محاضرة مكتوبة بعنوان: مدارك حقائق رحمة الخالق بخير الخلائق وما يترتب عليها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هطلت سحائبُ جوده فجمعت القلوبَ عليه، ووجَّهت مَن له السابقة أن يتذلل بين يديه، ويقتفي آثارَ الذين قد كرموا بالوصول إليه، وأُتحفوا بتُحف رضوانه وجزيل امتنانه تعالى في علاه، هو الله ربي وربكم وربُّ كلِّ شيء، وخالقُ كل شيء، وبيده ملكوتُ كل شيء، بتوفيقه اجتمعتم واستمعتم وإليه به توجهتم، وبالفضل منه آمنتم به وبرسوله الذي جاء بالهدى، وأنقذ مِن الردى، وكان في كل مقام من مقامات الفضل المفرد الأوحدا، فسبحان الذي ميَّزه، وكرَّمه وأعزَّه، وجعله نبيَّنا، وجعله رسولنا، وجعله هادينا، ربط على يدِه وعقد ألوية للوجهة إلى الله والتذلل بين يديه، فقامت بها مجالس بعد مجالس، يفوز فيها الجالس بما فيها مِن منن الله وجوده وكرمه سبحانه وتعالى، وكان العاقد لألويتها خيرُ البرية محمد، الهادي إلى الطريقة السوية أحمد..

فحمداً لربٍ خصنا بمحمد ** وأنقذنا مِن ظلمةٍ ودياجرِ

سمعتم الحديث عما كان يحمله في قلبه، ما الذي هزَّه لأن يقصد ذاك المريضَ اليهودي الصبي، الذي كان يتردد إلى بيته للخدمة، ألم يكن صلى الله عليه وسلم صاحبَ الشغل الكثير؟ ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا* وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا) وصاحب المهام العظيمة، هو كذلك، ولكن كان في مهامه وشغله هذا الكبير، أن لا ينسى هذا الشاب من اليهود الذي قد خدم معه، وأن يتحيَّن ويترقب الساعات الأخيرة لخروجه من الدنيا، حتى لا يخرج على الكفر، حتى لا يخرج على الشرك، حتى لا يخرج على ظلمة الجحود، فيخلّد في (نَارُ الله الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ)

إنها رسالة الرحيم محمد، إنها رسالة الرؤوف محمد، إنها رسالة الأمين محمد، تحمل للخلق الرحمة بكل معانيها، ونقرأ في كلام مولانا القوي المتين، مخاطباً للحبيب الأمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )، فقلوبٌ كثيرة من أتباعه لم تفقه هذه الحقائق، من رحمة الخالق المتجلاة في خير الخلائق، سيد أهل الحقائق، الهادي إلى أقوم الطرائق، السجاد الركَّاع البكاء في غسق الليالي

هو القائم السجاد في غسقِ الدجى، فسل ورمَ الأقدام عن خيرِ صابر

هو الزاهد المُلقي لدنياه خلفه، هو المُجتزي منها بزادِ المسافر

وباذلها جوداً بها وسماحة بكف نداها كالسحاب المواطر

صلوات ربي وسلامه عليه، قوَّى الله رابطتكم به، وقوى الله صلتكم به، وكتب الله حشرنا وإياكم في زمرته، ثم بقي في العالم من يجهل هذه الحقائق عن خير الخلائق الكثير الكثير الكثير..

 يا أتباعه أما تستضيؤون بشعاعه؟ وتقوموا بحق اتباعه؟ فتُبرزوا هذا النور في ربوع هذا الكون؟ سبقوكم بهذه الأجهزة لِيَبُثّوا السموم، لِيَبُثّوا الشرور، لِيَبُثّوا الفساد، لِيَبُثّوا سوء الأخلاق، لِيَبُثّوا التباعد، لِيَبُثّوا التباغض، لِيَبُثّوا تقليب الحقائق، لِيَبُثّوا الآفات والعاهات، أنتم أتباع المبعوث بالرحمة تَبُثّون الرحمة، تَبُثّون الخُلق، تَبُثّون الصدق، تَبُثّون الإنابة، تَبُثّون الخشية من الله، تَبُثّون الأدب مع الحق وخلقه، تَبُثّون اللطف، تَبُثّون العطف، تَبُثّون الرأفة، تَبُثّون اللطافة، تَبُثّون حقائق إدراك أن الرحيمَ هو الله، وباب رحمته محمد بن عبدالله، ومظاهر رحمته أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه، صلوات الله وسلامه عليهم، فمن أراد أن يرحمه قرَّب بينه وبينه، ويسّر له الطريق إليهم، وأدخله في كنفهم (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا*ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا)

يا عليم كفى بك عليما، يا متفضل والفضل منك اُبثُث لنا هذا الفضل، ومُنّ علينا بالوصل، واربطنا بخير الرسل، وأهل حضرته من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فإنه يحجزُ عن ذلك آفاتُ النفوس، وحرصها على الفانيات، على سمعة، على شهرة، على رياء، على سُلطة، على مال على شهوة على شيء من المتاع الفاني، فيها تقطعت رقابُ الكثير ووقعت في النار.

ولم تزل هذه أدوات الإيصال إلى الكفر والقطع عن النور والرحمة، حتى يأتي الدجال، ويُبتلى الخلق بيسير من الجوع، من صبر عليه لحق بصاحب القدر المرفوع، من صبر عليه، دخل دوائر السعادة الكبرى التي لا يشقى بعدها أبدا، مَن صبر عليه، حاز بشارةً تأتيه في الدنيا قبل الأخرى، فمن الصابرين أيام الدجال، الذين لم يغرُّهم الطعام ولا الشراب ولا المال، فما اشتد الجوع بطائفة منهم إلا ومنهم مَن يرسل الله لهم ظباء فيها ألبان، فيشربون من ألبانها ويغذّيهم، ومنهم من يرتقي في قُربه فيفيض الله سبحانه غذاءَ روحه على جسده فيتغذى بالتسبيح والذكر لله.. أيام معدودة، أيام الدجال، لا يغره خبزُه، ولا يغره أشجاره، ولا يغره ذهبُه وديناره، فينزل عيسى بن مريم، كما جاء في الحديث، قال فيبشر هؤلاء الأصناف بمنازلهم في الجنة، يوحي الله إليه قل لفلان: منزلك في مكان كذا جزاء صبرك على الدجال. وأدواته: مال وشهوات، سحبوا العقول والقلوب لتنازع عليها اليوم، حتى في ساحات الإسلام المسلمين بينهم البين، تذهل عقولهم عن حقيقة رابطتهم بالله وبالنبي محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لا يدركون لهذه الرحمة معنى، وصاروا مستعدين لأن يفوِّتوا حقائقها حتى مع إخوانهم المسلمين بجانبهم، فمتى يرحموا عبادَ الله من الكفار على ظهر الأرض؟ ومتى تنتهض همةُ الواحد منهم أن يدخل على محتضر وقاربَ الوفاة من الكفار رجاءَ أن يتحيّن الفرصة الأخيرة لإنقاذه من النارِ!؟

هكذا كانت رسالة النبي، تجاهلوها، غفلوا عنها، ضيعوها، بسبب مطامع امتلأت بها صدورهم، ما تطهروا منها فحجبَتهم عن إدراك حقائق التنزيل والوحي الجليل، وفسّروا بها الأمور كما يبتغون، ونصبوا أمامهم أغراض النفوس، وأهواءها ليُقيموا دينهم عليها، وما قام دينُ الله على هوى، إنما دين الله هو المخلِّص للأمة من أهوائها، وهو الذي يزجّ بهم إلى متابعة من لا ينطق عن الهوى، ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله.

فكم من أولاد المسلمين، أصغَوا لاتباع من ينطقون عن الأهواء، وتصامموا عن نداءات واضحة صريحة ممن لا ينطق عن الهوى، ما ترك شراً في الأمة صغيراً ولا كبيراً إلا حذرهم منه، ونهاهم عنه، ولم يدع خيراً صغيراً ولا كبيراً إلا دلهم عليه وأمرهم به، ما قصَّر سيدنا، أحسن البلاغَ نبيُّنا، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، إذا رجعنا إلى سُنته في أحداث تحدث في العالم، وجدناه كأنه حاضر بيننا يصفها، بلغ الرسالة، أدى الأمانة، نصح الأمة، كشف الغمة، جلَى الظلمة، لكن مطامع النفوس وأهواءها حالت بين الناس، وبين الإصغاء لكلامه والاستماع لتوجيهه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصاروا بذلك لعبةً في يد أعدائه، يضربون بعضهم ببعض، ويضرّون بعضهم ببعض، ويضعفون بعضهم ببعض، ويهينون بعضهم ببعض، ويقتلون بعضهم ببعض، متداعية عليهم الأمم كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتها، ما سبب ذلك؟ الأهواء، حب الدنيا وكراهية الموت.. حب الدنيا: حب الظهور، حب السمعة، حب الشهرة، حب السلطة، حب القصور، حب الأموال، حب الضياع على ظهر الأرض والأراضي، حب يُعمي، ويصم وكراهية الموت

سمعتم قصة هذه العجوز، تحوَّل حالها من جزع من الموت وخوف من الموت، ولما حلَّ نورُ الإيمان في قلبها، قالت: الآن مستعدة للموت، ماذا حصل؟ بدأت تذوق قربَ الرب، بدأت تدرك أن وراء هذه الحياة نعيماً لمن يتعلق بهذا الحبل، واتصل بخاتم الرسل، من أجله قال بلال لزوجته عند موته لما قالت واكرباه، لا لا بل "واطرباه، واطرباه غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

وسمعوا العارف بالله يجود بروحه عند الموت، يقول "حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم"

أيها المؤمنون: حقائق الإيمان تفعل هذه الشؤون بمن يؤمنون، إذا دخلوا دائرةَ الأمين المأمون، يارب أدخِلنا في تلك الدائرة أجمعين.

 كم من هذه الأمة يجهلون، ما يعرفون تفسير الآيات في واجبِ غضبنا لله، وواجب إغلاظنا على قُطَّاع الطريق على عباد الله والصادِّين عن سبيل الله، وشدَّتنا، على المعاندين، القاطعين الطريق على خلقِ الله، ما عرفوا يفسرونها، فظنوا أنه يجوز أن تتحول إلى أداة لتلبيةِ الأغراض تُرفع شماعاتها في ظرف وتختفي في آخر، ومتى دارت المصلحة حول تمكُّنهم من حكمٍ أو مالٍ أو غيره لعبوا بتلك الشماعات، يمنةً ويسرة، ولو فسروها بتفسير الذي نزلت عليه، وترجمته كيف ترجمها، وكيف أقامها، لاهتدوا، (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) الصنف من هذا البشر متقوّلين، مدَّعين، مغترِّين، مفترين، يدَّعون أنهم متبعين.. (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ*قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ) تريدوا الحقيقة من الرب؟ (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ )

بلَّغ البلاغ المبين، كيف نطيعه فنهتدي؟ بخصلتين: إيمان وعمل صالح، ابحثوا عن قوة الإيمان وأقيموا العمل الصالح، ربما نظر كثير من الناس على ظهر الأرض من إخواننا المسلمين قال إيمان مع عمل صالح، إيمان مع عمل صالح، طيب هذا الناس اليوم محتاجين لمواجهات، محتاجين للنزول في الساحات، المواجهة بالإيمان والعمل الصالح، نزول الساحات لن ينفع إلا بالإيمان والعمل الصالح، الجهاد لا يقوم إلا بالإيمان والعمل الصالح، لا تقفّي بوجهك، لا تغيِّر وجه شرع ربك، ليس بهوى وليس بسياسة وليس بخساسة وليس بشيء مما على ظهر الأرض، الله أعزّ، ودينه أعز من أن يكون لعبة للأغراض والمصالح، دينه أكبر من ذلك، وأرفع من ذلك، وأجلّ من ذلك.

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) فما رأيكم في قوة هذا القادر؟ صاحب هذا الوعد وهو القوي جل جلاله، المتين، يقول (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم) أنتم تريدون الخلافة، يا إخواننا يا أهل لا إله إلا الله، من منكم يريد الخلافة عن الله في أرضه؟ قالت الطائفة هذه: نحن، وقالت الطائفة هذه: نحن، وفكر هؤلاء يختلف عن هؤلاء، وهؤلاء مستعدين يقاتلون هؤلاء، ووسط الميادين يختلفون من يوم إلى آخر ويتحولون إلى أضداد.. اسمعوا، ماذا تعملون أنتم؟ الذي يريد الخلافة رب العرش يقول أنا سأستخلفك، تعال إليَّ، قوِّم إيمانك والعمل الصالح، أصلح عملك، قوِّم إيمانك بربك، أخرِج عظمةَ الدنيا من قلبك، أخرِج عظمةَ ما سوى الله من باطنك، أقم مسلكَ العمل الصالح هو الذي يستخلفك.

ذا ذهب للفئة الفلانية، وذا يبحث عن الجهة الفلانية، والآخر يبحث الممول الفلاني، وذا يبحث عن الجيش الفلاني، وذا يبحث عن السلاح الفلاني، خذوها كلها ولن تستخلفكم، لأن أمر الأرض بيد القوي، وهو الذي يستخلف صنفاً واحداً، الذين آمنوا وعملوا الصالحات أعني في خلافة النبوة وخلافة الشرف والكرامة لا خلافة الظلم ولا خلافة الحكم المجرد ولا خلافة التطاول ولا خلافة التحكم على رقاب الخلق.. خلافة النبوة، أتعرف خلافة النبوة؟ هي موهوبة لهؤلاء وحدهم، أو تريدون أنتم خلافة من نوع ثاني؟

لا يعرفون من الخلافة إلا أن يجلس على كرسي الحكم والسلام!! يا أبله، من قال لك أن هذه الخلافة؟ قل لي بأي آية؟ قل لي بأي حديث؟ من قال لك أن هذه الخلافة!! أبطلَ وعدُ الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في نظرِك على مدى القرون، لأنه لا أحد منهم جلس في الكرسي حقك هذا؟ بطل الوعد، ما أنجز الله وعده؟ لا في القرن الثاني ولا الثالث ولا الرابع ولا الخامس.. يا كذاب، الله صادق، وظنك كذب، وعلمك كذب ووهمك كذب، الله صادق، كل من آمن وعمل صالحاً دخل في دائرة الخلافة على رتبته التي رُتِّب فيها، من أول صادق منهم إلى قطب زماننا، كلهم جالسين على كرسي الخلافة، على ظهر الأرض، خلافة النبوة، خلافة الرسالة، خلافة السماء، خلافة الحيّ القيوم، اللي حملها آدم من أول ما أشاع الله خبرها، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)

فما هو إلا إيمان وعمل صالح، ننظر مناحيه ومجاريه ومعانيه وحقائقه نقيمها، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)، نحن المؤمنون بالله وتنزيله، أنرضى أن نحلل ونفسر أن هؤلاء تعبوا لأن الجهة الفلانية ما أعطتهم!! وهذولا الجهة الفلانية حبست حقهم وهذولا أخذت حقوقهم!! ذا وذا وذاك عملوا كذا لأن الحال بينكم وبين الفعال مخربط، أصلِح حالَك مع القوي الملك الفعال، وذا وذا وذا وذاك وذي واللي هناك ستأتي تحت رجلك، وستخدمك على رغم أنفها، لكن ما عندك ثقة بالقوي، ما عندك ثقة بخبرِ الحي القيوم، تصدِّق تحليلات شيء تجيك من بريطانيا وشي تجيك من أمريكا، هذه تصدقها!! هم أقرب إلى الكذب، ربك الصادق، قوله الحق وله الملك، يوم ينفخ في الصور.

(لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، ومن هذه الغفلة والجهالة والتخلف عن ركبِ التربية والتصفية والتزكية، صار بهذا المثال الذي سمعتم، يكون جاره، أو قريب منه أحد من الكفار يشرف على الموت.. يقولون له: زُره، فيقول إنه مشغول!! أما في قلبك فِكر تنقذ هذا من النار!!؟

ونبيك يدخل إلى بيت اليهودي، ويقول له (قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة)، آخر لحظة سيموت، التفت في عين أبيه، وأبوه من اليهود وهو عرف قرار اليهود إنهم يكذبونه وأنهم يخالفونه وإن علموا أنه نبي، ولكن علم أن هذه لحظة الصدق والولد سيموت والنار أمامه، فقال: "أطع أبا القاسم"، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وخرج النبي فرحا.. وقال: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار، هذه رسالته، وهو المجاهد، صلوات ربي وسلامه عليه.

 كان يضحك لما يكلمه سيدنا سلمة بن الأكوع، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وقد مشى مع الظَّلَمة الذين استاقوا لقاح النبي، وجِماله، وهربوا بها من أرضها وقتلوا راعيها، وانطلقوا يجرون، فلحقهم.. سمع الخبر سيدنا سلمة بن الأكوع، صاح واصباحاه وخرج، يجي آخر الليل وهو خارج كان إلى المسجد، ترك الخبر في المدينة وتقدم يلحقهم، حتى لحق بهم، أخذ يرميهم بنبله، وذا يصيبه وذا يصيبه من قرب منهم رمى وعقر جواده محله، فصاروا يهربون منه وهو يجري وراهم، حتى خلَّفوا جميع لقاح النبي، مع بعض أمتعتهم فقد صاروا يخففون من أجل الهرب.. وهذا يضرب كأنه جيش وهو كلما رمى سهم قال: خذها وأنا ابن الأكوع، وطول اليوم وهو خلفهم. وآخر الليل قام في المدينة، ومشى وراءهم من محل إلى محل، وإذا جاؤوا إلى مضيق طلع إلى فوق، وإذا جاؤوا إلى وادي طلع فوق رأس شجره، وكل من قرب منه يقول خذوا، وخذلَهم الله أمامه، إلى آخر النهار.

 بدأ يصل جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وصل عنده اثنان أو ثلاثة أول من وصلوا سبقوا، يقول له يا فلان انتبه منهم، لا تقرب إليهم فإنهم أصحاب غيظ ومكيدة وسيقتلونك، يقول له: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر لا تحرمني الشهادة، قال دعني أتصرف وأدخل بينهم وإذا توجد شهادة اليوم فهي أحسن، واستشهد ذاك اليوم، والثاني قتل الذي قتل صاحبه هذا، وركب على فرسه وصاروا يطاردون القوم، حتى سمعهم جالسين على مكان يريدون أن يتغدوا في المكان، فقالوا يسمعون صوته هناك، يقولون هذا من بُكرة الصباح وهو ورانا يمشي فقال لهم واحد بقيه في الطريق يقوم إليه أربعة منكم، اقتلوه، خرجوا، فقاموا أربعة، قال دنوا مني لما يسمعون صوتي قلت لهم إنكم تعلمون أني إن مضيت لم تدركوني وإن مضى أحدكم أدركته، فخير لكم، فارتعبوا وقال أظن ذلك وهو من الصباح ورانا، ورجعوا ما قدروا، حتى أخفوا أنفسهم ما تهنوا الغداء، وقاموا وصلوا إلى ماء يريدون أن يشربوا، قالوا لنا من ورانا وحسوا الرمي، فذهبوا من ذا المكان، حتى قبل واحد منهم قال خذها وأنا ابن الاكوع قال أكوع بكرة، من البكرة من الصباح هذا، قال هو، رضي الله تعالى عنه، حتى خرجوا إلى أرض غطفان.

قال: كلما خلفوا شيء وضعت فوقها حجارة ليعرفها النبي إذا جاء والصحابة أني مسكتها من وراء القوم، ووصل النبي والصحابة، قال فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله قصتي معهم من الصباح كذا والآن تعطينا كذا نفر نفر من أصحابك وألحقهم مكان كذا، وأعمل فيهم كذا، ضحك صلى الله عليه وسلم قال له (وتفعلها؟) قال نعم يا رسول الله إذا أذنت، إنهم يُقرَون الآن في غطفان، الآن دخلوا إلى ديار غطفان ويقرون هناك ذبحوا لهم وهم يأكلون هناك.

وقال له: قد رد الله علينا حقنا.

 جاء رجل من القوم، كان مر بهم قال القوم ذبحوا لهم هناك الناقة وجلسوا يتغدون، قال فسمعوا حركة، فهربوا وذهبوا من شدة الرعب الذي وقع فيهم.

وهكذا، كان يقول صلى الله عليه وسلم، (إذا ملكت فأسجح)، إذا قد حزت الأمر وتوليت عليه، يعني ما مرادي تقتل تقتل تقتل، ما هذا قصدي، لو بتجيبهم يسلموا خير، صلى الله عليه وسلم

هذه رسالته، وهذا جهاده، وهذا اجتهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإلى آخر عمره وسط عقر مكة اللي بدأوه بالأذى هناك، واللي بدوا بالإهانة والسب هناك، واللي خرجوه من بلاده هناك، يقول (اذهبوا فانتم الطلقاء) هذه رسالته، هذه دعوته، هذا جهاده، صلى الله عليه وسلم، هذا تفسير (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، هذا تفسير ما أمره الله سبحانه وتعالى به من الشدة على القوم، ما فسح لهم مجالات يلعبون بالأخلاق ولا بالسّير ولا يغيرون دين الناس، وسد الثغرات تلك، ولكن إذا أسرَ منهم أمر بالإحسان إلى الأسرى، فما وجد الأسرى قبل ولا بعد إكرام في أسرهم كما وجد أسرى محمد، ولا في زمانكم، ولا في وقت التبجّح بحقوق الإنسان.

حقوق الإنسان مع خير إنسان، هو اللي قام بها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأدَّاها كما ينبغي، أما اليوم في بلاد حقوق الإنسان كيف يُعامل الأسرى؟ وكيف يُعامل السجناء؟ قل لهم تعالوا تعلموا من نبينا، لكن لو كان أنوار نبينا مضيئة في قلوبنا ونحمل أسرار رأفته ورحمته لأصغوا واستمعوا، ولكن صِرنا أذنابا وأتباعا لهم، ورديناهم أساتذة، وما أستاذتنا إلا الأنبياء والأولياء والأصفياء، وإمامهم سيدنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فالله ينقذ الأمة، ويظهر هذا النور إن شاء الله في القلوب، ويمتد في مشارق الأرض ومغاربها، ويفرج الله به الكروب، يارب اجمعنا على تقواك، اجمعنا على رضاك، ارزقنا التمسُّك بهداك

 ربي إن الهدى هداك وآياتك نور تهدي بها من تشاء

 فاجعلنا ممن شئت هدايتهم اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا في ما أعطيت، وقِنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.. فاجعلنا وهؤلاء أجمعين ومن يسمعنا من جندك وأهل محبتك وودك وجند حبيبك محمد، فإنك تختار لك وله جنداً في كل زمن، فاجعلنا فيهم، واجعلنا منهم، نقهر أنفسنا من أجلك، ونقهر أهواءنا من أجلك، نُخضع شهواتنا لشريعتك، نتبعه في أقوالنا وأفعالنا، نرفع رايات التبعية له في ديارنا ومنازلنا ونربي عليها أهلنا واولادنا نحيا على ذلك ونموت على ذلك، فإذا برزت راية الحق والهدى في جهاد صادق خالص على قدمه وسنته فاجعلنا في أوائل الصفوف، واجعلنا في أسمح من يجود بروحه، وأسبق من يقدم كل ما عنده، لك ومن اجلك خالصاً لوجهك، يا أكرم الأكرمين، واجعل العقبى أن نلقاه، ونسعد برؤياه، وندخل في حماه، ونُسقى من حُميّاه، وننظر مُحيّاه، ونقبّل يديه، ونسعد بالنظر إليه، ونمر معه على الصراط، يا الله.

إنه عبدك الذي قال لنا (آتي باب الجنة فأحرِّك حلقها، فيناديني خازنها، من بالباب فأقول محمد، فيقول بك أُمرت، أمرني ربي أن لا أفتحها لأحد قبلك، -وفي لفظ- أن لا أدع أحداً يدخلها قبلك)، هكذا روى الإمام مسلم والإمام أحمد وغيرهما، عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

فياربي في ساعة دخلته تلك، أكرمنا بالحضور معه، اجعلنا في معيّته، اجعلنا في دائرته، اجعلنا في زمرته، يا الله، ونحن لا نستحق ذلك، فقد خُنّا كثيرا وعصينا كثيرا وخالفنا كثيرا وغفلنا كثيرا وأهملنا كثيرا ياربنا، يا ربنا، فلو كنا نسألك بعمل لما قدرنا أن ننطق بهذا القول فنوجهه إليك يا من عز وجل، ولكنا برحمتك نسألك أن تعفو عنا وتغفر لنا وتوفقنا في ما بقي من أعمارنا، وترحمنا وتكرمنا فتجعلنا في زمرته ساعة دخول الجنة، اللهم أدخلنا معه الجنة فإنه أول من يدخلها، وأنزلنا معه في قصورها فإنه أول من ينزلها، وافعل كذلك بآبائنا جميعا، وأمهاتنا جميعا، وزوجاتنا جميعا، وأولادنا ذكوراً وإناثاً جميعا، وقراباتنا جميعا، وجيراننا جميعا، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله، هذا الطلب يارب فحقق المطلب بالحبيب الأقرب، يا الله، يا الله، نطلبك ذلك ونسألك ذلك، ونرجو منك ذلك ونلحُّ عليك في ذلك، اللهم من غير سابقة عذاب، ولا عتاب، ولا فتنة، ولا حساب، آمين يا الله، يا الله، يا الله.

أقرب من تنادي هو الله، وهو أقرب إليك مِن حبل الوريد، فيا واقف بين يديه، وخيره نازل إليك، ادعه وناده، واستغثه وتوجه إليه، وقل يا الله، قل يا الله، أنت مهما كنت في المجمع لست وحدك، أصفياء معك، أولياء معك، ملائكة معك، أهل غيبٍ معك، عيبك يستتر فيهم، ياربي أدخِل مسيئنا في محسننا، مذنبنا في طائعنا، مقصِّرنا في مشمِّرنا، يا الله آمين، يا الله آمين، يا الله آمين

وقد مددت يدي بالذل مفتقراً ** إليك يا خير من مُدّت إليه يد

فلا تردنها ياربي خائبة **  فبحرُ جودك يروي كلَّ مَن يرد

وصول فضلك إلينا أسرع من أن أحطّ يدي، فقبل أن أحط يدي احطط علينا فضلك، احطط علينا رحمتك، احطط علينا كرمك، احطط علينا إحسانك، يا مَن هو أقرب إلينا من حبل الوريد، قبل أن تنحطّ أيدينا احطط ذنوبَنا، احطط أوزارنا، احطط عنا همومنا وغمومنا، كن همَّنا أنت وحدك، كن همنا أنت وحدك، كن همنا أنت وحدك، يا الله، كن همَّنا أنت وحدك، ونُب عنا في كل هَمِّ سواك، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين.

 يكفيكم من شهودِ جوده أن مثلنا المذنبين يعطيهم هذا، ويمن عليهم بهذه الساعات.. هذا مظهر جوده وكرمه، يارب أتمم علينا النعمة، يارب أتمم علينا النعمة، يارب أتمم علينا النعمة، صحائفهم انظر إليها وانزع سيئاتها، وامحُها وبدِّلها إلى حسنات، آمين، في عيونهم أو في ألسنتهم او في آذانهم او في فروجهم أو في بطونهم او في أيديهم أو في أرجلهم، طهّرهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، طهّرنا وإياهم، ونتوب ونستغفر الله ولا بعدها ذنب يكتب، ولا بعدها ذنب يكتب، آمين يا الله، آمين يا الله، يا رب العالمين.

 والحمد لله رب العالمين.