محاضرة مكتوبة بعنوان: عواقب الاتباع والانقطاع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله ..

 وأنتم في توديع شهر، واستقبال شهر سيرحلُ عنا جمادى الآخر، وسيهل علينا هلالُ رجب بما فيه من جود الله الأرحب، جعلنا الله وإياكم مِن مغتنمِي الشهور والأعوام والدهور، والساعات والأنفاس واللحظات.. إنه أكرم الاكرمين وأرحم الراحمين.

وكانت أسباب ارتقاء الراقين، في الإسلام والإيمان والإحسان، وفي الأعمال الصالحة أو في الأخلاق الكريمة التي بها حياةُ الروح وحياة القلوب وصلاحُ المعاش والمَعاد بعد ذلك، هل كانت عدَّتُهم إلا الأيام والليالي والأسابيع والأشهر، اغتنمُوها وصرفوها ورتبوها وانتبهوا منها، فارتقوا واعتلوا وحقق الله لهم تعالى، ما أرادوا وما طلبوا.

ومن سنته أن الذي يصدق معه في إرادة القرب منه، والقيام بمنهاجه على ظهر الأرض، بأسرار الخلافة، أن يؤتيه أكثر مما أمّل وأن يعطيه أكثر مما طلب وسأل، هذه سُنة الله جل جلاله وتعالى في علاه، فكلُّ الذين استجابوا لدعوة الرسل قبلكم، من عهدِ آدم إلى أن جاء سيدُ ولد آدم، وهو نبيكم الذي به عُقِدت هذه المجالس لنُعطى مِن عطايا الله النفائس، ما يسعدُ به الجالس ويقول الحق (هم القومُ لا يشقى بهم جليسهم) جل جلاله وتعالى في علاه.

كل الذي استجابوا لدعوات الرسل وتوجَّهوا، حازوا فوقَ ما أرادوا وما رامُوا وما طلبُوا وما أمَّلوا، وماذا وجد من لم يستجب لدعوةِ الرسل؟ وإن واتاهم شيءٌ من الأسباب والحظوظ العاجلة، مشوبٌ بنُغَص وغُصص، لم يستطيعوا التخلص منها، ولا فرعونهم ولا نمرودهم ولا عادهم ولا ثمودهم، ولا من قبلهم ولا مَن بعدهم ولا من في عصرنا يعيشون، لكل المتبجِّحين الذين يتبجَّحون بإنجازاتهم أو خِطَطهم أو مناهجهم أو أنظمتهم أو دولهم أو أسلحتهم او جنودهم، الغُصص معهم والنُّغص عندهم، وكثير من الأمور دائرة وسائرة على غير ما يحبون، على غير ما يريدون،  ويُصفعون صفعة بعد صفعة بتصاريف القدر، لأن الجبار الذي قهر هو ربُّ البشر، وهم عبيد ما لهم من هذه الادعاءات إلا اغترارات يزدادون بها سيئات فوق السيئات، وسوء عواقب والعياذ بالله تعالى ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون) والأمر دائر على ميزانٍ لا يختلف، والناس ما بين أنصار الحق والباطل في كل زمان، وصادقين مع الرحمن، وأهل نشوب أظفار الخيانة من الشهوات والملذات وإيثار الفانيات فيهم في هذه الحياة ( كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) هذا في الدنيا؛ وفي الآخرة (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ*يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)، وكل مَن يحجبُك عن حقائق الإيمان مغرياً لك بأي شيء مقابله فهو ظالم، وهو جاحد، ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَّرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ*الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ*وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ)، كل معتدٍ أثيم المكذبون بيوم الدين اعتدوا على أنفسهم واعتدوا على عقولهم واعتدوا على مستقبلِهم وأثِموا بتصديق الأهواء والنفوس وتكذيب الخالق القدوس، وتكذيب خيار الناس، (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ*كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) فكسبُ الذنوب والسيئات أوقعهم فيما أوقعهم فيه.

 هذا النداء يصلكم، أن تغنموا في حياتكم القصيرة ارتقاءَ المراتب الكبيرة، برفضِ ظلماتِ القواطع عن الله، مِن جميع المُغريات التي لا تُبقي لصاحبها حقائقَ شرفٍ ولا كرامة، في الدنيا ولا يوم القيامة، كل الذين كذَّبوا الرسل في كلِّ الأزمنة، مع الغُصص والنُّغص التي عندهم، يُقبلون على سوءِ المصير، ولقد بشّر الله وأنذر على ألسن رسله حتى ختمَهم بسيد أهل البشارة والنذارة، وإمام أهل الطهارة، فأقامنا على الحُجَّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فاحمدوا جامعَكم على نورِها، ذاكم هو الله جل جلاله، تستقي قلوبٌ منكم حاضرة وقلوبٌ بعيدة منكم، بعضهم يسمع وبعضهم يتابع، وبعضهم يسأل وبعضهم قلبُه معلق، تستقي من هذه الكؤوس، ما تُزكَّى لهم به النفوس، فتُهيأ لهم مراتب القرب من القدوس، وفي حظائر القدس يجتمعون مع الأزكياء، ومع الأصفياء، ثم يخلَّدون في دار الكرامة والهناء في زمنكم منهم عدد، أمدهم الله بذاك المدد، ومن انقطع عن هذا الحق، فبمن يلحق؟ ثم يكون مع مَن في الآخرة؟ مع مَن في القيامة؟ حقائق يجب أن لا تغفلَ عنها أذهانُكم وأن لا تُخدعوا بما يُنشر مِن هنا وهناك فيزيغ بكم، استقبلوا رجب بحُسنِ الوجهةِ إلى الرب، اصدقوا معه في اغتنام الليالي والأيام، فإن فيها الجود والإكرام، يُسأل ابن مسعود أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في رجب؟ قال: نعم، ويعظِّمُه.

 كان صلى الله عليه وسلم يعظّم هذا الشهر، وهو أحد الشهور التي عظّمها ربُّكم جل جلاله وتعالى في علاه، وجعلها مِن الأشهر الحرم ومن بين الأشهر الحرم جعله الشهر الفرد، في مثله كان الاسراء والمعراج، وفي مثله كان حمل آمنة، حمل آمنة بمحمد، ما حصل حمل أكرم من هذا، في مثله حُمِلتم أنتم، أنتم حملتم في السفينة مع نوح، هل يوجد أحد مننا من غير اولاد اصحاب السفينة؟ أصلا أولاد الذين لم يركبوا السفينة ما لهم وجود وليس لهم ولد، بنو آدم في الشرق والغرب كلهم من جماعة نوح وحده والذين ركبوا معه في السفينة، هذه وحدها عبرة، لكل مدّكر، من انقطع عن الأدب مع الباقي لم يبقَ، ولم يبق ذكره، والله ما عاد بقي من بني آدم أنفسهم في عهد سيدنا نوح الا الذين ركبوا في السفينة واللي ما ركبوا روحوا، ولا لواحد منهم ذرية لا في الشرق ولا في الغرب، ففي مجموع بني آدم اليوم مؤمنهم وكافرهم كلهم عن أصحاب السفينة جاؤوا، ولذا الله خاطبنا في القرآن (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ) حملناكم.. انا وانت كنا محمولين هناك (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ*لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) هذا الأمر نعيشه اليوم، قرون بعد قرون آلاف السنين من بعد نوح، كل الذين كذبوه بادُوا ولم يبق منهم أحد حتى مجرد تناسل الجسد انقطع، فما هو الخطر في معاداة الأنبياء؟ ما هو الخطر في الخروج عن ركبِ المقربين عند الله تعالى؟ اغترارا بشيء من هذه المظاهر الكونية وما فيها، وكلها فتنةٌ لمن افتتن، وعبرةٌ لمن اعتبر، ووسيلة لمن تقرّب إلى العلي الأكبر جل جلاله..

 وفي كل شيء له آية ***  تدل على أنه الواحد

 ولله في كل تحريكةٍ *** وتسكينةٍ أثرٌ شاهد

 فواعجباً كيف يُعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد؟

وإذا قال لكم الكفر أنا الروم أو فارس قولوا نحن أصحاب محمد

 إذا قال لكم الكفر أنا عمرو بن ود، قولون نحن علي بن أبي طالب

 إذا قال لكم الكفر أنا أبوجهل قولوا نحن ابن مسعود..

 وهكذا يقول الكفر في كل زمان، وهكذا يجيب عليه الإيمان في كل زمان..

 ويوم الخندق زُلزلت القلوب وزُعزعت، وأثنى الله على أطهارٍ أبرار قلوبهم توقنُ بما قال الجبار، وحبيبه المختار. وقالوا

وفينا رسول الله يتلو كتابه  ** إذا انشق معروفٌ من الفجر ساطعُ

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبُنا  ** به موقناتٌ أن ما قال واقعُ

صلوات ربي وسلامه عليه.

 قال الله (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) حوادث الكون، ليس حادثة الأحزاب وحدها، حوادث الكون في كل زمان، أهل هذا الصنف، أهل هذا المعنى، هم يزدادون إيماناً ، ويقولوا (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) يا حوادث الشام، يا حوادث اليمن، يا حوادث الشرق، يا حوادث الغرب، (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) وما نزداد إلا إيماناً وتسليماً..

ذي مجالس دولة محمد، ستبقى قائمة مرفوعة أعلامها منشورة، وفي الملأ الأعلى قبل الأدنى بالخير مذكورة، ثم ينتشر ما ينتشر من الفتن، ويكون ما يكون من المِحَن .. والله إن من النهايات في الدنيا قبل الآخرة أن لا يبقى بيتُ مدرٍ ولا وَبرٍ ولا حجرٍ إلا ودخله دين محمد، بذُلِّ ذليلٍ أو عز عزيزٍ، هذا في الدنيا، (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) وفي العُقبى بعد ذلك، تُعرف العاقبة لمن، يعرف الغلبةُ لمن، يعرف العظمة لمن، يوم يحمل لواء الحمد صاحبُنا، سيدُنا، مَن به شُرفنا من به كنا خير أمة، صاحب المجالس هذه، هو الذي دعانا لهذا الخيرات صلوات الله وسلامه عليه.

الحمد لله على هذه النعم.. الله يتمُّها عليكم، يا من جمعتهم على هذا الخير نسألك الجمع غداً مع نبي الخير، مع من دعانا إلى هذا الخير، وباقي أعمارنا لا تقطعنا عنه، لا تقطعنا عنه، لا تقطعنا عنه، ولا نساءنا، ولا شبابنا، ولا مَن في ديارنا، يا ربي لا تُذيقنا هونَ الانقطاع عن حبيبِك الذي رفعت ذكره، يارب لا تستبدل لنا به من لم تنظر إليه ولم تحبه، من الذين يعضُّون على أصابعِهم في القيامة (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا) اجعلنا مع الرسول، اجعلنا في دائرة الرسول، واجعل سبيلَنا مع الرسول، واجعله لنا دليلَنا إليك ونِعم الدليل، ثبِّتنا على سبيلِه أقومَ سبيل.. يا الله.

 القلوب هذه وقلوب من يسمعنا اغمرها بنور التبعيَّة لهذا الحبيب، اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه..

 أمِن ساحة كرمك نخرج بلا كرم؟ أم من ساحة جودك نخرج بلا جود يا معبود يا مقصود يا حي يا قيوم يا موجد الوجود بصاحب المقام المحمود انظر إلينا، انظر إلينا، انظر إلينا، وارحم موتانا وأحيانا برحمتك الواسعة.

إنا نفقد مَن نفقد واحدا بعد الثاني، يغفر الله لهم ويرحمهم ويجمعنا لهم في دار الكرامة، حتى قبرنا هذا اليوم الشيخ حسين الخطيب عليه رحمة الله تبارك وتعالى، كان صاحب نصيب في سراية النور في السريرة والبصيرة، وفي وصول معاني من الآداب الموروثة عن صاحب السيرة، وأهل ذلك الذوق قلائل في الأمة من هنا وهناك، الله يحفظهم والله يكثرهم، ويرحم من مات ويبارك لنا في مَن بقي، ويضاعف البركة في الأولاد والأحفاد والذراري.

 يا رب أصلح الشؤون، يارب ادفعِ الفتون، يارب اجعلنا ممَّن بقربِك وقرب حبيبك يفوزون، وبلقائه في القيامة يسعدون، وعلى حوضه المورود يردون، ومنه يشربون، شراباً لا يظمئون بعده أبدا، يا مسعد السعداء أسعِدنا، وأهلينا وأولادنا، وذوينا وأهل بلادِنا، والمسلمين في المشارق والمغارب، واهدِ قلوباً كثيرة يا حي يا قيوم، رُدَّها بعد الكفر إلى إسلام، بعد الجحود إلى إيمان، بعد الظلمة إلى نور يا الله، يا الله، هداية ورعاية، ونظرة من نظراتك تصلح لنا بها شئونا ظاهراً وباطناً..

ألا يالله بنظرة من العين الرحيمة... تداوي كل ما بي من أمراض سقيمة