الاستقامة وبدائع نتائجها وعجائب رضوان الرحمن
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 22 شوال 1447هـ بعنوان:
الاستقامة وبدائع نتائجها وعجائب رضوان الرحمن
نص الخطبة:
الخطبة الأولى:
الحمدُ للهِ المَلِكِ الحَيِّ القيُّوم، لا تأخُذُه سِنَةٌ ولا نَوْم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جامعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ ليومِ الميقاتِ المعلوم.
وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُه السَّيِّدُ الطَّاهرُ المعصوم.
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ وكرِّمْ على أكرمِ خلقِكَ عليْك، وأعظمِهم منزلةً لديْك؛ سيِّدِنا محمد، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابِه الأخيار، ومن على منهاجِهم سار، وعلى آبائِه وإخوانِه من الأنبياءِ والمرسلينَ معادنِ الأنوارِ والأسرار، وعلى آلهِم وصحبِهم وتابعيهم، وعلى ملائكتِكَ المقرَّبين، وعلى جميعِ عبادِكَ الصَّالحين، وعليْنا معهم وفيهم برحمتِكَ يا كريمُ يا غفار.
التقوى وعيٌ بعظمة الحق:
أما بعدُ عبادَ الله؛ فإني أُوصيكم وإيايَ بتقوى الله، فاتقوا اللهَ وأحسِنوا يرحمْكمُ الله، (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).
وإنَّ تقوى اللهِ استقامةٌ في فهمِ الإنسانِ ووعيِه، وإدراكِه ومعرفتِه، وفكرِه وخُلُقِه، وتصرُّفِه وحركاتِه وسكناتِه.
تِلكمُ الاستقامةُ هي أجلُّ ما يُكْرِمُ اللهُ به عبدَه من كرامة؛ يعظُمُ ويعلو ويكبُرُ شأنُها في الدنيا والبرزخِ ويومِ القيامة، وفي دارِ الكرامة.
أيها المؤمنونَ باللهِ جلَّ جلالُه؛ تقوى اللهِ وعيٌ صحيحٌ لعظمةِ الحقِّ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه:
- وأنه الذي يجبُ على العبدِ أن لا يرجو إلا مولاهُ تعالى،
- وأن لا يخافَ إلا مولاهُ تعالى،
- وألا يلجأَ إلا إليه،
- وألا يعتمدَ إلا عليه.
ومن أجلِه يترُكُ ما لا يحبُّ جلَّ جلالُه، ولو كان أشهى المُشتهيات، وأحبَّ المحبوباتِ إلى نفسِ العبدِ الذي آمنَ به، وشهدَ أنه الإلهُ الحقُّ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
فلا تقومُ التقوى إلا على حقيقةِ الإيمانِ والمعرفةِ الصحيحة، مُثْمِرةً للاستقامةِ على المناهجِ الواضحةِ والطرُقِ القويمة.
ثمرات التقوى في حياة المؤمن:
أيها المؤمنونَ باللهِ جلَّ جلالُه؛ كذلك تفعَلُ التقوى بأهلِها، ولا يهيجُ على التقوى زرعُ قوم، وإنما يتقبلُ اللهُ من المتقين.
أيها المؤمنون بالله تعالى في علاه، يستقيمُ فكرُ المؤمن، ويستقيمُ خُلقُه وتعاملُه، بقدرِ صحةِ هذا الإيمانِ وقوتِه، واستمساكِه بالعروةِ الوثقى؛ ألا وهي عروةُ التُّقى.
يا أيها المؤمنون بالله، يتعرَّضُ صاحبُ هذا المسلك، ومن أُعطِيَ هذا العطاءَ من حضرةِ المَلِك، إلى عجائبِ رضوانِه، وما وراءَ ذلكم من الإحسانِ والامتنانِ والسعادة.. شيءٌ يُذكَر! إنَّ غايةَ الغاياتِ من جميعِ السعادات؛ رضوانُ ربِّ الأرضِ والسماواتِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
أصنافٌ يضحك الله إليهم:
ولقد ذكرَ لنا ﷺ شأنَ الفائزينَ بالرضوان، ومن يضحكُ الرحمنُ إليهم -كنايةً عن رضوانِه العظيمِ ورضاهُ عنهمُ الفخيمِ جلَّ جلالُه- وهم قومٌ سرَتِ الاستقامةُ بواسطةِ الإيمانِ والتمسكِ بعروةِ التقوى إلى أحوالِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، فأثَّرَتْ عليهم في منامِهم ويقظتِهم.
وصاروا يجعلونَ النومَ الذي هم مُضطرّونَ إليه في الحياةِ سُلَّمًا ووسيلةً إلى الارتقاءِ في مراقي القربِ من الله، ويختارونَ له الوقت، وينزعجونَ عنه في وقت، ويتعمَّدونَ تركَه في وقتٍ مخصوص.
أولئك الذين إذا جنَّ عليهمُ الليل اشتاقَتْ قلوبُهم إلى الخلوةِ بإلهِهم محبوبِهم جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
الصنف الأول القائم من الليل:
وقد جاءَ في عددٍ من كتبِ السنةِ المُطهَّرة، فيما روى ابنُ المبارك، وفيما روى ابنُ أبي شيبة، وفيما روى أبو يعلى وغيرُهم عنه ﷺ: "أنَّ ثلاثةً يضحكُ اللهُ إليهم: رجلٌ قامَ من الليلِ ترَكَ فراشَه وتوضأ، وجاءَ في بعضِ الروايات: وحمدَ وصلى على نبيهِ محمد، وصلى لله، وجاء في رواية: فيقولُ اللهُ لملائكتِه: ما حمَلَ عبدي هذا على أن يصنَعَ هذا؟ فيقولون: أنتَ أعلم، فيقولُ اللهُ جلَّ جلالُه: أنا أعلم، ولكن خَبِّروني. فيقولون: خوَّفْتَه من شيءٍ فخافَه، ورجَّوتَه في شيءٍ فرجاه. قال: فيقول: فأُشهِدُكم يا ملائكتي أني أمَّنْتُه مما يخاف، وأعطيتُه ما رجا".
هذا الذي ترَكَ المنام، وقامَ لربِّ الأنام، يُباهي اللهُ به الملائكةَ الكرام.
وهذا مسلكٌ ذوقيٌّ روحيٌّ، كان طاغياً على قرنِ الصحابةِ والتابعين، ثم من بعدِهم في خيارِ الأمةِ على ممرِّ القرون؛ إنهم يدركونَ كيف يعمرونَ العُمُر، وكيف يُقضّونَ الأوقات، وكيف يستثمرونَ الآناء والساعات.
علِموا حكمةَ الذي جَعَلَ الليلَ والنهارَ خِلْفةً لمن أرادَ أن يذَّكَّرَ أو أرادَ شكوراً، فتذكَّروا وشكروا واستعدوا للمصير، وتهيَّؤوا بحسنِ المسيرِ إلى العليِّ القديرِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
هذا أحدُ تلك الأصنافِ الذين حلُّوا من منزلةِ الرضا، أنَّ الرحمنَ يضحكُ إليهم، وفي رواياتٍ "يتبشبشُ لهم" جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
الصنف الثاني القائم في السفر:
وجاءَ في الروايات: "ورجلٌ يمشي مع قومٍ في سَفَر، فنزلوا من الليلِ فناموا وقامَ هو يصلي". يقولُ اللهُ: ما حَمَلَه على هذا؟
الصنف الثالث المجاهدون في سبيل الله:
أيها المؤمنون، وذكرَ ﷺ في هذه الأصناف: القومَ الذين استقاموا في بذلِ الأنفس، وفي المسارعةِ إلى الجهادِ في سبيلِ الله.
فجاءَ في روايات: "والقومُ إذا اصطفُّوا للقتالِ في سبيلِ اللهِ يضحكُ اللهُ إليهم".
وجاءَ في روايات: ورجلٌ على فرسٍ يقاتل، انكشَفَ قومُه، فأقبلَ مُقبلاً غيرَ مُدبر، يقولُ اللهُ: انظروا إلى عبدي هذا ما حمَلَه أن يصنَعَ هذا ولا يراهُ غيري؟ يستطيع أن يهرُبَ مع من هربَ فأبى إلا الوفاءَ بعهدِ الرب، وقدَّمَ روحَه من أجلِ اللهِ تعالى في عُلاه.
ميزان الجهاد الحق والقتال بغير حق:
وفي هذا بيانُ استقامةِ العبدِ في شأنِ روحِه وتضحياتِه وبذلِه.
وما أكثرَ الذين يُضحُّونَ ويبذلونَ للأنفسِ والأهواءِ والشهوات، ولمصالحِ الفانيات، وللسلطاتِ وللثرواتِ وأمثالِ ذلك على ظهرِ الأرض! ولكنَّ اللهَ أعلمُ بمن يُجاهدُ في سبيلِه، وربُّكَ أعلمُ بمن يجاهدُ في سبيلِه؛ "من قاتَلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ الله".
وبذلك يبيِّنُ لنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في خطرِ هذا القتال؛ أنَّ منه ما يؤدي إلى دخولِ الجنةِ للمقتولِ وللقاتل، إذا كان المقتولُ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ مجاهداً، ثم تابَ اللهُ تعالى على ذلك القاتلِ فآمنَ وأسلمَ وجاهدَ في سبيلِ اللهِ فقُتِلَ شهيداً، فيُمسِكُ بيدِ أخيهِ الذي نالَ على يدِه الشهادةَ قبلَ إسلامِه، فيضحكُ اللهُ إليهما -كما- جاءَ في الصحيحينِ وغيرِهما من كتبِ السُّنةِ ويدخلانِ الجنة.
هذا إذا استقاموا في القتالِ على هذا المنوال؛ لا غرضَ سلطةٍ، ولا ثروةٍ، ولا مالٍ، ولا شيءٌ من المتاعِ الفاني، ولكن نصرةً للهِ ورسولِه، لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا.
وبعكسِ ذلك؛ من قاتَلَ أخاهُ المسلمَ حَمِيَّةً وعصبيَّةً ولأجلِ النفسِ والهوى ولأجلِ الأغراضِ الفانيات؛ القاتلُ والمقتولُ في النار! القاتلُ والمقتولُ في النار! قالوا: يا رسولَ الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: "إنَّه كان حَريصًا على قَتلِ صاحِبِه".
انحرفَ في سلوكِه في الإرادةِ والقصد، وأرادَ قتلَ نفسٍ لا يحلُّ قتلُها حرَّمَها اللهُ جلَّ جلالُه.
يتعرضُ القاتلُ لها لغضبِ الله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
الدعاء بالتثبيت وتلاوة الآيات:
ثبِّتِ اللهمَّ قلوبَنا على الاستقامة، وأكرِمْنا ربَّنا بأوسعِ الكرامة، وتولَّنا بما أنتَ أهلُه في الدنيا والبرزخِ ويومِ القيامةِ، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.
واللهُ يقولُ وقولُه الحقُّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَنا بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، وثبَّتَنا على الصراطِ المستقيم، وأجارَنا من خِزيِه وعذابِه الأليم.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المسلمينَ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الغفورِ الرحيم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ المنانُ الكريم، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، الهادي إلى الصراطِ المستقيم، ذو الخُلقِ العظيم، والمنهجِ القويم.
اللهمَّ أدِمْ صلواتِكَ وأزكى التسليمِ على عبدِكَ المختارِ محمدٍ الرؤوفِ الرحيم، وعلى آلهِ وصحبِه ومن سارَ في دربِه واستقامَ على منهجِه إلى يومِ الوقوفِ بينَ يديْك، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك أكرم الخلائق عليك، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين المُقبلين بالكُلية عليك والمُتذلّلين بين يديك.
الوصية بالاستقامة والتحذير من الانحراف:
أما بعدُ عبادَ الله؛ فإني أُوصيكم ونفسي بتقوى الله.
فاتقوا اللهَ وأحسِنوا يرحمْكمُ الله، ولا تتصرّفوا في حياتكم منحرفينَ عن سبيلِ الاستقامة، فذاكم موجبُ الندامة، بل والخزيُ والحسرةُ في يومِ القيامة.
إحياء القيام في البيوت:
أيها المؤمنونَ باللهِ جلَّ جلالُه؛ أعيدوا إلى بيوتكم بهجةَ الاستقامة، ورتِّبوا قيامَكم في الليالي، وسجودَكم لمولى الموالي، وتأمّلوا ثناءَه على العبادِ الأكرمين: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).
ما بعد رمضان.. محاسبةٌ للنفس:
أيها المؤمنون؛ أيخرُجُ أحدُكم من رمضانَ ثم لا يصِلُ إلى آخرِ شوالٍ إلا والقيامُ مُعطَّلٌ في بيتِه في طولِ الليالي من قِبَلِه ومن قِبَلِ أهله وأولادِه؟
بل ربما أخَّروا صلاةَ الفجر، أو لم يبالوا بالجماعةِ فيها، أو لا يخرُجُ إلى المسجدِ بجانبه في صلاةٍ ما أثقلَها على المنافقين، وما ألذَّها وأجملَها للمؤمنين!
أيها المؤمنونَ بالله؛ يجبُ أن نتأمّلَ وأن نتفقّدَ شأنَنا في الاستقامة، وخروجَنا من دروسِ الصيامِ والقيام، إلى أن نستقيمَ مع من استقام، وأن لا يكونَ لنا تصرفٌ إلا تحتَ نورانيةِ العِلْمِ بحكمِ اللهِ فيه، وماذا يرضيهِ وما شرعَه عبدُه ونبيُّه الهادي إليه والدالُّ عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
التحذير من الدماء المحرمة:
ولنحذرْ في شؤونِ الأنفسِ والدماءِ المحرَّمة، ولنُعظِّمِ الجهادَ في سبيلِ اللهِ على وجهِه وأساسِه ومنهجِه القويم، ولنحذَرْ من قتالٍ يكونُ القاتلُ والمقتولُ فيه في النار، ولنحذرْ من أعمالٍ لا ينظرُ اللهُ إلى أصحابِها يومَ القيامةِ ولا يُزكّيهم ولهم عذابٌ أليم.
وأين هؤلاءِ ممن يضحكُ اللهُ إليه، كنايةً عن رضاهُ عنهم، وجوده عليهم جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه!
وصية الانصراف من الجمعة:
أيها المؤمنون؛ من الجمعةِ انصرفوا والقلوبُ على اللهِ مجموعة، والأفكارُ قائمةٌ على الاستقامة، تصرفون بها عاداتِكم وأحوالَكم على مقتضى مرضاةِ الإلهِ الحقِّ وسُنَّةِ حبيبِه الأصدقِ صلى الله عليه وسلم، بذلكمُ الفوزُ وحقائقُ السعادةِ في الغيبِ وفي الشهادة.
الصلاة على النبي ﷺ:
وأكثروا الصلاةَ والسلامَ على خيرِ مستقيمٍ من الأنام؛ عبدِ اللهِ المصطفى محمد، القوَّامِ في الليلِ حتى تورَّمتْ قدماه، الباذلِ في سبيلِ اللهِ صلى وسلم وبارك عليه وعلى آلهِ ومن اهتدى بهداه، فإنَّ أولاكم به يومَ القيامةِ أكثرُكم عليه صلاة، ومن صلى عليه واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشراً.
ولقد أمرنا الله بأمرٍ ابتدأ فيه بنفسه، وثنّى بالملائكة وأيَّه بالمؤمنين، فقال مخبراً وآمراً لهم تكريماً وتعظيماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على الرحمةِ المهداةِ والنعمةِ المسداة، عبدِكَ البشيرِ النذيرِ السراجِ المنيرِ سيِّدِنا محمد.
وعلى صاحبِه في الغار، مؤازرِه في حالَيِ السَّعةِ والضيق، خليفةِ رسولِ اللهِ سيِّدِنا أبي بكرٍ الصِّدِّيق.
وعن الناطقِ بالصواب، حليفِ المحراب، المنيبِ الأوَّاب، أميرِ المؤمنينَ سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطاب.
وعن الناصحِ للهِ في السرِّ والإعلان، مَن استحيَتْ منه ملائكةُ الرحمن، أميرِ المؤمنينَ ذي النورينِ سيِّدِنا عثمانَ بنِ عفان.
وعلى أخ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينةِ عِلْمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغارب، أميرِ المؤمنينَ سيِّدِنا عليِّ بنِ أبي طالب.
وعلى الحسنِ والحسينِ سيدَي شبابِ أهلِ الجنةِ في الجنة، وريحانتَي نبيِّكَ بنصِّ السُّنة.
وعلى أمهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراء، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرضى، وعلى أمهاتِ المؤمنينَ وبناتِ النبيِّ الأمين، وعلى مريمَ وآسية، وعلى الحمزةَ والعباس، وسائرِ أهلِ بيتِ نبيِّكَ الذين طهَّرتَهم من الدَّنسِ والأرجاس.
وعلى أهلِ بيعةِ العقبةِ وأهلِ بدرٍ وأهلِ أُحُدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوان، وسائرِ الصَّحبِ الأكرمين، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمين.
الدعاء للمسلمين:
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ وانصرِ المسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمشركين، اللهم أعلِ كلمةَ المؤمنين، اللهم دمِّرْ أعداءَ الدين، اللهم اجمعْ شَمْلَ المسلمين.
اللهمَّ انظرْ إلى قلوبِ المؤمنينَ وأقِمْها على الاستقامة، وما أصابَها من زيغٍ وانحرافٍ فداوِها منه واشفِهم وعافِهم وخلِّصْهم من تلك الورطاتِ والبلايا والآفات، التي بها ضيَّعوا أوامرك واتبعوا أوامر غيرك، وانتهكوا نهيك وما حرَّمت وانتهوا عما حرّم غيرك.
إلهنا تداركْ هذه الأمةَ بغياثٍ عاجل، ولطفٍ منك شامل، تردُّ به كيدَ إبليسَ وجنده في نحورِهم، اللهم رُدّ كيد الكائدين وأذى المؤذين من كل صاحب سوءٍ يريد السوء في الإسلام والمسلمين، اللهم لا تُبلّغهم مراداً في الإسلام ولا في أحدٍ من المسلمين، اللهم خالف بين وجوههم وكلماتهم وقلوبهم واجعل الدائرة عليهم واشغلهم بأنفسهم، وأعِزّ الإسلام وانصُر المُسلمين، وأعِزّ الإسلام وانصُر المُسلمين، وأعِزّ الإسلام وانصُر المُسلمين، وأذِلّ الشرك والمشركين، وأعلِ كلمة المؤمنين، ودمِّر أعداء الدين.
اللهمَّ لا صرفتَنا من الجمعةِ إلا بقلوبٍ اجتمعتْ على الصدقِ معك، ومنحتَها التوفيقَ على الاستقامةِ لك، في العلانيةِ والسر، في جميع ما تُبطِن وتظهر.
يا حيُّ يا قيومُ، رقِّنا مراتبَ قربِكَ العالية، ولا تحرمنا خيرَ ما عندكَ لشرِّ ما عندنا، واجعل أشهرنا شاهدة لنا لا علينا، وأيامنا وليالينا كذلك، واعمر أعمارنا بخير ما نحوز به الفوز الأكبر والسعادة العظمى في الأخرى يا رب الورى.
يا أكرم الأكرمين، اغفرْ لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمؤمنينَ والمؤمنات، المسلمينَ والمسلمات، أحيائهم والأموات، ومن يأتي إلى يوم الميقات، يا غافر الذنوب والخطيئات يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين.
ارزقنا الاستقامة في صلواتنا، ارزقنا الاستقامة في زكواتنا، ارزقنا الاستقامة في صيامنا، ارزقنا الاستقامة في قيامنا، ارزقنا الاستقامة في أقوالنا وأفعالنا ونياتنا ومقاصدنا، يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
عبادَ الله؛ إنَّ اللهَ أمَرَ بثلاثٍ ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نِعَمِه يزِدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبر.
22 شوّال 1447