(بذرة الصدق مع الله والتحصّن بالإيمان) جلسة مع طلاب الدورة الفرعية بدار المصطفى 1448هـ
عقد العلامة الحبيب عمر بن حفيظ ظهر يوم الخميس 10 محرم 1448هـ جلسة مع طلاب الدورة الفرعية بدار المصطفى بتريم، تضمنت توجيهات تربوية حول سُبل تقوية الإيمان وزيادة الأعمال الصالحة، والتحصن من الانخداع بمغريات الحياة، وأهمية الصحبة الصالحة.
من أبرز توجيهات الحبيب عمر بن حفيظ:
الله يبارك لكم، ينظر إليكم ويوفِّقكم، ويشرح صدوركم، ويرزقكم الانتفاع والارتفاع وحسن الاتباع.
المقصود من الدورة
مقصود الدورة وقضاء هذه الأيام في هذا الترتيب والبرنامج: أن تُبذَر في القلب بذرة الصدق مع الله، بذرة الصدق ما تُبذَر ولا تُسقَى إلا بالإيمان وقوّته، وبالأعمال الصالحة، ويتمُّ حمايتها وتقويَتها بالتواصي بالحقِّ والصبر.
وهذا الذي ذكره ربكم في سورة العصر، وأخبر أنَّ مَن لم يُحصِّل هذه الأوصاف الأربعة خاسرٌ؛ أيُّ إنسانٍ كان، غنيّ أو فقير، مأمور أو أمير، عربيّ أو أعجميّ، صاحب أيّ وظيفة في العالم، صاحب أيّ اتجاه، أفراد وجماعات، مَن لم يكن عنده هذه الصفات هم خاسرون!
وحلف الله تعالى بالعصر؛ الدَّهر والزمان، وعصر النبي محمد ﷺ، وعصر كل يوم، وصلاة العصر، كلُّها داخلة في القَسَم واليمين بقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، إلا مَن جمع هذه الصفات الأربعة.
الموجودون في العالم؛ سواء رؤساء دول أو الوزراء، أو الجنود، أو التجَّار، أو الموظفين، أو الطلاب، أو المدرسين، أو أهل الجامعات.. كلُّهم، أيّ واحد منهم ما جمع هذه الأربع الخصال؛ خاسر بيقين، بِحَلِف ربِّ العالمين!
يخسرون الدُّنيا، فمهما حصَّلوا فيها لا يجدون طمأنينتها، ولا كسب الدرجات في الآخرة، ولا التزوُّد لحياة البقاء، فهم خاسرون في الدنيا، وخسران الآخرة أكبر!
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) أيُّ إنسان عنده أربع صفات؛ ناجح، رابح، غير خاسر:
- إيمان،
- عمل صالح،
- تواصي بالحق،
- تواصي بالصبر.
بماذا يقوى الإيمان ويزيد العمل الصالح؟
الإيمان تقوِّونه من خلال: القيام في الليل، من خلال الجماعات، والحرص على حضور التكبيرة الأولى مع الإمام، إذا كبَّر الإمام مباشرة تُكبِّر بعده، ما تتأخر ولا تلتفت، ولا تشتغل بشيء، هذه صفوة الصلاة؛ يقول ﷺ: "لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى مع الإمام"، "مَن حافظ عليها أربعين يوماً؛ كتب الله له براءة من النار وبراءة من النفاق".
وذِكر الرحمن، وتلاوة القرآن بتدبُّر معناه؛ هذا يقوِّي الإيمان.
والعمل الصالح: هذه الأعمال التي تقومون بها من حضور الحلقات، ومن حفظ السُّوَر، وحفظ الأحاديث، والمعاملة بينكم البين، معاملتكم للمدرسين والمشرفين بالأدب والاحترام؛ عمل صالح.
وبينكم البين: التناصح والتذاكر، والتعاون على الخيرات؛ هذا عمل صالح.
أخلاقكم مع القريب والبعيد، وخصوصاً مع الآباء والأمهات الذين قرن الله شُكرهم بشُكره: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، وقَرَن عبادته بالإحسان إليهم، فقضى بأمرين؛ قضى بعبادته، وبالإحسان للوالدين: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
من أعظم الأعمال الصالحة: برّ الوالدين، صِلة الرَّحم، معرفة حق الإخوان، الكبير مثل الأب، والصغير أخ وابن، يُوقَّر الكبير ويُرحَم الصغير.
الحصانة بالإيمان والتحذير من الانخداع
الإيمان والعمل الصالح يُصفِّي فكر الإنسان من الانخداع والاغترار بما يطرح عدو الله إبليس وجنده من الإنس والجن، يُزيِّنون للناس الذنوب والمعاصي والمخالفات، ويُحقِّرون أمامهم دين الله ومسألة الاستعداد للقاءه، ينشرون المناظر السيئة والكلمات الخبيثة، هؤلاء أعداء الله ينخدع بهم مَن ضعف إيمانه، مَن لم يعمل.
أمَّا مَن تحصَّن بالإيمان والعمل الصالح مع العِلم فلا ينخدع، ولا يرضى لنفسه أن يُضيِّع عمره وعقله في شيء يضرُّه في دُنياه وآخرته؛ إما مناظر، وإما كلمات، وإما شيء من الأفكار الساقطة والهابطة.
قال الله: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْض)، أكثر الناس على ظهر الأرض أفراد وجماعات (يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله) لماذا؟ لأنَّ أمرهم مَبنيّ على الظنون والأوهام، ما أدركوا الحقيقة، ما عرفوا مَن خالقهم، ولا لماذا خلقهم، وإلى أين مصيرهم ومستقبلهم الكبير! يتّبعون الظن: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، يتوهَّمون!
أهمية الصحبة الصالحة وتزكية النفس
تعشق مرافقة ومصاحبة الصالحين والطيّبين؛ الذين يُعينونك على الأعمال الصالحة، وأداء الفرائض، وتصحيح وجهتك إلى الله، وتهذيب أخلاقك.
الرفقاء الصالحين عَون على الخير: "المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخالل"، حتى في الدورة ستجد أناس أقوياء وصادقين ومخلصين، وأناس أقل منهم، وأناس ضعاف، "المرء مِن جليسه"، فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي.
كان يقول عقلاء الأمة وحُكماؤهم: لا تصحب إلا مَن ينهضك حاله، ويدلّك على الله مقاله، لا تصحب إلا مَن تزينك في القيامة صحبته! إذا كان في القيامة صُحبته ستزينك.. هذا صاحبه.
وواحد في القيامة سيفضحك وستشينك مصاحبته؟! من الآن أبعد نفسك منه، لا تقع فضيحة بعد ذلك في القيامة، تُحشَر مع واحد مُبعَد ومطرود، ما يرى وجه النبي ﷺ، ولا يَرِد الحوض المورود!
أنتم في هذا السن إذا تنبّهتم من هذه الأمور؛ تسلمون من شرور كثيرة تعرض للناس في الحياة، تعصِف بهم وتهوي بأكثرهم إلى الهاوية، والحق تعالى يقول في الحديث القدسي: "أيها الشاب الناسك التارك شهوته من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي".
لا بد أن تنظروا في هذه الدورة؛ بمرورها وما مضى من أيامها، تتداركون زيادة الإيمان وتوثيق العمل الصالح، وتهذيب النفس وتزكيتها.
(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، هذه النفس؛ مَن زكَّاها مُفلح فائز، ومَن دسَّاها هالك خائب.
الغاية من الحياة وعلامات الاستفادة من الدورة
علامة استفادتك وزيادة إيمانك: أنّك تصدُق في العزم، أنّك بعد هذه الدورة وفي طول أيام عمرك تبرُّ والديك، وتُحسِن إلى أرحامك وجيرانك، وتواظب على الجماعة في الصلوات الخمس ولا تفوتك التكبيرة، وتواظب على درس القرآن، وتكون قدوة حَسَنة في المدرسة، في البيت.
حتى في اللعب.. إذا لعبت لا يكون فيه سبّ ولا شتم، ولا كشف عورة، ولا تأخير صلاة، تكون الألعاب المقصود بها تنشيط النفس والجسد لطاعة الله، وللقيام بالمُهمة في الحياة.
نعيش لنقوم بالخلافة عن الله، نعيش لننفِّذ الأوامر الربانية، نعيش لنكسب الزاد للدار الآخرة.. أمَّا إنسان بلا هدف، إنسان بلا مبدأ، إنسان بلا قيمة.. الحيوان أحسن منه؛ يسبِّح بحمد ربه ولا ينكر وجود الله ولا يتعرض لمعصيته، (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا).
المقررات الدراسية:
وتخلل المجلس تفقّدٌ لأحوال الطلاب وأسئلة علمية عن المقررات الدراسية، تضمنت الاستماع إلى أبيات في منظومة "عقيدة العوام" في علم العقيدة، وفي علم الحديث الشريف: يدرس الطلاب في كتاب "نور الإيمان"، وكتاب "الأربعون النووية"، وفي "قطوف الفالحين"، حيث استمع الحبيب عمر بن حفيظ للأحاديث الأولى من هذه الكتب.
أما في الفقه: يتلقى الطلاب دروساً علمية في كتاب "الرسالة الجامعة"، وكتاب "سفينة النجاة"، و"سلّم التوفيق"، وتحدث حفظه الله مع الطلاب حول مسائل في أحكام الطهارة وشروط التكليف، بالإضافة إلى سنن الوضوء وأحكام السواك.
وتضمّن البرنامج اليومي للطلاب حصصاً لحفظ وتلاوة القرآن الكريم، ودروساً في السيرة النبوية وفقه الدعوة والآداب، كما تلقّوا عدداً من الدروس في السلوك في شرح الحبيب عمر بن حفيظ على كتاب "عجلة السباق إلى مكارم الأخلاق" للحبيب محمد بن عبدالله الهدار.
واختتم المجلس بدعوات مباركة:
الله يوفِّقكم ويقبلكم ويحيِّيكم، يكون كلُّ واحد منكم نافعاً لأسرته ولأهله وللبلدة ولزمنه وللمسلمين، مفتاحاً للخير، مِغلاقاً للشر.
تقبَّل الله الدعوات وعجَّل الإجابات، ورعاكم بعين عنايته، وثبَّتنا وإياكم أكمل الثبات، ونظمنا وإياكم في سلك أهل العنايات والتوفيقات.
وبارك في جميع ما تقومون به من أعمال، وجعل فيها واسعاً من النوال، وفيضاً من الإفضال، تصلح به الأحوال، ويصفو به البال، ويفتح الله به أبواب الاستقامة والمِنَن والكرامة في شؤونكم وتقلباتكم وأطواركم وأنفسكم وأهاليكم.
ويجعل لكم عزيمة صادقة في صدق الإقبال عليه والوجهة إليه، والأدب معه، والوفاء بعهده الذي عاهدنا عليه.
ويجعلنا وإياكم متحابين فيه، متجالسين فيه، متزاورين فيه، متباذلين فيه، يقومون عند النداء في يوم القيامة: "أين المتحابون فيَّ، أين المتجالسون فيَّ، أين المتباذلون فيَّ؟ اليوم أظلُّهم بظل عرشي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي".
وأن يبارك لنا في هذا العام، ويجعل العام الثامن والأربعين بعد أربعمائة وألف من هجرة نبينا من أبرك الأعوام على أمة نبينا، في كل خاص وفي كل عام.
وأنَّ الله يكشف الكروب، ويدفع الخطوب، ويُصلح القوالب والقلوب، ويتوب علينا لنتوب، ويختم لنا بأكمل الحُسنى وهو راضٍ عنَّا في خير ولطف وعافية، وإلى حضرة النبي محمد ﷺ.
لمشاهدة المجلس كاملاً:
16 مُحرَّم 1448
تاريخ النشر الميلادي
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
آخر الأخبار
15 مُحرَّم 1448
ضمن فعاليات الحولية السنوية للصحابي الجليل عباد بن بشر رضي الله عنه، أقيم ضحى يوم الاثنين 14 محرم...
10 مُحرَّم 1448
سيعقد بمشيئة الله تعالى عصر يوم عاشوراء، مجلس سماع حديثي للحديث المسلسل بيوم عاشوراء وغيره من...