محاضرة مكتوبة بعنوان: خيرات الحياة ومن الفائز بها في مختلف الأحداث والأحوال

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على كرمِه لنا بهذا النور المبين، والسراجِ المنير الذي يضيء القربَ من ربّ العالمين، وييسر لنا السبيلَ لنلحقَ بخيرِ جيل.

 أولئك الأقوام هم مرادي ** ومطلبي من جملة العباد

 وحبهم قد حل في فؤادي ** أهل المعارف والصفاء والآداب

 فازوا مِن الحياة بخيرها الأسمى، وخيرُها الأسمى ما أكسب سعادةَ الأبد، وما أكسبَ مرافقةَ الحبيب محمد، وما أكسب الخلودَ في جنة الخلد في رضوان الواحد الأحد، هذا خيرُ الحياة، هذا الخيرُ من الدنيا وما فيها، هذا شرفُ الدنيا، هذا عزُّ الدنيا، هذا أجودُ ما يكون في الدنيا، وهو حرام على كل من كذَّب، وحرام على كل من كذَب، وحرامٌ على كل من انصرف وانحرف عن منهج الحبيب الأشرف الأنظف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فانطلق في حياته، بإيحاء شهواته أو إيحاء عُداته من شياطين الإنس والجن، فصدَّقَهم، وأصاغ السمع لهم، وتصامَم عن نداء ربه، وعن بلاغ رسوله، الهادي المنقذ صلى الله عليه وسلم، فلم يكسب مدةَ ما كان في الحياة الدنيا سرَّ الاتصال بالحقِّ ورسوله ولا الولاء ولا المودة ولا المحبة، ولم يذق سرَّ الوُصلة الخاصة بهذا الجناب، هذا الذي فاتته الحياة، هذا الذي ضيَّع الحياة، هذا الذي فقد خيرَ الحياة، فقد بركةَ الحياة، فقد السعادةَ التي في الحياة المُكسبة لسعادة الأبد.

وإن خيرَ الدنيا والآخرة في تقوى الله وطاعته، وإن شرَّ الدنيا والآخرة في معصية الله ومخالفتِه، وأن الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها، وأن اللهَ يبعثُ مَن في القبور، فيقينيَّاتٌ أمامنا: لقاءُ الحق جل جلاله، وبرزخ إلى يوم يُبعثون، ونفخٌ في الصور، واجتماعٌ للأولين والآخرين، وحكمٌ من ربِّ العالمين. وما على ظهر الأرض فعُدّة وزاد لنا لنتزوَّد منه، ثم يتخرب، ولا يبقى شيء، فهذا الاستقرار في الأرض إلى حين، وبقاؤها إلى أجل معين، وكذلك ما تعلّق بها من كواكب، وما اتصل بها مِن بحار وجبال، كل ذلك له أجل، ولكن مُدّة ما أُتيحت الفرصة فغنيمتُنا نستنشق هذا الهواء ونتغذى بما تيسر لنا من طعام وشراب، ونلبس ما تيسر لنا من ثياب، ونسكن مساكن على ظهر الأرض، ونطبّق شرعَ الله، ونعمل بمنهج الله ونتبع سُنّة محمد بن عبدالله، هذا المقصود! هذا الأساس في هذه الحياة! وهذا يأخذ مدى إلى وقت، ولن تبقى الأرضُ على ما هي عليه، ولا الجبال، ولا البحار ولا النجوم ولا الكواكب ولا الشمس ولا القمر ولا السماوات العلى، (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلا  *  الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا  *  وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا) صلى الله عليه وسلم، جعلنا اللهُ ممن اتخذ مع الرسول سبيلا، اتخذ مع الرسول سبيل إلى أين؟ إلى الرب! (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)، لكن مع هذا، من دون معيّة هذا لا سبيلَ إلى الرب، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا)، (فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا)، جل جلاله وتعالى في علاه.

 نتخذ سبيلَنا إلى المولى جل جلاله بطمأنينَتِنا بأمرِه، بطمأنينتنا بذكرِه، بطمأنينتنا بأمرِه، بشرعِه، بمنهجِه، نطمئن إليه، ونفرح به، ونعظِّمه، ونرتقي في مراقي الإحسان في تطبيقِه، وتنفيذه، وأدائه على الوجه المَرضي، هو أسرارُ خلافةٍ عن الحق جلاله وتعالى في علاه، تُورثُ صفاءً في الفؤاد، وقرباً من رب العباد، لا قربُ أجساد، ولا قرب مسافات، ولا قرب أماكن، ولا قرب مظاهر، ولا قربُ شيء من هذه الحسيّات قط، انكشافٌ لحجاب، ورضوان من ربّ الأرباب، وترادُف للودّ وفيض الفضل وانسياب، للذي هو أقربُ إليك مِن حبل الوريد، ومَن الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد؟ ما هذا القرب؟ لا مسافة لا مكان لا صورة.. وهو قرب أطيب، أعذب، ألذّ، لا تستطيع أرواحُ الخلائق أن تذوقَ مثله، ولا أن تجد حلاوةً أحلى منه، تسري منه سرايات وتبدو بدايات، في الطمأنينة بذكر الله، والأنس بطاعة الله تعالى في علاه، إلى حدّ أن يقولوا: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه في الليل لجالدونا عليه بالسيوف"، هذا يبدو منه بدايات، وتبرز منه شؤون وحقائق مخبّأة، إلى يوم اللقاء، ثم دخول الجنان ثم كشف الغطاء ورؤية الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، وهناك حقائق لذائذ هذا العطاء الأكبر، والمنِّ الأفخر، مِن حضرة عالمِ ما بطن وما ظهر، ربّ الأوائل والأواخر، بيده أمر الباطن والظاهر، بل (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)، (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) ما استخلفَنا فيه مِن فكرٍ ومن عقل ومن سمع ومن بصر ومن جسد ومن روح ومن مال ومن حال ومن ذوق ومِن جاهٍ استخلفنا فيه، (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، والملك ملكُه، لكن تُستخلف وتُستودَع فقط، لك استخلاف واستيداع، فإذا قمت بحق الوديعة، قمت بحق ما استخلفك فيه، جل جلاله وتعالى في علاه. على ما يحب منك ورَّثك بذلك الملك الكبير (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا* عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  *  إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) قال الله هذه حقيقة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) كلامهم كثير، أطروحاتهم كثيرة، يقولون كذا ويقولون كذا (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) وما شُغلُك (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا) لِم؟ لأن نظرك طويل ممتد عظيم منفسح، وهم محصورين، (إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) ومِن محبتهم للعاجلة أخذوا بكلاليبها قلوبَ من أطاعهم ممن بقيت محبةُ العاجلة في قلوبهم فضربوا بعضَهم ببعض، (إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا) مقبل على الكل. هذه الآيات تذكِّر به.

 في الأيام هذه أرسل الله عليهم هذه الريح تحمل بعض الغبار يمر على بعض الديار يذكّر باقتدار، يذكِّر أن من ورائكم قهّار، تقف عنده أسلحتُكم، تقف عنده إمكانياتكم، تقف عنده اتصالكم بذا أو بذاك، تذكرة، ما وصل إلى دياركم إلا العشر أو أقل من العشر، مار في طريقه، ليتذكر من يتذكر، وليعلم من اغتر واعتدى وظلم، أنه مخبأ له من سيف القدرة، التي تسيِّر الكواكب والنجوم ما لا طاقة له به، وأي ظالم على ظهر الأرض من يوم أنشأ الله الأرض، ما كانت عاقبته عبرة.. من هو؟ من هو هذا؟ ولا عاد ولا ثمود ولا أصحاب الرس ولا فرعون ولا قوم لوط ولا قرون بين ذلك كثيرا، كلهم كانوا عادوا عبرة للمعتبر، وذكرى لمن يتذكر (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، وإن الله ليملي للظالم حتى يأخذه فإذا أخذه لم يفلته، ويصير كل شيء عبرة.

 الحجاج بن يوسف الثقفي.. في أيام وفاته، وهو في سكرات الموت طال عليه النزع أسبوعاً، فكانوا يقولون له ما بك؟ يقول: إن الله قتلني بكل نفس قتلتُها قتلة، وبسعيد بن جبير مائة قتلة، ذاق الموتَ وهو في الدنيا، اول وثاني قتلة، وثالث قتلة قال قتلني الله بكل نفس قتلتها، بالألوف التي قتلها كلها تقتّل في خلال الأسبوع هذا، لا إله إلا الله، هذه عظمة الله سبحانه وتعالى، وسعيد بن جبير من سادة التابعين، رجل صالح، قتله هذا الإنسان، بما أغوته نفسه وبما أغواه هواه..

 ما اسمك؟ قال سعيد بن جبير يقول أنت شقي بن كسير، قال أبي أعلم باسمي منك، ما سماني كذا، ولما قدمه للقتل اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، فكان آخر نفس قتلها، واشتد عليه النزع به، ومضى..

 واللي قبله واللي بعده ما بال الناس لا يعقلون؟ ما بال الناس لا يفكرون؟ ولكن إذا أراد الله أمراً سلب أهل العقول لعقولهم حتى ينفذ قضاؤه في البريّة، وبعد ذلك يرجع الفاعل نفسه يقول ما الذي أوقعنا في هذا؟ وما الذي قادنا إلى هذا وساقنا إلى هذا؟ والفائز من جعل قيادته في محل محبوبية الحق، محل كرامة الحق ومحل نظر الحق، جعل هذا قدوته عليه الصلاة والسلام. هو الفائز في الدنيا وفي الآخرة، جعله الله مقتدانا في كل نية، مقتدانا في كل سكون وحركة، مقتدانا في كل قول وفعل.

 يارب، ولا تجعل من أحوالنا وشؤوننا شيئاً على غير الاقتداء بنبيك المحبوب، واجعل هوانا تبعاً لما جاء به إنك أكرم الاكرمين وأرحم الراحمين.

 ومهما اختلطت الأمور على الناس فالمستبصر يجد له المبصِّر ويجد له المذكِّر من الآيات الكونية والقرآنية وألسن الدلالة التي تكفَّل الله بإبقائها في الأمة إلى آخر الزمان، حتى يجد ابنُ مريم إذا نزل في الأمة قوماً مثل حوارييه، أنصار لله ولرسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بتجي أيام سيدنا عيسى وبينزل في الوقت الذي حدده، ويسبقه فتن أشد من فتنا هذه الموجودة عندكم الآن، فتنة الدجال، مِن شر ما يُنتظر من الفتن، تعرفون هذه الفتن وحجمها القائمة؟ فتنة الدجال أشد منها، وقد وكل الله كلَّ نبي يحذّر قومه من فتنة الدجال، حتى جاء خاتم الأنبياء حذّر وزادنا بيان ما ذكره الأنبياء قبله، وقال مهما خفي عليكم من شأنه، فإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، صاحب العجز وصاحب مظهر الضعف ما يقدر يرد عينه ولا يصلح عينه ومع ذلك يدَّعي ما يدَّعي، وهكذا، الناس يتبعون هؤلاء العجزة الذين مظاهر الضعف بادٍ عليهم ولكن يصفقون قفاهم ويؤلِّهونهم ويتبعونهم ومع ذا تحذير على ألسن الأنبياء كلهم، اليوم الأول يمتد له مقدار سنة، وأكثر أهل الأرض يتبعونه، إلا من ثبّت الله (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء)، يا من يفعل ما يشاء اجعل مرادك فينا خيرا، اجعل مرادك فينا خيرا، ونلحُّ عليك يا حي يا قيوم أن ترحمَنا في عجزنا وضعفنا، وأن تكفينا شر الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، إلهنا إن لم يكن بك علينا غضبٌ فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسعُ لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة أن ينزل بنا غضبُك أو يحلَّ بنا سخطُك، لك العتبى حتى ترضى، لك العتبى حتى ترضى، فعنا وعن أهل المجمع ومن يسمع تبنا إليك يارب، واعترفنا بما كان منا من تقصير، وعن بقية الأمة يارب نعتذر إليك ونتوب إليك، ونستغفرك، لك العتبى حتى ترضى، ولك العتبى بعد الرضى، لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم، فرِّج عنا الهموم والغموم، ونلحُّ عليك في ما نزل بنا أو بساحلنا أن تعزَّ الإسلامَ والمسلمين وأن تصلحَ مَن في صلاحه صلاح المسلمين، وتهلك مَن في هلاكه صلاح المسلمين، في بقية يمننا وفي شامنا وشرق الأرض وغربها، قصِّر مدة هذه الفتن التي تختبر بها الأمةَ وتبلوهم بها، وائذن بظهور الحق والهدى ونشر راية خيرِ مَن علَّم وهدى، عبدك المصطفى محمد المقتدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وثبِّت أقدامنا على اتباعه في جميع أحوالنا ظاهراً وباطناً يا الله، لا تخلِّف منا أحداً عن ركبه والدخول في حزبه والسير في دربه حتى نشربَ من شربه، آمين ياربنا، يا مجيب الدعاء يا من لا يخيب الرجاء، وألحُّوا عليه واصدقوا في التوجه إليه جل جلاله، وزيدوا وأولادكم رجوع إلى الله، إنابة إلى الله، (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) وعاب على الله قوم تمر عليهم الفتن لا تضرعوا ولا رجعوا ولا بكوا، وراء الإذاعات والانترنت يدورون أخبار بتصلح بكم ايش ذي الاخبار؟ بتقدم إيش وبتأخر؟ وذا يتكلم وذا يحلل وذا يطلع وذا ينزل، وكلها اختبار من الحق يختبر به عباده، لكن حقيقة الفوز والسعادة والحل للبلايا والدفع لها رجوع إلى الله، إنابة، قلوب تتصل بالحق، إقلاع عن الذنوب، تبديل قطيعة بِصِلة، تبديل ترك صلاة بمحافظة عليها في جماعة، تبديل تَتبُّع مناظر سيئة خبيثة بمطالعة في قرآن، والمطالعة في سُنة سيد الأكوان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، تبديل معاملات الربا بالمباحات والصدقات والمعاملات المشروعات، بهذا يكون استنزال نصر الله تعالى، واشتدادها مِن أي جانب مؤذنٌ للمقبلين على الله بقرب الفرج، كان نبينا يتمثل بمثلهم هذا السابق "اشتدي أزمة وتنفرجي"، اشتدي أزمة وتنفرجي، إذا اشتدت انفرجت.

مهما اشتدت في جانب كانت مبشرة، باقتراب الفرج، قال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)، (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فماذا تعمل؟ قال (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)، كل ما كملت عمل صالحة اشرع في الثاني (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)، هذا الحل، هذه النجاة وهذا الفوز وهذه السعادة.

 طوبى لعبد من الطاعات نحره ملاه**  محبة الخير واهل الخير قوته وماه

بركة العمر إذا عمرك مضى وأنت طايع** تعبد الله دايم وانت خاشع وخاضع

 فالحمدلله على ما أنعم ويسر لنا ولكم من هذا الخير، ومن التوجه إليه سبحانه وتعالى وما أتاح لنا مِن الفرص هذه الكبيرة التي بين أيدينا، وإن شاء الله حجم المشكلات هذه يقصر ويصغر، ويأذن الله برفعها، يقرِّب أيامها ويجعلها سبحانه وتعالى تنطوي، بفضله، بألطافه الخفية، وإلا، فلها حدٌّ محدود وعدٌّ معدود إلا أنه جعل فيما حدَّ من حد توجهات القلوب الصادقة، بالتضرع إليه قد رتّب إلى أي حد تحد هذه البلايا وتحصر هذه الرزايا أو تقصّر أيامها، جعله ذلك ومثَّله صلى الله عليه وسلم، بقوله (ولا يرد القضاء إلا الدعاء، وإن البلاء لينزل من السماء فيتلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة) يعني يُكافي هذا هذا، فتنفذُ إرادةُ الله بإيقاف هذا، ولا يصل إلى أهل الأرض، والحمدلله على كل حال.

 ونظر الله سبحانه وتعالى، بواسطة نبيه إلى هذه الأمة قائم وحال بفضله جل جلاله وتعالى في علاه، ولنُحسن المعاملة مع هذا الإله، ولنستعد لهذا المصير، والذي فيه من وقت إلى وقت نفقد ممن يعزُّ علينا وممن والانا، وواليناه في الله ممن تىخينا معه في الله، مِن صغارنا مِن كبارنا، يذهبون ويرحلون، وكلنا إلى ذاك الرحيل، ولكن متاع إلى حين لكل واحد منا ، وعسى غنيمة الوقت وغنيمة العمر وغنيمة الساعات، ويا محول الاحوال حول حالنا إلى أحسن حال، ومن قضيت تقدمهم قبلنا فأجزِل المثوبةَ لهم، والدرجات عندك لهم، واجمعنا بهم في أعلى درجات دار الكرامة وأنت راضٍ عنا من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب وأحسِن خلافتهم فينا، وفي أهليهم وذويهم وأهل بلدانهم والمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 ونطرق بابَ كرم الله، وننادي الفعال لما يريد، اللهم أصلِح من في صلاحه صلاح المسلمين، وعجِّل بذلك، وأهلك من في هلاكِه صلاح المسلمين، وعجِّل بذلك، يا ملك الممالك، يا عزيز يا مالك، يا حي يا قيوم يا الله، ندعوك للشدّة، وأنت نعم العُدّة، فأغثنا يا مغيث، بالغياث الحثيث.. يا الله، ادفع عنا شرَّ كل خبيث، وما أعطيتَ وأنعمتَ مِن أمن أو طمأنينة أو تيسير أو دفعٍ لبلاء فبارِك لنا في ذلك وزِدنا منه ووسِّع لنا فيه، يا خيرَ من نرتجيه، يا مَن إليه ابتهالُنا، وإليه نرفع سؤالَنا وهو أملُنا وقصدُنا يا مغيث يا الله..

 يا سريع الغوث منك يدركنا سريعاً ** يهزم العسر ويأتي بالذي نرجو جميعا

 يا قريباً يا مجيباً يا عليماً يا سميعا** قد تحققنا بعجزٍ وخضوعٍ وانكسارِ

 قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري

 يا الله.. أحيِنا الحياة الطيبة، صُبَّ علينا غيوثَك الصيبة، واجعلنا في أهل الاستقامة المُتحفين بالكرامة، وكلما حل بنا اجعله رفعةً للدرجات، وكفارةً للسيئات، وتوفيراً للأجور الجزيلات، وكفايةً للبليات الأكبر، يا عزيز يا قدير يا مَن فطر، يا مَن هو الذي يقدِّم ويؤخِّر، ويخفض ويرفع ويذل ويعز وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله آمنا بك وبرسولك، فاجعلنا في أهل حُسن اتباعه، مستضيئن بأنوارِ شعاعه، وبه انظر إلينا يا الله، يا الله، يا الله، نرى ونسمع في الأيام القريبات خيرات كثيرات، وعنايات وألطافا ربانيات، ودفعٍ للآفات وتقريبٍ للفرج الأكبر، وكفاية لكل شر، يا من بيده الأمر كلُّه وإليه يرجع الأمر كله، يا ربناإليك اللجاء وعندك المنجى، وبيدك الأمر كله فاجعل لنا وللمسلمين مِن كلِّ همٍّ وغم فرجاً ومخرجا، يا الله، وقد وعدتَنا على لسان رسولك، أن يظلَّ الشامُ واليمنُ محلَّ ملجأ لمن خاف الفتن في بقية الأرض فأرِنا ذلك، لا نشك في وعد رسولك ولكنا ضعافٌ لا نُطيق الابتلاء فعجِّل لنا بذلك، وادفع جميعَ البلاء والمهالك، وحوِّل الاحوال إلى أحسنها يا الله، نتصل بمَن في الأرض من أهل القلوب المتوجهاتِ إليك والمقبلاتِ عليك، والمخلصاتِ لوجهِك، والصادقاتِ معك، فإن توجه غيرهم وائتمروا وتعاونوا واتصلوا وتحركوا وذهبوا وأتوا فمع أهل هذه القلوب نتوجه إليك وحدك يا ملك الملوك، يا جبار يا قهار بيده الأمر أن تلطفَ بنا وبالمسلمين في ما تجري به الأقدار، وتريَنا عجائب لطفك الخفِي في آناء الليل وأطراف النهار، في الإسرار والإجهار، يا عزيز يا غفار، يا قوي يا قهار، يا مَن بيده الأمرُ كلُّه، يا الله، إن اقتضى التجاؤهم إلى ما سواك غضباً أو سخطاً منك أو نزول بليّة فهذا التجاء الملتجئين إليك وحدك يا حي، يا قيوم، يا سميع يا عليم، يا قريب يا مجيب يا الله، فاقبلنا لهم أجمعين، واقبلنا عنهم أجمعين يا خير قابِل، يا دافع كل هولٍ هائل، يا كافي جميع الشواغل والنوازل، يا الله، يا الله، يا الله، وبصدقٍ قولوها، فربُّ العرش يسمعُكم، وليس بينكم وبينه حجاب، يا رب الأرباب، يا مسبِّب الأسباب، يا الله. وقد جرت عادتُك في مَن استغاثَ بك وفي مَن لجأ إليك، وفي مَن تذلَّل لك وفي من سألك ورجاك، فبحق سيدِهم عبدِك المصطفى محمدٍ أغثنا يا مغيث، قريباً بالغياث الحثيث، تدفع عنا به شرَّ كلِّ خبيث، يا الله، أرِنا ما وعدتَنا على رُسلك (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)  يا الله، يا الله، يا الله، وقلتَ في المرسلين قبلنا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) آمنا بك.

 اللهم اهدِنا وارحمنا، واكشِف الغمَّةَ عنا يا قريب، يا مجيب يا الله، وقولوا جميعاً في وِجهتِكم إليه:

يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين فرج على المسلمين..

للاستماع إلى المحاضرة