مجلس الذكر والتذكير في بيت السيد محسن المحضار، صلالة | ربيع الأول 1448

 

عُقِد بمدينة صلالة مجلس الذكر والتذكير في بيت السيد محسن المحضار، بحضور العلامة الحبيب عمر بن حفيظ، وتضمّن المجلس قراءةً في السيرة النبوية الشريفة، وكلمةً توجيهية حول معاني الاستجابة لدعوة الله ورسوله.

تحدّث الحبيب عمر عن الدعوة الربانية الإلهية التي حمل رايتها الأنبياء والمرسلون، وخُتِمت بسيدنا محمد ﷺ، وعن امتداد هذه الدعوة في الأمة من خلال أهل الصدق والاقتداء والوراثة النبوية.

وأشار إلى أن اجتماع القلوب على ذكر الله وذكر رسوله ﷺ من مظاهر الاستجابة لهذه الدعوة، قائلاً:

> جمعتكم هذه الاستجابة للدعوة بسابق التوفيق الرباني، واجتمعتم وذكرتم الرحمن، وذكرتم حبيبه محمدًا ﷺ، وذكرتم الشمائل، ودعوتم الحق سبحانه وتعالى، واستغفرتم وصلّيتم على حبيبه ﷺ.

وبيَّن أن مجالس الذكر بعد صلاة الجمعة من فضل الله تعالى، مستشهدًا بما نُقل عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله)، وأن من فضل الله: زيارةَ عالمٍ وحضورَ مجلس ذكر بعد الجمعة.

كما تناول معنى الحياة الطيبة التي ينالها من أحسن الاستجابة لله وللرسول ﷺ، وأنها حياةٌ من السكينة والطمأنينة في الدنيا، تؤدي إلى حياة أطيَب وأبرَك في الآخرة، في مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ومن أبرز معاني المجلس الدعوة إلى أن تمتدّ الاستجابة لله ورسوله إلى جميع الجوارح والأحوال، وأن يبلغ المؤمن مقامًا يكون فيه هواه تابعًا لما جاء به النبي ﷺ، فتسري إليه أخلاقه وصفاته وآدابه.

وأكّد حفظه الله أن الدعوة إلى الله لا تصحّ على وجهها الكامل إلا بالارتباط بالنبي ﷺ والاقتداء به، مستشهدًا بقوله ﷺ: "بلِّغوا عني ولو آية"، وبيّن أن معنى "عنّي" يقتضي التبعية والاقتداء، وأن الداعي إنما يكون داعيًا إلى الله على الوجه الصحيح بقدر صدقه في الارتباط برسول الله ﷺ وهديه.

واختُتم كلمته بالتذكير بنداء أولي الألباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، وأن نداء سيدنا محمد ﷺ لا يزال ممتدًّا في الأمة، تسمعه القلوب على قدر استعدادها واستجابتها.

 صلالة، سلطنة عُمان، الجمعة 8 ربيع الأول 1448هـ – 21 أغسطس 2026م

 

إقرأ: من كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ:

الحمدُ للهِ مَوْلَانَا الكريمِ على مظاهرِ الاستجابةِ لدعوتِهِ العليَّةِ إلى هذه الأمَّةِ على أيدي الأنبياءِ والمرسلينَ، صلواتُ اللهِ عليهم. 

وتفرَّعت معانٍ كبيرةٌ وكثيرةٌ في الكائناتِ وذرَّاتُ الوجودِ، والكونُ كلُّه يدعو إلى الرَّبِّ جَلَّ جلالُه بالدَّلالةِ على عظمتِهِ وعلى كبريائِه، وعلى رحمتِهِ وعلى لطفِه، وعلى أنَّهُ المتفرِّدُ -سبحانه وتعالى- بالخلقِ والإيجادِ، والإشقاءِ والإسعادِ، والعطاءِ والمنعِ، والخفضِ والرَّفعِ، لا إلهَ إلَّا هو.

​وكانت هذه الدَّعوةُ الرَّبَّانيَّةُ الإلهيَّةُ التي جعلَ اللهُ مجلاهَا في عالمِ التَّكليفِ وفي عالمِ الوجودِ مع بعثةِ النَّبيِّينَ، وإنزالِ الكُتُبِ عليهم، وإرسالِهم إلى الخلائقِ دعوةَ الحقِّ جَلَّ جلالُه السابقة، واختبرَ اللهُ تبارك وتعالى بعد ذلك الخلائقَ هؤلاءِ، والمُكلَّفينَ بدعواتٍ تأتيهِم من قِبَلِ الأنفسِ، ومن قِبَلِ الأهواءِ، ومن قِبَلِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ، يَرأسُهُم إبليسُ عدوُّ اللهِ، الذي قال اللهُ عنهُ: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ). 

ولهم مظاهرُ استجابةٍ لتلكَ الدَّعوةِ في كثيرٍ من أحوالِهم، وشؤونِهم، وتقلُّباتِهم، وأطوارِهم، وقلوبِهم، وعقولِهم، وفيما يتركونَ من فرائضِ اللهِ، وفيما يفعلونَ ممَّا حرَّمَ اللهُ عليهِم، وفيما يميلونَ إليهِ من القبيحِ الذي قبَّحَهُ اللهُ -تبارك وتعالى-؛ من الكلامِ الماجنِ، أو العقوقِ، أو قطيعةِ الرَّحِمِ، أو الإيذاءِ للمسلمينَ، أو اتِّباعِ المُسكِراتِ والمخدِّراتِ، إلى غيرِ ذلك.. وهي مظاهرُ استجابةٍ لدعوةِ إبليسَ عدوِّ اللهِ سبحانه وتعالى.

​يُقابِلُها في هذا الوجودِ؛ وجودُ الاستجابةِ للدَّعوةِ الإلهيَّةِ، الدَّعوةِ الرَّبَّانيَّةِ، الدَّعوةِ الرَّحمانيَّةِ، التي حملَ راياتِها الأنبياءُ والمرسلونَ، وخُتِموا بسيِّدِهم الذي شرَّفَنَا اللهُ بهِ، وكرَّمَنَا اللهُ -تبارك وتعالى- بهِ. 

وتعدَّدت بعد ذلك -كما تعدَّدت قبل بعثتِهِ مظاهرُ الأنبياءِ وأتباعِهم- ففي أمَّتِهِ تعدَّدت دلائلُ الدَّعوةِ النَّبويَّةِ المحمَّديَّةِ، ووراثتُها وخلافتُها والقيامُ فيها على أيدي الأصفياءِ والأولياءِ. 

وكان من أبرزِهم فيما بيَّنَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آلُ بيتِهِ وصحابتُهُ الأكرمونَ، وخصوصًا السَّابقونَ الأوَّلونَ من المهاجرينَ والأنصارِ، الذين أثبتَ اللهُ في القرآنِ وجوبَ اتِّباعِهم، وكتبَ رِضوانَهُ عنهُم، وأنَّهُ أعدَّ الجنَّاتِ لهم، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ).

​وكان في مظاهرِ الاستجابةِ لهذه الدَّعوةِ الإلهيَّةِ جَمعُنا وإيَّاكم، وجَمعُ هذه القلوبِ في هذه الدَّارِ المباركةِ، وفي هذه السَّاحةِ المباركةِ، وفي يومِ الجمعةِ، في هذا الشَّهرِ المباركِ؛ ربيعِ الأنوارِ، وربيعِ ظهورِ النَّبيِّ المختارِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، الذي قال له سيِّدُنا العبَّاسُ: 

وأنتَ لمَّا وُلِدتَ أشرقتِ الأرضُ وضاءت بنورِكَ الأُفُقُ

فنحنُ في ذلك الضِّياء وذلك النُّور وسُبُلِ الرَّشاد نخترقُ 

جَمَعَتكُم هذه الاستجابةُ للدَّعوةِ بسابقِ التَّوفيقِ الرَّبَّانيِّ، واجتمعتُم وذكرتُم الرَّحمنَ، وذكرتُم حبيبَهُ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذكرتُم الشَّمائلَ، ودعوتُم الحقَّ -سبحانَهُ وتعالى- واستغفرتُم وصلَّيتُم على حبيبِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلِهِ، في أُسُسٍ ارتبطت بقومٍ قبلَكم مَشَوا في مثلِ هذا المنوالِ، وعلى هذا المسارِ في ذكرِهِم للرَّحمنِ، وذكرِهِم لنبيه ﷺ. 

وهم حبالُ امتدادٍ، تمتدُّ إلى الإيصالِ، تُلحِقُ الأحفادَ والأولادَ بالآباءِ والأجدادِ، إلى أن يَصِلوا إلى الرَّأسِ، خيرِ النَّاسِ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

​اللهُ يُثبِّتُ قلوبَنا على حُسنِ الاستجابةِ التي أشارَ إليها بقولِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). 

كانت تلكم الحياةُ العظيمةُ الفاضلةُ المُشارُ إليها بقولِهِ في الآيةِ الأخرى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 

والحياةُ الطيِّبةُ؛ يُجنَّبُ فيها الإنسانُ موجِبَ الشَّقاواتِ، وموجِبَ البُعدِ، وموجِبَ العذابِ، وكلَّ ما يُورِثُ بُعدًا أو طردًا -والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى-. 

ويَحيا حياةً فيها نصيبُها من الهناءِ والطُّمأنينةِ والسَّكينةِ وهو في هذه الدُّنيا، وتؤدِّيهِ إلى حياةٍ أطيبَ وأبركَ وأرحبَ وأعجبَ؛ في لقاءِ الحبيبِ ﷺ، ولقاءِ المُقرَّبينَ، ومرافقةِ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحينَ، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ)، ونداءِ النَّفسِ المطمئنَّةِ: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).

​فكان المَجمَعُ بحمدِ اللهِ ضَمَّ معنى هذه الاستجابةِ على أثَرِ القومِ، وأنتُم من قبائلَ شتَّى، وبلادٍ شتَّى، جَمَعَتكُم دعوةُ الرَّحمنِ على يدِ لسانِ رسولِهِ، سيِّدِ الأقوامِ صلَّى اللهُ عليه وآله وصحبِهِ وسلَّمَ، فاجتمعتُم في هذا المنزلِ، وكان بعد هذه الجمعةِ. 

وكان يُفسِّرُ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُهُ قولَهُ تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)، قال: زيارةُ عالمٍ، مجلس ذِكرٍ من فضلِ اللهِ، بعد الخروجِ من الجمعةِ، (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله). وأسَّس كثير من العارفينَ مجالسُهُم بعد صلاةِ الجمعةِ، ويجتمعونَ فيها، يتلقَّونَ الفضلَ الرَّبَّانيَّ الذي يتنزَّلُ بعد استعدادِهِم من خلالِ هذه الجمعةِ. 

حتى كان الإمامُ عيدروسُ بنُ عُمَرَ الحبشي حتَّى تقليمَ أظافرِهِ يُحبُّها بعد الجمعةِ لمَّا يرجعُ، قال: قد عَمَّتِ المغفرةُ، يَقْلِمُهَا بعد المغفرةِ. وكثيرٌ من العارفينَ كانوا يستعدُّونَ من يومِ الخميسِ، وقبلَ الجمعةِ تقليمُ الأظافرِ. وكان الحبيبُ عيدروسُ بنُ عُمَرَ يقولُ: خَلِّها، خَلِّي يُصلِّي بها الجمعةَ حتَّى لا يبقى أثرٌ من أثرِ المكروهاتِ فيها، ولا آثارُ الذُّنوبِ، فقد حصلتِ المغفرةُ، بعد ذلك يُقَلِّمُ أظافرَهُ، عليهِم رِضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.

​في معاني هذه الاستجابةِ للدَّعوةِ الإلهيَّةِ الرَّبَّانيَّةِ، التي تَحدُو أهلَ السَّوابقِ؛ مَن سبقت لهم سوابقُ السَّعادةِ من الحقِّ تعالى، ويتدرَّجُ المؤمنُ فيها تدرُّجًا، حتَّى يستجيبَ بجميعِ قُواهُ، وبجميعِ هواهُ، ويكمُلَ إيمانه بشاهدِ قولِهِ: "لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يكونَ هواهُ تبعًا لِمَا جِئتُ بهِ". 

فيستسلمُ وينقادُ في سِرِّهِ وظاهرِهِ، وحِسِّهِ ومعناهُ، لمتابعةِ الحبيبِ صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلِه. 

تسري إليهِ سَرَاياتُ أخلاقِه، تسري إليهِ سَرَاياتُ صفاتِه، تسري إليهِ سَرَاياتُ آدابِهِ التي أدَّبَهُ بها ربُّهُ جَلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه. 

فيُنفَتَحُ لهُ بابُ الهدايةِ، وبابُ العلمِ، وبابُ التَّزكيةِ، وبابُ الفتحِ الكبيرِ، الذي أشارَ إليهِ بقولِهِ: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، والفتحُ الكبيرُ قال: (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، والطَّريقُ إليهِ ما قال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).

​في ربيعِ الأوَّلِ اجتمعنَا، وفي هذه الجمعةِ المباركةِ، والحمدُ للهِ نزلت السَّكينةُ، وغَمَرَتْنا فائضاتُ ربِّنا الرَّحمنِ جَلَّ جلالُه، وإن شاءَ اللهُ كُلٌّ يَظفَرُ بِمَنَالٍ واسعٍ كبيرٍ من سِرِّ الاتِّصالِ بالبشيرِ النَّذيرِ؛ تسري سَرَايَةُ الاستجابةِ لعينيهِ فلا تَعْصِيَانِ، وإلى أذنيهِ فلا تَعْصِيَانِ، وإلى لسانِهِ فلا يَعْصِي، وإلى فَرْجِهِ فلا يَعْصِي، وإلى بطنِهِ فلا تعْصِي، وإلى يديهِ فلا تَعْصِيَانِ، وإلى رجليهِ فلا تَعْصِيَانِ.. مِن سِرِّ الاستجابةِ لهذا النِّداءِ الإلهيِّ. 

ويَقوى صِلَتِهِ بالدَّاعي الذي نَصَبَهُ اللهُ في مَقامِ الدَّعوةِ إليهِ، وقال عنهُ: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). 

​ثمَّ ربط بهذا الإذنِ -الذي نالَهُ من اللهِ- كلُّ مَن صَدَقَ من أمَّتِهِ، قال: "بلِّغوا عنِّي". بلِّغوا عنِّي؛ أنا المأذونُ لي، وأنتُم عنِّي باتِّباعِكُم واقتدائكُم، لا يستقلُّ أحدٌ منكم بفهمٍ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ مُنفصلٍ، وإنَّما يصيرُ داعيًا إلى اللهِ بوجهٍ صحيحٍ إذا ارتبطَ، وإذا انغمرَ في التبعيَّةِ. "عنِّي"، "بلِّغوا عنِّي ولو آية" ليس بأنفسِكُم، لا أحد يستقلُّ بنفسِه، الإذن إلا لَهُ هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، ومَن بعدَهُ إنِ ارتبطوا بهِ، وانخرطوا فيهِ، وانطَوَوا فيهِ، فدعوتُهُم صحيحةٌ، وإن لم يكن ذلك، فهذه دعواتٌ دخلتْهَا الأهواءُ، ودعواتٌ دخلتْهَا الأنفُسُ، ودعواتٌ دخلتْهَا القواطعُ التي تقطعُ عن الحقِّ سبحانَهُ وتعالى. 

وبذلك وجدنَا حتَّى الذين قابلوا الرَّعيلَ الأوَّلَ من الصَّحابةِ، كانوا أرادوا أن يستدلُّوا بالقرآنِ، وما لهم استدلال صحيح، حقيقةِ دليلٍ في ذلك، بل هو تضييعٌ للقرآنِ ومخالفةٌ لهُ، ولكن هكذا أرادوا، لأنَّ فهمَهُم في الكتابِ والسُّنَّةِ لم يكن على وجهِ الانطواءِ والاستواءِ في الاقتداءِ والاهتداءِ والتبعيَّةِ للحبيبِ صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ، ولِمَن حملَ عنهُ الرَّايةَ.

​الحمدُ للهِ، مَجْمَعٌ مُباركٌ، وكُلٌّ منَّا يُسقَى إن شاءَ اللهُ مِن سُقيا الاستجابةِ التَّامَّةِ لدعوةِ الرَّحمنِ، في تلبيةِ نداءِ حبيبه سيِّدِ الأكوانِ ﷺ. 

قال اللهُ عن أُولي الألبابِ في دُعائهِم لهُ تعالى: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ)، وما هو إلَّا محمَّدٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا). 

وهذا السَّماعُ يقولُهُ أُولو الألبابِ في عهدِهِ، يقولهُ في القرنِ الثَّاني، وفي القرنِ الثَّالثِ، إلى قرنِنَا هذا.. أُولو الألبابِ كلُّهُم قالوا: سَمِعنا، والسَّماعُ كُلٌّ على قَدْرِهِ في هذا السَّماعِ، ​وإلَّا فصوتُهُ مُدوٍّ في الوجودِ كلِّهِ ﷺ، مُدوٍّ في العالمِ كلِّهِ ﷺ. 

إذْ كان الرَّحمنُ قال لسيِّدِنا الخليلِ إبراهيمَ: "نادِ في الخلائقِ يحجُّونَ البيتَ"، قال: مَن يسمعُني؟ وأين الخلائقُ؟ وادي هنا ولا أحد حَوَالي، قال: عليكَ النِّداءُ وعلينا البلاغُ، ونادَى، فأسمعَ اللهُ مَن في الأصلابِ إلى يومِ القيامةِ نِداءَ الخليلِ إبراهيمَ، ولبَّى مَن أرادَ اللهُ أن يحجَّ إلى البيتِ الحرامِ.

وهذه دعوةُ الحبيبِ ﷺ الذي حملَ أسرارَ "إقرأ" وبلغَهُ، مُدَوِّية في الوجودِ كلِّهِ، حتَّى حملَتْهَا عنهُ الكائناتُ وهي تدلُّ عليهِ. 

 

تاريخ النشر الهجري

09 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

22 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

آخر الأخبار