محاضرة مكتوبة بعنوان: الاعتزاز بمنهج الله وتطبيقه أساس الفوز في الدارين

محاضرة مكتوبة للحبيب عمر بن حفيظ في  دار المصطفى ليلة الجمعة 25 شعبان 1436هـ ضمن دروس إرشادات السلوك بعنوان: الاعتزاز بمنهج الله وتطبيقه أساس الفوز في الدارين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، مولانا الحقِّ الباقي الدائمِ الحيِّ القيوم، الذي أرسل إلينا عبدَه السيدَ المباركَ الطاهرَ المعصوم، فجاءنا بالخير العظيم، والمنِّ الجسيم والعطاء الفخيم، والفتح الكريم مِن ربِّنا الكريم، وكُنَّا به خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناس، فقامت لنا به حقائقُ الفخر والشرف على أقوى أساس، فصلِّ يارب على خيرِ الناس، مقوِّم الأساس سيدنا محمد، الذي جعلته لأهل حضرتك المقدَّم والرأس، وعلى آلِه وصحبه الأكياس، وعلى أهلِ اتباعه بصدقٍ وإخلاص، وعلى آبائه وإخوانه مِن النبيِّين والمرسلين خواصِّ الخواص، وعلى آلِهم وأتباعِهم ومَن سار على دربِهم إلى يوم الأخذ بالنواص، يوم الوقوف بين يديك فلا ينجو إلا أهلُ الإخلاص، اللهم حقِّقنا بحقائق الإخلاص لوجهك الكريم، وثبِّت أقدامَنا على صراطك المستقيم.

 في تعرُّضكم لرحمات ربِّكم جل جلاله، اجتمعتم مجمعَكم، وتوجهتُم إلى هذا الإله الخالق الحق، سبحانه وتعالى، وذُكِّرتم بأيام الله وبليالي الله، وبمواسم الله وبفضل الله، وبرحمة الله، كما أن الحقَّ يذكِّرنا سبحانه وتعالى بالآيات التي أنزل، وأحوالِ النبيِّ الذي أرسل، وبالموت في ما بينَنا، وبطلوع الشمس وبغروبها، وبحركة الأرض ودورانها، وبهذا الهواء الذي نعيش فيه، وبكل الكائنات التي حوالينا، يذكِّرنا أنه هو ربُّ كل شيء، وأنه الخالقُ لكل شيء، وأنَّ إليه مرجع كل شيء، وأن بيدِه ملكوت كل شيء، وأنه الذي رفع السماءَ بغير عمد، وأنه الذي بسط الماءَ على الأرض فجمد، وأنه الذي نصبَ الجبالَ وأنه الذي شقَّ البحار، وأنه الذي سخَّر الليل والنهار، وهو الذي سخر البحر والأنهار، وآتانا مِن كل ما سألناه..

 لك الحمدُ يا كريم، لك الحمدُ يا عظيم، لك الحمدُ يا جليل، جعلتَ مِن أعظم المذكِّرات القرآن الذي شهرُه مقبل علينا، شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، ولمَّا كان ابتداءُ الإنزال في شهر رمضان، كان الحظ الوافر من التنزُّل له أيضاً في شهر رمضان، وتسمعون عن عباد الله الصالحين، ومنهم أحد أئمة الوادي الإمام عيدروس بن عمر الحبشي يقول: إن اللهَ يجددَ لي فتحاً في القرآن في كل رمضان ما لم يكن معي مِن قبل، وهكذا في كل سنة، وكلما جاء رمضان.

 ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، والتنزُّل المستمر لهذا القرآن في رمضان أوفر وأكثر وأكبر، وكان جبريل يعتني بالمدارسة للقرآن مع سيد الأكوان، في رمضان، وكان يُدارِسه القرآنَ في كل يوم ينزل عليه، فلما كان آخر سنة مِن سنيِّ عُمرِ نبيِّنا، كان ينزل في اليوم مرتين، فيُدارس جبريلَ القرآن، وأخبر بذلك السيدةَ فاطمة الزهراء عليها رضوان الله، عند وفاته، وقال لها: إن جبريل كان يعارضني القرآن في رمضان في كل يوم مرة، وفي هذه السنة عارضَني في كل يوم مرتين، لأنها آخر سنة لي في رمضان، وإني ميتٌ مِن مرضي هذا ولاحقٌ بربي، وفاضت عيناها عليها رضوان الله، فأشار إليها، فدنَت مِن فمِه الكريم، وقال: أما ترضينَ أن تكوني سيدةَ نساء أهل الجنة، وأنكِ أولُ أهل بيتي لحوقاً بي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فضحكت بفرحِ اللقاء والقرب من الحبيب الأتقى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 وهذا الذي يترجم لنا معنى قولهم:

 فالموتُ للمحسن الأوابُ تحفتُه ** وفيه كلُّ الذي يبغى ويرتادُ

 لقاء الكريم تعالى مجدُه وسمَا ** مع النعيمِ الذي ما فيه أنكادُ

 وهو الذي عبّر عنه سيدنا بلال عند موته وقال: واطرباه، واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فكان المذكِّرُ القرآن، والمذكر الموت، الذي يأخذ مِن بيننا صغاراً كباراً رجالاً نساءً فُضلاء صُلحاء عُلماء أخيار وفُسّاق وأشرار وبعيدين وكفار، يختطف الكل، ومرجعُ الكل إلى واحد، والحكم بهذا الموت على الكل مِن واحد، جل جلاله ومَبدؤهم من هذا الواحد، ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)، فيا ويح العقول المغترَّة بحُكم الأرض الحقير القصير، الممتلئ بالذنوب، والممتلئ بالظلم، والممتلئ بالسوء، إلا ما رحمَ ربي وهم أقلُّ القليل، ممَّن ملك على ظهر الأرض، فأقام أمرَ الله واستحقَّ المكانةَ عند الله تعالى، تعب من حواليه وتعب مما الناس فيه وتعب من قلة المساعدين.

 وما مكث إلا سنتين وستة أشهر سيدنا عمر بن عبدالعزيز ثم صاح، ولم يجد ذاك المعين على القيام بالحِمل، حتى يُقال إنه دعا ابن أبي زكريا أحد مُجابي الدعوة وقال له: هل لي عليك حق؟ قال: نعم، قال: لي مطلب أحبُّ أن تحلف لي عليه أن تلبِّيه، قال: يا أمير المؤمنين مطلبُك إذا أنا قادر عليه ألبِّيه من دون حلف، قال: أحبُّ أن تحلف، قال فحلف له قال: ادع الله لي بالموت ألقى ربي، لا أريد هذه الحياة ولا ما فيها، قال له: يا أمير المؤمنين، أكون عدوَّ أمة محمد، يموت خليفة مقسط عادل فيهم!! قال: هذا الذي قد حلفتَ عليه فادع الآن، فدعا الله، ثم أشار إلى أحد أولاده صغير، قال هذا الولد أخاف عليه من بعدي الفتنة أو الدنيا ادع الله أن يلحقني، قال: وابنه معه، وأنا معهم.. ففي أسبوع واحد مات الثلاثة، ولحقوا بربهم جل جلاله وتعالى في علاه.

هكذا شان هذه الدنيا ولكن المُلك الكبير للملك الكبير جل جلاله وتعالى في علاه. يؤتي مِن مُلكه الأصفى الأوفى الأدوم الأبقى لأهل التقى، للمؤمنين الصادقين أرباب الجنات، التي قال عنها سبحانه وتعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) قال الله لحبيبه، هذه الحقيقة فدع مَن تخبَّط مِن الخليقة، أنذِر وبشِّر وحذِّر وذكِّر، ودع مَن تخبَّط بعد ذلك، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ما أدري كيف رَخُص دينُ الله الغالي على كثير من المؤمنين فأطاعوا الآثمَ وأطاعوا الكفور، في المكروهات، في المحرمات، في ترك الواجبات، رموا بمنهج الله، بشريعة الله، بهدي محمد بن عبد الله وأطاعوا الآثمَ وأطاعوا الكَفور، رَخُص دينُهم عليهم، ذهبت عظمةُ ربِّهم مِن قلوبهم، مؤمن مسلم متبع للنبي محمد يغترُّ بكلام كافر! إما في زي أو في مظهر أو في معاملة أو في ربا، أو في تبرُّجِ أهله، أو في إضاعة صلاة، أو في تناول المسكرات والعياذ بالله. التي يُحرم أهلُها المغفرة حتى في رمضان.

 لما ذكر صلى الله عليه وسلم رمضان، والعتقاءَ مِن النار كلَّ ليلة مِن رمضان، ستين ألف عتيق، ستمائة ألف عتيق، ألف ألف عتيق، عند الإفطار كل ليلة، فإذا كان آخر ليلة أعتق مثلَ ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، وغَفر فيه لعباده، قالوا: أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن الأجير إنما يُوفّى أجرَه إذا قضى عملَه، فإذا كملوا عملَهم في الشهر أعطاهم الحقُّ تعالى الأجورَ بفضله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يقذف فيه مسلماً ولم يشرب مسكراً غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قذف فيه مسلماً أو شرب فيه مسكراً حبط عملُه سنة)، عمل سنته كله يحبط ما بقي له شيء من الخير فيها، ( ويغفر في آخر ليلة لجميع المؤمنين إلا لعاق الوالدين وقاطع الرحم وشارب الخمر والمشاحن ) هؤلاء أهل صفات مبغوضة عند الله يُحرَمون الخير حتى في شهر الخير والعياذ بالله تعالى، فويحهم ثم ويل لهم، ما تعوضهم بيوتهم ولا سياراتهم ولا أحزابهم ولا قُراهم ولا قبائلهم ولا أموالهم، مَن لهم وهم محرومون مِن مغفرة ربي الغفور الرحيم في شهر القرآن الكريم، مَن لهم؟ يعقُّ والديه ولا يبالي، يقطع رحمَه ولا يبالي، يشرب الخمرَ ولا يبالي، يشاحن على هذا وعلى هذا، في قلبه شحناء على عشر عشرين، على مائة من المسلمين، أيُّ قلبٍ هذا؟ ما ترتجي المغفرة من ربك؟ وما تعلم قدرَ حياتك؟ ولا تستعد للقاء الكبير، وتتزود لهذا المصير، ولتلك الدارِ الآخرة، التي قال الله فيها (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا) اللهم اجعلنا منهم (تلك الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، وما هو المسلك الصحيح في الحياة؟ عنوان النجاح، هو في الأفكار المختلفة مختلف، هذا عنوان النجاح وظيفة عنده، وهذا عنوان النجاح وزارة، وهذا عنوان النجاح تمثيلية، وهذا عنوان النجاح ذِكر في بعض القنوات وهذا عنده عنوان النجاح سيارة .. ليس هذا، خالق الدنيا والآخرة والأرض والسماء ورب الكل، ذكر ميزان غير هذا، قال لحبيبه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا)، هذا عنوان النجاح، هذه علامة الفلاح، هذه علامة الفوز، (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) واسلك أنت المسلك الصحيح، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا).

 هذه سِير رجالنا تذكرنا بهذا، كل ما ساعة فقدنا رجلا، فقد امرأة من الصالحين يذكِّرون بهذا، في ذي الأيام الحبيب محمد بن علوي أبو نمي عليه رحمة الله تعالى، القائم في محل الحبيب عمر بن أحمد بن سميط أحد أئمة هذه المدرسة الحضرمية، وهذه الطريقة العلوية عليه رضوان الله، لحقَ بربِّه سبحانه وتعالى، وفقدنا بعضَ النساء في القريب والوالدة في الأخير عليها رحمة الله وهم من المذكِّرين بـ (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا) كانوا على هذا الحال، وذِكرُ الموت والآخرة لهم منهم على بال، مَن أكثر ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة، ومَن نسي ذكر الموت وجد قبره حفرةً من حفر النار، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وإذا ذكرنا من الصالحين من الرجال أو النساء، وجدنا التمثيل لحياة البشرية الصحيحة المنتظمة القائمة على الهدى، الرجال والنساء، تكامُل فيهم، وكلٌّ قائم في الحياة بأدوار بلا فساد، ولا تبرج، ولا اختلاط ولا احتكاك ولا شر ولا ضر ولا شيء مِن هذه البلايا اللي جاءت بها ما سموه بحضارة، وهذه المفاسد غاية الحقارة، ما لها دخل في الحضارة، ما تعلَّق بمصانع أو ما تعلق بماديات مائدة بسطها الرب يستوي فيها البرُّ والفاجر والمؤمن والكافر وما بها الشرف، ومَن قام بشيء مِنها أخذ منها شيء، إن أطاع الله فيه ربح وإن عصى الله به هلك، لكن حقائق العمل والمنهج في الحياة مع صالحينا والصالحات.. وأنا أتعجب مسلم يتجاهل منهج ربه، ويتجاهل هديَ نبيه، ويتجاهل أزكى الأشياء على ظهر الأرض، ترفع هذا الإنسان وتُعلي مقامَه، ويصدِّق أفكار الكفار، وأفكار الفجار، تمر عليه لا يصلح كذا لا يصلح كذا، أنتم أرسلكم ربي لنا؟ أنتم خلقتمونا؟ أنتم ترزقونا؟ أمرجعُنا إليكم؟ أنتم مثلنا بشر تعالوا نعلّمكم، تعالوا نهديكم بها، (هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) يا مُغتَر بمظهرك، يا مغتر بمالك، يا مغتر بطائراتك، يا مغتر بقنابلك، أنت على خطر كبير، ومقبل على سوء المصير.. ويل لك إن متَّ على هذه الحالة.

السعادة في الخضوع لأمر الله، يا ويل مَن لم يؤمن بالله، (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) هذا تحليل ربي عنهم، (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) فماذا يعملون في الحياة قال (فَهُمْ يَعْمَهُونَ)، وذا العمه اللي ودَّى البشرية إلى الشرور المختلفة، حتى ما رأينا قيمة الإنسان، سقطت في مثل هذا الزمان في ما مضى، سقطت قيمة الإنسان، وصار من أجل أبسط سياسة، أبسط مبدأ، أبسط مذهب، يتعصب أصحابه أو يؤجَّج فيهم العصبية تُستَحل الدماء، ما عاد شي قيمة للإنسان، ما عاد شي قيمة للدم، ما عاد شي قيمة للنفس ولا الحرمة، هذه الحضارات أوهذه التقدمات أو هذه التطورات، هذا نتائج الغفلة عن الله، وزيَّن الله لهم عملهم (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، ولكن للمؤمنين عرفوا الزينة مع مَن، عرفوا الزينة ما هي، تزيّنوا بتقوى الله، لباس لا يَبلى، ولا يَخلَق، دائم الشرف والكرامة، له الروائحُ العطِرة الزكية الذكية، هكذا يا معشر المؤمنين.

 وإذا فقدنا هؤلاء تذكرنا كم اغترَّ المؤمنون وكم اغترَّ المسلمون، بأقاويل الفجرة والكفرة ولا رجل قام بحق الرجولية في الأرض ولا امرأة قامت بحق المرأة والإنسانية لأنوثة المرأة على ظهر الأرض، في ما شرع الخالقُ الذي خلقهم وكوَّنهم، ما حد منهم جعل نفسه ذكر بنفسه ولا جعل نفسه أنثى بنفسه، الذي جعلهم ذكور وإناث قال هذا المنهج. فمن ذا بيجيب أحسن منه؟ وما الذي جهله ربي ونسيه ربي وهم يذكرونه؟ أستغفر اللــــــــــه، أستغفر الله، إذا رأينا إلى أحوال هؤلاء الصالحين وجدنا الاقتصاد، وجدنا الأسرة، وجدنا الاجتماع، وجدنا التدبيرَ في المعيشة، وجدنا إقامةَ أمر الله، وجدنا الدين، وجدنا خيرَ الدنيا.. تعرف خيرها؟ خيرها، الشر لا يوجد، وخيرها لقمة منه من حلال، مثل هذه إذا لم يجد لها من الإدام إلا ملح أو ليمة حامضة ذاقها بحلاوة ما يذوقها أهل السُّفر والموائد ذي اللي على تبسط لرؤساء الأرض ولا لغيرهم، يتحلى بها ويتذوقها ويتنعَّم وهو في الدنيا.

كان إذا ذكر أيام طلبه العلم في تريم الحبيب محمد الهدار عليه رحمة الله، يقول: إذا خرجنا في رمضان، بعد العصر وضعنا على القِدر بعض حبوب من الرز فيها الماء والملح، ولا شيء غير ذلك، خرجنا نحضر الروحة وهي على الجمر فوق الموقد وخرجنا حضرنا الروحة وصلينا المغرب وفطرنا وصلينا التسابيح رجعنا وجدناه قد نضج، ليمة نفكها فوقه ونتعشاها، قال والله طعمها إلى الآن في فمِي أحلى من هذه الموائد التي تُبسط كلها اليوم. هذا في الدنيا وهذا في الظاهر،

ما أدري ما الذي يغرُّ الناس، صورة زينة لا حقيقة لها، الزينة في تقوى الله جل جلاله وتعالى في علاه. وإذا أخذوا علينا قيمة من القيم أو خُلق من الأخلاق وجاؤوا بدنياهم كلها سكبوها لنا لكان ما فاتنا خير مما حصّلنا، ولا يفيدنا ما حصّلنا، حافظوا على قِيمِكم. حافظوا على أخلاقكم، حافظوا على سِيركم، حافظوا على صدقكم مع الرب جل جلاله وتعالى في علاه. فإنه عند مثل ذا المصير الذي صاروا إليه أمهاتنا هؤلاء وآباؤنا ورجالنا، على ماذا يشكرون؟ وعندما يصير كلُّ واحد إلى هذا، حد من النساء بتشكر أنها تبرَّجت؟ وبتشكر أنها لبست الأكمام القصيرة ولا بعَّدت الكم كله ما عاد له وجود، وإلا جابت لها شبك، هو ذا ثوب؟ شبك في صرتها وشي في... وهي عروس وغير عروس ما هذه السقاطة والرذالة والتسفيل بالقدر وبالنفس!؟ هذه تبعية مقيتة، ساقطة هابطة، تُبعد عنِ الله، وتُبعد عن محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. ولا فيها فائدة لا مِن قريب ولا مِن بعيد، ولا شرف ولا فخر ولا حقيقة زينة ولا كرامة ولا نعيم، ولا لذة ولا راحة، لما ضيَّع الناس هذه الآداب أصبحنا نسمع اليوم الفشل في الأسر، كثرة الطلاق، مشاكل كبيرة، تشبه مجتمعات الكفر والغرب، ما كان هذا معروف في بلاد المسلمين، ليش جات؟ تابعوهم في أخلاقهم وعاداتهم وتابعوهم في النتائج وقعت لهم النتائج التي وقعت لأولئك لأن ربَّك عنده ميزان، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا) (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ما هي بأمنية أحد، اللي يقول (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) او أنا وأنت ما هي بالأماني، (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)، أنت تعجبك شي من الألقاب اللي ينسبونها، جاؤوا بناس من أرذل خلق الله في الأرض، حد سموه نجوم وحد سموه كواكب، ولا نجم ولا كوكب، ظلمات بعضها فوق بعض ، تغرك هذه الألقاب شوف اللقب (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) سمعها أعرابي مِن إمام يصلي قال: لقد قرَّت عين إبرايم، بدوي على الفطرة مؤمن، (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) لقد قرَّت عين إبراهيم يا بخت إبراهيم، فاز إبراهيم، اتخذه خليلاً رب العرش، هذه الألقاب الكبيرة، هل تريد الألقابَ ذات الفخر والشرف وتتصل بأصحابها، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) صلى الله عليه وسلم. تريد المراتب والمقامات، والألقاب الرفيعات.. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ونعم القوم ونعم الملجأ ونعم الملاذ إليهم، ويومئذ كلٌّ يتمنى القربَ مِن هذا الرسول حتى الظلمة، حتى الفسقة، كلٌّ يتمنى القربَ من سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم. الله به يهيئنا لحسن خاتمة شعبان ولاستقبال رمضان، ولعل نظرة من نظرات الله هذه الليلة تنزل بقلوب المُقبلين على الله وتهيِّئ جوائز رمضان من الآن، ونفحات رمضان من الآن، فإنه ورد في الحديث: يكتب الله أجرَه ونوافلَه قبل أن يُدخِله، ويكتب شقاءه وإصره قبل أن يُدخله، وأشار إلى وجه ذلك.. فقال إن المؤمن يعدّ العدة من النفقة للعبادة، وإن المنافق يعد تتبَّع عورات المسلمين ومعايبهم، والعياذ بالله. فالله يجعلنا مِن أسعد الناس بخاتمة هذا الشهر، وبقدوم رمضان، ويجعلنا من خواص أهله ظاهراً وباطنا.

الله يرزقنا حسنَ التذكر وحسن التبصر وكمال التنوُّر والبركة لنا في خاتمة هذا الشهر وفي قدوم شهر رمضان. وفرج للأمة يغيث الله بها مَن تقدّم قبلنا إلى البرزخ، الله يجعلهم مفاتيح رحمة لنا ولأهل لا إله إلا الله، يكشف بهم الغُمم ويُجلي بهم الظلم، ويدفع النقمة عنا وعن الأمة في المشارق والمغارب، فما معنا إلا الله، وذهب الناس ملتجئين إلى بعضهم البعض يمنة ويسرة، وقلَّ الملتجؤون إلى الرحمن، وقل المراجعون لأنفسهم في إقامة أمر الدين والذلّ الذي وقع على الأمة لا يُنزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، وحتى يعظِّموا أمر ربهم جل جلاله وتعالى في علاه، وعندها يأذن الله سبحانه وتعالى بكشفِ الغمَّة والبلية وهكذا هكذا.

 ولربكم إكرامُ وفادة مَن أحبّ من عباده إذا وفدوا عليه، ولما رأوا سيدنا الإمام معروف الكرخي عليه رحمة الله، توفي ببغداد فرؤي بعد وفاته ما فعل الله بك؟ قال: أكرمني لما وردتُ إلى البرزخ فأعتق عشرين ألف عن يميني وعشرين ألف عن يساري، وعشرين ألف أمامي وعشرين ألف من خلفي، أعتقَهم ربي من النار، في يوم وصوله إلى عند أهل البرازخ. فضلُ الله تبارك وتعالى.. فإذا كان الصالحون يقولون: الجار الصالح ينفع في الدنيا وفي الآخرة، كما أن الجار السوء يضرك، ويُتعبك، في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله تعالى.

 كان بعض الذي ماتت له ابنة صغيرة وقلبه مشغوف بها يراها دائماً، مرة بعد الأخرى، فرآها ذات ليلة وشعرها أبيض، قال ما هذا يا بنتي!؟ وقع عليكم عذاب؟ قالت ما وقع علينا عذاب، ولكن أمس مات فلان بن فلان قبر عندنا في المقبرة فزفرت جهنم لقدومه زفرة شابَ منها كلُّ رضيع. قال كل رضيع منا شاب بقدوم هذا الخبيث الذي قبروه عندنا في المقبرة والعياذ سبحانه وتعالى.

كان بعض المتدبرين لكلام الله يمشي في هذه المقبرة، في الفريط عندنا في بشار ويردد قوله تعالى (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، يتدبر كلامَ الله، وإذا بصوت من قبر يقول مر يا هذا في قرائتك ما بيننا شقي، نحن ما عندنا أحد هنا شقي، فإن الله سبحانه وتعالى إذا أسعد أسعد، جل جلاله وإذا أسعد بقعة ما يدفن فيها شقي إلا نقل عنها، ولا يبقى له بقية فيها والله يلحقنا بالصالحين، قال سيدنا موسى: يارب أدنني من الأرض المقدسة رميةَ حجر.

وكان في بعض مدننا في اليمن حفار للقبور يحفر، قال في ليلة رأى اثنتين قد ماتتا، تقولا له في النوم فلان بن فلان بيموت لا تقبره عندنا ولا قريب منا، انتبه، ورجع إلى النوم، قال اسمع فلان بن فلان بيموت لا تقبره عندنا ولا قريب منا، ثالث مرة قام آخر الليلة وخرج إلى الفجر يصلي.. جاؤوا له قالوا فلان بن فلان مات نفس الاسم، قال وجئت للمقبرة حصلت محل القبور عندهن هذول، قلت لا والله وجئن في الليل أرواحهن ما أقربه منهم، قال رحت إلى الطرف الثاني بعيد قبرته هناك، بعيد منهن، قدهن فزعانات من وصوله من قبل ما يصل.

 وهكذا لما رأى سيدنا الفقيه المقدم شيخه علي بن أحمد با مروان، قال كيف حال أهل البرزخ؟ قال يتمنونك يا فقيه كما يتمنى أهل حضرموت الرطب، كما يفرحون بالرطب قال يتمنون بيوم وصولك إليهم، وقدومك عليهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ).

 فيجب أن نعود إلى حسن الاستمساك، فإنه وقع الانحدار في الفترات الأخيرة لأهل الإسلام والإيمان، بقيت كثير من القواعد التربية والسلوك متسلسلة من ذاك العهد إلى هذا العهد، إذا ذكرنا مثل الوالدة عليها رحمة الله، الثوب اللي هي تلبسه من أيام كانت في الصِّغر إلى ليلة وفاتها واللي ماتت فيه، أظن لو أحد تأمل حاله يجده مسلسل من قرون وإذا نظر إلى لباس فاطمة ومن عندها ما يبعدها عن هذا اللباس، ما أثَّر فيه حضارة المتحضرين ولا تقوُّل المتقولين ولا أفكار الكافرين من قريب ولا من بعيد، وكانت تحمد الله قالت ما لها التفات وحظ من الزينة، ما دخل يدي شيء من هذا الحلي طول عمري، وهي فرحانة بذلك، عليها رضوان الله تبارك وتعالى. فإذا رأت شيء من تيسير الدنيا قالت يارب عرَّبت في الدنيا عرب في الآخرة، أمر الآخرة أكبر والفكر هناك، والاستعداد لذاك، واليوم كم عندنا في الوادي باقيات على هذا المسلك؟ ما تلطَّخن بشرور الفجار والكفار لا في زي ولا في كلام ولا في فعل ولا في فكر ولا في معاملة، المؤثر القرآن، السُنة، كلام الصالحين، هديُ الأصفياء الأتقياء هذه المؤثرات، ما تأثروا بغير هذا ولا أصغوا لغير هذا، أصغوا إلى كلام الحق ورسوله صلى الله عليه وسلم. عسى تدارُك لنا وللأمة وتحويل الاحوال إلى أحسنها.

 يارب يقدم رمضان علينا وأحوال الأمة أنت أدرى بها.. انظر إلى رجالنا ونسائنا، وصغارنا وكبارنا لا تسلِّط عدوَّك علينا، ولا جنود عدوك علينا، في فِكر ولا في نية ولا في مقصد ولا مسلك ولا في لباس ولا في قول ولا في فعل، اجعل هوانا تبعاً لما جاء به نبيُّك محمد، أكرِم نُزلَ هؤلاء واجعل اللهم مِن قِراهم أن ترحمَنا والأمة، وأن تأذن بدفعِ البلاء وكشف الغمة، وأن تُقبل علينا رمضان بفرج وتقويم للمعوج، وصلاح للحال ودفع للبلايا والأهوال وتوفيق لما تحب، يا مَن وفق أهلَ الخير للخير وأعانَهم عليه وفقنا للخير وأعنّا عليه، ولا تصرف أحداً من المجمع ولا ممن يسمع وإلا وقلبُه منوّر وفؤاده مطهّر، وحاله منك منظور بخير النظر، يارب لك في أول ليلة من رمضان نظرة إلى العباد، ومَن نظرت إليه لم تُعذِّبه أبدا فلا تحرم منا أحداً تلك النظرة، لا تحرم منا أحداً تلك النظرة يا الله، وتوجهوا جميعاً إليه تعالى في علاه، وقولوا:

 ألا يالله بنظرة من العين الرحيمة تداوي كل ما بي من أمراض سقيمة..

 للاستماع إلى المحاضرة