محاضرة مكتوبة بعنوان: الرغب في حقيقة الخلافة الربانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا بالنور المبين، وجعلنا به خيرَ أمة أخرجت للناس مِن بين العالمين، اللهم لك الحمد شكرا ولك المنُّ فضلا، فقد ساقتنا رحمتُك لاستمطار رحمتك، وجاء بنا توفيقك لنطلب منك تمامَ النعمة، وكشفَ الغُمَّة وجلاء الظُّلمة عنا وعن جميع الأمة، فلك الحمد يا من خصَّصتنا بنبيِّ الرحمة، صلِّ عليه وسلِّم في كل لحظة أبدا، واجعلنا به وبقُربه وبذكره من أسعد السعداء، وشفِّعه فينا هنا وغدا، فإنه الشفيع الأعظم، وإنه السند الأكرم صاحب الجاه الاوسع، والمقام الأرفع ذلكم حبيب الله محمد المشفَّع، اسمع دعاءنا به يا رب في من لهم تسمع، وأصلح لنا به الحاضر والحال والمرجع.. برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين..

ولقد وقفتم على باب الله تعالى في علاه، بتوفيقه وبإذنه، فما كان لأحد أن يقف على باب الرحمن دون أن يأذن له الرحمن، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)، فارزقنا العقلَ عنك فيما أوحيتَ إلى نبيك، فإن الناس ذهبت بهم أفكارهم إذا تعقّلوا شيئاً من مصالح دنياهم، أو من كلام بعض الغافلين ظنوا أن ذلك عقلاً وليس العقل إلا أن يُعقل عن الحق ما أوحى به من الحق إلى رسول الحق، فمن لم يعقل ذلك فليس بعاقل، فإن عقلَ كيف يأكل أو كيف يشرب أو كيف يتّجر أو كيف يأخذ أو كيف يعطي في العالم الدنياوي، فذلك ما يهدي الله إليه حتى الحيوانات دون بني آدم، وهو الذي قدّر فهدى، سبحانه وتعالى ويهديها لمصالح معايشها (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ومع هذا العجب في ترتيب القائم على خير ما يُرتَّب، وخروج هذه المادة الغالية النافعة منها، كل ذلك ما يخوّلها أن تدخل في دوائر العقلاء، المخصوصين بالمعرفة الخاصة بالله سبحانه وتعالى، ما يخوِّلها ذلك، ولا تدخل في تلك الدائرة، لكن من عقل عن الله ما أوحاه هم العقلاء وهم أولوا الألباب (...فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) أولوا العقول ( وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) وفي هذه الحقيقة قالوا لو عرفتَ كل شيء، لكن ما حظيت بمعرفة الخالق لكل شيء فكأنك لم تعرف شيء، ما تعرف شيء، ماذا تعرف؟ إذا لم تعرف هذا الخالق جل جلاله وتعالى في علاه بأسمائه وصفاته حتى تكون من المعظِّمين لذاته وحتى تتهيأ لقُربه ورضاه عنك جل جلاله وتعالى في علاه.

اللهم اقسم لنا بنصيب من هذه المعرفة، واقسم لنا بنصيب من هذا العقل الذي تؤتيه مَن تشاء من عبادك، ارزقنا عقلَ ما أوحيت إلى حبيبك الذي اصطفيت، واجعلنا ممن اخترتَ أن تجعلهم في ديوانه، وفي أهل متابعتِه في سرِّه وإعلانه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وإذ قد دعاكم سبحانه وتعالى، أولاً بالنداء الأول في عالم الأرواح، ثم دعاكم على ألسن الأنبياء إلى أن جاءكم الداعي الأعظم المنادي الأكرم ( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) ثم أكرمكم سبحانه وتعالى بدعوة التوفيق حتى جئتم وحضرتم، تعمروا وقتاً من أوقات أعماركم، الله يبارك لكم فيه ويجعله ذخراً لبرازخكم وذخراً ليوم حشركم ونشركم.. صليتم فيه على النبي محمد، سمعتم من آيات الله، وذكرتم مولاكم جل جلاله، ودعوتموه واستبينتم بعضاً من أخباره ومن وحيه ومن تعليمه ومن إرشاده سبحانه وتعالى، ونويتم أن تعملوا إن شاء الله بصدق وبإخلاص، ونويتم أن تنفِّذوا وأن تطبِّقوا وأن تكونوا من المستجيبين لنداء الحق على ظهر الأرض، تنالون شرفَ الخلافة التي يظهر شأنُها في يوم العرض، وتُعرف عظمتها؛ هذه الخلافة عن الله تعالى التي هي وعي وحيه وحسن العمل به، هذه الخلافة عن الله، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) هكذا قال لآدم، فأخرجه ليستلم الخلافة، هُدى من الله يعطيه إياه فيتبعه (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) ومن ضيّع هذه الخلافة من أعرض عن ذكر الله ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) يحاول أن يصلِح حالَه في الدنيا أو يُبعد الضَّنك عن نفسه بذا الأسلوب ما ينجح، يعمل ثاني أسلوب، ثالث أسلوب، رابع أسلوب، وتنقضي عليه الدنيا والحياة وهو متعوب ومن أسلوب إلى أسلوب، ولا حصّل الطمأنينة ولا حصّل السكينة ولا حصّل الهدى، وكلما أُوغِر صدرُه بشيء وكلما دُعِي إلى استحسان شيء قام يستحسنه يريد أن يُبعد عن نفسه الضَّنك فما يَبعد عنه الضنك حتى صاروا يسمون بعض أمراضهم الحسية حمى الضنك، وغيرها من الأشياء الغريبة التي نسمع عنها، كلما تجرؤوا على محارم الله وصاروا يتظاهرون بها، ظهرت مقابلها أسماء للأمراض ما كان الناس يعرفونها، قال صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم (ولا فشت الفاحشة في قوم، إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) صدق! صدق وكل ما في العالم من وقائع تذكّر أنه الصادق وأنه المبلّغ عن الله سبحانه وتعالى، الحامل لنا أشرف المنافع صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 وقد جاءكم هذا النداء بعد ذلك والتوفيق حتى جئتم ووقفتم على باب الله فأحسِنوا معاملة هذا الإله سبحانه وتعالى، وتشرفوا بنصيبكم من هذه الخلافة عن الله جل جلاله التي يعظم شأنها في القيامة.

أما خلافة الظاهر والمُلك، فما يحكم أحد أمرَ عشرة من الأمة فأكثر، إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عُنُقه، فكَّه عدلُه أو أوبقه جَوْره، ما بها الفخر يوم القيامة هذه الخلافة، إلا من اتقى الله فيها وقام بحقِّ الله فيها، فلصِلته بهذه الخلافة المعنوية يربح في القيامة، ويكون على منابر من نور لأنه مُقسِط وصادق مع الله تعالى، تجرَّع المرارة في القيام بأمر الله جل جلاله، وأما من لم يقم بحق الله فيها فما بها شرف، وما بها كرامة أو تفرح إذا قد سمّوك صاحب المنصب الفلاني والمقام الفلاني والوظيفة الفلانية؟ أسماء ومسمَّيات تذهب أدراج الرياح! وتتلاشى ولا يبقى منها خبر لمَن يعقل، ولا يبقى منها شيء لمن يسمع ولمن يدّكر، وكما قال بعض العارفين: "أنا لا أتعجب ممن أقام شيئا في الدنيا ثم تركه وذهب، لكن أعجب ممن ينظر إليه ثم لا يعتبر به!" يشاهده أمامه، وجاء ثاني مرة هو ليعمل مثله! هذا أمامك أقامها وتركها !! ولا نفعته وربما وقع له ما وقع له من النكال في الدنيا قبل الآخرة، ففيم الرغبة؟ إن كان شي رغب، (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ* وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)، جل جلاله وتعالى في علاه، وابحث عن هذه الخلافة المعنوية الحقيقية، منهج الله، تعي وحيَ الله وتُحسن تطبيقه في أعضاءك وقلبك، في أسرتك وحالك ومالك وأولادك وأهلك وأصدقائك ومجالساتك ولباساتك وأكلك وشربك، تقوّم منهج الله فيها، هذه الخلافة عن الله..

 تأكل باسم الله .. بحق! ما هو باللسان تقول: بسم الله، والأكل فيه شبهة!! هذا أكل باسم شيطان ما هو باسم الله، ما ينفع اللسان لو قلت بسم الله والأكل شبهة، فكيف إذا كان حرام؟ قل بسم الله والقلب يقول باسم الشيطان! لأنك ما اتقيتَ الله فيه، كيف يكون بسم الله!؟ بسم الله لو طبّقت منهج الله في الطعام..

 وفي هذه الحقيقة كان يقول لهم عبدالله بن عمر رضي الله عنه: لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، قمتم حتى تكونوا كالحنايا، لم يُتقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز. إذا ما تنفذون منهج الله تعالى في مطعومكم ومشروبكم ما تنفع الصور .  ولكن الذي أقام أمر الله إن أكل فبسم الله ياكل، وانظر علَّمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم صاحب الخلافة الكبرى، إذا بتنام قل باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فأكرِم وأنعم بجنبٍ باسم الله يوضع وباسم الله يُرفع، هذا جنبٌ مشرَّف، وهذا منظَّف وهذا جنب مكرَّم، هذا الكرسي اللي تجلس عليه، لا أحد ينزلك منه فيما بعد، ولا عليك فيه انقلاب، ولا أخواف ولا أتعاب، وتجيئ في القيامة وأنت على الكرسي هذا، وتدخل القبر وأنت فوق الكرسي هذا، لا أحد يخرجك منه، كرسي الاتباع لأشرف متبوع.. وإذا بدا عليك وشاح الاتباع، هابَك كل مَن في القيامة من الملائكة وغيرهم، قالوا: ذا تبع المتبوع الكريم؛ إذا قد بدا عليك وشاح اتباعه، هابوك من هيبته لأنهم يعرفون أنه الذي يقول له رب العرش ( ارفع رأسك، وسل تُعطَ، وقل يُسمع لقولك، واشفع تُشفَّع) فيا فوزَ من هم له تبع، اللهم حققنا بحقائق التبعيّة له، ظاهراً وباطنا يا أكرم الأكرمين.

عُقِدت لكم المجالس، لتمسكوا بهذه الحبال وتدخلكم تحت لوائه صلوات ربي وسلامه عليه، وتورثكم اليقين بأخباره وأنبائه، وتثبت أقدامكم على اتباعه واقتفائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ثم تتشرفوا بالنظر إلى طلعته الغرّاء، وإلى نوره الأزهر، ووجهه الأبهر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. ما خلق ربُّكم وجهًا مثل ذا الوجه، الله يُريكم إياه ويجمعكم به، وأيّما عين تشرَّفت برؤية هذا الوجه بشِّرها برؤيا الجنة وبشرها بالنظر إلى وجه الله، وبشرها بأن ترى كل ما يسر، وأن تطلع على ما لم على البال يخطر، إذا قد تشرفت العين..

ليته خصني برؤية وجهٍ   زال عن كل من رآه الشقاءُ

 صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

اعلموا أن في الصادقين من أمة الأمين المأمون عيونٌ تتشرف برؤيا وجهه، في كل زمان وفي كل مكان، وهكذا، حتى تسمعون من كلامهم ما تسمعون، من أسرار تلك الروابط وليست ببعيدة إذا القلب ارتبط، والروح ارتبط والسر ارتبط بهذا الجناب، ما الأمر ببعيد، ونحن في كل صلاة نقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وهو القائل ( ما من مسلم يسلم علَي إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام) وهو الذي أُنزل عليه ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)، فإذا قُبلت تحيتك عليه استلمها منه أحسن من تحيتك، أحسَن من تحيتك، ما هو بمرة ولا بألف مرة، ولا بألف ألف مرة، كلمة منه ما تساويها كلام العالمين، وسيجيب عليك بتحية أحسن من تحيتك.. اللهم اجعلنا مقبولين في صلاتنا عليه وفي سلامنا عليه واجعلنا حائزين سر سلامه علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

تسمعون عن أهل السِّير ما يذكر من خروجه صلى الله عليه وسلم يوما إلى بيتٍ من بيوت بعض الصحابيات الصالحات الأنصاريات في المدينة المنورة، كن يسكنَّ في بيت، ومعهن خادمة لهن، كن يملكنها، أرسلنها إلى السوق لحاجة بأربعة دراهم، فذهبت، فضاعت عليها الدراهم، وجاء خيرُ الأنام صلى الله عليه وسلم ماشيا إلى السوق، وكان معه ثمانية من الدراهم.. مالك يا هذه تبكين؟ قالت يا رسول الله أرسلني أهل بيت يملكوني بأربع دراهم فضاعت علي، فأخرج أربعة دراهم وقال خذي هذه الأربعة الدراهم، خذي الحاجة واذهبي، فذهبت تأخذ الحاجة. ودخل إلى السوق كان يحتاج إلى قميص يجدد به القميص الذي عليه فاشترى قميصا بدرهمين، ووجد سائلا في الطريق فأعطاه درهمين، وبينما هو حامل القميص وجد رجلا قال يا رسول الله اكسني، فقال خذ القميص، فلا دراهم عنده ولا قميص، رجع في الطريق وإذا المرأة هذه تبكي، مالك يا هذه؟ أما أخذتي حاجة أسيادك؟ قالت نعم يا رسول الله لكن أبطأتُ عليهم فخشيت أن يؤنبوني ويعاتبوني، قال أنا أشفع لك عندهم، أين أسيادك؟ قالت نساء في بيت بعيد طرف المدينة، قال أنا أمضي أمامك، دليني على البيت، ومضى بنفسه عليه الصلاة والسلام، والمرأة تمشي وراه، وهؤلاء في بيتهن المنتزح في مكان بعيد يشاهدن نور الحبيب أقبل، قلن: هذا رسول الله في ذي الساعة يجي لذا المكان ناحيتنا ما يريد!؟ أين يذهب!؟ وإذا به يتوجه صوب بيتهم ، ووقف على باب البيت، يسلم عليهم: السلام عليكم أهل هذا الدار ورحمة الله وبركاته..

 سمعن فأجبن سراً ولم يرفعن أصواتهن، ما أسمعنه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله، ما سمع الجواب، سلم مرة ثانية، لأنهن يعلمن من سنته أن يعيد السلام ثاني وثالث إذا لم يسمع الجواب، ففي المرة الثانية أيضاً سكتن وأجبن سراً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله، أعاد السلام ثالث مرة حيث لم يسمع الجواب، ففي المرة الثالثة رفعن أصواتهن: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله أهلا ومرحبا، قال قد كنت سلمت أولا وثانيا، قلن سمعناك ورددنا سراً رجاء أن يكثر الخير في بيتنا بسلامك علينا، أعِد السلام ثاني مرة وثالث مرة اجعل البيت يمتلئ من نور سر ذا العطاء وأنت تقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يردن ثاني وثالث، عليهن رضوان الله تبارك وتعالى.

 قال: إنما جئتكن في شان هذه الخادمة، أبطأت عليكن فلا تعاتبنها، قالوا جئت بنفسك من شأنها!؟ يا رسول الله إكراما لك بعد مجيئك كيف نعاتبها وقد جئت هي حرة لوجه الله، من بعد اليوم لا نستخدمها.

 وعاد إلى بيته الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وهذا وعد منه كريم جاءنا إذا سلمنا عليه رد علينا السلام، فيارب اجعلنا في المقبولين، يارب اجعلنا في المقبولين، يارب اجعلنا في المقبولين.

لو جاءت ساعة الغرغرة وقابلَك سلامُه سلمت عليك الملائكة وراه، ولا كلمك لا ملائكة الوفاة الذي وُكلوا بك ولا ملائكة القبر، اذا سلام محمد يلوح عليك، صلى لله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. اجعلنا في المقبولين، ياربنا، اجعلنا في المقبولين ياربنا.

ولحيازة هذه العطايا الكبيرة، عُقدت المجالس ليحصِّل مَن يحصل نصيبه من هذه النفائس، فكم من مسعود سعد بجلسة حضرها في حياته، يشاهد قولَ ربكم على لسان خيرِ برياته (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فعسى كرامة من الله يكرمنا وإياكم بها، وعسى حسن معاملة مع هذا الخلّاق وطلب للتشرُّف بشريف ذي الخلافة، هذه الخلافة أدب لسانك وهذه الخلافة أدب عينيك هذه الخلافة أدب أذنيك أدّبها لا تتركها بلا أدب، أدِّب عينيك، أدِّب عينيك، تريدها تتشرف بنظر وجه كريم عند الله تعالى، سرى إلى السبع الطباق وجاوزها ووصل إلى حضرة الاطلاق، هيئ عينيك له، وتَصْلُح له عيون تشوفت العورات؟ وهل تصلح له عيون تشوفت المناظر السيئات؟ ما تصلح لهذا الوجه! ما تصلح لهذا الوجه! أدِّب عينيك، أدب أذنيك من شان تسمع الكلام الطيب من الطيب، وتتهيأ لرد السلام عليك إذا سلمت عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هنا، وإلا عند الورود على الحوض، واذا قد طاب بالسلام والمحبة والوداد وأنت في الدنيا، عند الورود في الحوض بايقع سلام وبتسمع رده، قدام يرد عليك السلام وبا ترى ابتسامة وجهه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ولا أشرف من ذلك! ولا أطيب من ذلك! الله ينيلنا ذلك ويهب لنا هذه المواهب، من حضرته بوجاهة هذا الحبيب أطيب الأطايب صلى الله عليه وسلم، على الحوض اجمعنا أجمعين، ونشرب ونروى من ذاك الحوض، وشراب من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، الله يسعدنا مع السعداء الذين يشربون من ذلك الحوض غدا..

 وكم من قوم يختَطفون.. لماذا يُختطفون؟ لأنه كان في الدنيا، هذه مجالس حوضه ومياهه المعنوية عُرضت عليهم فأعرضوا، فإذا جاؤوا في القيامة قربوا منها وأُبعِدوا، ينادون: لماذا لا تسقونا ونحن عطشى! قالوا بدّلتم وغيّرتم! فلماذا تزيدوننا حزنا بتشوفوننا!! قالوا ازدادوا حزنا.. قد عُرضت عليكم في الدنيا فأعرضتم فأريناكم إياها لتزدادوا حزنا إلى حزنكم، وحسرة على حسرتكم والعياذ بالله تبارك وتعالى. فأقول (سحقا سحقا) والعياذ بالله، قلنا (لا تدري ما أحدثوا من بعدك، خالفوك)

هذه الخلافة فيها تأديب أعضائكم، وتأديب قلوبكم لمولاكم جل جلاله، شوفوا أهل الفسق ينادونكم بالإساءة، تسيئون إلى أنفسكم فيما بينكم وبين الله بمخالفة منهجه، بعيونكم، بألسنتكم بآذانكم بأيديكم بأرجلكم بأعضائكم بقلوبكم لكن الحق ورسوله ينادون أحسنوا! (وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فأحسنوا، أحسنوا، أدبوا أعضاءكم، خذوا من سر الأدب، أمامكم القدوة اللي قال (أدبني ربي فأحسنَ تأديبي) نحن نريد آدابه هذه نتأدب بها ونربي عليها عيالنا، نربي عليها نساءنا، نربي عليها أولادنا وأصحابنا، ونتواصى بها، لأنها هي مظاهر الخلافة، مظاهر الخلافة عن الله سبحانه وتعالى، التي بها غاية الشرف..

 أما سمعت أسرارَ المحبة فيها ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) يحببكم الله، أنا أو من غيري يقدر على أن يصف لك سر يحببكم الله؟ من يشرح معناها ؟ ما لا أحد يقدر على شرح معناها لك! لكن إن ظفرتَ منها اشرب بكأسها، وارقَ مع ناسها، واحظَ بإيناسها، بلا نهاية ولا غاية ولا حد ولا حصر ولا انقطاع ولا فناء ولا زوال ولا انتهاء، ( يحببكم الله) وإذا أحبّك ربُّ العرش.. لا أحد يقدر أن يتكلم عنك.. ماذا سيقول؟ قد قطع سبحانه وتعالى الألسن والعقول أن تحيط بهذا المعنى، قال ( فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به..)، قفل الباب لا أحد يعرف معناها، (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنه) فماذا يقولون في هذا الإنسان إذا أحبه الرحمن جل جلاله، عسى لنا..

يا الله بِذَرَّة من محبة الله  ** نفنى بها عن كل ما سوى الله

ناس في بني إسرائيل سألوك إياها فأعطيتهم، وقسمت عليهم من ذرات المحبة ما به ارتقَوا، ونحن من أمة حبيبك، فبأحبِّ المحبوبين نسألك:

يا الله بِذَرَّة من محبة الله ** نفنى بها عن كل ما سوى الله

ولا نرى من بعدها سوى الله** الواحد المعبود رب الأرباب

 تتطيب بها هذه القلوب وتتنقى عن الشوب، ويرتفع الطيب ويصل إلى ديارنا ومنازلنا ومن يسمعنا وأهل ديارهم ومن وراءهم، يالله بِذَرَّة من محبة الله، نفنى بها عن كل ما سوى الله، ولا نرى من بعدها سوى الله، الواحد المعبود رب الأرباب،

على بساط العلم والعبادة ** والغيب عندي صار كالشهادة

هذا لعَمري منتهى السعادة ** سبحان ربي مَن رجاه ما خاب

 حاشا أن نخيب ونحن ندعوك، ونحن نرجوك، يا ملك الملوك، (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) فتكرّم علينا وعليهم بِذَرَّة من المحبة، ندخل بها مع الأحبة، واسقنا في ذلك أطيبَ شَربة، يا ساقي المحبوبين، يا ساقي المقرَّبين، يا ساقي المطلوبين، يا ساقي أهل اليقين والتمكين.

لا إله إلا أنت، لا تحرمنا لذيذَ هذا الشراب، ولا تقطعنا عن أولئك الأطياب

في كفَلهم ومعهم في الجنان العليّة ** عند طه النبي المختار خير البريّة

 صلوات ربي وسلامه عليه، وارزقنا الوفاء بعهدك الذي عاهدتَنا عليه، كل واحد منا اكسُه بكسوةٍ من هذه الكسوات، نحبك بالصدق، نقبل عليك بالصدق، ونخضع لك ونخشع ونحيا على محبتك، ونموت على محبتك، ونُحشر في أحبتك، نسألك حبَّك وحبَّ من يحبك وحب عمل يقرِّبنا إلى حبك، اجعل حبك أحبَّ إلينا من أنفسنا، اجعل حبك أحب إلينا مِن أنفسنا يا الله، اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا ومن أهلينا ومن أموالنا ومن الماء البارد على الظمأ يا الله..

 في لطف وعافية مع صلاح شئونا والمسلمين، ودفعِ البلاء عنا والمؤمنين، آمين يا رب العالمين..

 وخاطب ربَّك القريب المجيب السميع المعطي الجواد المغيث المناح الفتاح الواهب، سبحانه وقل له: يا الله.. منطرحاً، قل يا الله؛ منكسر القلب قُل: يا الله، واسع الرجاء، قُل يا الله، خائفاً من سوء المصير، قُل يا الله،.. نعود برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، ونعوذ بك منك سبحانك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، يا الله، بمَن علَّمنا هذا الدعاء اربطنا به ربطاً لا ينحل أبدا، واجعلنا في مرافقته وصُحبته ومجاورته ورؤيته ومكالمته ومخاطبته ومحادثته هنا وغدا يا الله.

عَظُم المطلب والمطلوب أعظم، فقُل مع ذنبي وذنبك: يا الله، لو علمنا أن ذنوبَنا تعظُم على عفوِك ما قدرنا أن نسألك! ولكن عفوَك أعظم، فنحن نسألك، اغفر وسامح وتجاوز، وبدِّل السيئات حسنات، وأعطِنا هذا المطلب العظيم، واجعلنا في زمرة الحبيب الكريم يا الله، يا الله، يا الله..

 بالكليات قولوا: يا الله، وملائكته معكم تقول: يا الله، وتتصل السماء بالأرض تنادي رب السماء والأرض نقول وإياهم: يا الله، يا الله، يا الله.. اضمحلت الأكوان إذا ذُكر المُكوّن، سبحان المُكون يا الله، اضمحلت الأكوان إذا ذُكر المُكوِّن سبحان المُكوِّن جل الله يا الله يا الله اضمحلت الأكوان إذا ذُكر المكوِّن ومتى كانت الأكوان حتى تحجبك عن مكوِّنها سبحانه يا الله يا الله يا الله ..

 قولوا يا الله .. يا الله .. يا الله .. يا الله .. يا الله .. يا الله ..

يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين؛ والحمد لله رب العالمين.