محاضرة مكتوبة بعنوان: وعي عظمة الإرسال من الكبير المتعال

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في دار المصطفى ليلة الجمعة 16 جماد آخر 1437 هـ ضمن دروس إرشادات السلوك بعنوان: وعي عظمة الإرسال من الكبير المتعال.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للهِ الخالق القوي المتين الرازق، الذي بيده أمر الخلائق، منه المبتدأ وإليه المرجع للآخر والسابق، فالكل إليه راجعون وهو الحاكم جل جلاله وهم المحكومون ... لا إله إلا هو

خصَّنا بالإرسال فأرسل إلينا ( رسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)

 ( لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

أنزل بعلمِه ما حمله صاحبُ الرسالة إلينا ليكون النورَ لنا، مَن عاش منا في أيِّ زمن وفي أي مكان وتحت أي ظرف أُنْزِلَ بعلم الخالق المتصرف البارىء المكون الجبار المقتدر الفعال لما يريد، أُنْزِلَ بعِلمه نجاة هذا المتصل برسول الله، نجاةُ هذا المصدِّق بمحمد بن عبد الله، في ما بلَّغَهُ عن الله، وفيما أرسله الله به .

فيا أيها العباد أُرسِل إلينا الأشرف والأكرم والأعظم، فما مقدار هذه المِنَّة؟ من أين جاء؟ إرسال مِن مَن؟ الله جل جلاله .. الله يرسل إلي وإليك..

يا من يعيش معنا على ظهر الأرض إذا أرسل إليهم حزب، وإذا أرسلت إليهم هيئة، وإذا أرسلت إليهم جامعة، إذا أرسلت إليهم مدرسة، إذا أرسلت إليهم شركة، إذا أرسل إليهم أصحاب  اهتزوا ونشوا ومشوا وراء ذلك وظنوا أنه الغايات ..

الله أرسل إليكم .. الله أرسل إليكم ..  الله أرسل إليكم  .. فما مقدار الله عندكم؟ أتنزِلون شيء مِن خلقه وكائناته كمنزلتِه أو فوق؟ كيف تتعاملون؟ كيف تتصرفون؟ كيف تقيمون الموازين؟ كيف تنطقون؟ كيف  تفكرون؟ الله أرسل إلينا .. الله أرسل إلينا.. أرسل إلينا جل جلاله نوراً، أرسل إلينا رحمة، أرسل إلينا منهاجا، أرسل إلينا هدى، أرسل إلينا دلالة، أرسل إلينا شفقة، أرسل إلينا صلاحاً، أرسل إلينا فلاحاً، أرسل إلينا نجاحاً، أرسل إلينا سعادة، الله أرسل .. الله أرسل .. ومحمد بَيَّن وَفَصَّل، وبلَّغ  وأدى الأمانة وتركنا على المحجَّةِ البيضاء .

 فيا أتباع هذا الحبيب..

قبلتُم إرسالَ الرحمن جل جلاله، فعلى قدرِ صـدقِنا في القيام بحقِّ هذا الإرسال تطبيقاَ وتحقيقاً وتذوقاً وتحققاً وتخلقاً نُعزُّ بعزة الله ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ )

 وعند ضياع سرِّ هذا الارتباط والاتصال بهذه العزة لن يُغنِيَ شيء، ولن يُعَوِّضَ عن ذلك شيء، لا مال ولا سلطة ولا جاه ولا وظائف ولا حكومات ولا شعوب ولا صغار ولا كبار..

الويل لمن توفَّته الملائكة ظالماَ نفسه، الويل لمن إذا وصل إلى غمرات الموت بسطت الملائكة جنود الجبار لأَيْدَيَهُم ( فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )

( بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)

قال ربي: ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وما بين خلقكم أول مرة ورجعتكم إلينا خيالٌ صدقتموه، وظنٌّ عظمتموه، ووهمٌ أكبرتُموه، فمَن يكبِّرِ اللهَ لا يكبُر عنده كلُّ هذا الوهم والخيال، وكل ما يجري في هذه الدنيا وراءه العبر الكثيرة، وترى هنا وهنا وهنا، ولا تمر فترةٌ بالناس ينسون ربَّ الناس ويعظمون الناس إلا وحدث بينهم وبين هؤلاء الناس ما يوجب بعث الإحساس أن فوق الناس رب، رب للناس جل جلاله ..

 ويُتَحدَّث عن النظام الفلاني والدولة الفلانية وقوة وكذا ويجي مشاكل هنا، ثم تطلع هنا، ثم تنزل هنا.. في الكون واحد فعّال في الكون، في الكون واحد ملك في الكون، في الكون واحد قادر

يا أيها القلوب والعقول التي عظَّمَت غيرَ نظام الله وغير منهجِ الله راجِعوا حساباتكم، فإنكم لو بقيتم على هذا الوهم وعلى هذا الظن والخيال ندمتُم ندامةً كبرى لا ينفع معها اعتذار ولا رجعة ولا توبة، وخسرتُم خسران والعياذ بالله تعالى .

فيا ربِّ احرس قلوبَنا هذه أن تُعَظِّم ما ليس بعظيم عندك في الأقوال والأفعال والمقاصد والأنظمة والسير والجهات والصفات كلها يا الله ..

نَزِّه قلوبنا أن تعظِّم ما ليس بعظيمٍ عندك، فنخرج عن أدب العبودية لك، أنت خالقنا، أَنُعظِّم ما ليس بعظيم عندك بتعظيم مخلوق مثلنا؟ نخون الأمانة في عبوديَّتِك وننسى عظمة ألوهيتك وربوبيَّتك؟ اللهم سلِّمنا مِن هذا الجفاء، وسلِّمنا من هذا الجحود، وسلمنا من هذا الطغيان حتى يلقاك كلٌّ منا بقلب سليم فلا يخزى يوم  الهول العظيم ( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )

اللهم سلِّم قلوبَنا مِن موجبات الندامة، ومن موجبات الخزيِ يوم القيامة، واحشرنا مع سيدِ أهل الكرامة .. الذي هو الأكرم عليك، والأكرم عندك، والأكرم في شرعِك، والأكرم في منهجِك، والأكرمُ في ميزانك، والأكرم في قضائك وقدَرك، الأكرم في قضاء الله وقدرِه محمد، الأكرم في وحيِ الله إلى أنبيائه محمد، الأكرم في شرع الله ودينه محمد، ومن أكرمه الله لا يقدر أحد أن يَحُطَّ من كرامته شيء.

 فيا ربِّ أكرمنا بقُربه، واحشرنا في حزبه وصفِّه وزمرته، برحمتك يا أرحم الراحمين، وهيِّئنا لذلك، والتهيئة لذلك قلوبٌ تصدق، وأقدامٌ تثبت على الاتباع، على الإقتداء، على الإهتداء، أنرضى لمناسباتِنا؟ أنرضى لاحتفالاتنا سُنَناً مخالفة لسُنَّتُه؟ عادات مخالفة لشريعته ؟

يا الله.. تريد تَبَع من؟ الكرامة عند من؟ فإنَّ منِ انقطعوا عن محمد أهانَهم ربُّ السموات والأرض ( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) ما القضية؟ القضية أن الله يفعل ما يشاء (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) جل جلاله وتعالى في علاه ..

والمرجِع..  الخلق وما يختصمون فيه مرجعهم إلى أمرين ( هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ  ) يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)

فالذين كفروا .. وإن كانوا في الدنيا أصحاب خطط.. خِطَطْ وخُبَط، وإذا أراد الله بعبد سوءً أول ما يجني عليه تدبيرُه، ويقع تدميرُه في تدبيرُه، يخطط كذا .. وينتكِس به، ما هو الدول التي تعيشون معها، اللي قبلها واللي قبلها واللي قبلها، والتي تعيشون معها كماها ..  هل تغير شيءٌ في السنة ؟ هل تغير شيء في الوجود؟ هذا هو، هذا وجوده وهو الموجود، هذه سنته من أيام آدم، إلا غرور وظن يأخذ الناس ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أنتم الذين انتخبوكم ..؟ من؟  والانتخابات اللي طلعت فيها روَّحَت، الآن كما جئت أول ما خلقناك أول مرة وصلت إلينا، وما الذي بين ذلك ؟ خيال..  خيال.. وَهَم..  ظَنْ..  ما في شيء إلا إن اتصلت.. إلا إن وَصلت.. إلا إن وُصِلْت بمحمد ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) تقابلوا يوم بدر وهؤلاء الذين ظنوا أنفسهم أنهم دافعوا عن مصالحهم وحياتهم وعن سلطتِهم وعن عيرِهم ومالهم خسروا، والذين كانوا مع محمد صلى الله عليه وسلم  (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ) تأمل هذا..

لا يخوفونك..  ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) كل التعذيبات هذه التي في الدنيا ما تساوي شيء، ( يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )  مثل الذين قاتلوا مع محمد في بدر 

(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ).. ماذا كان وصفهم هؤلاء؟

قال ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) إذا أرَدت القول الطيب.. عندهم، والفعل الطيب عندهم، والوصف الطيب عندهم، والعطاء الطيب عندهم، والمصير الطيب لهم (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ )، ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) مؤمن.. مؤمن.. مؤمن.. مُصدِّق.. مؤمن يشهد الله الواحد الأحد.. مؤمن ما تغره الكائنات عن مكونها جل جلاله، وهو مؤمن (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) .. فتأمل ما وصل إلينا مِن أقوال أهل بدر، أطيب القول بعد قول الله وقول الرسول، قل لي ماذا قال الصديق .. قل لي ماذا  قال الفاروق.. ماذا قال عثمان.. ماذا قال علي بن أبي طالب.. ماذا قال هؤلاء الذين حضروا في المعركة عند الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، خِيار أهل الأرض في ذلك الزمان، كانوا هم خيار أهل الأرض في ذاك الزمان، ماذا قالوا ؟ قولهم هم الطيب ( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ) فهم حجة في أفعالهم، هم حجة في مسالكهم، هم حجة في اختياراتهم وممشاهم عليهم رضوان الله

قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) فكانوا حجة فيما يفعلون، حجة فيما قالوا عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وهكذا شأن ما يدور على ظهر الأرض ( هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قلب مُنقاد خاضع لأمر الجبار وحبيبه المختار ..  هذا صنف.

وثاني: وراء الأطماع وراء ما يزيِّن الكفار والأشرار والغافلون عن الله تعالى، وراء معتقدَات النفوس، وراء الأهواء، هؤلاء الذين يعيشون عيشةَ الضنك ويحشرون عميان في القيامة، لأننا أمام هذا النور المشهود وهم عميان عنه، تتلو عليهم الآيات، تُبلِّغهُم خبر خير البريات، يقول لك لا .. لا ؟  حياة ثانية.. حياة ثانية ؟ في رب ثاني ؟ في مصير ثاني ؟ في رسول ثاني عندك ؟ ماذا حياة ثانية ؟ حياة ثانية .. ماذا معك ؟

شغف في قلبه بترهات وبطالات، شغله بهؤلاء الفسقة .. وراهم ، مسكين باع نفسه  للسقطة، " كل الناس يغدو، فبائع نفسه "  لكن  " فمُعتقها أو موبقها "، يبيعها لله ورسوله فمُعتِقها، يبيعها للأفكار هذه .. هذا موبقها والخسران  وهو الهالك والعياذ بالله تبارك وتعالى

فلا تبيعوا أنفسكم بما يهلكها ولا ما يُوبقها، وإن بَيْع فللربِّ الذي يحسن النقد ويحسن الثمن ( وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

ومظهرهم في الحياة الدنيا ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )

اللهم اجعلنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الصحابة سمعت الآيات هذه لما نزلت (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ )

فلما سمعوها قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، لا نقبل عرضاً آخر ، وصدقُوا وثبتُوا حتى لقُوا اللهَ، عليهم رضوان الله تعالى ..

إذا سألتم عن قبورِهم وجدتموها مفرَّقة على العالم هنا وهنا وهنا، وهؤلاء الذين تسمعون الأخبار عنهم ثلاثة آلاف في يوم مؤتة استقبلوا مائتي ألف، وفي روايات مائتان وخمسين ألف من الكفار، والقوة معهم، ثلاثة آلاف ومائتان وخمسين ألف تدخل في عقل من؟

 تدخل في عقل المؤمن، تدخل في عقل مَن يتبع محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وما كانت النتيجة؟ قتلوا منهم الكثير، واستاقوا منهم الغنائم، وفرُّوا مُدبرين، ورجع سيدنا خالد بمَن معه إلى المدينة، وتقسمت الغنائم على هؤلاء، والذين استشهدوا كلهم ما بين أربعة عشر إلى ستة عشر إلى ثمانية عشر.. من الثلاثة آلاف .. فقط

وهناك قتل المئات.. وَفَرَّت الألوف ومئات الألوف، عظمة من العظمات..

ومَن كانوا في مثل هذه  القيادة ؟ هذا سيدنا جعفر الطيار سِنُّه كم ؟ تسعة وثلاثين، تسعة وثلاثين سنة، ما وصل الأربعين، وتقطع اليد هذه، يمسك الراية بهذه، تقطع اليد هذه يمسك الراية بالعضدين.. بالعضدين .. بالعضدين يحمل الراية، تصورها.. بالعضدين يحمل الراية، ما بقي يد، بالعضدين يمسك الراية، تصور هذا؟ تستشعر هذا ؟ وبالعضدين ماسك الراية ما تسقط حتى أثخنتهُ الجروح.

ابن عمر يقول في صحيح البخاري وجدنا في بدنِه تسعين ضربة.. وكلها فيما أقبل، ليس في جنبه ولا ظهره منها شيء، إلا هنا من عند الوجه إلى الرجل في المكان هذا بس وحده تسعين ضربة.. تسعين ضربة ؟ رضي الله عنه، وبقي ماسك، جالس ماسك الراية تعالوا خذوها، أخذوها منه عليه رضوان الله، وتنَحُّوا به  بناحية وجاءوه بماء يشرب، قال إني صائم، في هذه الجروح ؟ قال بعضهم: افطر اليوم، وتصوم يوم ثاني، قال أشتهي أن أفطر في الجنة.. هذا حالهم.

كم اشتاق إليه النبي سنين وهو في الحبشة، جاء إلى المدنية وقعد أشهر فقط ..  قال اخرج وخرج، ويقول لهم فإن قتل فعبد الله بن رواحة، يعرف أنه بيفارق، لكن خرجه الحبيب، وهو في يوم خيبر قال: لا أدري بأيِّهما أُسَرْ بفَتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ لما أقبل عليه قام متوجه إليه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم  فاعتنقه، يتعانق وإياه، لما وصلوا إلى المدينة أصحابه هؤلاء، أكثرهم ما طاب لهم المقام قالوا أين النبي؟ قالوا في خيبر، إلى خيبر، وهم رجعوا مِن سفر طويل، وصلوا إلى المدينة ولكن ما طاب لهم المقام هناك، إلى خيبر، لحقوه، بقي بعضهم وأكثرهم خرجوا، ما قدروا يصبرون، وخرجوا إلى خيبر وقد فتحت خيبر، وقال:  أنا ما أدري بأيهما أُسَرْ. أيُسَر قلبي بهذا أو هذا ؟ قدوم جعفر مثل فتح خيبر رضي الله عنه..

وفي هذا السِّن.. ودخل على ولديه، عندهم أمهم أسماء بنت عميس، أخذ يقبلهم ويبكي، تقول له: أبلَغك شيء؟ هل جاءك خبر عن جعفر يا رسول الله ؟ حصل شيء؟ قال لها: احتسبي جعفر، لقي ربه، صاحت المرأة، يُسَكِّنها ويقول: اصنعوا لآل جعفر طعاماُ فقد أتاهم ما شغلهم، صلى الله عليه وسلم.

ولما وصل أصحاب مؤتة بعد ذلك ورجعوا، خرج يستقبلهم عليه الصلاة والسلام، خرج على دابته قال لهم: ناولوني ابن جعفر، حملوه  أمامه،  وركَّبهُم الثلاثة : سيدنا عبد الله بن جعفر ومحمد بن جعفر وعون بن جعفر، ولقوا الحنانَ مِن القلب الشريف ولقوا ما لقوا عليهم رضوان الله تعالى أجمعين.

وهكذا شؤون الرابطة، من لم يحصل هذه الرابطة في الصلة بالله ورسوله ما أغنته ملوكُ الأرض، ولا مُلك الأرض، ولا أحزاب الأرض، ولا اتجاهات الأرض.. اعقلوا هذا.. اعلموا هذا .. تحقَّقوا بهذا..  خذوا نعمة صلتِكم بالخلاق وحبيبه.. تنعمُوا هنا وهناك .. وتخرجون من هذا الضلال الذي يعيش فيه الناس

 ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) وقولوا لكل مَن فرِح وخطَّط أن يوقع الفتنَ بيننا، ويشغل ويغتر به هؤلاء الذين صدقوا الظنون والأوهام وضعف قوة نورهم وإيمانهم فضرب بعضهم ببعض، فقولوا لهم خططتم وفرحتم سيقع بلدانكم ما عملتموه  في بلداننا.. لم؟ لأننا وإياكم أمام حكم واحد .. الحق سبحانه وتعالى، حكم عدل، كادت الدنيا أن تكون دار جزاء وما هي إلا دار عمل، والجزاء مقبل علينا وعليهم أجمعين.

ويا أسفى على القلوب المؤمنة التي فقدت سرَّ المصافاةِ مع الله وذوق حلاوة العلاقة بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، وأصبحت تُغرى من أجل مال، من أجل سلطة، يضرب بعضهم البعض، ويؤذي بعضم البعض، ويسُب بعضهم البعض، ويُكفِّر بعضهم البعض، لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله ...

أنقذِ المؤمنين يا رب، أنقذِ المسلمين  يا رب، رُدَّ كيد الكافرين في نحورِهم يا رب، ادفع عنّا كيدَ الشيطان وجندَه من الإنس والجن أجمعين يا رب، لا تسلِّطهم علينا بذنوبنا يا رب، ولا تسلطهم على بلداننا بما فعل السفهاء منا يا رب، فإنا نستنصرك، وإنا نستغيثك، وإنا نتوجه إليك بمحبتك لحبيبك إلا ما أنقذتنا وأغثتنا يا مغيث ..

يا سريع الغوث غوثاً منك يدركنا سريعاً ** يهزم العُسر ويأتي بالذي نرجو جميعاً

يا قريباً يا مجيباً يا عليماً يا سميعاً  ** قد تحققت بعجزي وخضوعي وانكساري

قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري

لم أزل بالباب واقف فارحمن ربي وقوفي

ولك الحمد أوقفتَنا على بابك، وجمعتَنا هذا الجمع كله ليقفوا على بابك، ومعهم مِن ملائكتِك والأرواح الطاهرة ..  لك الحمد شرَّفتَنا يا رب، أكثرُ عبادِك حتى مِن المسلمين على بابِ غيرِك واقفين، ووراءَ أنفسهم وأهوائهم ووراءَ أهل الترَّهات، وشرَّفتَنا وعزَّزْتَنا بالوقوف على بابِك، لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فاجعل لنا ولهم من عظيم الوقفة على بابك ما نلوذ به بصدق بأعتابك، ولا ننصرف عنك أبداً يا الله

لم أزل بالباب واقف فارحمن ربي وقوفي ** وبوادي الفضل عاكف فأدم ربي عكوفي

ولحسن الظن ألازم فهو خِلّي وحليفي ** وأنيسي وجليسي طول ليلي ونهاري

قد كفاني علم ربي من سؤالي واختياري..

حاجةً في النفس يا رب فاقضِها يا خير قاضي ** وأرِح سِرِّي وقلبِي مِن لظاها والشواظِ

في سرورٍ وحبورٍ وإذا ما كنت راضي ** فالهنا والبَسط حالي وشعاري ودثاري

 

رب واجعل مجتمعنا ** غايته حسن الختام

واعطِنا ما قد سألنا ** من عطاياك الجِسام

واكرم الأرواح منا ** بلقاء خيرِ الأنام

اللهم في الدنيا والبرزخ والآخرة في دار الكرامة

وابلغ المختار عنّا * من صلاة وسلام

وتذكَّروا أن اللهَ إليكم أَرْسَل.. ومُيِّزْتُم أن المرسل إليكم  أكمَل، وهو الأفضل، وهو الأجمَل، وهو الأجَل، وهو الأعظَم، وهو الأكرَم، فعظِّمُوا المُرسِل والمُرسَل والرسالة

الله يثبتنا على العمل بها والقائم بحقها، تطبيقها، وذوق حلاوتها، حتى نصدقَ في العبودية مع الله ولا يعيقنا عائق ويرضى عن الخالق ويزداد عنا رضى يا أرحم الراحمين أبداَ سرمداَ، ويجعل خيرَ ساعاتنا في هذه الدنيا ساعة لقائك.. لكل واحد منا ولمَن يسمعنا ومَن في ديارنا، اجعل خيرَ ساعة لهم ساعة لقائك. يا ربَّنا يلقاك كلٌّ منا وأنت راضٍ عنه، يحب لقاءك وتحب لقاءه، آمين.. آمين.

يا رب العالمين ويا أكرم الأكرمين، وزِدنا مِن فضلِك ما أنت أهله، وأْذن بِكشف الكُربة والغمَّة عنا وعن جميعِ الأمة، وعامِل بمحضِ الجودِ والكرم والحمد لله رب العالمين.

 للاستماع إلى هذه المحاضرة

لمشاهدة المحاضرة