شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس - 94 - من قوله: (الزُّهَّادُ إِذَا مُدِحُوا انْقَبَضُوا.. )

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ لكتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن فعاليات الدورة التعليمية التاسعة والعشرون بدار المصطفى بتريم ، الأربعاء 24 ذو الحجة 1444هـ، من قوله: 

( الزُّهَّادُ إِذَا مُدِحُوا انْقَبَضُوا؛ لِشُهُودِهِمُ الثَّنَاءَ مِنَ الخَلْقِ، وَالعَارِفُونَ: إِذَا مُدِحُوا انْبَسَطُوا؛ لِشُهُودِهِمْ ذَلِكَ مِنَ الـملِكِ الْـحَقِّ )

الزهَّادُ: هم الذين أخذوا في تصفية قلوبهم، وإخلاص أعمالهم، وإخراج رؤية الخلق عن نظرهم؛ فهم وإن كانوا أهل مقامٍ شريف، وحالٍ عالٍ منيف .. لم يخرجوا بعدُ من الحجاب برؤية الأغيار، ومكابدة الآثار، كما هو حال الـموحِّدين ، وكُمَّلِ العارفين، وأهل الشهود الـمقرَّبين، الذين غابت عندهم شواهد الخليقة، وأشرقت عليهم شموس أنوار الحقيقة، فلا يرون ولا يسمعون، ولا يحادثون ولا يجالسون سواه، ولا يشهدون إلا إياه، فعنه يأخذون الخطاب مجملاً، ويميزونه على الطالبين مفصلاً، فلا يسمعون خطاباً، ولا ينظرون في البعد والاقتراب إلا عنه وإياه.

فإذا مُدح الزهَّاد انقبضوا؛ لشهودهم له من الخلق، فيخافون انبساط نفوسهم إليه، واعتمادها عليه، فينقصهم ذلك من منزلتهم عند سيدهم، ويوقفهم دون مطلبهم، فلا جرمَ أن ينقبضوا لذلك ويهربوا منه.

والعارفون: لما لم يشهدوا للخلق في ذلك وجوداً، ولم يروا لهم في الحقيقة شهوداً .. شهدوا ذلك من سيدهم، وفرحوا حيث مدحهم وأثنى عليهم مليكهم، فلا جرمَ أن تتصدَّعَ القلوب سروراً، وتمتلئ الآفاق حُبوراً، ويعتريهم من الوجد بذلك ما لا يطاق؛ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استقرأَ أبيَّ بن كعب سورة (لم يكن) فقال: أقرؤُها عليك وعليك أنزل؟! فقال: ((إن الله أمرني أن: أقرئْ عليك أبياً ))، فقال: يا رسول الله؛ آلله ذكر أُبَياً؟ فقال: (( نعم ))، فقام وحجلَ، وما زال يردِّدُ قوله: آلله ذكر أبياً.

فهذا وهو آخذٌ بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا أخذه صاحب الكشف على الكشف والعيان؟!، فلا ترى ما يحصل لهم من الفرح. 

وصاحب هذا الحال لا يزيد عنده من مدحه من الخلق على من ذمَّه، فإذا ذمَّه ذامٌّ .. لم ينقبض عليه، ورآه رسولاً من سيده واصلاً إليه، فيرجع إلى نفسه بالـمعاتبة والـمحاسبة والتأديب حيث قلَّلتِ الأدب على الله، فعاتبها الحق سبحانه على لسان من وصل إليها منه الذم.

وتحقيق ذلك: أن تعلم أن أولي الأحوال العلية، والأخلاق السَّنية أثنوا على أنفسهم، وأُثني عليهم، ولم يحصل عندهم انقباض لذلك، بل زادهم شكراً عليه، وهم عالـمون مضرة الـمدح على من بقيت فيه بقيةٌ من رؤية شهوده للخلق، واحتجابه بالنفس؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الـمدح، وتركه على حسب أحوال الـممدوحين؛ فأهل كمال اليقين، والواصلين إلى أعالي أحوال التمكين .. أثنى عليهم بحضورهم؛ كالصِّدِّيق رضي الله عنه حيث قال له: ((لستَ ممَّن يفعل ذلك خيلاء )) ، وغير ذلك مما أخبره به من مزايا الفضائل.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال له: ((إن الشيطان يسلك غير الفج الذي تسلكه)) ، وغير ذلك من فخام الفضائل، ولعلي رضي الله عنه: (( أنت مني بمنزلة هارون من موسى )) ، ولعثمان رضي الله عنه بشَّـره بالجنة .. وغير ذلك.

وجماعة من أكابر الصحابة كأُبَيِّ بن كعب لمَّا قال له صلى الله عليه وسلم: (( أي آية أعظم في كتاب الله؟ ))، فقال: آية الكرسي، قال له صلى الله عليه وسلم: ((ليهنك العلم أبا الـمنذر )) ، وما ذكر به أبو قتادة وسلمة بن الأكوع يوم أُغير على سرح الـمدينة، وغيرُهم لمَّا مدحه من مدحه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .. قال له: ((قطعتَ ظهر أخيك )).

فهكذا يكون تنزيل الـمدح وتركه على حسب حالة الـممدوح، إن كان كاملاً متمكِّناً، لم يؤثر عنده مدحُ الخلق ظهورَ نفسٍ واستشرافاً إلى حظٍّ .. فلا عليه فيه نقص، وما دام يجد به ظهورا في النفس ولم تدعُ حاجةٌ إلى ذلك فتركه وكراهته من شِيَم الزهَّاد والـمريدين والعبَّاد، ومع كونه لم يؤثر في الإنسان فتركه أولى بكل حال، إلا في مواطن يحتاج إليه يطول تعدادُها، ولي في ذلك:

الزاهدون لهم حالٌ ومنزلةٌ * تعطيهم القبض إن فاهت به الغير

والعارفون كذاك الـمدح يبسطهم * لكونهم خرجوا عن رؤية البشـر

 

وللموحِّدين علامات تُعرَف بها أحوالهم، وتثبت بها مقاماتهم، وبها يخرجون عن الـمدَّعين لمقامهم من غير تحقُّقٍ به؛ فلذلك قال الـمؤلف رضي الله عنه: 

( مَتَى كُنْتَ إِذَا أُعْطِيتَ بَسَطَكَ الْعَطَاءُ، وَإِذَا مُنِعْتَ قَبَضَكَ الـمنْعُ فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى طُفُولِيَّتِكَ، وَعَدَمِ صِدْقِكَ فِي عُبُودِيَّتِكَ )

هذا ميزانٌ تعرفُ به ما أنت عليه من الحال، فمن نصح نفسه ولم يكابر.. أنصف عندما تشاهده الدلالة وتشاهده العلامة من نفسه، فمتى كان بحظه لم يخرج عنه ولا انتزع منه.. فليتَّقِ الله في دعوى التوحيد وإخلاص العبودية، فليسأل الله ويلجأ إليه أن يحقِّقه له، ويلحقه بغمار أهله، فإنه بعدُ لم يخرج عن حظ نفسه، ولم يخلص العبودية لربه.

فمتى أُعطِيتَ حظَّكَ ونلت مآرب نفسك .. بسطك العطاء لا الـمعطي، فإذا مُنِعْتَ عن حظك ولم تنل حاجتك الناجزة.. قبضك الـمنع لا الـمانع؛ فاستدلَّ بذلك – أي بهذه الحالة – على طفوليتك في أهل الله.

والطفيلي: هو الذي يتطفَّل في الولائم من غير أن يُدعى إليها، فينتسب أنه من أهلها وهو أجنبيٌّ عنها، فيُترك تكرُّماً من أهلها أو حياء، فالـمستحيون منه نفوسُهُمْ تمقته، والكرماء قلوبهم ترحمُهُ؛ لما يرون من ضعف همته وسفاهته وقلة عقله، وأول من تسمَّى بذلك رجل كوفي كان يُدْعى طفيليَّ الأعراس.

وذلك أيضاً على عدم الصدق في عبوديتك؛ لأن صدق العبودية يعطي الصادق أن يكون مستغرق الهمِّ في أوصاف معبوده، ولا يفرق بين ما يصدر عنه من الأفعال، فهو عنده في كل الأحوال، فلا يكون إلا ناظراً إلى حسن تدبيره واختياره، فانياً عن سائر الحظوظ، وقال: متى بسط العطاء؟.

أما لو كنت في بسطك – لأنه برز من حضرة اسمه الباسط - فلا حرجَ عليك أن تنبسط بفعل ربك لا بالفعل مجرداً عن فاعله، فكذلك بالقبض لو انقبض – لكونه أثر اسمه القابض –  فلا حرجَ أيضاً أن ينقبض؛ لما يعطيه الكشف من تجلِّي الاسم القابض، فيكون مع الفاعل لا مع الفعل.

فليفهم الفرق بين البسط والقبض بالله، أو هما بغيره؛ فأكثر الـمنتسبين إلى الطريق قد يظنون صدقهم في عبودية ربهم، فإذا طرقهم أمرٌ ممَّا يناقض مرادهم او يخالف حظوظهم .. بان لهم غرورُ دعواهم؛ فعبيد الحروف الواقفون مع الظروف خاسرون، وعن مقاصد الصدق ناكبون؛ كما وصفهم في كتابه بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا)  بفوات مراده، (وَالْآَخِرَةَ)  بعدم صدقه في عبوديته، ولي في ذلك: 

متى تكون بما تُعْطاه منبسطاً * وعند منعٍ تكن بالقبض موصوفا

فاعلم بأَْنْك طفيليٌّ بمذهبهم * كما يُرى ذاك بين القوم معروفا

وليس لك في طريق الصدق مشربهم * فعبد حق تكن بالله مشغوفا

لا يوحشنك بلوى في محبتهم * ولا العطا بل لديه الكل مألوفا

تاريخ النشر الهجري

24 ذو الحِجّة 1444

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام