خطبة مكتوبة بعنوان: أول ما يحاسب عليه ويُقضى فيه من حقوق الحق والخلق

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جامع الحسين بن طلال في العاصمة الأردنية عمان، 24 جمادى الأولى 1437 هـ بعنوان: أول ما يحاسب عليه ويُقضى فيه من حقوق الحق والخلق

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد للهِ الخالقِ المتفرِّد بالخلقِ والإيجاد، جامعِ الأولين والآخِرين ليومِ الفصلِ والحُكمِ والميعاد.

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، بيدِه ملكوتُ كلِّ شيء، فما أشدَّ أحوالَ المكلَّفين إذا بلَغهم عنه الهُدى والرشاد، ثم اختاروا وقصدُوا بغياً أو ضرّاً أو الإفساد.

 وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ العباد، الهادي إلى طريقِ الهدى والرشاد.

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدِك المصطفى سيدِنا محمدٍ أعظمِ مَن عرفكَ وخافَ يوم الرُّجعى والمعاد، وقام بحقِّ العبودية لكَ في كلِّ خافٍ وبَاد.

وقفَ على منبرِه الشريف قبل وفاتِه بأيامٍ معدوداتٍ يقول: أيها الناس: مَن كان له عندي مظلمةٌ في مالي فهذا مالي، أو في جسدي فهذا جسدي فليستَقدِ مني، اللهم أدِم الصلوات على عبدِك المُنصفِ الهادي، وعلى آلِه وأصحابِه أهلِ الشرف والمجدِ والسموِّ في كل خافٍ وبادي، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، عباد الله ..

فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا اللهَ يا عبادَ الله، وأحسِنوا يرحمْكم الله، إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين، ومن اتقى الله عاش قوياً وسار في بلاد الله آمنا..

 ومَن ضيَّع التقوى وأهمل أمرَها *** تغشَّته في العُقبى فنونُ الندامةِ

أيها المؤمنون بالله:

يفقهُ الذي آمنَ بالخالقِ الحقِّ أنه مخلوق، وأنَّ منهاجَ الخالقِ جاء إليه على يدَي أشرفِ الخلائق، وأقام له جانبَ الحق الخالصِ بينه وبين إلهِه الخالقِ سبحانه، والحق الذي شرعه للمخلوقين على بعضِهم البعض، فهو سبحانه يرعى الأمرَين ثم يحاسبُ ويحكمُ بين المكلفين في شؤون خالقِهم والشؤون بينهم البين.

أيها المؤمنون:

ما أعظمَ الشريعةَ التي تقوِّم ما بين العبدِ وبين ربِّه، وتُقيمُه مقامَ الإنصاف، ومقام الإعتراف بالحق، ومقام الرعاية للواجب بينه وبين المخلوقين كافة، مِن مؤمنين أولا، ومِن عموم الناس ثانيا، ومن الحيوانات ثالثا، بل مِن رعاية الحقِّ حتى للجمادات رابعا.

 فما أعظمَها مِن شريعةٍ كاملةٍ بديعة، وإنَّ الجبارَ الذي أنزل هذه الشريعةَ رحمةً منه بعباده وإليه يُرجعون فيحكم بينهم ويقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فلا ينجو إلا مَن اتقاه وأتاه بقلبٍ سليم، قال سيدنا الخليل إبراهيم في دعائه:

( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )

 

أيها المؤمنون:

وخُذوا لمحةً عن الخطر الذي يداهمُ المكلفَ في يومِ القضاء ويوم المحشر ويوم الحكم ممَّن لا معقِّبَ لحُكمِه، ولا رادَّ لقضائه ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)

 ( وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ  فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )

أتُريدُ أن تفقَه مما فقَّهَكَ نبيُّك ملمحَ الخطر في يومِ الفصلِ والقضاء ومن الذي يقعُ عليه الخسران؟ ومن الذي يُعرَّضُ أن يهويَ في النيران؟ فلا يفيدُه شيءٌ مما كان أيامَ العمر القصير الفان، الذي يحصلُ فيه من الإنسان عدوان وطغيان وأمورٌ غريبةٌ لا تليقُ بمن خُلِقَ مِن نُطفة، وتحوَّل إلى علقَة ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام ثم كُسيت العظامُ لحماً ثم نُفخَ الروح وأُنشئ خلقاً آخر، فتباركَ اللهُ أحسن الخالقين.

( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ )، وعاش في هذه الدنيا عيشةَ مَن نسيَ خلْقَه، من نسيَ بدايتَه، ونسيَ نهايتَه، فبالله عليكم أيوصفُ بالعقل والكياسة مَن نسيَ بدايتَه ونهايتَه، ثم يُقال أنه أعدَّ نفسَهُ في واقع هذه الحياة أو في أيام هذه الحياة القصيرة.؟ لا والله، إنما يعقِلُ مَن كان في الحياةِ القصيرةِ على بصيرة، يسير ببصيرتِه في خيرِ سيرة، يتوقَّى ما يورِدُهُ المواردَ المُهلكةَ الخطيرة.

أيها المؤمنون بالله:

نَفْقَهُ مما فقَّهَنا النبيُّ محمد بن عبد الله عن هذا المصير والمستقبل الكبير، نعم والله، إنه المستقبل الكبير وليس المستقبل الكبير في نظرِ ذي العقل الكبير والنظر الواسع المستنير أربعين سنة ولا ثلاثين سنة ولا عشرين ولا ما يقاربُها في الحياة الدنيا، ليست هي المستقبل الكبير.. والله العظيم.

المستقبل الكبير يومٌ كان مقدارُه خمسين ألف سنة، هذا مستقبلُنا ومستقبلُ جميع المكلفين، مَن نسي فهو الغافل وهو الجاهل البعيد عن العقل، من لم يُعِدَّ كيف يكون حالُه في ذلك اليوم فهو الغافل البعيد الجاهل.

في ذلك اليوم يُخبِرُكَ نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن أوَّل الفصل، أوَّل القضاء، أوَّل المحاسبة، هناك محاسبة فيما بين العبد وبين ربِّه، فيما كان خالصاً لله من الحقوق، وهناك قضاء وحكمٌ فيما بين الخلائق بينهم البين، فبأي شيءٍ يُبدَأ؟ وما أوَّلُ شيءٍ يكون؟ ما هي أوَّلُ نقطة، أوَّلُ محطة، أوَّل محاكمة، أوَّل مؤاخذة، أوَّل محاسبة؟ لتعرِفَ أين مكمنُ الخطر ، أما المحاسبة فعلى الصلاة وفي الصلاة، أوَّل ما يُحاسب عليه العبد الصلاة، فإن وُجدَت تامة قُبِلَت وسائر عملِه، وإن وُجِدَت ناقصة رُدَّت وسائر عمله.

فأوَّلُ محطةٍ ومؤاخَذة فيما بين هذا المخلوق وخالقِه خالصاً الصلاة، الصلاة، التي وصّى بها المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأمرِ الله في كتابِه وقال قُبيل وفاته: الصلاة وما ملكت أيمانُكم..

( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ )

وويلٌ لمن للأبناء والبنات يهملون، فيبلغُون السبع فلا يُؤمرون، ويتجاوزون العشرَ فلا يُؤاخَذون، ويُهمل أمرُ الأمين المأمون، وينشأُ في الأسرة مَن لا يصلون ومَن يضيِّعون الفرائض عن وقتها فهم عن الصلاة ساهون فلهُم الويل، وقد فُسِّرَ في السنة السهو عن الصلاة بتأخيرها عن وقتها، فكيف بإضاعتها أصلاً أيها المؤمن!

أما فيما بينك وبين الخلق، فأوَّلُ الحكم، وأوَّلُ الفصل، وأوَّلُ المؤاخذة، وأوَّلُ القضاء في الدماء، في الدماء، في الدماء

ولا يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دماً حراما، فإذا أصاب الدمَ الحرامَ فقد ضيَّقَ الأمر على نفسِه.

أيها المؤمنون بالله جل جلاله:

أوَّلُ ما يُفصلُ ويُحكَمُ بين العباد في الحقوق بينهم: الدماء، قبل الأموال، قبل الأعراض، قبل جميع الحقوق، حتى جاءنا في الخبر: من أعان على قتل مسلم بغيرٍ حقٍّ ولو بشطر كلمة لقيَ اللهَ مكتوبٌ بين عينيه آيِسٌ من رحمة الله.

ولو أن أهل السماء والأرض تمالؤوا على سفكِ دم رجلٍ مسلم بغير حقٍّ لأكَبَّهُم الله في النار.

واجتمع على قتل رجلٍ أو امرأةٍ في صنعاء يوماً تسعة أشخاص فباشروا القتل وتعاونوا حتى قتلوا، ورُفِعَت القضية إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلما نظر القضية، وما أحاط بها وعلم أن التسعةَ كلَّهم باشروا وشاركوا في القتل كتب أن تُقطَع رقاب التسعة كلهم، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين تسعةٌ تقتُلهم بواحدٍ ، قال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتُهم به، لو اجتمع على هذه الجريمة وعلى هذا الفُحش أهل البلد كلهم لقتلتهم أجمعين لأن هيبةَ وحرمةَ الدماء ميزانُها في دين الله كبير عظيم.

هكذا فَقِهَ أمير المؤمنين، وهكذا فَقِهَ الأولياء والصالحون، أوَّل ما يُحكم بين الناس في الدماء، فكلُّ مَن تعدّى بغير حقٍّ فجزاؤه عند من شرَع الحقوق وحده جل جلاله، وإن كان النبي يوصينا عند الموت بما ملكت أيمانُنا خشيةَ أن نحيفَ عليهم، في كلمةٍ أو معاملة فنتعرَّضَ للخِزيِ يوم القيامة، والعياذ بالله تعالى، فإن اللهَ لا يدَعُ حقوق الخلْقِ بينهم البين.

ورد في الحديث عن نبينا : الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلمٌ لا يترُكُه، وظلمٌ يغفِرُه إذا شاء.

فأما الظلم الذي لا يغفرُه الله فالشركُ بالله جل جلاله، أن يعتقد المعتقد أن في هذا الملك، في هذا الكون، في هذا الوجود إلهاً غير الله، لا إله إلا الله تعالى في علاه، فهذا لا يُغفر بنصِّ قول الله ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ )

وظلمٌ يغفره إن شاء: وهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربِّه من تقصيرٍ في واجبات أو فعلٍ لمحرمات لا تتعلَّق بالخلْق.

قال: وظلمٌ لا يتركه، وهو ظلم العباد بعضهم لبعض، حتى يُديرَ لبعضهم من بعض، وهو الذي يقول في موقف القيامة: أنا الله ملك الملوك العدل الجبار الذي لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنةَ وعنده مظلمةٌ لأحدٍ من أهل النار حتى اللطمة فما فوقها، حتى آخُذَها منه، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النارَ وعنده مظلمةٌ لأحد من أهل الجنة حتى اللطمة فما فوقها، حتى آخذها منه.

( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ )  

وفي هذا الفقه، وفي هذا الأمر وفي هذه العظمة لِشأنِ قضيةِ الدماء وقف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كما روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في موقف الحج ينادي الأمة ويحرِّكُ العواطف والمشاعر والأحاسيس والعقول: أيُّ يومٍ هذا، أيُّ بلدٍ هذا، أيُّ شهرٍ هذا؟ أليس اليوم الحرام، أليس الشهر الحرام، أليس البلد الحرام ؟ أيُّ يومٍ أعظم حرمة؟ قالوا يومنا هذا، أيُّ بلدٍ أعظم حرمة؟ بلدنا هذا، أي شهرٍ أعظم حرمة؟ شهرنا هذا، ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحُرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا، ألا هل بلَّغت؟ ألا هل بلَّغت؟ وضحت، بيَّنت، وتركتم على ضوء، ألا هل بلَّغت؟ قالوا بلَّغت يا رسول الله، قال: ألا فليُبَلِّغِ الشاهد منكم الغائب، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد. يرفع إصبعه إلى السماء ثم يردُّها عليهِم يقول اللهم  فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، صلّى الله على المبلِّغ، المُبيِّن المنير للطريق لكل مستقيم.

وقد أمرنا بتجنُّب الشبهات، في الأعراض والأموال وفي الدماء مِن بابِ أَولى، بل في الحدود التي حدَّها، يقول: ادرؤوا الحدودَ بالشبهات، حدودٌ للزَّجْرِ عن محارم الله، يقول فإذا وقعت فيها الشُّبْهَة إدرؤوا الحدود بالشبهات.

ولما أصابت المجاعةُ القومَ في سنةٍ من السنين ورفع سيدُنا عمر في ذلك العام وفي فترةٍ محددة حدَّ السرقة، حتى ذهبت الشبهة وذهبت الشدة عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وهو الوقَّاف عند كتاب الله، وهو المقتدى به بأمرِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فكيف يكون الحال مع حقوق الخلق، ندرؤ حدودَه سبحانه وتعالى بالشُّبهات فيما بينه وبين الله، فإذا لم تقُم شبهة، وبلغت الحدودُ إلى السلطان والحاكم فلا شفاعةَ لأحد، ويجب أن يُغارَ لله ويوضَع الأمرُ في موضعه، أتشفع في حدٍّ من حدود الله، يقول لحِبِّهِ وابن حبِّه أسامة بن زيدٍ عليه رضوان الله، أتشفع في حدٍّ مِن حدود الله!؟ والله لو سرقت فاطمةُ بنت محمد، - حاشاها الله-  لقطعت يدها، عليها رضوان الله وهي الطاهرة المطهَّرة.

فهكذا ضرب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المثل الأعلى في إقامةِ أمرِ الله والغَيرة لله كما يحـبُّهُ الله، وهو القائل: ادرؤوا الحدودَ بالشبهات، وحيث وصل إليه حدٌّ لم يكن فيه شبهة لم يقبل شفاعةً مِن أسامة ولا مِن غيره.

 وقال: إنما هلك مَن كان قبلكم إنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيعُ أقاموا عليه الحد، والعياذ بالله تبارك وتعالى، من تلك الاعتبارات التي لا أساسَ لها في منهجِ الرحمن ونظامِه وشريعتِه جل جلاله وتعالى في علاه

قال كما جاء في البخاري: ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقابَ بعض.

اللهم أيقِـظ قلوبَ المسلمين، وأصلح شؤون المسلمين، وارزقهم الاحتياطَ في الدين، وأن لا يتصرفوا إلا بما ترضاه، واكفِنا مضلاتِ الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا إقامةَ الأمرِ كما تحب بيننا وبينك وبيننا وبين عبادك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

والله يقول وقوله الحق المبين { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }

  وقال تبارك وتعالى:{ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )

 

( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ )

 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارَنا من خزيه وعذابه الأليم.

 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله خالق الخلق وجامعهم ليومٍ لا ريبَ فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، ليس الفائز مِن عباده إلا من فاز في يوم يلاقيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرَّةَ أعيننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، الطهرُ الطاهر الذي هدانا إلى ما يقرِّبنا مِن مولانا ويرضيه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدِك المبلّـغِ عنك بأمرِك المؤدِّي الأمانة المبلِّغ الرسالة، الناصح للأمة، الكاشف للغمَّة وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن في منهاجهِم سار إلى يوم الوقوف بين يديك يا غفار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الأطهار وآلهم وصحبهم وأهل الإنتهاج في نهجهِم في السرِّ والإجهار وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعدُ عباد الله ..

فإني أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله، فاتقوا اللهَ وأحسِنوا يرحمْكم الله، اتقوا الله واطلبوا الأمنَ يومَ الخوف الأكبر، بأن تؤمِّنوا روعات المسلمين، وأن لا تُقلقوا أحداً ولا تُخوِّفوه ولا تروِّعوه، فإنه جاء عن الصحب الأكرمين فيمن يُخبِئ نعلَ أخيه يوهِمه أنه سُرِقَ أو فاته أنه يخشى عليه أن يكون ممن روَّعَ مسلما، ومن روَّعَ مسلماً لم يؤمِّن الله روعته يوم القيامة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وقد كان بعض الصالحين يتجنّب قيادةَ السيارة وهو يُحسن قيادتها، ما لك؟ قال أضطر أحياناً فأكون بجانب الماشي، فيرعـبُهُ منظره للسيارة بجانبه أو أستعمل آلةَ التنبيه وهو قريبٌ مني فيرتعب، فأخشى أن أكون ممن روَّعَ مسلماً بغير حق، شؤون الورِعين في خوفِهم مِن رب العالمين، إن الذي لا يبالي بالخلق لا يتركه الحق، لا يتركه الحق حتى يأخذ حقوقَ الخلق منه، ومَن ندم وتاب وتأسَّفَ قذَفَ الله في قلبِ صاحبِ الحقِّ مسامحتَه فيسامحُه يوم القيامة، وإلا فلا يُتركُ ولو مثقال ذرة، ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )

ألا إنَّ المفلسَ مَن يأتي يوم القيامة وعنده أعمالٌ كأمثال الجبال من الطاعات، من الصلوات، من القراءات، من الصيام، من الصدقات، ولكنه يأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وآذى هذا، فيأخذ هذا مِن حسناته وهذا مِن حسناته وهذا مِن حسناتِه حتى لا تبقى له حسنة فيؤخذُ مِن سيئاتهم فتُطْرَحُ عليه، هذا المفلس في نظرِ صاحبِ الرسالة نبينا محمد، هذا هو المفلس، هذا هو الخاسر.

 ألا فارعَوا حقَّ الله في الصلاة ثم بقية الفروض، وارعوا حقوقَ الخلق في الدماء ثم بقية الحقوق، ولا ينظر أحدٌ إلى مسلمٍ شزِراً باحتقارٍ إلا حوسب على نظرته وأُخِذَ حقُّها في القيامة، وسبحان مَن يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور، وبحسب امرئ مِن الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم.

 اللهم تداركنا والمسلمين، وأدِم الأمنَ في ربوع هذه البلاد وبلاد المسلمين، ولا تبلِّغ الكفار مراداً فينا في ضربِ بعضِنا ببعض، وفي إيذاء بعضِنا لبعض، وفي إهلاك وتدمير قُوانا وثرواتنا وما عندنا على أيدي بعضنا البعض، لا تبلِّغ أعداءك مراداً فينا ولا في أحدٍ من أهل لا إله إلا الله، يا أكرم الأكرمين.

 وأكثرُوا الصلاةَ والسلامَ على هاديكم ومُرشدِكم ودالِّكم على الحق حبيبِ الحق سيد الخلق محمد، فإن الله بدأ بنفسه ثم ثنّى بملائكته ثم أمر المؤمنين تعظيماً وتكريماً لشأن محمدٍ وتفخيماً، فقال ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وهو القائل: ( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة ) اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك المصطفى سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته كما صليت على سيدنا وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارِك على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم وصلِّ معه على الخليفةِ مِن بعده المختار وصاحبه وأنيسه في الغار الخليفة الشفيق مُؤازِر رسول الله في حالَيِ السعة والضيق سيدنا أبي بكر الصديق.

 وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.

 وعلى الناصح لله في السرِّ والإعلان، من استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.

 وعلى أخي النبيِّ المصطفى وابن عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيِّك بنصِّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى، وعائشة الرضى، وأمهات المؤمنين، وعلى الحمزة والعباس، وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتَهم من الدَّنسِ والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدرٍ وأهل أُحُدٍ وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصَّحب الأكرمين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصُر المسلمين، اللهم أذلَّ الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمةَ المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم  اجعل هذا البلد وبلادَنا وبلاد المسلمين آمنة رخيَّةً مستقرَّةً يا رب العالمين.

اللهم وفِّقنا لما فيه صلاح العباد والبلاد، وجنِّبنا الضرَّ والبلاء والبغيَ والفساد، وارزقنا الإستقامةَ على ما تحب منا في الجسم والفؤاد.. يا رب العالمين.

اللهم ادفع البلاءَ عن أمة نبيك محمد، واجمع بعد الشتات شملَ أمةِ نبيِّك محمد، وألِّف ذات بين أمةِ نبيِّك محمد، اللهم اشفِ مرضاهم، وعافِ مبتلاهم، واهدِ عاصيَهُم، وتُب على تائبهم، تقبَّل التوبةَ منهم، اللهم ادفع البلاءَ عن أهل لا إله إلا الله بحقِّ لا إله إلا الله، واجعلنا عندك من خواص أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 اللهم وخذ بيد ملك البلاد الملك عبدالله إلى ما فيه رضاك وإلى ما فيه الخير عندك، وإلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، وإلى ما فيه صلاح الأمة، وأعِذه وإيّانا وأحبابنا من الفِتن والمحن والآفات والعاهات وشرِّ كل ذي شرٍّ من الإنس والجن أجمعين، وبارِّك لنا في القيام بأمرك كما تحب منا، وارض يا رحمن عنا.

 

 اللهم أدم حفظَ الأردن وانظر إلى بقية الشام واليمن والشرق والغرب، وفرِّج الكرب، وأصلح لنا كلَّ قلب، واغفر لنا كل ذنب، وكن لنا بما أنت أهله يا رب الدنيا والآخرة.

اللهم ومقدساتنا ومواطن العبادة فينا واجعلها اللهم في حراستك وعنايتك وتخليصك مِن كل معتدٍ، ومن كل ظالم ومن كل طاغٍ ومن كل باغٍ، ومن كل عادٍ، ومن كل متجرِّيءٍ عليك وعلى عبادك.

اللهم احفظ المسلمين واجمع شملَ المسلمين وألِّف ذات بين المسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين، واصرفنا من الجمعة بقلوبٍ منوَّرة بنور الإيمان واليقين تعظِّم أمرك وتجتنب نهيك وزجرك، وتنفعُ عبادك ولا تضر أحداً قط، ولا تؤذي أحداً قط بغير حق، يا من إليه المرجع، ويا من إليه المآب، ويا من إليه المصير، ويا من إليه الحكم بين عباده أعِذنا من الندامة في يوم القيامة، ومن الخزي في يوم الطامة ( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )

( ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار )

( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )

يا أرحم الراحمين نسألك لنا وللأمة مِن خيرِ ما سألك منه عبدُك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا محوِّل الأحوال حوِّل أحوالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفعلِ الجهال، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.

 عبادَ الله: إن الله أمر بثلاث، ونهى عن ثلاث:

 ( إن اللهَ يأمر بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ يعظُكم لعلَّكم تذَّكرون )

فاذكروا اللهَ العظيم يذكركم، واشكروه على نعمِه يزِدكم ولذكرُ الله أكبر.

 

للاستماع إلى الخطبة

لمشاهدة الخطبة