محاضرة مكتوبة بعنوان: حسن التذلل للجبار وصدق الرجاء في الكريم الغفار وطلب دخول الجنة بغير حساب

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، ليلة الجمعة 27 جمادى الأولى 1443هـ بعنوان:

حسن التذلل للجبار وصدق الرجاء في الكريم الغفار وطلب دخول الجنة بغير حساب

 

الحمد لله جامعِكم على التوجُّهِ إليه والتذلُّل بين يديه، وذاكم كنزُ العِزِّ لكلِّ مخلوق. وخُصَّ العالَمُون مِن الإنسِ والجنِّ والملائكة أنَّ مَن جاد عليه الرَّبُّ بمعرفتِه فأكرمَه بالتذلُّلِ له أن يخصَّه بإعزازٍ مِن عندِه ومِن عِزِّهِ -جلَّ جلاله- لا يَذِلُّ بعدَه أبدا (فإنَّه لا يذلُّ مَن واليت ولا يعزُّ مَن عاديت) {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ..} أعزِّ مخلوقٍ وكائن {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} في تبعيَّةِ هذا النبيِّ الأمين محمد، أعزَّنا بطاعتِك، أعِزَّنا بمعرفتِك، أعِزَّنا بالقرب منك، أعِزَّنا بالمعرفةِ بك، أعزَّنا برضوانك عنَّا، يا عزيزُ يا كريم، يا رحمنُ يا رحيم..

يا الله لا تُذِلَّنا بالمعصية، وما قد سبقَ من الذنوب فامحُها وبدِّلها إلى حسنات، واغفر لنا ما مضى واحفظنا فيما هو آت، يا مُجيبَ الدعوات..

وقد نادى منادي أولي الألباب مِن خيار هذه الأمة والعارفين بالله فيها وقال: "ما أعزَّتِ العباد أنفسَها بمثلِ طاعةِ الله ولا أهانت أنفسَها بمثلِ معصية الله".

أعِذنا مِن الهُون يا حيُّ يا قيُّوم يا مَن يقول للشيء {كُن فَيَكُونُ}

{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ..} رئيسُكم ومرؤوسُكم مَن بلغتكُم الدعوة فأصررتُم على الكفر اغتراراً بالمتاعِ الفاني {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} فوالله ما فيهم عزيز، هم الذين لهم الهُونُ الأبديُّ السرمدي {.. تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}

{تستكبرُون في الأرضِ بغَيرِ الحق} تقولون نحن المُتقدِّمون نحن المتطوِّرون نحن المُختَرِعون نحن الصانعون نحن صناعُ القرار {تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} قلتم الدنيا لواط وسحاق والدنيا خمور ولعب؛ فسق { فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}

وأيُّ هُونٍ هذا؟ ليس مثل هون أن تُسحَق في شوارع الأرض، ليس مثل هون أن تُعَرَّى مِن ثيابِك، ليس مثلَ هون أن تُسَلَّطَ عليك أدواتُ التعذيبِ الكهربائية، أعظمُ مِن ذلك، أشدُّ هوناً مِن ذلك.. هون هون.. هون مهانَة في عذابٍ مُهين ينتظرُ مَن أعرضَ عن الله!

فاحمدُوا اللهَ يا مَن أُكرِمتُم بالإيمان، وارحمُوا خلقَ الله؛ فإنَّ مهمَّتَكم أن تُنقِذوهم، وأن تُبلِّغوهم، وأن تُرشِدوهم، وأن تدعوهم للخروجِ مِن النار إلى الجنَّة ومِن الظلماتِ إلى النور. وهذه مهمةُ المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم- ويتشرَّف بها متَّبِعُوهم في حملِ هذه الأمانةِ وفي حملِ هذا الواجب، وفي دعائهم للرَّبِّ -تبارك وتعالى- ودعائهم إليه؛ فهم يدعُونَه تضرُّعاً وخُفيةً ورغباً ورهباً، وهم يدعون خلقَه إليه؛ يدعونه تعالى لإصلاحِ أحوالهم وحاضرِهم ومآلِهم، ولنَشرِ الهدايةِ ويدعونَ خلقَه إليه ويدلُّون خلقَه عليه -جَلَّ جلاله- ؛ ليُنقِذوهم (فواللهِ لأن يهديَ اللهُ بكَ رجلًا واحداً خيرٌ لك مِن حمرِ النِّعَم) وهذه تركةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله الذي أرانا مِن آثارها مَن يخرجُ مِن هذه البقعةِ فتضيء به بلدةٌ، وتضيء به جماعة، ويضيء به قُطرٌ مِن الأقطار، وتضيء به قلوب، ويتردَّد ويأتي مِن بعده مَن استضاء به، ويأتي مِن بعده مَن امتدَّ سِرُّ الإيمانِ على يدِه إليه؛ هذه تركةُ محمد التي خلَّفها فينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

رزقنا اللهُ خدمتَها، رزقنا اللهُ القيامَ بحقِّها، رزقنا اللهُ البذلَ مِن أجلِها والتضحيةَ لها..

 يا حي يا قيومُ تجمعُ هؤلاءِ العبادَ ووراءَهم قلوبٌ مجتمعةٌ عليك، منهم مَن يُتابع عبرَ هذه الوسائل التي بثثتَها، ومنهم في غيبةٍ بقلبه يودُّ حضورَه.. وكلهم متوجِّهون إليك، وتفتح أبواب وهم يجأرون إليك ويتذلَّلون بين يديك، وأنت تفتح خزائن، وأنت تجود بمِنح، وأنت تُعطي عطايا، وأنت تَسُرُّ قلبَ مَن قلتَ له {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} لم تَزل تُرضيه في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان، فاجعل ما تؤتينا مِن عجائبِ الفضل مِن أجَلِّ ما يُرضي ذاك الحبيبَ.. يا الله

وأنت الذي قلت له: (إنَّا سنُرضِيكَ في أُمَّتِك ولن نَسوؤُك فيهم) فكم تعطي لأمَّته من سِرِّ محبتِك له ومِن سرِّ رعايتِك به ومن سرِّ عنايتِك به ومِن سرِّ جودِك عليه ما يُرضيه صلى الله عليه وسلم، وهو في عظمتِه مما علَّمتَه ومما عرَّفته ومما قرَّبته لا يرضَى إلا بالشيء الكبير العظيم ولا يرضى إلا بالأمرِ الفخيم {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} صلى الله عيه وعلى آله وصحبه وسلم..

اللهم فهَب لنا في مجمعِنا وهَب مَن يسمعُنا مِن فيضِ نوالِك وجزيلِ جودِك ما يرضى به قلبُ حبيبِك.. يا الله

نعم قلها: "يا الله" ، واستعدَّ بها للوفادةِ على الحوض، فكما أخبرَ الأنصارَ أنه فرطُهم على الحوض ومنتظرُهم فإنه بلسانِ حالِه وبسرايةِ معنى مقالِه ينتظر مِنَّا مثلَ ما انتظرَ مِن الرَّعيلِ الأول، وينتظر مِن الصادقين المخلصين في كُلِّ قرنٍ مِن قرونِ أمَّته مثلَما ينتظرُ مِن القرنِ الأول على ذلك الحوض، وهو نعم الفرَط، ونعم السَّلف المُهَيِّء للمصالحِ لنا، ما جعل اللهُ في قلبِ كائنٍ مِن الرحمةِ ما جعل في قلبِ عبدِه المصطفى محمد، فلا رحمةَ الآباء ولا رحمةَ الأمهات ولا رحمة أنفسِنا بأنفسِنا تُوازي ذرَّةً مِن عُشرِ عُشرِ معشارِ ما في قلبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم مِن الرحمةِ لنا، بذلك قال لنا ربنا: {ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} والله لو كان فيهم مَن يرحم نفسَه قريباً مِن رحمةِ النبيِّ به ما كان النبيُّ أولى به ؛ لكن كلهم ما يقدرون يرحمون أنفسَهم كما رحمة محمد بهم التي وُضِعَت في قلبِه صلى الله عليه وسلم.  

استودع اللهُ قلبَه مِن الرحمة مِن العبادِ ما ليس عندَ غيره، ومِن الشفقةِ والرأفةِ مِن العبادِ ما ليس عند غيره، وبذلك يصفُه ويقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ..} يثقلُ عليه مشقَّتُكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فيَا مَن فتح الأبوابَ وخصَّنا بخيرِ الأحباب مَن أنزل عليه الكتاب وجمعتَنا لنستمطرَ جودَك الصَّبَّاب وغيثَك السَّكَّاب: امنُن علينا بغيرِ حساب، وأعطِنا بغير حساب، ارزقنا بغيرِ حساب، أدخِلنا الجنةَ بغيرِ حساب، أدخلنا الجنة بغير حساب، أدخلنا الجنة بغير حساب، يا كريمُ يا وهَّاب يا ربَّ الأرباب يا الله.. يا الله..

أشهدتَ نبيَّنا وهادينا الأُمَمَ الواردةَ على أحواضِ أنبيائه فرأى جمعاً كبيراً ظنَّهم أمَّتَه فرفعَ رأسَه (فقيل "هذه أمةُ موسى، ولكن انظر" فإذا سوادٌ أعظم قد سدَّ ما بين المشرق والمغرب فقيل "هذه أمَّتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنةَ بغير حساب) صلى الله عليه وسلم- فاستزادَ ربَّه، ثم صحَّ لنا في الحديث قال (فاستزدتُ ربي) سبعين ألف قليل.. يريد كثيراً يدخلون الجنةَ بغير حساب (فزادني مع كلِّ واحدٍ من السبعين ألف سبعينَ ألفاً)

قال (فاستزدتُ ربي) شافعنا كبير، شافعنا جاهُه وسيع، شافعُنا رحيم، شافعنا شفيق، شافعُنا رفيق، شافعُنا "محمد" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

قال (فأعطاني معَ كلِّ واحد من السبعين سبعين ألفًا وثلاثُ حَثياتٍ من حَثياتِ ربِّي) قال دُفَع يدفعُها هو مَن حثياتِ ربي، تصوَّر كِبَرَها وعظمتَها ما تقف عند سبعين ولا سبع مائة ولا ألف ولا.. (حثيات ربي) يحثُو بها إلى الجنة، يدخلهمُ الجنةَ بغيرِ حساب

ربَّ الأرباب: صدقَ حبيبُك ولا أصدقَ منه في خلقِك، وصدقتَ أنت في وعدِك ولا أصدق منك على الإطلاق، وسؤالُنا بالتضرُّع والابتهالِ والذِّلَّة ألا تجعلَ في مجلسِنا ولا في مَن يسمعُنا أحداً إلا وأدخلتَهم في ذلك الحثيّ الذي تحثوه إلى جنَّتِك بغيرِ حساب.

يا ربَّ الأرباب، يا مُسَبِّبَ الأسباب، يا كريمُ يا وهَّاب، يا غفورُ يا توَّاب: أدخِلنا الجنةَ بغير حساب، أدخِلنا الجنةَ بغيرِ حساب، أدخِلنا الجنةَ بغيرِ حساب..

يا الله .. يا الله .. يا الله

قلها وأنت عبدٌ أمامَ الإلهِ المَلِكِ السيِّد، قُلها متذلِّلا، قُلها خاضعاً خاشعا..

ومَن أكرمكَ بتعليمِه إيّاك هذا الدعاء منتظرُك على الحوض، منتظرُك على الحوض، ينتظر مَن يصدق مِنَّا مع الله فيَرِد في أوائل الواردِين على الحوضِ المبارك..

يا رب اجعلنا في أوائلهم وروداً عليه، ونظَراً إليه، وشُرباً مِن يدِه ويدِ ابنِ عمِّه الذي يأمرُه أن يسقيَ المؤمنين على ذلك الحوضِ المورود، يا بَرُّ يا ودود، يا صمدُ يا معبود، يا حيُّ يا قيُّومُ يا موجود، يا أكرمَ الأكرمين يا أرحمَ الراحمين.. يا الله

قل "يا الله" .. عُدَّتُك للقاه

قل "يا الله".. طلبُك لرضاه

قل "يا الله" .. استنزالُك لعطاه

قل "يا الله" اعترافاً بعظمتِه وربوبيَّته تعالى في علاه وألوهيَّته وأن لا إلهَ سواه..

قل " يا الله" .. هو يسمعُك، هو يسمعك، هو يسمعك، وهو ينظرُك، وهو يرحمُك، وهو يجودُ عليك، وهو يتفضَّلُ عليك، وهو يبسطُ يدَه بالعطاءِ لك 

إنه "الله"

قل "يا الله" .. شرَّفكَ تُناديه، شرَّفكَ تدعوه، شرَّفكَ تسأله، ربُّ العرش.. تقول "يا الله "

يا ربِّ يا ربِّ نُلِظُّ  بــ: يا ذا الجلال والإكرام، نبتهلُ إليك، نتضرَّع إليك، نُلِحُّ عليك..

يا الله .. يا الله.. يا الله

إلحاحُ مُفتَقِر، إلحاحُ مُنكَسِر، إلحاحُ مُضطر لا يجدُ سِواك ولا له غيرك، إلحاحُ عبدٍ لا يملكُ شيء، موقِنٌ أنَّكَ مالكُ كلِّ شيء، نُلِحُّ عليكَ يا الله، ونقول لك: يا الله..

سألناكَ للمجمَعِ ومَن يسمع، ولمَن في بيوتِهم ولمَن في ديارِهم، ولمَن في جوارِهم: أدخِلنا وإيَّاهم دائرةَ الحثياتِ التي تحثُوها إلى الجنةِ بصدقِ وعدِك لسيِّدِ أهلِ الجنة يا الله.. يا الله.. يا الله..

تُرضي بذلك قلبَ نبيِّك، وتسرُّ بالَه وتُقِرُّ عينَه، ويُقمَع عدوُّك ويُدحَر عدوُّك إبليسُ ومَن معه.

 عقلياتٌ مِن الإنسِ والجنِّ يُفكِّرون في الإضلالِ وفي الإفسادِ وفي الإرجافِ وفي الشِّقَاقِ وفي الخلافِ وفي الحروبِ وفي الكروبِ وفي الضُّرِّ وفي الأذى، اِخزِهم كلَّهم، واقهَرهم كلَّهم، وادحَرهم كلَّهم، وسُرَّ قلب نبيِّك بما تقضِي مِن قبول دعائنا، وتحقيقِ رجائنا، وتشييدِ بنائنا، ونيلِ مُنانا، ودفعِ الأسواءِ عنَّا يا إلهَنا..

وبيدِ صاحبِ الرحمةِ ندعوكَ أن تُكثِرَ الهدايةَ في الأمة، وأن تنشرَ الخيرَ في الأمة، يا ربِّ نسألُكَ لألوفِ قلوبٍ تبيتُ الليلةَ وهي كافرة ألا تموتَ إلا مؤمنة ، يا الله .. يا الله

وهدايات لا تدَع فيها دولةً مِن الدول، ولا مسلكاً مِن المسالك، ولا بيئةً مِن البيئات، ولا معسكراً من المعسكرات إلا وأوصلتَ مِن نورِ قبولِ الدعوة ما تَجلبُ به قلوباً للصدقِ معك.. يا الله.. يا الله

وهيِّئ لهم السبيل للوفاءِ بعهدك، والوفاةِ على محبَّتك وودِّك، والحشر في زمرةِ حبيبِك وعبدِك..

هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ونسألك لنا ولأهل المجمعِ ولمَن يسمع ولأهاليهم وأقاربِهم وللمسلمين والكونِ والعالَم مِن خيرِ ما سألكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، ونعوذُ بك مِن شرِّ ما استعاذكَ منه عبدُك ونبيُّك سيدُنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم. فاصدقوا معه، وتوجهوا إليه.. وقولوا: يا الله

دعوناك كما أمرتَنا فاستجِب لنا كما وعدتَنا إنك لا تخلفُ الميعادَ يا أرحمَ الراحمين..

للاستماع إلى المحاضرة: 

لمشاهدتها: