خطبة جمعة مكتوبة في جامع الروضة بعنوان: نُصْرَةُ رَسُوْلِ الله

الحبيب عمر أثناء إلقاء الخطبةالحَمْدُ لله. الحمْدُ للهِ العليِّ القدير، السميع البصير، اللطيف الخبير، الوليِّ النّصير نِعم المولى ونِعْمَ النصير.
 وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، يَذْكُرُ مَن ذَكَره، وهو الكفيل بِنُصْرَةِ مَن نَصَرَهْ، قَدَّر الأمر ودبَّرَه، ومَنَّ على هذا ففي الخير والتقوى سيَّرَه، وخذل الآخر فأدبر وأعرضَ وتولَّى عن أمرِ الله سبحانه وتعالى وبدَّلَهُ وغيَّره.
وأشْهدُ أنَّ سيِّدَنا ونَبيَّنا وقُرَّةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُوْلُه، وَحَبِيْبُهُ وَصَفِيُّهُ وَخَلِيْلُه. صاحبُ الفتحِ المبين والنصرِ العزيزِ من الإله العزيز. فهو الجوهرُ الإبريز المخصَّص بالخصائص الكبرى مِنْ قِبَلِ الحق جلَّ وعلا. المُقَدَّم على مَن سواه مِن جميع الملأ في الدنيا والأخرى. سَعِدَ الناصرون له بِنَصْرِ الله في الظاهر والباطن والدنيا والآخرة. وخاب مَن تَوَلَّى عن أمره وكذَّبَهُ فيما بُعِثَ به وخالف سنته فما نالوا في الدنيا إلا الفتنة ولا في الأخرى إلا العذاب الأليم. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على حبيبك الناصر المنصور سيدنا محمد، وعلى آله المُقْتَرِنين بالقرآن الذي أنزلته عليه، وأصحابه الفائزين برؤيته والوقوفِ مَعَهُ والامتثالِ بين يديه، وعلى مَن تَبِعهم بإحسان إلى يومِ وضع الميزان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا رحيم يا رحمن.
أمَّا بَعْدُ عِبادَ الله، فَإنِّي أُوْصِيْكُمْ وَإيَّايَ بِتَقْوى الله. تقوى الله التي لا يَقْبَلُ غيرَها، ولا يَرْحَمُ إلا أهلَها، ولا يُثِيْبُ إلا عليها. واعلموا أن من اتقى اللهَ عاش قوياً وسارَ في بلاد الله آمنا.

ومن ضيَّع التقوى وأهمل أمرها  *** تغشَّتْهُ في العُقْبى فنونُ الندامة

 أيها المؤمنون: إن مِن أعلى مظاهرِ وحقائقِ وركائزِ تقواكم لله عز وجل: نُصْرَتُكم بالظاهر والباطن والأقوال والأفعال والأموال والأرواح والأفكار والهِمة والنَّهمة والشوق والمحبة والرغبة وبِكُلِّيَاتِكُم لرسول المصطفى محمد. لقد كَتَبَ اللهُ لعبدهِ المصطفى النصرَ العزيز. فلا يتحرَّكُ مُتَحَرِّكٌ بتوفيق الله في نُصرته بكل ما معه صادقاً مخلصاً إلا دخل دائرة نصر الله العزيز. فنُصِرَ في الدنيا ونُصر عند الغرغرة وخروج الروح من الجسد، ونُصِرَ في البرزخ ونُصرَ يوم القيامة ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾. إن أهلَ النُّصرةِ هم المتعرِّضون لحسنِ الدار ولعُقبى الدار، ولطوبى وحسنِ مآب.
أيها المؤمنون: مِن أعلى مظاهرِ التقوى والتوفيق: انبعاثُ القلبِ لنصرةِ خيرِ رفيق، وأعلى رحيمٍ في الخلق شفيق، سيدِ المرسلين، وخاتمِ النبيين، الذي تودِّعُون شهرَ ذكرى ميلاده في خلال هذه الأيام. فعليه وآله وصحبه الأنصار الصادقين أفضل الصلاة والسلام، وعلى من مضى على ذاك السبيل إلى يومِ القيام.
 أيها المؤمنون: على قدر الإيمان يكونُ التعظيمُ لمحمد، وعلى قدرِ الإيمان والتعظيم تتوالى شُؤون النُّصرةِ متسلسلة ويُتَرَقَّى في درجاتها المتطاولة. ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. ولقد أُمِرْنا ودُعينا من قِبَل إلهنِا وخالقنِا ومنشئِنِا وبارينا جلَّ جلالُه لهذه النصرة، وضربَ لنا مثلاً في نموذجٍ من صالحين مضوا قَبْلَنا، قاموا مع سيدنا المسيح عيسى بن مريم، وصَدَقُوا في نُصرته، فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ ﴾ ولقد تابَعَ الحقُّ الإشارة الواضحة الجلية إلى العاقبة اللازمة المحتمة وإن كانت تكونُ في أغلبِ الأحيان أمام الظروف المختلفةِ خفيَّة. فقال عن تلك العاقبة التي هي سنَّةٌ في الكون إلهية ﴿ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة. فأيدنا الذين آمنوا على عدوِّهم فأصبحوا ظاهرين. يُشيرُ لنا الحق، هذا ابنُ مريم عَرَضَ نفسَه على قومِه فأجابت الطائفةُ الموفَّقَة من الحواريين، وعيسى يقول في تعبيره: مَن أنصاري؟ والحواريون بِفِقْهِهم وإدراكهم وطيب شعورهم وكريمِ عواطفهم من هو عيسى ؟ فلم يقولوا نحن أنصارُك، ولكن قال الحواريون نحنُ أنصارُ الله. مشيرين إلى أنَّ رُسُلَ الله وأهلَ قُرْبِه نُصْرَتُهم هي نصرةٌ لرب العرش. هي النصرة لله الحق. أيمكن أن يَنْصُرَ أحدٌ ربَّنا بغير نُصرة محمد ؟ كيف يكون ذلك !؟ لا سبيلَ لنصرةِ الله إلا بنصرةِ ابن عبد الله وما جاءَ به وما خَلَّفَهُ فينا وما دعانا إليه وما عَلَّمَنا إياه وما تَرَكنا عليه من المحجَّة البيضاء، لا سبيل لنُصْرَةِ الله غير ذلك.
قال عيسى: من أنصاري؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله. فكأن الحق يقول، وهذا مُصْطَفَاي فيما بينكم، فمن أنصاره ليكونوا أنصاراً لي. ثم كأنَّهُ يقولُ لنا: إن الذين خُوطِبوا بلسان عيسى اِنقسَمُوا فرقتين وإنكم لتنقسمون، فآمنتْ طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرتْ طائفة. وإنَّ مِنْكُم من يهبُّ لنصرته صادقاً ممتلئاً محبةً من رأسه إلى قدمه، فاسأل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كيف نصروه بحقٍّ وحقيقةٍ ومُعْتَقَدٍ وعواطف ومشاعر وأحاسيس ووجدان، بالأرواح، بالأموال، بالأنفس، بالأوقات، بالأفكار، بالعقول، بالحركات، بالسكنات، بالإقامة، بالأسفار، ونادى مناديهم يَذْكُرُ هذه الحقيقة. رسولَ الله آمنا بك وصدَّقْنَاك وشهِدنا أن ما جئت به هو الحق. فما فَعَلَ هذا الإيمانُ بكم من تعظيمكم وتوقيرِكم ثم من مستوى نُصْرَتِكُم؟ اسمع يقول: يا رسول الله قد فَقَدْنَا كلَّ انطلاق من قِبَل أنفسِنا أمامَ العلائق مع القريب والبعيد إلا ما شرعتَ أنت وأحببتَ أنت وبيَّنْتَ أنت. اِقطع حبالَ مَن شئت، وواصِل حبالَ مَن شِئت، وحارِب مَن شِئت، وسالِم مَن شِئت، وإنما أمرُنا تبعٌ لأمرِك. نحن حربٌ لمن حاربت، وسِلمٌ لمن سالمت.لم تبقَ عندنا بقية مِن الأهواء ولا مِن المصالح ولا من الأغراض لأن نوالي أحداً دونك، أو نحب أحداً دونك، أو تقوم علاقةٌ بيننا وبين أحدٍ على غير منهاجك وما أردت أنت. فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق.
ألم نؤمن نحن به أيضاً ؟ ألم نُصَدِّقْه ؟ ألم نشهد أنما جاءنا به هو الحق؟ فما بالُ علائقِنا وراءَ الأهواء؟ وراء الشهوات؟ وراء المُرادات؟ وراء التأثر بالتيارات؟ وراء التزعزع بالإعلاميات. لا تُقِمْ أمرَكَ إلا على أساسِ تَبَعِيَّةِ المحبوبِ لربك، القُدوةِ لك، الناصح محمد. قال له: وخُذ من أموالنا ماشئت ودَعْ منها ما شئت، والذي تأخذ أحب إلينا من الذي تدع.
أيها المؤمنون: مظاهر النصرة للأمين المأمون بيِّنَة واضحة في السائرين تلكُم السُّبُل الناجحة من أهل المحبة، من أهل القُرْبَة، من أهل الذكرى، ومَضَوا على ذلك الحال، لا يسمعون بذكره إلا انتعشوا، إلا طربوا، إلا فرحوا.
أيها المؤمن بالإله ورسوله الحق: تحرَّكْ في النصرة للحق ورسوله، كُنْ مِنْ أنصاره، فيهم هذا الصنف، وفيهِم صِنْفُ المنافقين يتظاهرون بالنُّصْرَة، والحالُ كما ذكر ربكم ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ يعني ما يتقاعد عن نصرتك والخروج معك في مواطنِ الشدةِ إلا أهل النفاق، ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ يقول الله وهذه عناصر سُوْء حيثما وُجِدَت تبثُّ بين الناس التزعزعَ والفُرقة والبغضاء، ﴿ وْ لو خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ ﴾ أي فَتَنُوا ﴿ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ فإذا خرجوا في الصورة في النُّصرة، وجاء وقت الحاجة والشدة، قدَّمُوا أعذارهم ليستأذنوا للعودة والرجوع فانعكس الأمرُ. انعكس الأمر: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قال ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ ﴾ يَتَرَقَّبُون الفرصة لئلا يراهم أحد فيخرُجُون من جيش النبي ويخرجون من رَكْب النبي ويهربون من مواطن الغزوات ﴿ يتسللون منكم لواذاً ﴾ ولكن الله جعل النتيجة لذلك ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ صلى الله عليه وسلم ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. الفتن والعذاب نتيجة مخالفة سيد الأحباب. فلنستمسك بأمره حتى ننجو من الفتن والمحن وننجو من العذاب غداً.
 أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى: فما كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء؟ أما الذين صدقوا وأخلصوا، فما زال ذكرهم فوَّاحاً بأطيب ما تنشقه الأرواح من الطِّيْب الأطيب، في الدنيا. ولقد لقوه ورأوه ورافقوه في البرازخ وهم المهيأون لمرافقته يوم القيامة، وفيهم من قال عنهم " أشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة "، وفيهم من آتاه عصاً من عنده وقال لا تُعْطِها أحداً، قال يارسول الله لماذا لا أعطيها أحداً ؟ قال تكون آيةً بيني وبينك يوم القيامة. عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. وفيهم الذي قال عند موته " غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه، واطرباه واطرباه ." رضي الله عنهم.
وكيف كان عاقبةُ الآخَرين ؟ ندموا عند الموت ولم ينفع الندم، وعاشوا في الفتن ولقُوا بشرِّ حالٍ ربَّهم الأعظم، وكم لهم في البرازخ يعضُّون على أصابعِ النَّدَم، وهُمْ مهيأون ليوم القيامة والهول الأعظم. أجِرْنا اللهمَّ من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة .
أيها المؤمنون: فأما أولئك فبدَت النصرةُ في شؤونهم وأحوالهم ظاهراً وباطناً، لا تفريق بين بَذْلِهم الأرواح وحضورِهم في الصفوف، ولا بين بَعْثِهِمُ الأطفال ليُحَنِّكَهم رسول الله، وبعْثهم الأطفال إلى دياره ليشربوا مِن ماء وَضوئه تبركاً، ولا هيئة جلوسهم بين يديه كأن على رؤوسهم الطير. فانصروا رسولَ الله ينصركم الله.
اللهم حققنا بنصرته، وارزقنا حسنَ متابعته، واحشرنا غداً في زمرته يا رب العالمين.
والله يقولُ وقولُه الحق المبين ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وقال تَبَارَكَ وَتَعَالى ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم.  
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ    . إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ    . إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
بارَكَ اللهُ لي ولَكُمْ في القرآن العظيم، ونَفَعَنَا بما فيه من الآيات والذِّكْرِ الحكيم. ثَبَّتَنا على الصِّراطِ المستقيم، وأجارَنا من خِزْيِه وعَذَابه الأليم. أَقُوْلُ قَوْلي هذا وأسْتَغْفِرُ الله العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المُسْلِمين، فاسْتَغْفِرُوْهُ فإنَّهُ هُوَ الغَفُوْرُ الرَّحِيْم.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ خير الناصرين. وأَشْهَدُ ألا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ له، بِيَدِهِ الأمرُ ولهُ الحُكْمُ يوم الدين. وأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعيننا ونُوْرَ قلوبِنا محمَّداً عَبْدُهُ ورسولُه، وحبيبُه الصادقُ الأمين. اللهم صَلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّمْ في كل لحظة ونَفَسٍ على عبدِك الأكرم وحبيبك الأعظم سيّدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وعلينا مَعَهُم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.
أما بعدُ عِبادَ الله: فأوصيكم وإِيَّايَ بِتقوى الله. فاتقوا الله عباد الله، وهِبُّوا لنصرة سيدِنا رسول الله.
إن تَفَقُّدَ أحدكم حالَه في الصلوات الخمس وأدائها في الجماعة، وحضور قلبه فيها، وحرصه على السنن، نُصْرَةٌ من نصرةِ سيدنا محمد.
إن تفقُّد أحدِكم لأولاده، وحُسنِ أمرِهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وضربِهم على تركها وهم أبناء عشر من نصرة سيدنا محمد.
 إن تفقُّد أحدِكم لألفاظ ابنه وبنته، كيف يتلفظون معه ومع غيره، وفي حُضُورِه وغيبته، ليقوِّمَها ويباعدهم عن الألفاظ النابية السيئة نصرةٌ لمحمد. فلا تَتْرُك نصرتَه حتى في أولادك الصغار، حتى في زوجتك، تخرج من البيت متعطرة متزينة ولا تزجرها، لم لا تنصر محمد. لم لا تنصر رسول الله. إنك بذاك السكوت ناصرٌ لعدو الله يا أيها الأخرس. قم بِغَيرتك، قم بغيرتك على حرمات الله، ازجر المرأةَ الخارجةَ بزينتها في الشوارع، واللاتي تأتي بما يسمى حجاباً وهو زينة يحتاج إلى حجاب آخر يستره، اُنْصُر رسول الله صلى الله عليه وسلم في استرسالِ امرأتك وراء أزياء ساقطة هابطة تَظْهَرُ بها، خصوصاً في مناسبات الزواج، تُزْرِي، وَوَصَلَت من المكروهات إلى المحرمات، وأي تشبه هذا وبمن ؟ انصُر رسول الله. تفقَّد ثياب زوجتك. هل مَلَكَتْك مصانعُ لفجَرةٍ مِن هنا أو هناك، وثياب مُخاطة مصنوعة على حالٍ ساقط هابط، تُلقى عليك فتشتريها بمالك، لتهدِم القيمَ والشِّيم وتخالف النبي الأكرم وتحارب أَدَبَه بأهل دارك بفلوسك ؟ بمالك وأهلك تحارب قِيَمَه ؟ تحارِب سنَّته؟ وتنصر أهلَ المصانع الفجرة الذي لا يريدون إلا أخذَ مالِك ودينِك مع مالك؟ لتهلك دنيا وآخرة ؟ أين ذهب عقلك ؟
انصر رسولَ الله. انصر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بتفقُّدِك للأرحام وصِلَتِك إياهم وانتباهك من الجيران وتحسُّسك منهم. انصر رسولَ الله في فرحِك بذكره ومشاركتِك في مجالس مدحِه، وكل مظهر في المجتمع ظهر فيه ذكرُ الله ورسوله والتمجيدُ له، لا تبعيةً لحزبٍ ولا لِفِكْر أرضيٍّ ولا لعصبية ولا لإرادة سلطة، فكن أولَ المشاركين فيه، كن أولَ الساعين إليه. هذه نصرة محمد. لاينفكُّ بعضُها عن بعض: حلم وذوق ووعي وفهم وعاطفةٌ وأحاسيس ومشاعر تفيض في نصرة حبيب الفاطر، وكذلك كان حال الصحابة، لا ينفكُّ حالُ نصرتِهم له بالأدب الوافر، وحُسْن امتثال الأوامر، والحضور في المعارك، والبذلِ للأموال، لا ينفكُّ بعضُه عن بعض، وقولِهم الشعر في مدحه، وقوله لمن يمدح ويذبُّ عنه: إنَّ جبريل معك وميكائيل ما نافَحْتَ عن رسول الله. وقوله: إن روحَ القدسِ معك ما نافحتَ عن رسول الله. اللهم أيِّدْهُ بروح القدس. إن قولك فيهم أشد من نوع النَّبْل عليهم. مدحوه نثراً ومدحوه شعراً، وإذا سمعوا له ذكراً اهتزَّت مشاعرُهم، صلوات ربي وسلامه عليه.
انصر رسولَ الله ولا يخرج الشهر إلا وأنت عند الله من أنصاره وأنصار رسوله، واستبشر بذلك فإن نصيرَك هو الله تعالى في علاه، وإن محمداً غنيٌ عن نصرتي ونصرتك، بخطابٍ جاء مِن ربِّ الأرباب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ فليس الشرفُ إلا لك إن نَصَرْت. ليس الفضل والعلوّ إلا لك إن صدقت وبذلتَ النفس والنفيس في نصرة سيد الوجود صلوات ربي وسلامه عليه. وما أحوج الأمة أن تتنبه لهذه المعاني، وتعود بعوائدِ النُّصْرَة لكل من فَقِهَ منهم على الآخرين وهم درجاتٌ عند الله والله بصيرٌ بما يعملون.
وإذا تمَّت النصرةُ انفتح أبواب اشراقات النور ومشاهدة النور واتباع النور الذي أنزل معه ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ فترى أهلَ الدار الذين أكرمَهُم الله بهذه المعاني، القرآنُ يُتلى في بيوتهم صباحاً وعشياً. وفيه من الحفظة ذكور وإناث، وفيه تعظيمٌ لهذا النور، وانكشافٌ للنور في صدورهم، بإيمانهم، بتعظيمهم، بنصرتهم. أكرمنا الله بذلك، وسلك بنا في أشرف المسالك.
اللهم تدارك أمة نبيك محمد، وأغثهم وانصرهم على أنفسهم الأمارة وعلى الدنيا الغرَّارة وعلى الشياطين الغدَّارة من الإنس والجن وادفع اللهم عنهم مكرَ الماكرين وكيدَ الكائدين وشرَّ كل ذي شرّ من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وأصلِح شؤونهم يا مصلح الصالحين.
 وأكثروا الصلاةَ والسلام عليه فهي مظهرٌ مِن مظاهر المحبة والنصرة، ليلاً ونهاراً، سراً وإجهاراً، فإنها مؤديةٌ إلى أن ترافقه غداً، وهو القائل " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " فأكثِر عليه الصلاة والتسليم في النهار وجُنْحِ العتيم، فإن الله أمرك فيه بأمر بدأ فيه بنفسه وثنَّى بملائكته وأَيَّهَ بالمؤمنين فقال مُخبراً وآمراً تكريماً وتعظيماً: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك المحمود ذي المراتب العلى، خير الملأ، وعلى الخليفة مِنْ بعده المختار، وصاحبِهِ وأنيْسِه في الغار، الخليفةِ الشفيق، خليفةِ رسول الله سيِّدِنا أبي بكر الصديق، وعلى الناطقِ بالصواب، حليفِ المحراب، أميرِ المؤمنين سيِّدِنا عمرَ بن الخطاب، وعلى الناصحِ لله في السِّرِّ والإعلان، مَن استحيَتْ منه ملائكةُ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. وعلى أخي النبيِّ المصطفى وابن عمه، وَوَلِيِّه وبابِ مدينةِ علمه، إمامِ أهلِ المشارق والمغارب أمير المؤمنين سيدِنا عليِّ بن أبي طالب. وعلى الحسن والحسين سيِّدَيْ شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيِّك بِنَصِّ السُّنَّة، وأمِّهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وخديجة الكبرى وعائشة الرضى، والحمزة والعباس وأمهات المؤمنين وسائر أهلِ بيتِ نبيك الذين طهَّرْتَهُم من الدَّنَس والأرجاس، وأهل بيعة العقبة وأهل بدرٍ وأهل أُحُدٍ وأهل بيعة الرضوان، وسائرِ الصحب الأكرمين ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
 اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُر المسلمين. اللهم أذلَّ الشركَ والمشركين. اللهمّ أَعْلِ كلمة المؤمنين. اللهم دَمِّرْ أعداءَ الدين. اللهمّ اجمعْ شملَ المسلمين وألّف ذات بينهم. علِّق قلوبَ صغارهم وكبارهم ورجالهم ونسائهم بالاقتداء بنبيِّك محمد، وما زاحم هذه القدوة في القلوب والعقول من تيارات أهل الفسوق والفجور والشقاق والنفاق وما بُث لذلك بين الخلائق بالوسائل المختلفة فادفع تلك الظلمات وارفع تلك البليات يا رب الأراضين والسماوات. اللهم اكشف الغمة عن جميع الأمة، اللهم اجل هذه الظلمة، اللهم ارفع هذه النقمة، اللهم حوِّل الأحوالَ إلى أحسنِها وابسط بساطَ الرحمة، برحمتك يا أرحم الراحمين. فرِّجْ كُرُوْبَ أهل لا إله إلا الله، أغِث أهلَ لا إله إلا الله، نوِّر قلوبَ أهل لا إله إلا الله، ألهِم الرشدَ أهلَ لا إله إلا الله، في مشارق الأرض ومغاربها يا الله.
انظر إلى بلدانِنا وإلى بلاد المسلمين نظرة تدفع بها الفتن والمحَن وتحول بها الحال إلى أحسنه في السرِّ والعلن، يا مَن بيدِه الأمر كلِّه يا الله. اللهم واختم لنا أعمارنا بالحسنى، وارزقنا رضاك عنا، وتولَّنا بما أنت أهله ظاهراً وباطنا، واختم لنا بلا إله إلا الله. اجعلها آخر كلامنا من هذه الحياة متحقِّقين بحقائقها حساً ومعنى، يا أرحم  الراحمين. فرِّج كروبنا والمسلمين أجمعين وعاملنا بفضلِك وما أنت أهله، ونسألك للحاضرين وأحبابنا والأمة من خير ما سألك منه عبدُك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ.
اللهم آتنا في الدنيا حسنةٌ وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا اغفر لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا وثبِّت أقدامَنا وانصرنا على القوم الكافرين. رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
عِبادَ الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم. ولَذِكْرُ اللهِ أكبر.

(( للإستماع ))