محاضرة مكتوبة بعنوان: دواعي شرف التطبيق لمنهج الحق وكرامة تلبيتها

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك، بدار المصطفى، ليلة الجمعة 8 رجب  1440هـ، بعنوان: دواعي شرف التطبيق لمنهج الحق وكرامة تلبيتها.

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمد لله، الله نورُ السَّمواتِ والأرض، والحاكِمُ المنفَرِدُ بالحُكْمِ في يومِ العَرْض، ويَهدي الله لنوره مَن يشاء، ولقد خصَّنا اللهُ تعالى بأسنى النُّور؛ إذ جعلَ نبيَّنا سيِّدَ الأنبياء وخاتَمهُم، ومُقدَّمَهم وإمامَهُم، صلواتُ ربي وسلامهُ عليه وعلى جميعِ أنبياءِ الله ورسلِه، وعلى آله وصحبه وعلى آلِ الأنبياءِ وأصحابِهم، وعلى أمَّتهِ وعلى أُمَم الأنبياء مِمَّن تَبِعهم بإحسان، وعلى الملائكةِ المقرَّبين، وجميعِ عبادِ الله الصَّالحين، اللهم نوِّر قلوبَنا بأنوارِ المعرِفَة، والإيمانِ واليقينِ والمحبَّة والصِّدقِ والإخلاصِ لِوَجهِكَ الكريمِ، يا أكرم الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين.

هذهِ دواعي الحق جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه تدعُونا لأنْ نَصْدُقَ معه، وأنْ نُقبِلَ بالصِّدقِ عليه، وأنْ نَتطلَّبَ معاني التَّطبيقِ والتَّنفيذِ والعَملِ بما دلَّنا وبما دعانا إليه، وبما بلَّغَهُ حبيبُه المصطفى خيرُ الناسِ خَلْقاً وخُلُقاً، وأهْداهم إلى الحقِّ طُرقاً، مَن كان خُلُقهُ القرآن، وشِيمَتُهُ الغُفْران، يَنْصحُ للإنسان، ويَفْسَح في الإحسان، ويَعْفو عنِ الذَّنبِ إذا كان في حقِّهِ وسَبَبِه، فإذا أُضِيعَ حقُّ اللهِ لم يَقُم أحدٌ لغَضبِه، مَن رآه بَدِيهةً هابَه، ومَن خالَطَهُ أحبَّهُ، يقولُ الحقَّ ولوْ كانَ مُرَّاً، ولا يُضْمِر لمُسلمٍ غِشَّاً ولا ضُرَّاً، مَن نَظرَ في وجْهِهِ عَلِمَ أنه ليس بِوَجْهِ كذَّاب، وكان ليس بِغَمَّازٍ ولا عَيَّاب، صلواتُ ربي وسلامه عليه.

آثارُهُ فينا تتطلَّبُ أنْ نَرْقى رُقيَّ الصِّدقِ معَ الخَلاقِ بإدرْاكِ مُهِمَّتِنا في الحياة، وأنَّ الدَّواعي التي تدعونا إلى التَّكالُب على الفانياتِ بأصْنافِها، أو التَّكالُب على الجاهاتِ البَائِدَة، وما الجاهات البائدة؟ كُلُّ ما لا يبقى بعدَ الموتِ، كُلُّ ما لا يَنفع بَعد الموت فهو بائِد، فهو تَافِه، كل ما لا ينفعُ بعد الموت تَافِه، كُل ما لا ينفعُ بعد الموت هابِط ساقِط.

أنتَ بِحُكْمِ إيمانَك يَجِب أَنْ تُدْرِك ما الذي يُشَرِّفُك، ما الذي يُعِزُّك، ما الذي تَتَكرَّم بِه، ما الذي تَرْتَفِع دَرجتُكَ به، ما يَنْفَعُكَ بَعْدَ الموت، ما يبقى لكَ بعد الموت، مِن نِيَّةٍ خالِصةٍ صادِقَة، مِنْ أَدَب تَحْمِلُه مع الرَّبِّ جلَّ جلالُه، أمامَ آياتِه وكتابِه، أمامَ بلاغِ نَبِيِّه مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، أو مُعاملة صَغيرٍ أو كبيرٍ في بيعٍ أو في شراءٍ أو أخذٍ أو عطاء، أو مُقابَلَة، أو في أنواع الأخْذِ والعَطاءِ في دخولٍ وخروج، وفي مُزارَعة وفي مُخَابَرَة، وفي إجَارَة، وفي بِنَاء، وفي صِناعة، وما إلى ذلك.

ما خَلَصَ منها لله، وصَدَقْتَ فيه مع الله هو الذي يَنفع، وما عدا ذلك فهو الحَقِير، وهو مَتَاعُ الغُرور، والأشَد والأخْطَر أنَّهُ ليس كذلك فَحَسْب؛ بل فيه كثيرٌ مُؤَدٍّ إلى العذابِ الشَّديد، وإلى العَذابِ الأليم، وإلى العذابِ العَظِيم، وإلى العذابِ المُهين، وهو: كُلُّ ما غَشَشْتَ فيه، وخَدَعْتَ فيه، وخَالَفْتَ شرعَ الله فيه، وخَرجْتَ عَن مَنهَجِ محمدٍ فيه؛ مِن أقوالِكَ وأفْعالِك ومُعامَلتِك لِذا أو لِذاك.

كل ما تَسمعونَهُ مِن الكلام يَحْدُوكم لأنْ تَقْتَفوا بخيرِ الأنام، في الإقْدام والإحْجَام والفِعْل والكلام، ومُعاملةِ جميعِ الأنام، استِعْداداً للقاءِ ربِّ الأنام، الحاكِم يومَ القِيَام جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه،  {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً }، ثُمَّ يَجْمَعُ كلَّ مَن تَشَابَهوا في القَصْدِ والنِّيَّة والوِجْهَة زُمْرَةً: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً}، {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}، مَنْ تَكَبَّر عن أمْرِ رَبِّه، مَنْ تَكَبَّرَ عنِ العُبُودِيَّةِ لله تبارك وتعالى، مَنْ تَكَبَّر على بلاغِ الحقِّ وَوَحْيِه، مَنْ تَكَبَّر على أنْبِياءِ الله ورُسُلِه صلواتُ الله وسَلامُه عليهم وما وَصَلَهُ مِن الدِّين { فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}،

{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ  * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}.

وكُلُّ مَنْ لم يتَّصِل بهذا العمَلِ على هذا الوَجْهِ بهذه النِّية، على مُقْتضى هذه الشَّريعَة، على مُقْتضى بلاغِ النِّبيِّ محمَّد صلى الله عليه وآله وصَحبِهِ وسلَّم، فما نتيجةُ أعمالِه؟!؛ إنْ كان عنده شَرِكة أو مؤسَّسة، أو كان صاحب صِناعة، أو تِجارة، أو صاحب هندسة وما إلى ذلك، أين يذهبُ نتيجةُ عملِه؟!، هؤلاء قيل لهم: {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}، وأولئك: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً }.

وفي تكريمِ اللهِ لهؤلاء وإهانَتِهِ لهؤلاءِ ذَكَرْنَا في سَوْق الذين اتَّقَوْا إلى الجنة، وسَوْقَ الذين كفروا إلى النار، لم يَذْكُر وَاواً في أهلِ النار، وقال: { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا }، وذَكَرَ الواوَ لأهلِ الجنَّة؛ قال: { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}؛ مُشِيراً إلى أنَّ أولئكَ يُوفَدون إلى النارِ وأبوابُها مُقْفَلة ثُمَّ تُفْتَح عليهم خِزْياً لهم، وأنَّ هؤلاءِ إكْراماً لهم مِن قَبْلِ أنْ يأتوا يُفَتَّحُ لَهمُ الأبواب، فيأتونَ والأبوابُ مُفَتَّحَة، فيُحَرِّك الحبيب حِلَقَ الجنة وقد فُتِّحَتِ الأبواب، مَنْ بالباب؟، يقولُ: ((أنا محمَّد))، يقولُ سيِّدنا رضوان خازن الجنة: بَكَ أُمِرْتُ أنْ لا يَدْخُلَها أحدٌ قَبْلَك، أمَرَني ربي أنْ لا يدخلَها أحَدٌ قَبْلَك؛ ادْخُل يا رسولَ الله، قال: ((فأدْخُلُهَا ومعي فُقراء المؤمنين ولا فَخْر))، صلواتُ ربِّي وسَلامُه عليه، هؤلاءِ الزُّمْرَةُ الأولى الذين يَدْخُلُونَ في رِفْقَةِ الأمينِ المأمون، ربِّي ألْحِقْنا بِهم، اللهم أدْخِلْنا معهُ الجنَّةَ فإنِّهُ أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُها، وأنْزِلْنا معهُ في قُصُورِها فإنَّهُ أوَّلُ مَنْ يَنْزِلُها، وارْحَمنا يومَ يَشْفَع للخَلائِق فَتَرْحَمُها، بِرَحمتِكَ يا أرحم الراحمين.

وتَذَكَّروا هذهِ النِّداءاتِ الإلهِيَّةِ التي تَحْدُونا لأنْ نَتَّصِلَ بِحُسْنِ المُعامَلةِ مَع الحقِّ؛ لِتَحْسُنَ المقابلةُ عند لقاءِ الحَقِّ جلَّ جلاله، ويقولُ اللهُ تعالى للذين نَسُوا هذهِ الحقائِقَ في الدُّنيا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}، أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ عَبَث، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ }، ولولا هذا الظَّنُّ الفَاسِد ما اسْتَطَابوا أنْ يُعيِّشُوا النَّاس كما سَمِعْتُم في مِثْلِ هذهِ البَلَد الكَامِيرون في الفَقْرِ والتَّعَبِ ويأخذونَ ما عِندَهُم مِنْ غَنائِمَ وثَرَوات ويَلْعب بها فلان وفلان، وهؤلاءِ يَعيشُونَ في الفَقرِ!، وهُم أهْلُ البَلَدِ وَأحَقُّ بِمُلْكِ ما عِنْدَهُم!، وكَم في الأرضِ مِنْ أمْثالِ هذا؟، ولا طابَ لهُم أنْ يُوقِدوا نِيران الحُرُوبِ هذه التي تَلْتَهِم دِيارَ النَّاس، وأمْوالَ الناس، وثَرَواتِ النَّاس، والطَّبَقَة التَّحْتِيَّة في الناس، وتَلْتَهِم كُلَّ يَوم نَسْمَع عنها، إيش هذا؟!، مَن الذي يُدِيرَها؟!، مَنِ الذي يُؤَجِّج نَارَها؟!؛ هؤلاءِ الذين ظَنُّوا أنَّهُ خُلِقَت السَّموات والأرضِ بَاطلِاً { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ }، ما خُلِقَت باطل، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } والعِياذ بالله تعالى، { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}، وَهُم يَسْتَمِعُون إلى بعضِهم البَعْض، وأقَاوِيل بعضِهم البعض، والمُخْترِع الفُلاني والمُفَكِّر الفُلاني، قال الرَّحمنُ وهذا كتاب أنا ربُّهم أنْزَلْتُه إليهم؛ فيه الآيات الواضِحات {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}، أعْرَضُوا عَنْهُ وتَولَّوا واسْتَمعُوا لِبعضِهمُ البعض في أقاويلِ الأباطيلِ والأضَالِيلِ، ونَسُوا إلهَهُم الذي خَلَق وأرْسلَ الرُّسُل جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وخَتَمَهُم بِمحمَّد، الذي حَمَلَت بِه أمُّه في مثلِ هذا الشهر، في شهرِ رجب حَمَلَت آمِنةُ بُمحمَّد، الذي به شُرِّفْتُم وكُرِّمْتُم، ومرَّتِ التِّسْعةُ الأشْهر فُوِلِد.

وقديماً حُمِلْتُم أنتم برعايةِ الله جلَّ جلاله على تِلْكُمُ السَّفينة التي سَارَت وجَرَت على الماءِ في مثل هذا الشهر، في مثلِ شَهْرِ رَجَب، وحَملَ اللهُ تعالى نوحاً والذين آمنوا معه؛ نحو الثمانين، الآن الملايين على ظَهْرِ الأرض الذي في زمننا ومَن مَضى إلى وقتِ نوح كانوا كُلُّهُم مِن نَسْلِ هؤلاء الثَّمانين، والثمانين انْحَدَرُوا مِن نَسْلِ آدمَ وحوَّاء، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}، إذا با تَتَعَجَّب في الكَثْرَة شُوف البِدَايَةِ مِن أين بَدَأت، وسُبْحَانه عزَّ وجَلَّ، {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }.

واعطوا رَجَب حَقَّهُ بِصِدْقِ الاستِغْفار، واللَّجَأ إلى الكَريمِ الغَفَّار؛ يُكَفِّرِ الذُّنوبَ والأوْزَار؛ فإنَّهُ لغفَّارٌ لمن تاب {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }، يا ربِّ لا تَجْعَل في دِيَارِنا أحَداً في هذا الشَّهْرِ مِن صَغيرٍ ولا كَبيرٍ إلا داخِل في دائرةِ مَن تابَ وآمنَ وعمِلَ صالِحاً ثُّم اهْتَدى، فنَنَالُ مَغْفِرَتُكَ يا خَيْر الغافِرين، وويلٌ لبِيُوتٍ يَدْخُلُ رَجَب ويَخْرُج ولم يَغْفِر لهم رَبُّ رَجَب!، ويلٌ لِتِلْكَ البُيُوت؛ لا أحْسَنُوا الاسْتِغفار، ولا اسْتَغْفَروا لا بالنهار ولا بالأسْحارِ!، والعِياذ بالله تبارك وتعالى، ومُصِرِّين؛ هذا مُصِرٌّ على قَطِيعَة رَحِم، هذا مُصِر على عُقوق والِدَين، هذا مُصِر على إيذاء جَار، هذا مُصِر على غِشْ، هذا مُصِر على نَظَر حرام كُل ليلة وعَيْنه يلعب بها في الحرام، والله خَلَقَها لِيَتَّقِيَهُ بها، وليُعِدَّها لرؤيةِ وجُوهِ الأنْبِياء، ووجُوهِ الصِّدِّيقين في دارِ الكَرَامة، لا يَلْعَب بها في الحَرَامِ، فيُحْجَب عَن هؤلاءِ والعِياذ بالله تبارك وتعالى.

الله لا يَجْعَل في دِيارِنا إلا مَن يَغْفِرُ لهم، ومَن يَنالُونَ المغفِرَة في الشَّهرِ الكريم، فَرْدٌ مِن بينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ الأربعةِِ المُكَرَّمَةِ {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، ومَن يَدْخُل رَجَب ويَخْرُج وَهُوَ مُصِرٌّ على غَفْلَتِه ظَلَم نَفْسَهُ.. ظَلَم نَفْسَهُ {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، وهكذا يُوَفِّقُ اللهُ مَن يشاء، والله يجعلها ساعات عطاء وافِر، ومَنٍّ مُتَوَاتِر، ويَغْفِر لنا خير غافِر؛ حتى لا يُبْقِي لنا وِزْرًا ولا ذَنْباً ولا سَيِّئة ولا خَطِيئة في باطنٍ ولا في ظاهر، يا خيْرَ الغَافِرين، عُمَّ بمغْفِرَتِك جَمِيعَ ما كان مِنَّا، وبِحَقِّكَ عليكَ وأسْمائكَ وصِفَاتِكَ وذَاتِكَ ورَسُولِكَ وَكِتابِكَ لا تُبْقِ لنا زَلَّةً إلا مَحَوْتَها، ولا ذَنْباً إلا غَفَرْتَه، ولا تَدَعْ فَرْداً مِنْ صِغَارِنا وكِبَارِنا، وَرِجالِنا ونِسَائنا حاضرين ومَن يَسْمَعُنا وأهل دَيارَهِم إلا كَفَّرْتَ عَنْهُمُ الذُّنوبَ والأوْزار، وغَفَرْتَ لنا ولهم يا ربَّنا يا غفَّار.

يا الله بارِك لنا في رَجَب، لَيَالِيهِ وأيَّامِهِ وسَاعَاتِه ونَفَحَاتِه، وبارِك لنا في شعبان، وبلِّغنا جميعاً رمضان، واجعلها أشْهُرَ فرَجٍ للمُسلمين، وغِياثٍ للمُسلِمين، وصلاحٍ للمُسلِمين، ودَفعٍ للبلاءِ عَنِ المسْلِمين، يا أكرمَ الأكرمين، يا أرحمَ الراحمين، حوِّل حَالَنا والمسلمين إلى أحْسَنِ حال، وعافِنا مِن أحوالِ أهلِ الضَّلال وفِعْل الجُهَّال، {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ }، بِرَحْمَتِكَ يا أرْحمَ الرَّاحمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

للاستماع إلى المحاضرة

لمشاهدة المحاضرة