محاضرة مكتوبة بعنوان: لمن تسمح بدخول قلبك

بسم الله الرحمن الرحيم

لك الحمد يا رحمن على آثار دعوتِك العليَّة، وبياناتِ حبيبِك محمدٍ السنيَّة، التي لم تزل تحدو القلوبَ لأن ترقى مراقي القرب منك يا قريب، وتدركَ العطاءَ الوافرَ والحظَّ والنصيب، مِن جودك الذي لا حدَّ له، ولا غاية له، ولا انقطاع له، ولا آخر له، ولا نهاية له؛ فيا سعد مَن بك اتصل، وإليك وصل، وعليك بكليَّته أقبل، فقبلته.. ومن أنت إذا قبلتَ العبد؟ ويا ما أسعد حظَّ ذلك العبد إذا قبلتَه يا معبود، إذا قبلتَه يا موجود، إذا قبلتَه يا مقصود، إذا قبلتَه يا منشئ الوجود، إذا قبلتَه يا مَن بيدك الأمر في الغيب والشهود، إذا قبلتَه يا رب العرش العظيم، إذا قبلته يا خالقَ السماوات والأرضين، إذا قبلته يا رب العالمين..

اطوِ فكرَك ووجهتَك عن هذه القواصر، عن هذه السواقط، عن هذه المنتهيات، عن هذه المنقضيات، عن هذه المحصورات التي راحت إليها قلوبُ الكثير بالغفلة، بالجهالة، بالإعراض، بالكسل، بالرضى بالدون.. ما يرضى بالدون إلا سفيه العقل خالي..

 ومن مُكِّن أن يرقى، ومُكِّن أن يأخذ جواهر باقية، وأن يعثر على خزائن دائمة أبدية، فاعتاض عن كل ذلك بترَّهات، ومظاهر زائلات حقيرات منقضيات لا تساوي شيئا.. فما أجهله! وما أخسره! ( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) إلا أهل هذا المسلك، أنبياء وصديقين وشهداء وصالحين.. والسلام.. لا يوجد غيرهم، من دخَّل غيرهم فيك فقد غشَّك؟ هذا غش، فلا تغش نفسك ولا تقبل الغش..

 هؤلاء مقصدي يا قلب والغير ذرهم ** ادع ربك عسى يكتبك في من نظرهم

يعمر الله خرابك مثل ما قد عمرهم

 جل جلاله وتعالى في علاه..

 أولئك الأقوام هم مرادي  ** ومطلبي من جملة العباد

وحبهم قد حل في فؤادي ** أهل المعارف والصفاء والآداب

عنوان معرفتك بالله، عنوان محبتك لله، محبتك لهؤلاء من جملة البشر كلهم، من جملة الخلق كلهم.

إذا وصفوا لك واحد اخترع جهاز.. فهل تدخله قلبك!؟

 حافظ على قلبك، قلبك عزيز؛ الأجهزة منقضية وزائلة وهالكة وأصحابها كذلك..

 قلبك عزيز.. حط ربك فيه، حط محمد في قلبك، حط من تعتز بهم في القيامة في قلبك..

 حتى واحد يلعب تدخله قلبك!! تهمل تمهل .. ارفق بنفسك، هل توسخ ساحتك النظيفة!؟ هل توسخ ساحتك الصالحة لمعرفة رب العرش!؟ هل تدخل فيها واحد أتقن لعبة؟ لاعب كبير تدخله قلبك!؟ لا تدخله قلبك

قلبك دخِّل فيه الأصفياء، دخِّل فيه الأنبياء، دخِّل فيه الأولياء، هؤلاء اللي يصلحون القلوب، هؤلاء إذا دخلوا لقلبك عمروه، إذا دخلوا لقلبك نوروه، إذا دخلوا قلبك صفُّوه.

ذكر الله النتيجة للإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والطاعة والخير كله بشارة لمن أدركوا فيها السر والغاية ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) هذا الذي كفى به عليماً، قل لي ماذا ذكر من النعيم في هذه الآية ؟

قصور..؟ ما لها ذكر؛ حور..؟ ما لها ذكر؛ أشجار..؟ ما لها ذكر؛ أنهار..؟ مالها ذكر..

ماذا ذكر؟ ذكر المعية، وإذا ذكر المعية ماذا باقي معها؟ هذه كلها تصير ذرات ، لا تساوي شيئا جنب المعية، فالمعية هي الأصل (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين)

وما أطفأ غليلَ شوق قلب سيدنا ثوبان ومن معه من أولئك الأعيان إلا هذا الوعد بالمعية، وُعدوا بالجنة وُعدوا بالثواب في آيات وأحاديث كثيرة، ما انطفأ لهيب شوقهم، ما يغنينا عن المعية هذا كله! يقول ثوبان لرسول الله: إن دخلتُ الجنة كنتُ في منزلة دون منزلتك، فلا أراك.. وإن لم أدخل الجنة لم أرَك. اللهيب في قلبه، ما قدر يأكل، ما قدر يشرب، ما قدر ينام.. أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم؛ ظهر عليه أثر السهر ، فاصفرّ لونه.. رآه الحبي صلى الله عليه وسلم فقال: )أراك مصفر اللون نحيل الجسم(.. قال: "محبتك".. نسال الله أن يوجِدها في الأمة..

يارب جاعت قلوب، وظمأت من هذا العطاء كثيرة.. غشوها غشوها غشوها، وقبلت الغش.. أنقذها يا رب، طهِّرها يا رب.. صفّها يا رب، وحط فيها من هذا النور يا رب..

قال له: ( محبتك يا رسول الله، إني أذكرك وأنا بين أهلي وولدي فلا أصبر حتى آتي وأنظر إلى وجهك، فذكرت الآخرة..وقلتُ إن لم أدخل الجنة لم أرك، وإن دخلتها كنتُ في منزلة دون منزلتك فلا أراك).. فهذا الذي شوَّش عليَّ عيشي، وحالَ بيني وبين نومي وشربي وطعامي يا رسول الله.. والآية نزلت ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) وانطفت النار اللاهبة في صدره وراح يضحك.. سألقاك ، ساجلس معك.. هو قد ذاق من اللقاء والجلوس في الدنيا ما ذاق، فصار الوصف الذي في الجنة حور وقصور أنهار وأنا لا أراه ما ينفع، أنا أريد أن أراه.. وأجلس معه.. وآكل معه.. وأصافحه.. ذقت طعم هذا في الدنيا فكيف أُحرم منه في الآخرة؟ حاصل لك.. ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ)

ويا ما أسعد العيون التي ترى وجه المأمون، وما أسعد سمعك وبصرك إذا ناداك باسمك وقال: يا فلان.. يا ما أسعد سمعك إذا سمعت منه ذا النداء.. وفي الحقيقة هو نادانا كثير..  الأخلاق الفاضلة كلها هو نادانا إليها، وأنت لبِّ نداءه هنا سيناديك بعدها هناك.. ستلبي هناك كما لبيت هنا.. الله يرزقنا الاستجابة ( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) فبمنزلتِه عندك لا تجعل صولةً لنداء غيرِه في قلوبنا.. لا يصولُ في قلوبنا إلا نداؤه.. نداؤه الذي أرسلتَه به والذي خصَّصتنا به، والذي أكرمتنا به يا رب العالمين، واجعل هذه القلوب مصغية لذاك النداء، وقلوب من يسمعنا، وقلوب من في ديارنا يا رب، وأعداد كبيرة في الأمة أكرم قلوبها بسماع هذا النداء، والاستجابة لداعي الهدى، واحفظهم من الزيغ والردى، وكن لهم بما أنت أهله وأذِقهم لذةَ رحمتك هنا وغداً ..آمين يا الله آمين يا الله..

 معنا الكريم نسأله، معنا الوهاب نطلبه.. معنا الرحمن نلوذ به.. ونقوم بأعتابه، على أبوابه متوجهين إليه بأحبابه.. يا رب من أجلك واليناهم، ماذا علينا من أنبياء وإلا من ملائكة وإلا من رسل وإلا من صديقين وإلا من شهداء وإلا من صالحين.. إلا من أجلك، علمناك ربنا وعلمناهم أحبابك فما آثرنا غيرهم عليك.. أحببناهم لك ومن أجلك، فاقبل منا ذلك وحقِّقنا بحقائق ذلك..

 فينا قلوب لم تذُق بعد حقيقةَ هذه المحبة.. أكرِمها قريب يا رب.. أكرمها قريب يا رب.. وأنت الكريم ما ينقص من جودك أن تسقيها من هذا الشراب.. ولا ينقص من خزائنك أن تذيقها هذا المذاق يا خلاق، بعظيم الأخلاق كن لنا ولهم ساقياً يا خير ساق.. مِن هذا الشراب الرائق الذي طاب لأهل الوفاق.. وحسن أولئك رفيقاً..

فاسع فيما سعوا واشرب مع القوم ماهم *** علّ ربك يحبوك مثل ما قد حباهم..

لأن المعطي واحد للأولين وللآخرين جل جلاله، ما يرزق إلا هو، ولا يعطي إلا هو، ولكن أبواب فتحها.. تأمل الأرزاق الحسية لما أرى الناسَ بعضَ أبوابها، كيف تسابقوا.. تسابقوا واجتهدوا وسافروا وذهبوا هنا وهنا، وكل واحد حصل كذا وحصل كذا على ما فيه.. ولو سابقوا إلى أبواب عطائه الأبدية المعنوية أتراه يحرمهم؟ بل يقبل عليهم بوجهه، وهو يقول في الحديث القدسي: (  من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ).. يا ما أكرم ربك وهذه مشاريع التنمية ومشاريع الاستثمار ما تعرف تستثمرها!؟ ما تعرف.. هذه ثمرتها كبيرة كبيرة كبيرة ، ثمرتها إذا جاءتك تقول: هل أهل الجنة في مثل الحلاوة التي أنا فيها؟ إن كان أهل الجنة على ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيش طيب.

  من هؤلاء؟ قال الإمام أبو بكر العدني:

 نُصبت لأهل المناجاة في حندس الليل أعلام..

 وما هذه الأعلام العجيبة؟ من ذا يراها؟ يراها أهل البصائر.. مالها ما تظهر هنا؟ لأن بقية الأعلام كلها تخفى وهذه اللي تبقى.. ويأتي وقت ظهورها  

 واستعذبوا السُّهد – السهر - وأمسوا قيام إذا نام من نام

واستقبلتهم لطايف..

 هذه اللطايف من أين جات؟ من عند أكرم ملاطف.. لو واحد في قلبه حنان لك وهو مخلوق مثلك ويريد أن يلاطفك.. يعذب لك العبارة، وينوِّع لك الإشارة.. ويقدم لك يده..

 ولكن إذا سيلاطفك رب العرش نفسه، إذا رب العرش سيلاطفك ماذا سيوصل لك؟ الله الله الله.. واستقبلتهم لطايف.. من أين أتت؟ من عند اللطيف، من عند الكريم خير ملاطف، إذا لاطف عبده - سبحان الله - قبل مِن عبده ..

واحد فرح، وغلط من الفرح وقال: يا رب أنت عبدي وأنا ربك..!!

ضلَّت عليه راحلته وعليها زادُه ودوّر، فلم يجدها، ذهب إلى تحت شجرة قال سأجلس هنا إلى أن أموت.. صحراء ولا ماء ولا طعام ولا مركوب.. جلس وفتح عينيه وإذا بالراحلة أمامه وعليها الزاد والماء، فرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك..  قال صلى الله عليه وسلم: غلط من الفرح.. وقبِله ربه ولاطَفه..

لاطَف واحد آخر أتى بأمر غريب، منشؤه خوف من الله، خاف من ربه، وما عنده تصور صادق صالح لائق.. ولكن ربك لطف به.. قال لأولاده: يا أولادي أنا ما عرفت حق هذا الرب ولا قمت بواجبي معه،  إذا الآن متت فاحرقوني حتى أصير رماد.. ثم تعالوا في يوم عاصف شديد الريح فوق البحر فانثروا هذا الرماد، فوالله لئن قدّر الله عليّ ليعذبني، وأنا ما أطيق عذابه.. ربك قادر على كل شيء يا بليد!  ولكن لطف به ربك.. فذرّوا الرماد فجمع الله أجزاءه كلها ورد الروح على الجسد.. واستوى رجل كما كان..

فسأله: ما حملك على هذا؟ أجاب: خشيتك.. خشيتك يا رب..

قال: عفونا عنك سامحناك.. صلّح طريق آخر عوجاء وربك عدَّلها له.

 إذا لاطف لاطف، يأتي للسيئات فيبدلها حسنات.. ما هذا؟ إذا واحد من خلقه سيحسن إليك ما يقدر يبدل سيئاتك حسنات.. لكن يتناساها، ينسّيك عنها.. يتغافل عنها، وكأنه ما كان شيء ويحسن إليك منه.. لكن يأتي لنفس السيئة ويبدلها حسنة، هذا شغل اللطيف وحده.. هذا عمل الكريم وحده.. سيئة يردها حسنة.. ما هذا الكرم؟

ذكر لنا النبي مظهراً من هذه المظاهر.. فقال: بعض العباد الذين ختم الله لهم بالحسنى وسبقت منهم سوابق خير كان عمل سيئات، ثم رجع إلى الله وتاب منها، قال: يقول الله لبعض ملائكته: أعرِضوا عليه بعض صغائر ذنوبه، فيعرضون عليه وحدة أو اثنتين من الصغائر، فيخاف، ويظن أنه هلك.. فيقال: انظر إليها قد بُدّلت حسنة.. فإذا رآها.. قال وباقي السيئات بدلوها أيضا؟ فلما ذاق وجه الملاطفة قال: يوجد غيرها أكبر منها.. فيقال: وهي أيضا قد بدلت.. (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) جلّ جلاله..

 لاطف العبد الذي وفَّقه للعبادة من بني إسرائيل 500 سنة، وهو في العبادة في جبل، يعبد الله تعالى.. فإذا جاء يوم القيامة يصير له مع الحق ملاطفة.. عبدي! ادخل الجنة برحمتي.. فيقول: مائة سنة ولا مائتين سنة.. خمسمائة سنة ولا ذكر واحدة منها!! فيقول: يا رب وعملي!؟ فيقول: ادخل الجنة برحمتي.. فيقول: يا رب وعملي! فيقول الله: حاسبوه على أعماله.. فيقال: يا رب فنيت عبادة الخمسمائة سنة في نعمة البصر، ولم تفِ بها ولا ببقية النعم.. قال: خذوه إلى النار.. تأتي الملائكة لتأخذه إلى النار فيقول: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.. فينادي الله بلطفه: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي ونعم العبد عبدي.. يمدحه، وهل يستحق شيء؟ قد حاسبوه  وما عنده شيء.. لكن يمدحه ويرفعه.. ما هذا الملاطف؟ فمعاملته لنا خير لنا..

عارضين أنفسهم علينا يريدونا أن ننساه أو نخالف شيئا من أوامره.. لا نطيعهم.. لا نطيعهم.. ليس في أحد منهم عوض عن ربنا،لا أحد منهم يعوضنا عن إلهنا، وماذا سيصنعون لنا؟ ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) لكن تأملوا المعرض النبوي المحمدي يعرض عليكم العرض من ربكم.. نقبله إن شاء الله..

وراء محمد حتى نموت، ووراه نحشر إن شاء الله، وندخل معه إلى الجنة يارب.. أكرِمنا بقُربه.. اسقنا من شربه.. اسقنا من شربه.. حققنا بحقائق حبِّك وحبه..  باقي أعمارنا ننعم فيها بأن تكون أنت ورسولك أحبَّ إلينا مما سواكما.. آمين يا الله ..

يا رب العرش أجِب دعاءنا، يا سامع الدعاء لا تخيب رجاءنا، بلغنا هذه الأمنية وكل أمنية وادفع عنا وعن الأمة كل رزية وكل أذية وكل بلية، يا من بيده أمرُ الظاهرة والخفية يا صاحب القدرة.. يا صاحب القدرة .. يا صاحب الربوبية.. يا صاحب القهر .. يا صاحب الأمر.. يا من عز وجل.. يا مَن خضعت له الرقاب.. يا من ذلَّت له الأعناق انظر بحبيبك إلى أمته..

 نظرة تزيل العنا ** عنا وتدني المنى منا

منا وكل الهنا ** نُعطاه في كل حين

بجاه طه الرسول ** جُد ربنا بالقبول

وهب لنا كل سول ** رب استجب لي آمين

آمين آمين آمين يارب العالمين.. ويا أكرم الأكرمين..

 والحمد لله رب العالمين.