رحمة الله الواسعة بالتائبين

رحمة الله الواسعة بالتائبين - خطبة 18 محرم 1448هـ

من خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ:

 

إن الرحمن بجلاله وعظمته واستغنائه عن العباد، بسط البساط ليتوب التائب، (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)

بل شرع لهم باب التوبة ودعاهم إليها، بل خصَّ بالخطاب الذين أسرَفوا، والذين تجرَّأوا عليه، ثم هو في كبريائه وعظمته يُقرِّب لهم المسافة ويمدُّ يده ليرفعهم من الآفة، ويقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

إذا علم أن له إلهًا يغفر الذنب فتوجَّه إليه؛ كان ذلك سببًا لفتح باب المسامحة والعفو والصفح، وأكبر من ذلك أن يباسطه ﷻ ويبادئه بالمحبة: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).

خطر الإصرار على المعصية:

بعد ما تعصيه وتندم وترجع إليه يبادئك بالمحبة؟! كان يكفي أن يسامحك، وأن يعفو عنك وأن لا يعذبك على هذا.. فوق ذلك يحبك؟!

أيُّ إلهٍ هذا؟! أيُّ ملكٍ هذا؟! أيُّ عظيمٍ هذا؟! فما عذرُ من أغفل؟! وما عذرُ من أهمل؟! وما عذرُ من والى الذنب واحدًا بعد الثاني.

(كلا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) كسبُ الذنوب واحدةً بعد الثانية.. غِيبةٌ ونميمة وكذب، وإهمالٌ للأولاد والواجب تربيتهم، ويراهم يؤخِّرون الصلاة ولا يبالي، وينظرون المناظر المحرَّمة ولا يبالي، ويعقُّ أحدَ الوالدين، ويتابع ذلك يومًا بعد يوم ويدخل عليه عامٌ بعد عام.

أيظنّ أن الله غافل؟ أيظنّ أن لا يُكتب عليه ما يقول؟ أيظن أنّ لا يقين فيما أوحى الله إلى مصطفاه!

إنما يهلك المُصِرُّون، الذين يُصرُّون على الذنب وراء الذنب، والإصرارُ على الصغيرة يحوِّلها كبيرة، أتدري هو معصية من؟ الجليلِ الأعظم، الكبيرِ الأكبر ﷻ، فكيف تقول صغيرة؟! صغيرةٌ تخالف فيها من؟! تعصي فيها من؟! انظر إلى عظمة من تعصيه.

شروط التوبة: 

 الندم: جاء في الحديث: "الندم توبة"؛ لأن الندم إنما يصدر ممّن عرف مغبَّة الذنب وسوء عاقبته والمؤاخذة به، وأن له ربًّا يؤاخذ بالذنب ويعفو عنه، فإذا ندم على ذلك أقلع.

 الإقلاع: البُعد عن الذنب، أما صورة التوبة والاستغفار مع الاستمرار في الذنب، فأشبه باستخفافٍ بالجبار الأعلى جل جلاله، بلا إقلاع عن الذنب والابتعاد عنه.

العزم الصادق أن لا يعود: من أُعطي هذا العزم الصادق كُتب توَّابًا ولو عاد، ولو عاد وتكرَّر منه العَود لكنه في كل مرة يعلم الله صدق قلبه أن لا يعود في عزمه، وفي نيته.

تبديل السيئات حسنات:

مِن عظيم ما يعامل به المولى التوَّابين، أن يأتي إلى ذنب أحدهم فيُحوِّله إلى حسنة: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ).

وهذا ما لا تصادفه عند غير هذا الإله، مهما أخطأت في حق أحد وسامحك وأحسن إليك، لا يستطيع أن يحوِّل خطيئتك إلى إحسان، إلا الرحمن! يأتي إلى نفس سيئتك فيحوِّلها إلى حسنة يثيبك عليها، ما أكرمه! ما أرحمه! ما أعظمه! فلا عذر لمن يُغفل التوبة.

النبي ﷺ سيد التوابين:

إن الطاهر المعصوم محمدًا، القدوة لنا "يتوب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة"!

اذكر لي أيَّ أيام عمرك تذكر أنك تبتَ فيه في اليوم الواحد مائة مرة؟ مائة توبة صادقة إلى الجبار جل جلاله.

ثمرات التوبة والاستغفار:

ألا إن الاستغفار سبب نزول الأمطار، ألا إن الاستغفار سبب قهر أعداء الله من الفجار، ألا إن الاستغفار سبب تحويل الأحوال إلى ما هو أحسن وأجمل.

"طوبَى لِمَنْ وجدَ في صحيفتِهِ استغفارًا كثيرًا"، من لزم الاستغفار جعل الله له من كلهمٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

إنّ حُسن التوبة من المؤمنين في أنفسهم وأسرهم وما حواليهم في شؤونهم الخاصة، في شؤونهم الاجتماعية، وفي أعمالهم ومعاملاتهم؛ سبب دفع البلاء عن الأمة ونصرة الأمة، وقهر أعداء الملة وأعداء الدين، وأعداء الإنسانية وأعداء الخير

اللهم حقِّقنا بحقائق التوبة، وارزقنا الاتباع لسيد التوَّابين في كل ساعة وفي كل يوم وفي كل ليلة، يا خير التوَّابين تُبْ علينا وعلى أهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا وجيراننا وأصحابنا وقراباتنا توبةً نصوحًا، تُزكِّينا بها قلبًا وجسمًا وروحًا.

 

خطبة في مسجد الشريفة فاطمة بنت ناصر، عمّان، الأردن، 18 محرم 1448هـ

لقراءة الخطبة كاملة أو المشاهدة

تاريخ النشر الهجري

25 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

10 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية