(368)
(473)
(168)
ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم، يهتم العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ بلقاء طلاب الدورة، واستضافتهم، والاستماع إلى أخبارهم في الدورة، وتناصحهم فيما بينهم البين، وتعاونهم على مرضاة الله.
والتقى حفظه الله بطلاب الدورة من جزيرة سقطرى، حيث رحَّب بهم، وذكَّرهم بفضل الله عليهم وتوفيقه لطلب العلم الشريف، والاتصال بِسَير ومناهج الصالحين المُتصلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستمع إلى مداخلاتهم وكلماتهم.
الحمد لله الذي جاء بكم، الله يُنمّي هذه المحبة والألفة والأخوّة لله، ولإرادة وجهه الكريم، وينفعنا بها في الدنيا والآخرة، والله يجعلنا وإياكم متزاورين فيه، متحابين فيه.
بلدتكم سقطرى ولله الحمد، هذه الجزيرة من حين دخلها الإسلام كانت على منهج أهل السنة والأخوة والمحبة والألفة، وكما لا تخفى جاءت فيها شيء من التسلطات السياسية وغيرها؛ جاء الحزب الاشتراكي والشيوعي ولواء الإلحاد وإنكار الرب.. وحاولوا أن يؤثّروا على الناس في مختلف المناطق، ولكن الله حفظ دينه وحفظ الأصل، وعد نبيه محمد ﷺ أن يُجدِّد دينه ويحفظه مهما طرأ على الناس من طوارئ.
ما تذكرون من القُرب القلبي هو أثر من آثار دعوته ﷺ وإرث المنهج الذي جاء به في سلامته وكماله، وقوّته وعُمقه ونورانيته، وقيامه على المحبة؛ محفوظ بين الأخيار، كما أن فِطَركم تستشعر ذلك، وربما واحد من كبار السن في بلدتكم يذكر لكم التعاطف والمحبة بين أهل العلم وبين عموم المسلمين.
كان الناس في القرون السابقة محفوظين من سبّ وتكفير بعضهم البعض، والتجرؤ باسم الدين وبغير اسم الدين، والآن حاولت أيادي الكفر من الشرق والغرب أن يدخلوا إلى بلدان المسلمين وأن يفتنوهم في الفكر والاعتقاد والأخلاق ويفتنوهم في الصِّلات بينهم، يريدون تفتيتها.
كما صح في الحديث عن النبي ﷺ، أن الشيطان لمّا أيِس أن يتحوّل أحد من أتباع النبي مِمّن يصلي إلى آخر الزمان، إلى مشرك وإلى كافر؛ جعل مشروعه التحريش وضرب بعضهم ببعض، يقول ﷺ: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم"، هذا الطمع وهذا مشروعه: أنه يضرب هؤلاء بهؤلاء، وما يترك قوة للمسلمين ولا ألفة ولا محبة بينهم، هذا غاية ما يقدر عليه.
كما يقول ﷺ: "أما إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى أن تُبسَط عليكم الدنيا فتنافسوها فتِهلككم"، يدخل التحريش بينكم وتقاتلوا على الدنيا، ولأجل الدنيا هذا يتكلم بكذا وهذا بكذا، وتفتتنون بينكم البين.
الشرك الأكبر نزّه الله الجزيرة منه على يد محمد ﷺ، وأخبر أنّ هذا يستمر مع جميع المصلين، لا يقدر الشيطان يرد أصنام ولا آلهة غير الله، ولكن بالتحريش بينهم، ويركِّب لهم شيء من الأفكار، يجعلهم حتى يستحلوا دماء بعضهم بعض.
وقد بدأ بهذا من قديم، حتى الجماعة الذين كانوا يسمونهم الخوارج، يقاتلون سادتنا الصحابة، بل يقاتلون السابقين الأولين، المهاجرين والأنصار! يجيئون بالآيات التي نزلت على المشركين، يريدون يُطبّقونها على الذين تلقّوا الإيمان والتوحيد من النبي ﷺ، وجاهدوا مع النبي ونصروا النبي وخلفوا النبي من بعده! يريدون أن يضعوا الآيات التي نزلت على أعدائهم الذين كانوا يقاتلونهم.. عليهم هُم! وحاشا الصحابة والسابقين الأولين ومن تبعهم بإحسان عليهم رضوان الله.
وتحدث حفظه الله بعد استماعه لمداخلات الطلاب عن أحوال سقطرى، قائلاً:
زادكم الله حرص على هذا الخير والنور وعلى حفظ هذه الأمانة، ومن النظر الخاص إلى سقطرى عناية الله التي ساقتكم الآن وجاءت بكم، وأنتم مفاتيح للخير إن شاء الله، وسبب لتواصل التعلم والتعليم، والتذكُّر والتذكير، والتعاون على مرضاة الله جل جلاله، وإن شاء الله يقوى التواصل والاتصال والاعتناء بسقطرى وغيرها.
هذه الدورات حضروا فيها بعضهم الدورة الأولى، بعضهم الثانية والثالثة، من مختلف الأماكن، فقبل ثلاثين سنة كانوا هنا مجموعة منهم، والآن لهم هناك آثار.
الحمدلله، اليمن كله منظور من قِبل الحق، وفيه جاءت آيات وأحاديث، وحضرموت بعد ذلك على وجه الخصوص، البلدة هذه كانوا في أول تاريخ الإسلام في القرن الأول والثاني يسمونها "بلدة الصِّدّيق" نسبة لسيدنا أبي بكر الصديق، بسبب أن الوالي الذي ولّاه ﷺ في حياته ثم كان والي أيام سيدنا أبي بكر، وهو سيدنا زياد بن لبيد الأنصاري، كان والي في تريم، ولما توفي ﷺ وجاء الخبر أخذ البيعة لسيدنا أبي بكر الصديق، بايعوا كل أهل البلد، ولما حصل في بعض المناطق شيء من الارتداد ومنع الزكاة وكذا.. في البلد ما حصل شيء من هذا، وأرسل سيدنا أبو بكر جماعة من الصحابة، لما وصلوا قاموا معهم وناصروهم، فكتب زياد الوالي إلى سيدنا أبي بكر يُخبره، فدعا لتريم ثلاث دعوات: أن يبقيها الله معمورة إلى آخر الزمان، وأن يُبارك في مائها، وأن يُكثِر بها العلماء والأولياء حتى ينبتون بها كما ينبت الزرع في الماء.
وحقَّق الله دعوة سيدنا أبي بكر عليه رضوان الله تعالى؛ لازالت معمورة، والماء فيها مبارك ومُيسّر، وكثروا أولياء وعلماء فيها زمناً بعد زمن، في كل قرن من القرون أعداد كبيرة.. والله يتم النعمة عليهم.
ثم كان فيها من الصحابة عدد، حتى مِن بعض أهل بدر، الذين حضروا غروة بدر خرجوا في أيام سيدنا أبي بكر الصديق، وبعضهم الذين توفوا في حضرموت مقبورين هنا، ومَن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين.
ثم جاء الله تعالى أيضاً بآل بيت النبي ﷺ وعترته؛ لما جاء المهاجر خرج من المدينة إلى البصرة، وهو خرج من البصرة إلى حضرموت فاستقر، فبدأ أيضاً من العلماء من ذرية النبي ﷺ عدد، حتى سكن وسط تريم منهم: علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن المهاجر أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأم الحسين سيدتنا فاطمة الزهراء بنت الحبيب ﷺ.
فاتصل بهم جميع العلماء والموجودين في الوادي والقبائل، وتعاونوا معهم على الخير، فبدأوا ينشرون الإسلام، كلما سافروا محلاً؛ ذهبوا إلى أفريقيا، إلى جنوب الهند، وإلى أرخبيل ملايو: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي والفلبين وما حواليها، وأدخلوا الإسلام هناك، وأجرى الله على أيديهم هداية شعوب وحُكّام وملوك، وتحوّلت البلدان إلى بلدان مسلمة.
أكثر ما انتشر في القرن السادس الهجري ثم السابع والثامن، حتى ما جاء القرن الثامن الهجري إلا وجميع ملوك إندونيسيا وما حواليها مسلمين، وتحوّلوا إلى شعوب مسلمة بِجُهد هؤلاء من أهل هذا المسلك وهذه المدرسة عليهم رضوان الله.
الحمد لله الذي جاء كم، ويجري لكم وعلى يدكم الخير الكثير إن شاء الله للأمة أجمعين، ونحمل حقّ هذه الأمانة التي وصلت إلينا على يد رسوله ﷺ، الذي ذكّرنا بعهد الله الذي عاهدنا عليه.
وإن شاء الله بقيّة الأيام خير لكم من التي قبلها، ويحسُن الختام للدورة وتنطلقون بِهِمَم كبيرة ووِجهات صادقة مقبولة عند الله، نافعة لعباد الله تعالى، مع الحلم والصبر والسكينة، والرحمة للقريب والبعيد، حتى من يسبّنا أو من يؤذينا، الله تعالى أحبّ مِنا أن نقابلهم بالعفو والصفح وبالإحسان وبتمنّي الخير لهم.
ثبّت الله قلوبكم وأقدامكم، وجعلنا وإياكم مِن خواص المتحابين فيه، مِن خواص المتجالسين فيه، مِن خواص المتباذلين فيه، مِن خواص المقبلين عليه، مِن خواص المقبولين لديه، مِن الخواص الموفين بعهده الذي عاهدنا، هيّأنا للقاء حبيبه ﷺ في البرازخ وفي القيامة، وعلى الحوض المورود وتحت لواء الحمد، وفي دار الكرامة ومستقر الرحمة، وفي ساحة النظر إلى وجه الله الكريم.
يا رب اجمعنا وأحباباً لنا ** في دارك الفردوس أطيَب موضعِ
اللهم ما أعطيتهم مِن إيمان زِدهم منه، ما أعطيتهم مِن حقائق إسلام زِدهم منها، ما أعطيتهم من إحسان زِدهم مِن نوره وحقيقته، ارزقنا وإيّاهم النصيب الوافي مِن معرفتك الخاصة ومحبتك الخالصة، وحُسن الاقتداء بنبي الهدى فيما خفي وفيما بدا، انظر إلى أهل سقطرى، ثبِّتهم على الاستقامة والحق والخير، سالمين من كل شر وضر، وبسرِّ الفاتحة إلى حضرة النبي ﷺ.
الخميس 23 صفر 1448هـ الموافق 6 أغسطس 2026م
07 ربيع الأول 1448
01 ربيع الأول 1448
صيغة الصَّلاة على النَّبي لشهرِ ربيع الأول 1448 أوصَى العلَّامةُ الحبيبُ عمرُ بن محمَّد بن حفيظ...
29 صفَر 1448
أدعية آخر أربعاء من شهر صفر.. العلامة الحبيب عمر بن حفيظ: مضت السُّنة لنبينا ﷺ بأنه كان يكره التشاؤم...