محاضرة مكتوبة بعنوان: حقائق الانتماء إلى الحق وولائه ورسوله والمؤمنين

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في دار المصطفى ليلة الجمعة 9 جماد آخر 1437هـ ضمن دروس إرشادات السلوك بعنوان: حقائق الانتماء إلى الحق وولائه ورسوله والمؤمنين.

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمدُ لله ملكِ الممالك، بيدِه الأمرُ كلُّه، وإليه مرجعُ الأولِ والآخرِ فما بين ناجٍ وهالِك. فأهل النجاة إلى دارِ الكرامة ومستقرِّ الرحمة والرضوان، وأهلُ الهلاكِ إلى دارٍ جعل اللهُ خازنَها الملَك مالك.

       فهؤلاء ينادَون في النهايات التي سينتهي إليها أهلُ هذا الوجود، هؤلاء ينادَون: (أُحِلَّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)، وهؤلاء ينادَون: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).

        فوالله كم مِن فرقٍ بين الفريقين، وهو مآلُ ومرجعُ كلِّ المكلفين الذين يعيشون معنا على ظهرِ الأرض ومَن قبلَنا ومَن بعدَنا حتماً جزماً، لا بدَّ من الرجوع إلى أحد هذين المَصيرين، وهو أكبرُ ما سيرجعُ إليه كلٌّ مِن الفريقين مِن جميع المكلفين.

      وكل مَن بلغتهُ رسالةُ الحق فرفَضها وأباها ثم مات على ذلك، فمآله نارُ اللهِ المُوقَدة التي تطَّلعُ على الأفئدة. اللهم أجِرنا مِن النار، وهي مآلُ كلِّ مَن زاغ قلبُه ممَّن كان أسلم وآمنَ فنزع وسُلب عنه الإيمان فمات على غير الملة والعياذ بالله.

      ويبقى ذلكم الصنفُ الذي يبقى في قلبه شيءٌ مِن الإيمان وقتَ الوفاة، وله في مسلكِ الحياة مخالفةٌ لمنهجِ ربه؛ مخالفةٌ لأوامرِ خالقِه وبلاغاتِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما لم يُعفَ عنه ولم يُغفرْ له ولم يُسامح فيه، فلا بدَّ له مِن دخول النار ثم الخروج منها إلى دار الكرامة. هذا أقصى ما يرجعُ إليه جميعُ مَن معنا على ظهرِ الأرض.

       وكل الذي يتصارعون عليه، ويتخاصمون عليه، ويتقاتلون عليه الآن على ظهر الأرض لا يساوي ذرةً مِن شؤون هذا المصير لو عقلوا، وما هو إلا مؤثِّر لهم في ذلك المصير. لا ينجو منهم إلا مَن حمل في قلبه أن لا يتحرك، ولا يفعل، ولا يقول إلا لتكون كلمة الله هي العليا، مُخلصاً، مصفّىً، منقىً عن إرادة غير ذلك، وعن إرادة غير وجه ربه جل جلاله، مُحصَّناً في عملِه بالشرع والسنة والأدب والاتباع. من كان كذلك هم الناجون، وما عدا ذلك فالمتصارعون بأصنافِهم إنما يوطِّئون لأنفسهم دركاتٍ في نار جهنم ينزلون فيها، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

       وإذا بَعُدَ ما ذكرنا من الأصلين: إخلاص القصد والنية للرب، والتقيد بعمل الشريعة وأدبها في التصرف والحركة، إذا لم يقم ذلك.. فحتى في حروب المسلمين بعضهم البعض الكل منهم يوطئ لنفسه دركات في نار جهنم، تحت معنىً بلّغه صاحب الرسالة وأداه لهم إذا عقلوه: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، قالوا: هذا القاتل يا رسول الله فما بال المقتول؟ قال: النية، ( إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) ؛ كان متصرفا بغير حق، كان مؤملا قتل الآخر بغير حق، فجزاؤه جهنم، والعياذ بالله تبارك وتعالى. حتى ذلك المقتول.

        هكذا الحكم، فيا ويل مَن لقيَ الله على غير الصفاء مع الله، على غيرِ الصدق مع الله، على غير الانتهاجِ في النهج القويم، على غير رفض مختلف الانتماءات والولاءات والاتصالات بذا وذا وذاك، وإخلاصها لواحد أحد اسمه: "الله".

       يقول صاحب تلك الوِجهة: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ  وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

وبذلك أُمرت، ولذلك خُلقت، ولذلك أُوجدت، ولذلك كُونت الكائنات من حولها، فأنسى هذا.. فأوالي وأنتمي إلى صاحب هذا الرأي وهذا الرأي وهذا الرأي؟! صاحب هذا الحُكم، وصاحب هذا الكرسي، وصاحب هذا المظهر؟! وأنسى من فطر السموات والأرض؟! وحكمة خلقه إياها؛ لأعبده، لأقصده، لأعرفه؛ (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)

      وقد بُعث الأنبياء ليخلِّصوا الناسَ من شرور هذه الانتماءات لغير الله، والولاء لغير الله، ويخاطب القرآن أهل العقل والإيقان: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)؛ أي من أجله تُوالون فقط، لا باعتبارٍ آخر (وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)

        أصحاب الأوصاف الصالحة والأعمال الصالحة الطيبة؛ الذين يحيون طيبين وتتوفاهم الملائكة طيبين وحدهم هم الفائزون، اللهم ألحقنا بهم. أهل هذه الأوصاف التي صارت في عقول كثير مِن الأمة رجال ونساء لا محل لها، (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)        

ما الذي في عقله؟ شهادتك، وظيفتك، تحصيلك المادي، مركزك الاجتماعي، هذا في عقلك وبالك، من دخَّله؟ من قال لك أنك خُلقت لهذا؟ من استعبدك لهذا؟ من الذي قال لك أن السماء خُلقت لهذا؟ من الذي قال لك أن الأرض خُلقت لهذا؟

 هذا الهواء الذي تتنفسه.. خالقه قال لك خُلقت لغير هذا.. فاترك هواه ليعطوك هواء تتنفسه مِن غير هواء ربك، أتقدر على ذلك؟

استحي على نفسك.. تستنشق الهواء، وتأخذ الطعام الذي خلقه لك، وتشرب الشراب الذي أوجده، ثم تترك جميع أوامره وما قال لك في خلقك وإيجادك وتتبع هؤلاء!

 عبد مَن أنت؟ من خالقك ؟ من موجِدك ؟ إلى من معادُك؟

ما وجدنا أحداً يرجع مِن عند الغرغرة فما بعدها إلى حزب، ولا هيئة، ولا جماعة، ولا حكومة، ولا رئاسة، ولا وزارة! (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)

 (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، لأنه ما لهم رب غيره، بيرجعوا فين؟ إلى عِنده. ولكن بحالة مزرية؛ (ناكسوا رءوسهم)؛ في حالة بُعد، حالة غضب من الجبار عليهم، في حالة طرد، خسروا كل شيء، فما شيء ينفعهم، (نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) جئنا على الحقيقة،

 ألم تكونوا متبجِّحين في الدنيا أنكم وأنكم..؟ كل هذا انتهى (فارجعنا نعمل صالحاً) نعمل صالحا؟ الذي ما كان له اعتبار في بالنا الآن سننتبه منه: الصلاة، الزكاة، الصوم، الأمانة، التواضع، الزهد في الدنيا، كان مالَهُ نبأ في خواطرهم، وما له مكانة في نفوسهم. قالوا الآن عرفنا رجِّعنا وننتبه من هذا نعمل صالحاُ..

(فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) لن نظلم، لن نعتدي، لن نتكايد خلق الله ونكيد عليهم من وراء عقولهم ونصلِّح خطط من هنا وهنا، ونضرب ذا بذا، ونلعب على ذا بذا.. خلاص نعمل صالحاُ، الخطط فاشلة، المسار اللي كنا مشينا فيه كله باطل، ضلال، ما نفع..

 (فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) نتبع حبيبك، نستن بسنته، نحمل السواك، نلبس لباسه، نصلي كما يصلي، نقرأ بقراءته، نتشبه به في القيام، هذا بنرجع بنصلّح كذا. ما كانوا يقيمون لهذا وزن.

     لكن وإن كانوا هم كفار.. الآن كم من بيننا معشر المسلمين لا يقيم لهذا وزن! كأنه كافر! كأنه غير مصدق! كل ما في ذهنه وباله ثقافة ساقطة هابطة، ميزان لِما ليس له قدر عند الرحمن، يحمل إكبار وإجلال لما هو حقير عند الكبير المتعال، فلا بد أن يُخزى، أن يجد العاقبة أنه ضلال وباطل ما كان فيه (وَبَاطِل مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)،(أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ).

        وأرباب المنهج القويم والصراط المستقيم مِن خيار الأمة كلهم، في شرق الأرض أو غربها، في أوقاتهم وأزمنتهم عُرضت عليهم انتماءات وولاءات لغير الله، وكان بعض الظروف فيها لهم سداد لأحوالهم، أو إنقاذ من شيء من أتعابهم.. فرفضوا، رفضوا.. وقالوا نصبر، نصبر ونتحمّل ولا نوالي غيرَ الله، ولا نسلم انتماءاتنا لغيرِ القدوس وحبيبه محمد، (حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، عندكم ظروف صعبة تعال، قال خلنا ظروفي صعبة، أنا أرتقي بها الرتبة، ستكون منجاتي عندما تنزل بك الكربة. أنا لا أخُدع.. أنا لا يُضحك على عقلي بعروضاتك البائرة القاصرة.

  وقد قال سيدنا علي في بعض لياليه، يمسك بلحيته وملآنة بالدموع من عينيه: غُرِّي غيري، يا دنيا غُرِّي غيري.. إذهبي إلى واحد ثاني، الذي اتصل بمحمد اتركيه مع محمد، ما تقدرين عليه، يا دنيا غُرِّي غيري، إلَيَّ تشوَّفتي؟ أم إليَّ تعرفتي قد بتتُّكِ ثلاثاَ، طلقتكِ ثلاثاً، لا رجعةَ لي فيكِ، أتريدين أن أكشف حقيقة ما عندكِ؟ فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، هذا أنتِ.

 ماذا نفع فرعون ملكه؟ ماذا نفع عاد قوّتهم؟ ماذا نفع قارون ماله؟ ماذا نفع هامان وزارته؟ وزير لسنوات كثيرة، بأي شيء انتفع منها؟ ما نتيجتها ؟ ما ثمرتها ؟ ما عاقبتها ؟

يا آل الأموال، يا آل المُلك، يا آل الرئاسات.. لستم على شيء إن لم تتصلوا بالحق الحي، إن لم تتصلوا بالمختار من لؤي، إن لم تجعلوا هواكم (تبعاً لما جئت به) أُفٍ لسلطاتكم، أُفٍ لوزاراتكم، أُفٍ لأموالكم، وحُقَّ لمن أدرك حقيقة قولنا أن يبصق عليها، فضلاً على أن تغروه بها، فضلاً على أن تضحكوا على عقله بها، ليس عندكم شيء.

       لقد دخل الإيمان قلوب السحرة كانوا سحرة فصاروا بررة، في لحظة من لحظات نظرات الرحمن، وقالوا لمظهر الدنيا وملكها وسلطتها ووزارتها ومالها: (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) لن نؤثرك، كنا أول مثل غيرنا مخدوعين بك، نجيء لعندك، (إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أما اليوم: (لَنْ نُؤْثِرَكَ) اذهب أنت وأجرتك وقربك، (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا) واحد خلقنا وأوجدنا .. فلماذا نرجع إليك؟ (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ)، وسنصور لك ملكَك الآن بمنظار دقيق؛ كان أول منظارنا كما الناس اللي يُضحك عليهم، واليوم لبسنا منظار دقيق (إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) ..فقط.. محصور مقصور في الحيثية هذه، على قولهم في الحتة ده، محلَّك هنا، (إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ) حصلنا رب الدنيا والآخرة، حصلنا ملك الملوك (إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) عندنا قرار ما في تراجع فيه.

        قال سادتنا الصحابة لما نزلت آية البيع والشراء: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) صرَّحت ألسن الصحابة: رَبِحَ البيع فلا نقيل ولا نستقيل.

لا نسمع أي كلام، وثبتوا وصدقوا ووفوا؛ انظروا أين قبور الصحابة؟ من منهم قبر في بلاده و في محله؟  القلة القليلة.. مائة الف، ستين ألف، ما قبروا في بلدانهم منهم! ما قبروا في بلدانهم منهم! عشُرهم ولا أقل من العشر، نحو نصف العشر!

 وهذه تسعة الأعشار والنصف لِمَ تفرَّقوا؟

سَلوا واحد نزل النبي في بيته في المدينة المنورة، وهو الآن فين؟ قاعد في القسطنطينية هناك في تركيا، يوصي الذين عنده إذا أنا استشهدت وأنتم تواصلون الجهاد فاصبروا ولا تدفنوني، حتى تصلوا إلى آخر بقعة تصلون إليها فاقبروني؛ لأكون أبعد ما أكون عن بيتي، تكون المسافة أبعد ما تكون عن بيتي وأقول لربي: من أجلك قطعت هذا. أنا بعدت من بيتي من شانك.

من هذا؟ أبو أيوب الأنصاري الذي نزل في بيته النبي ، وخرج وعمره فوق الثمانين، شيبة، وعنده بعض العرج في رجله وخارج إلى الجهاد في سبيل ربه.

 ولما راجعوه قال الله ربي يقول (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) أو يقول انفروا خفافا فقط؟ هو قال في القرآن انفروا خفافا فقط أو قال انفروا خفافا وثقالا؟ قالوا الله قال: انفروا خفافا وثقالا، قال : أنتم خفاف أنا ثقيل يالله بسم الله.

 مع أنه قد نعم بأيام ورود الحبيب على بيته، من بين مئات البيوت في الأوس والخزرج ما نزل إلا في بيت أبو أيوب الأنصاري. ما هذه النعمة التي خصه الله بها؟

 مَن وسط بيته؟ مَن عنده؟ مَن نزل بداره؟ الذي رقى فوق العرش، صاحب الإسراء والمعراج وسط دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

 انزل يا رسول الله عندي الطابق الأعلى. قال لا، أيسر على من يزورنا وصل المدينة والناس يفيدون علي، قال هذا أقرب من يزورنا ونحن هنا، وجلس صلى الله عليه وسلم.

 والبيت ليست فيه غرف كثيرة، بل غرفة تحت وغرفة فوق، طلب أن يطلع النبي فوق.. قوم أدب، قوم ذوق، قوم الاعتبارات عندهم كلها علوية، خيرها باقي، لا توجد عندهم ثقافة بائدة. وإنما ثقافتهم: يقول كيف أمشي فوق رسول الله؟ أين فرش النبي تحت؟ في الجانب هذا.. هو وزوجته يدخلون من الباب يذهبوا الجنب الثاني هناك. لا يمشون في المكان الذي فوقه، بينهم طابق لكن يمشي إلى جانب.. الله.. ويمشون على أطراف أقدامهم. ويخافون أن ينزل أي أثر من التراب وغيره من سقفهم إلى الغرفة التي فيها رسول الله. ومرت أيام وهو يقول للنبي اطلع، يقول له أرفق بمن يزورنا، من تواضعه عليه الصلاة والسلام.

 حتى كانوا في بعض الليالي وكأنها من ليالي البرد وعندهم فوق زير فيه ماء، وسقط وانكسر، أخذوا الثياب اللي يتغطون بها كلها من البرد ينشفون بها خشية أن ينزل منه قطرة إلى المكان تحت فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم، نشفوا ثيابهم وقعدوا في البرد، ما عاد معهم غطاء وما ناموا طول الليل، وأصبح يحدث النبي يطلب أن يطلع، فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 نزل هو وأهله تحت، وطلع صلى الله عليه وسلم فوق رفقاً بهم، جلس تحت رفقاً بالمؤمنين وطلع فوق رفقاً بهؤلاء أهل البيت الذين نزل عندهم. كان عبداً خالصاً لله؛ ما يجي البيت يفرِّق يقول أنا أريد ذا المكان وذا المكان، يجلس هنا من أجل المسلمين، والرفق بالزائرين، يطلع هناك من أجل خاطر هؤلاء، ما يرتب لنفسه حتى مكان.. عبد خالص.. عبد خالص للرب، صلى الله عليه وسلم جامع الخصائص صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا نبيكم وهاديكم، ما أعلاه وما أرفع رتبته عند الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 لكن غيره يعلمونكم التنافس على المزايا الدنيئة، يقول أنت خذ أفضل محل، نبيكم ما كان يفكر هذا التفكير، كان يرفع بمستوى تفكيركم إلى ما هو أرقى، إلى ما هو أبقى، إلى ما هو أنقى.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فتعلموا منه، وتزكوا بتزكيته، (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)

 سيدنا أبو أيوب يقول قدموا إليه العشاء.. رجعوه، قال كنت إذا رجع العشاء من عنده أتسابق أنا وأم أيوب على مواضع أصابعه نأكل أثر طعامه، قال فلما رجع إلينا تلك الليلة العشاء ما رأينا أثر أصابعه، قال خفنا، خفت فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله ما تعشيت الليلة ما أكلت عشانا؟. قال إني وجدت فيه أثر هذه الشجرة –ثوم-، وإني أناجي من لا تناجون، فكلوا أنتم. أنا ما أقدر أكله، خلاص سيدنا أبو أيوب قال هذا فراق بيني وبين الثوم، ما يدخل الثوم بعد هذا اليوم إلى دارنا كله، ولا عاد دخل عرق بعد ذلك إلى دارهم من الثوم..

 صار آلفين هذا من زمان ونحن طبيعتنا نحب الثوم، ماشي عند الصحابة هذا، هم أيضا عبيد، هم أيضا خُلَّص للحق. قال وأنا الثوم برع، ولا عاد أحبه ولا عاد أشوفه..

 حتى شهواتهم الذوقية الطَّعْمِيَّة في الطعام العادية تتهذب؛ هذه غاية.. هذه غاية.. كيف يصل الإنسان إلى هذه الدرجة؟ إذا قوي إيمانك شفت القرب من هذه المعاني، عليهم رضوان الله تعالى.

 وجلس صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم شهرين عنده في المنزل أو يزيد على ذلك، حتى اقتنى بعد ما بنى المسجد بعض الحُجَر، ثم انتقل إلى حجره عليه الصلاة والسلام قريبا من بيت أبي أيوب، رضي الله تعالى عن أبي أيوب الأنصاري. هناك قبره.

 واسأل.. هذا يحضر غسل النبي صلى الله عليه وسلم ويشارك في غسله سيدنا القثم بن العباس بن عبد المطلب، ابن عمه، وين قبره؟ في الحجاز؟ لا.. في الجزيرة العربية؟ لا، وخرج من الجزيرة؟ ما الذي أخرجه هذا الإنسان؟ عاده حضر غسل النبي وقت وفاته، وروح دور له.. روح إلى الشرق ولما تصل إلى سمرقند، وتعال إلى جوار بلاد البخاري وتحصِّل القثم بن العباس هناك!

 ما الذي جاب قبرك إلى هنا يا قثم؟

همُّ الدين، بلاغُ الرسالة، حمل الأمانة، الانتماء إلى الحق ورسوله به خرج.

 وهذا الذي تميزوا به عن أهل زمانهم، كان انتماء إلى فارس والروم، وما تفرع عنها، وانتماء إلى قبلية وإلى أغراض، كان هذا موجود. لكن أصحاب محمد قطعوا هذه الانتماءات كلها وصاروا عباداً لله وحده؛ فصاروا محلَّ نظرِ الله على ظهر الأرض، ونشر بهم الحق والدين في المشارق والمغارب، رزقنا الله متابعتهم، وأثنى ربي عليهم يقول: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم) -اللهم اجعلنا منهم- (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) عليهم رضوان الله.

       اللهم ارزقنا متابعتهم، والتشبه بهم، والاقتداء بهم، واحشرنا جميعا في زمرتهم يا الله.

       نزه قلوبنا وقلوب أهل مجمعنا وقلوب من يسمعنا عن انتماء لا ترضاه لأي شيء من الكائنات، ولأي أحد كائنا من كان، نحب بحبك الناس، ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك، لا نوالي إلا من واليت، ولا نعادي إلا من عاديت، وأنت ورسولك أحبُّ إلينا مما سواكما، اللهم حقِّقنا بذلك، اسلك بنا شريف تلك المسالك يا الله.

 وباقي أعمارهم لا تخذل أحداً منهم فيُخدع إلى ولاءِ غيرك فتُقبض روحُه على غير الملة.

 ثبتنا على الصدق معك، ثبتنا على الولاءِ لك، يا حي يا قيوم، يا من بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله لا تخذل قلباً من هذه القلوب إلى ما يوجب السخط، ولا الغضب، ولا الفضيحة يوم القيامة، ولا الانقطاع عن المظلل بالغمامة، أو التخلّف عن الورود على حوضه المورود، يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك يا الله.

       إنَّ عدوَك إبليس يحسد القلوب التي والَتك وحدك وتخلَّصت من ولاء غيرك، ويريد أن يوصلَ إليهم الشر بكل ما أمكنه فُردَّ كيده في نحره، وكيد جنده كلهم، ومن والاه من الجن والإنس، ولا تسلِّطهم على قلب من قلوبنا، ولا قلوب أهلينا، ولا قلوب أولادنا، ولا قلوب أهل ديارنا، ولا قلوب جيراننا وطلابنا وأصحابنا وأحبابنا.

 احفظ هذه القلوب يا حافظ، وأصلِحها يا مصلِح، ونوّرها يا منوّر، وطَهِّرها يا مطهّر، واعصمها واحرسها بعينِك التي لا تنام.. يا الله.

 يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينِك يا الله، اجعل عدوَّك يحثو الترابَ على رأسه مِن هذا التوجه وهذه الدعوة، وأخزِه واصرِفه عنا.

 اللهم أيسه منا كما أيسته من رحمتك، قنطه منا كما قنطته من عفوك، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين جنتك، وأدخلنا في دائرة عبادٍ لك ليس للشيطان عليهم سلطان، آمين يا الله يا رحمن يا كريم يا منان يا مجيب الدعاء يا الله.. يا الله.

 ولنيل هذه المزية لو صِحْتَ بيا الله طول ليلك لكان قليلا في حقها، فلعلَّك لو صِحْتَ بها لحظاتٍ أعطاك إياها، ووهبكَ إياها، وأكرمكَ بها، وألبسكَ حُلَّتها، وتوجكَ بتاجها يا الله .. يا الله..

 اجعلنا مِن عبادك الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، واحفظ واحرس هذه القلوب ما بقي مِن الأعمار في هذه الدنيا وفي هذه الحياة القصيرة، وثبتنا أكملَ الثبات عند الممات.. يا الله .. يا الله..  

 واجعل آخرَ كلامِ كل واحد منا من حياته هذه: لا إله إلا الله، متحققا بحقيقتها.. متحققا بحقيقتها.. متحققا بحقيقتها يا الله.

        مجلسٌ عُقِد لك ومن أجلك تسلسلَ مِن نبيِّك صلى الله عليه وسلم، اللهم فسُرَّ به قلب حبيبك، وتوِّجنا فيه بتاج الصدق معك، يا قريب يا مجيب يا الله، وانفع به الكون وأهل الكون يا الله..

 يا الله كثير ممن في بلدانهم وممن في ديارهم وممن في أقطارهم انفحهم بنفحة، أعد عليهم عائدة.

     يا الله إبليس وجنده يتسابقون على المكائد والمحاولات وأنت معنا لنا، وما نعرف إلا وجهة إليك، وما نعتمد إلا عليك، ما بأيدينا حيلة ولا مقاومة لأهل الصفات الخبيثة الضالة هذه، ولكن إليك نلتجي وبلسان حبيبك نناديك، ارحم الأمة، وانشر الخير في القلوب أنت بقدرتك الغالبة، وقهرك الذي يذِلُّ له كل مكابر، وكل مناكر، وكل فاجر.. يا الله يا الله.

       سُرَّ قلبَ حبيبك بما تفتح من خزائن الجود، وتُنجز من الوعد الذي وعدته زينَ الوجود يا برُّ يا ودودُ يا قريبُ يا مجيبُ يا حيُّ يا قيومُ يا الله.

       ناديناه بفضلِه، ودعوناه بطَوله، وما أحد منا ومنكم اشترى ذلك بشيء مِن حاله ولا مالِه، ولا قولِه ولا فعله، ولولا فضلُه ورحمته ما قَدَرْنَا أن نقول: "يا الله"، ولا سألناه مع مَن دعاه من أهل رضاه في مجمع اختلط فيه الإنس بالجن بالملائكة، والعالم الأعلى بالأسفل والأول بالآخر، القرن الأول بالثاني، والثالث والرابع والذي نحن فيه، وامتدادات حبال بقرون بعدنا ومن يأتي بعدنا، واتصالات شرق بغرب..

 لك الحمد يا رب العرش، المُلك مُلكك، والخلق خلقك، والكون كونك، والأمر لك. واقتضت حكمتك أن يضل أكثر عبادك، ولكنا نستهديك فاهدنا، ونسألك نشرَ الهداية لنا وبنا، وأن تدفع كيد أهل الضلال عنا يا الله..

                 ربِّ عليك اعتمـادي ** كما إليك استنادي

             صـدقا وأقصى مـرادي ** رضاؤك الدائم والحال

       وقد أنعم عليكم بهذه النعمة، استشعروا منَّته، ونادوه واطمعوا فيه وارجوا ما عنده وقولوا يا الله .. يا الله

 بإخلاصٍ قولوا يا الله، وبتواضعٍ قولوا يا الله، وبرجاءٍ قولوا يا الله، وبخشيةٍ وخوفٍ قولوا يا الله، وبطمعٍ فيما عنده قولوا يا الله، وبتعظيمٍ لأمره وأمر رسوله قولوا يا الله..

كلمة شريفة، عزيزة، عظيمة، رفيعة حَلَّيْتَنا بها، وأنطقت بها قلوبَنا وألسنتَنا.. لك الحمد يا رب، يا الله

      والله لا نطقت ألسنتكم، ولا مَن قبلكم، ولا مَن بعدكم، ولا ألسن الملائكة في السموات بكلمة أعظم من "الله" ولا أشرف، ولا أقدس، ولا أجل، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أصفى، ولا أوفى، ولا أنقى، ولا أحب، ولا أطيب من اسم ربي وربكم ورب كل شيء "الله"

       يا الله..يا الله..

       شرَّفتنا بندائك فشرِّفنا باستجابتك لنا، يا خير مجيب، يا أكرم مستجيب، يا أقرب من كل قريب، يا إلهنا الذي من أمَّله لا يخيب يا الله.. يا الله..      

     لو استشعرتَ من ذا الذي تناديه، واسم مَن تدعوه؛ لطابَ لك المجال وتلذذتَ بهذا الحال وأحببتَ أن تبقى فيه أبدا سرمدا

ما أحسن تذللك ورجوعك إليه، ونداءك إياهُ: يا الله

     ما أكرمك، ما أرحمك، ما أوصلك، ما أجملك، ما أجلَّك، ما أجزل نوالك، ما أعظم إفضالك.. سبحانك يا رب.. سبحانك يا رب.. لك الحمد يا رب.. لك المن يا رب.. تمم علينا النعمة يا الله، أتمم علينا النعمة يا الله

 لا انصرف كل منهم إلا بقلب محروس بعنايتك فيما بقي من أيامه ولياليه، حتى يلاقيك وأنت راض عنه يا الله.. يا الله..

لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، وأنت ربنا حقا، ونحن عبيدك رقاً، فأنلنا فوق منانا، وكن لنا بما أنت أهله يا مولانا..

 والحمد لله رب العالمين.

 للاستماع إلى المحاضرة

لمشاهدة المحاضرة