خلاصة مستفادة من درس ميزان العمل (41) بيان تناول المال وما في اكتسابه من الوظائف

خلاصة ميزان العمل 41- بيان تناول المال وما في اكتسابه من الوظائف

مدارسة واستخلاص درس الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ - حفظه الله تعالى -

في كتاب (ميزان العمل) للإمام حجة الإسلام/ محمد بن محمد بن محمد الغزالي – رحمه الله تعالى -

الخلاصة المستفادة من الدرس الحادي والأربعين/ (بيان تناول المال وما في اكتسابه من الوظائف)

 

الوظيفة الثالثة: المقدار المأخوذ، وذلك في (المسكن، والمطعم، والملبس):

المقدار المأخوذ في المطعم: وله ثلاث درجات:

أدناها: وهو قدر الضرورة، وهو ما يسدُّ الرمق، وتبقى معه قوة البدن وقوة العبادة.

وهذا عليه خاصةٌ من الأمة، ومجاله ضيق جداً، ومخصوص بأهله من خاصة هذه الأمة، وهم الذين يقتصرون على مقدار الضرورة، ولا يلتفتون إليه إلا ما يتيسر بلا شُبَه، من دون التفات لهم ، وهذا أمر بعيد المنال لعامة المسلمين.

أوسطها: وهي في ثلث البطن، ولا ينبغي أن يزيد على الحد الذي قدره الشرع، فالزيادة عليه بطنة.

هذا وسط ممتاز، ومؤثر تأثيراً قوياً في المحافظة على الصحة والفطنة والذكاء والإدراك، وعلى رقة القلب ، يشير إليه قوله تعالى :{ يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }

ويَنصح به كثير من أطباء جسد الإنسان، وعلموا أن هذا من عمق الطب في الإرشاد النبوي.

السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، وفي صحيح مسلم جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه". كفافاً: أي مقدار الحاجة، وقنعه الله بما آتاه: يعني نال السعادة.

وأرفع الدرجات:  درجة من لم يلتفت إلى غده، وقصر همه على يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدَّر نفسه في كل لحظة مرتحلاً من الدنيا، مستعداً للارتحال، ومن لم يشتغل بهذا، وكان فارغ القلب عن قوت سنة، واشتغل بما وراء السنة ، كان من المطرودين المذكورين بقوله تعالى:  { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ }.

وفي المُدَّخر بالإضافة إلى المستقبل ثلاث درجات:

  • أدناها: قوت يومٍ وليلة.
  • وأعلاها: ما يجاوز السنة.
  • وأوسطها: قوت سنة. 

ولبيان الجواز أخذ صلى الله عليه وسلم في بعض السنوات نفقات أمهات المؤمنين لسنة، ولكن في أثناء السنة كان ينفق فلا تبقى سنة ، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد.

وقال سيدنا عمر في إرشاده لابنه: "كُلْ يوماً خبزاً ولحماً، وكل يوماً خبزاً ومرقاً، وكل يوماً خبزاً وعسلاً، وكل يوماً خبزاً وملحاً، وكل يوماً خبزاً قفاراً". فمقصود الأكل هو الذي يحفظ عليك قوتك وصحتك، لتقوم بمهمتك في الحياة.

أما الملبس: ففيه ثلاث درجات:

فأدناها:  من حيث القدر: ما يستر العورة، أو الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها، وبالإضافة إلى الوقت: مما يبقى يوم وليلة.

وأوسطها:  ما يليق بمثل حاله، من غير تنعُّم ولا ترفُّه، ولا ملبوس حرام فيه إبريسم ـ حرير خالص ـ غالب.

وأعلاها: جمع الثياب، وطلب الترفه بها.

فالألبسة غير اللائقة التي استحسنها بعض المسلمين، ليس فيها فائدة، ولا ذوق، ولا فطرة، ولا جمال، وإنما فيها تشبه بالسقطة، وفيها إضاعة للقيم والشيم والأخلاق والإيمان والحياء.

في الحديث: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحياء شعبة من الإيمان "، رواه النسائي، وفي رواية "إن الحياء من الإيمان" رواه أحمد ، وفي الحديث الآخر، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري.

وحين شكا بعض أهل حمص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربع خصال في أميرهم سعيد بن عامر رضي الله عنه، ومن بينها أنه لا يخرج إليهم إلا بعد أن يرتفع النهار، فاستدعاه عمر وسأله عن ذلك، فقال سعيد: ليس لي خادم، وأغسل ثوبي وأنتظر حتى يجف.

وأهل التبذير والبذخ يفقدون هذه النعمة، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ{

 

أما المنكح:

في أكثر الأحوال يكون الزواج مندوباً، وقد يكون حراماً إذا اقترنت به أشياء من إرادة السوء، ولكن الأصل في حكمه الإباحة، وفي غالب الأحوال يكون مستحباً، وقد يكون واجباً على من خاف على نفسه الوقوع في الحرام، ويجب مع وجود الكفاية والقدرة على الزواج.

 

الوظيفة الرابعة: في الخرج والصرف والإنفاق.

الخرج والصرف والإنفاق يكون محموداً ومذموماً.

فالمحمود منه: ما يكسب صاحبه العدالة، وهو الصدقة المفروضة، ومنه ما يكسب الحرية والفضيلة، وإيثار الغير على النفس على الوجه المندوب إليه شرعاً، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{

والمذموم: في الإفراط أن ينفق أكثر مما يجب بحيث لا تحتمل حاله، أو فيما لا يجب، أو بالإخلال بالأهم، وفي التفريط إلى ما دونه.

كان لسيدنا الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي – رحمه الله تعالى – من الصدقة اليومية المعدودة زيراً من التمر، وكان أعز الأقوات في ذاك الزمان، ثلاثمائة وستون زيراً في السنة، وكان عنده أموال كثيرة ولم يغفل بها عن الله، فلم يترك قيام الليل بسببها، ولا ترك التفقه في الدين، ولا التفقيه والتعليم، ولا ترك ورده من "لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" مائة ألف كل يوم، ومن النوافل ألف ركعة، وهم خلفاء الله في أرضه، أتقنوا الدين والدنيا، وأحسنوا العمل لآخرتهم، فكفاهم الله ويسّر لهم من دون انشغال منهم، ولا خلل لا في النية، ولا في الوجهة، ولا في الحال.

 

الأسئلة:

كيف أربي من حولي على الاعتدال في الاستهلاك وأنا أعيش نفس الواقع؟

الجواب : أن تضبط نفسك على قدم التوسط في المأكل والملبس والمشرب والمسكن ، وتستهديه بقول الله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ، فتضبط نفسك على ذلك وتقييمها بما تستطيع بفعلك وحالك، ثم بمقالك أن ترشد إلى ذلك غيرك.

 

لمشاهدة الدرس

تاريخ النشر الهجري

19 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

05 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية