فوائد من كشف الغمة 408- كتاب الأطعمة (2) النهي عن أكل الثوم وإباحته
بسم الله الرحمن الرحيم
فوائد من الدرس
في حكم أكل الثوم والبصل وما شابههما
أكلُ الثوم والبصل والكرَّاث والفجل وكل ذي رائحة كريهة حلالٌ في أصله بالاتفاق، وإنما يُكرَه من أجل رائحته.
تزول الكراهة عن أكله إذا طُبِخ فأُميتت رائحته، لقوله ﷺ: "من أكلهما فليُمِتهما طبخًا".
يَحرُم أكله على من قصد بذلك إسقاط واجبٍ كالجمعة، ليتخذه عذرًا في التخلف عن حضورها.
من أكله ثم أراد دخول المسجد أو حضور جماعة المسلمين، فقد نُهي عن ذلك، لقوله ﷺ: "مَن أكَلَ البَصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ فلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنا؛ فإنَّ المَلائِكةَ تَتَأذَّى ممَّا يَتَأذَّى منه بَنو آدَمَ".
من وجد ما يُزيل الرائحة سريعًا فلا كراهة في أكله، وعليه أن يسعى في إزالتها مباشرة بعد الأكل.
من تناوله للتداوي أو لحاجةٍ كفقدِ ما يأتدم به، أو توقان نفسه إليه، فلا تلحقه الكراهة، وقد جاء في الحديث: "كل الثوم نيئًا فإن في أكله شفاء من سبعين داء".
لطائف من سيرة المصطفى ﷺ
أكلُ هذه البقول في حقِّه ﷺ مكروه، وهو منزَّهٌ معصومٌ من المكروهات، لأنه يُناجي الملائكة، كما قال لسيدنا علي رضي الله عنه: "يا علي كل الثوم نيئًا فلولا أن الملك يأتيني لأكلته".
لما ردَّ النبي ﷺ طعامًا فيه ثوم على سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: "إني وجدت فيه من هذا الثوم وإني أناجي مَن لا تناجون، فكلوه أنتم" — ففيه دليلٌ على إباحته لغيره ﷺ.
حِكَمٌ ومعانٍ جليلة
في هذه الأحكام بيانٌ لعظمة الشريعة وسعتها وشمولها؛ فهي نظامٌ ربانيٌّ جامعٌ يرتِّب للمسلم أكله وشربه ووقته ونومه وقيامه ولُبسه وأخذه وعطاءه وبيعه وشراءه، لا يجوز أن يُقدَّم عليه سواه.
راعتِ الشريعةُ الأدبَ مع المسلمين وعدمَ إيذائهم ولو بمجرد رائحةٍ كريهة، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟!
جعل الله تعالى طبائع الملائكة — وهم أجسامٌ نورانيةٌ خالصة — تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم؛ لأن الخالق واحد، وما كان كريهًا في الفطرة السليمة عند الآدميين فهو عند الملائكة كذلك.
ربط المؤمنين بالملائكة
الإيمان بالملائكة ركنٌ من أركان الإيمان، واستشعار حضورهم والإحساس بهم من خصال الكمال في الإيمان.
قال ﷺ مبيِّنًا ثمرة دوام الحضور مع الله: "لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة فساعة" — حتى في الطرقات والشوارع لا في الخلوات فحسب.
تنبيه
ما يتعاطاه الناس اليوم من الدخان والتنباك ونحوه أشدُّ من الثوم؛ فالثوم حلالٌ بالاتفاق وإن كان مكروهًا، وأما الدخان فقد اختُلف في تحريمه، وقال بتحريمه جماعة من أهل العلم.
أما إيذاء الجليس بالرائحة الكريهة — من دخانٍ أو غيره — فحرامٌ من غير شك، ومن دخل المسجد بهذه الرائحة وقع في الإثم والحرام.
اللهم ارزقنا حُسن متابعة سيدنا محمد ﷺ، وخلِّقنا بأخلاقه، وأدِّبنا بآدابه، وسِرْ بنا في دربه، واسقِنا من شُربه، واحشرنا في زمرته برحمتك يا أرحم الراحمين
02 ذو القِعدة 1447