(447)
(628)
(368)
(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) هذه أحدُ العُدَدِ للقولِ البليغ، أعرِضْ عنهم في ماذا؟
لا تتأثَّرْ بما يطرحون، ولا بما يمكرون، ولا بما يُهدِّدون.. ليس المرادُ بالإعراضِ عنهم أنك لا تهتمُّ بهدايتِهم، المعنى: لا تُبالِ بأطروحاتِهم، بتهديداتِهم، بمكرِهم، بما عندهم ممَّا يقابلونك به من السوء.
وجودُ اليقينِ في القلبِ أولَ أساسٍ للقولِ البليغ؛ أن تعلمَ أنك تتكلَّم عن من؟ وتدعو إلى مَن؟ وبأمرِ مَن؟ وهذا الأمرُ الذي الأمةُ محتاجةٌ إليه.
هذا الذي وصلَ إليك وعندك، الأمةُ محتاجةٌ إليه لا بذاتكَ ولا لأصلك، ولكن لِما وصلَ عندك ممَّا عنده ومنه سبحانه وتعالى على يدِ رسولهِ ﷺ، وعلى أيدي الحبالِ التي أوصلتْك إلى رسولِ الله، ووصَّلتْ عندك ممَّا عند رسولِ الله.
القول البليغ قائم على أساسٍ من اليقين، ومعرفةِ أنَّ ما عندك عظيمٌ جليل، هو الحلُّ الوحيدُ لمشاكلِ الناس، بابُ الإنقاذِ الوحيدُ لكلِّ ما يعانونه! هذا السببُ الأقوى لنقلِهم مِن كلِّ شدةٍ إلى كلِّ رخاء، مِن كلِّ هلاكٍ إلى كلِّ نجاة، من كلِّ شقاءٍ إلى كلِّ سعادة، من التعبِ إلى الراحةِ الحقيقية.
الراحةُ الحقيقية: راحةُ القلوب والأرواح، المُتصلةِ بأصنافِ الراحةِ في البرازخِ والقيامةِ ثم في دارِ الكرامة.
القولُ البليغُ: ما هو مُبلَّغٌ عن اللهِ ورسوله؛ ليس وليدَ أهواءٍ ولا شهوات، ولا اجتهاداتٍ على غيرِ الوجه، بل مُبلَّغٌ من الأصل، ليس قولُك أنت، ولا خصوصُ رأيك، معاني كلامِ اللهِ ورسولهِ ﷺ هي التي تبلِّغها حتى يكونَ بليغًا.
الذي وصلَ إلينا عن اللهِ ورسوله فيه الإنقاذ، وهو القولُ البليغُ، فنحملُه لأنفسِنا أولًا، ونحملُه لديارِنا ومنازلِنا، ونحملُه لمجتمعاتِنا.
القول البليغ: يبلِّغُ سامعَه البيانَ للحقيقة، بالمقوِّماتِ التي جعلها اللهُ في عالمِ الأسباب، كافٍ إقناعًا لكلِّ مُستبصرٍ وكلِّ متنوِّر.
قولٌ بليغٌ: يُبلِّغُ قائلَه مراتبَ الصدقِ والإخلاصِ والقُربِ من الحقِّ ورسوله، يبلِّغُ سامعَه مراتبَ انفتاح أبوابِ الصدقِ مع الحقِّ والقربِ منه جلَّ جلالُه.
قولٌ بليغٌ: يَبلُغُ مرضاةَ الحق، "قُلْ قولَك ليصدِّقَه اللهُ لا ليصدِّقَه الناس"، لا يكونُ قصدُك أن يصدِّقَه الناسُ في الأصلِ أبدًا، وما مرادُك بتصديقِ الناسِ إلا رضا ربِّ الناس.
اعملْ على الأسبابِ التي توصلُهم إلى التصديقِ بكلِّ إمكانك؛ إذا قُمتَ بهذا الأمرِ على ما يحبُّ اللهُ منك فقد أفلحتَ ونجحت.
القولُ البليغُ: يرجع إلى حقيقةِ الوفاءِ بعهدِ اللهِ والنصرةِ للهِ ولرسوله، والخطابِ بيَقينٍ وبصدقٍ وبإخلاص، وباختيار للألفاظِ الصالحة، وبالارتقاءِ في هذه المجالاتِ لأداءِ حقِّ هذه الرسالةِ وتبليغها.
ينبغي لمَن له رغبةٌ في أن يكونَ من الدعاةِ إلى الله أن يُوسِّعَ آفاقَه؛ علمًا وذوقًا وسلوكًا وأدبًا، حتى يتمكَّنَ مِن أداءِ القولِ البليغ.
____
من محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في افتتاح ملتقى الدعاة السنوي العشرين، تحت عنوان: (القول البليغ: مقوماته ومقاصده ومساقات إيراده)
ليلة الثلاثاء 1 محرم 1448هـ
03 مُحرَّم 1448