاهر الحق في الشرق والغرب قامت، وظهرت وطوائف ظهروا، وأسرار في فَهم الكتاب العزيز وفي العمل به، ومعاهد قامَت، وتربيات انتشرَت في الشرق والغرب. ﴿ إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيدَهُ بجنودٍ لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾ جلَّ جلالُه وتعالى في علاه. ومر على الكفر سنين طويلة وتقووا في كثير من القوى المادية والقوى الصناعية والقوى العسكرية، لكن ما يستطيعون أن يطفئوا نور الله. قَتَلوا كثيراً، آذوا كثير، أغلقوا مدارس كثير، حَبَسُوا كثير، ولكن ما قدروا يطفئوا نور الله ﴿ ويأبى الله إلا أنْ يُتِمّ نوره ﴾ فلمن القوة ؟ ولمن العظمة ؟ هذه حقيقة، اليوم نحن بحسب الإيمان وبحكمه، نشهدها ونراها ونذوقها، وغداً نحن والكفار معاً ﴿ ولو يرى الذين كفروا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً ﴾ هُم عَادْهُم سيدركون لكن نحن سبقناهم، ونود أنهم يلحقون قبل أن يصلوا إلى النار، ولكن الأمر أمر الله. تعبَّدَنا، نتمنى الهداية لعباده وهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾، ﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله. إن يتبعون إلا ... ﴾ وبند " إن يتبعون إلا الظن " أكثر برامجهم فيه، وأكثَر أنظمتهم فيه، وأكثر حضاراتهم فيه : ظن. هذا تحليل ربك للحقيقة، وخل تخبطات العقول لما تعرف. والمرجع إلى هذه الحقيقة : ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ إنما عرف الحقيقة خير الخليقة، فهو العُرْوة الوثيقة، وما نطق به فهو الحق .

أرانا الهُدَى بَعْد العمى فقلوبنا به موقنات أنما قال واقعُ

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. فالحمدُ لله على قيام هذه الأعلام، أعلام الصِّلة بالله ورسوله وبقاء أسرار عظمة هذا الدين مع كل ما تعرَّض له من قوى مادية واجتماعية وسياسية واقتصادية وعسكرية. تعرَّض للهجمات من كُلِّ هذه القوى فإذا به أقوى، لمكانة صلته بالقوي، مَن له القوة جميعاً جلَّ جلالُه وتعالى في علاه. الله يقوِّي لنا الإيمان واليقين، ويعيننا على القيام بأمر الدين. قد جاءنا عدد من البلاد التي قد حُكمت بذاك النظام فيما يسمى سابقاً بالاتحاد السوفيتي، وَوَفَدْ من وَفَد ما بين زائر وبين متعلم وبين مُريد رابطة إيمان وَصلة إسلام وإيمان، وفي هذين اليومين وفد هؤلاء الإخوان من داغستان، ولم تزل الصلة التي عُقدت على يد محمد في العالم تتجدد وتجمعُ أهل الشرق بأهل الغرب والعرب بالعجم والأبيض بالأسود والأحمر والأصفر والصغار والكبار، عَقْد قوي ومَنْهج سوي بُعِث به من خُتِمت به النبوة. فحمداً لربٍّ خصَّنا بمحمد. الله يحيي في قلوبنا حقائق الإيمان واليقين، بذا المجامع التي جمعنا الله بها نطرق باب الكرم، ومن دَقَّ بابَ كريمٍ فتح. جلَّ جلالُه. نتوجه إليه أن يكشف الغمة عنا وعن جميع الأمة. يُصْلِح البلدان ومن فيها وأهليها ويُقِيم راية الحق والدين القويم في جميع الأقطار، ويَدْفَع عنا شرور الأشرار والفجار ويرفع البلايا عن اليمن وعن الشام، سوريا ومن فيها وبقية الشام وبقية بلاد أهل الإسلام في الشرق والغرب. ياربّ ما تَنْشَأ فتنة التقاتل بين المسلمين والتنازع إلا لخروْجِهم عن منهجِك وسنَّةِ نبيك ولغلبة نفوسهم وأهوائهم عليهم، فيا مداوي داوِ هذه الجروح العميقة، وأصلح قلوب المسلمين ووجِّههم للاستمساك بالعروة الوثيقة، فلقد وَصَّيْت فضيعوا الوصية، وقلتَ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، وقلت لهم إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء، فأعلنت براءة نبيك منهم فلم يستجب لهذا الأمر كثيرٌ مِن أبناء هذه الأمة وأبناء هذه الملة فياربِّ رُدَّهُم الرد الجميل إلى سواء السبيل واكشف عنا هذه الغُمَم وهذه الظُّلَم وادفع النِّقَم وعامل بمحض الجود والكرم.
 وفي الجمع كلنا نتوجه إليك يا جامِعَنا أن تعجِّل بتفريج كروب أهل الإسلام في جميع الأقطار وأن تدفع عنا الشُّرور والأشرار وتحمينا من جميع المضار وتولي علينا الأخيار وتصرفَ عنا الأشرار وتجعلَنَا ممن استقام وآثرك على ما سواك وتهيَّأ لِلِقاك، يا مُحَوِّل الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجهال، ولا انصرف منا أحد إلا وقلبه بك مربوط، وبِسِرِّ الصدق معك مَنُوط، مُقْتَدٍ بآثار حبيبك محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، في الظاهر والباطن والقول والفعل والنية والعمل، أَحْيِ فينا العلوم النافعة والأعمال الصالحة الخالصة المقبولة واجعلْنا فيمن ترعاهم عين عنايتك في جميع الأطوار، واجعلْها ساعة من ساعات الإجابة وساعات الإغاثة وساعات الكرم الرباني والفيض الامتناني والجود الصمداني بوجاهة الحبيب وأرباب التقريب، اللَّهُمَّ وفر لنا الحظ والنصيب من كل خير قسمته أو تقسمه، آتيته أو تؤتيه أحداً من عبادك، وأعِذْنا من كل شر أحاط به علمك، في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة يا مالك الدين والدنيا والبرزخ والآخرة يارب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

(( للمشاهدة ))