(636)
(30)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 8 ربيع الأول 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
حِكَم خلق الزمان والمكان ونتائج ما يجري فيهما وشرف الظفر بفضل الله والاتصال بمصطفاه
الحمد لله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا..)،
ولم يزل ضبط هذا القول للمؤمنين الذين يسمعون كلام الخلَّاق (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18]. فيحذَرون من كلمة تهوي بصاحبها في النار -والعياذ بالله تعالى-، كلمة تَحرِم صاحبها الإيمان عند الموت! كلمة توقع صاحبها في الَّلجْلَجَة عند السؤال في القبر! بسبب كلمة قالها ما بالى بها!! وهي تبلغ من سَخَطِ الله جل جلاله.
لهذا حَذِرُوا الكلام على الناس وحَذِرُوا الكلام على الدين! (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل:116-117].
ولذلك كُلِّهِ رَأَيْنَا الصديق -عليه رضوان الله- سُئِلَ عن معنى (الأَبَّ) في قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس:31]، ما كان مستحضرا معناها تلك الساعة، قال: أي أرض تُقِلُّنِي وأيّ سماء تُظِلُّني إن قلتُ في كتاب الله برأيي! لا أعرفها، اسأل غيري عنها!
خليفة رسول الله أبو بكر الصديق -عليه رضوان الله تعالى- ما رضي يتكلم في كلمة واحدة في القرآن ما استحضر معناها، قال: أي سماء تظلّني؟ وأي أرض تقلني وتحملني؟ إذا قلت في كلام الله برأيي!!
فخُذ الميزان يا أيها الإنسان المؤمن بالرحمن، وما أَنْزَل من القرآن، وما بَعث به سيد الأكوان الذي شَرَّفَ اللهُ بِهِ شهر ربيع الأول، جعله لبروزه ولظهوره ولولادته ولمجيئه إلى هذا العالم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله..
شهر السعادة وُلِدَ فيه خيرُ عبدٍ اتَّصَل *** ونهار مولده سُمِعَ في السماء له زَجَلٌ
صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله..
قد كان مولده والمبعث بأرض البِطَاح *** وساعة الوضع صار الليل مثل الصباح
والكون لبَّاه بالتّشميت له حين صاح *** فإن طَرِبْنَا فما في ذا الطَّرَب مِنْ جُنَاحٍ
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فجاءنا بالنور والهدى..
وسمعتم قول عمه العباس:
وَأَنتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ *** وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ
فأنْعِم به.
ما يستحون على أنفسهم يقولون: ما احتفلوا الصحابة بمولد النبي! وهذا ايش؟! ايش يُسمى هذا؟ أيُستهزأ بقول العباس بن عبدالمطلب؟! ما تستحي على نفسك؟!
ما هو في شهر ولا في سنة، أعمارهم كلها محتفلين بمولده وبمبعثه وبسيرته وبغزواته، الصحابة من رؤوسهم إلى أقدامهم احتفال بمحمد وتعظيم لمحمد ﷺ، وذكر لأخباره.
وهو ﷺ كان يذكر هذا، أحدهم يسأله عن صومه الإثنين قال له: ولدتُ أنا في هذا اليوم. وليش يذكُر الولادة؟ من أجل ما نصلِّح مولد يعني؟ ولا ايش؟ قال: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ". وما سأله أنت أي يوم ولدت؟ ما قال أنا بصوم يوم الإثنين؟ قال: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ"، ولادتي فيه. وإذا لا يوجد لولادته معنى ولا أثر، ما هذا الكلام؟ لعبة؟ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
فالحمد لله الذي أكرمنا به.
وصحَّ في الحديث: إذا مرَّ الذاكر لله بطريق، نادى الطريقُ الطريقَ الآخر: هل مَرَّ بك اليوم رجل يذكر الله؟ في أحد مر بك يذكر الله؟ فيُجيبه: "مَرَّ بي اليوم رجل يذكر الله"، يفتخر الطريق! الأماكن تتشرف بهم، أماكنهم تتزين وتتنوَّر، وأزمنتهم كذلك.
وسبحان خالق الزمان والمكان! وكلها مخلوقة لله -تبارك وتعالى-: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا..)،
بعد ذلك نتيجة ما كان منكم من حين ما كُلِّف أحدكم وبلغ حد التكليف إلى حين أن يُتوفَّى، تأتي الحصيلة: (..وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ..) كتابه الذي فيه أخباره، نياته ومقاصده، وحركاته، وأقواله وأفعاله، ونظراته ومسموعاته، حركاته وسكناته، في البيت وخارج البيت، وفي الشارع وفي السوق وفي السيارة وفي الطائرة.. حيث ما كان قدامه (..وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ..) [الإسراء:12-14]، هذا عملك ولا عمل أحد ثاني؟ تُنكر شيئا من هذا؟ قلت كذا، فعلت كذا، نويت كذا، خاطبت فلان بكذا، رفست ودحقت برجلك كذا، دخلت في مكان غيرك بلا إذن، حمَلَت متاع غيرك في يوم كذا مكان كذا، تشوفه موثَّق بالمكان والزمان.
وأهل الدنيا يقولون: نُوثِّق توثيقا! ما يحتاج توثيقا ولكنها صورة قدامك، وفي حالة تناوله للمُحرَّم، في حالة فعله للمنكر.. قدامه، مُوثَّق بالمكان والزمان والهيئة، حتى مَن لم يعف الله عنهم وأراد فضيحتهم؛ على عدد سيئاتهم صور.. واحدة، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ألف، ألفين صورة.. تُنشر قدامه، ويُفضَح بها بينهم
يا ستَّار: استرنا بسترك الجميل!
يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم:39]، (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:14]، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ..) والعواقب والحسنى والخيرات..لمن؟ (..إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:52-55]، جل جلاله وتعالى في عُلاه.
انظر اللهم إلى أجزائنا وأركاننا من حين خلقتنا، وأزمنتنا من حين خلقتنا، وأمكنتنا من حين خلقتنا، فلا تجعل فيها شاهدًا علينا، لا تجعل فيها شاهدًا علينا، ولا سبب فضيحة لنا يوم نلقاك، يا الله.. يا الله، وما كان مِنَّا من زلل وتقصير فاغفره وسامحنا فيه، وَأَنْسِ الأرض وَأَنْسِ الأمكنة وَأَنْسِ الزمان، وَأَنْسِ الحَفَظَة، وَأَنْسِ الجوارح ما فعلنا من ذلك السوء! ، كفى علمك! وأنت أستر بنا من غيرك، أستر بنا من من الأولين والآخرين، أستر بنا من آبائنا وأمهاتنا، أستر وأرحم وأرأف بنا من أنفسنا لأنفسنا!
فيَا رحمن: ارحمنا، فإنا آمنا بك وبرسولك وتوجهنا به إليك؛ أن لا تُبقِ في أزمنتنا ولا أمكنتنا شاهدًا علينا يوم القيامة، ولا سببًا لكشف عيبنا وعوراتنا يوم الطامة، ولا تفضحنا يا مولانا في حاضِرِ القيامة بموبقات الآثام، واعفُ عنا ما ارتكبنا من الجرام، وارحم بالقرآن العظيم في موقف العرض عليك ذُلَّ مقامنا، وثبِّت به عند اضطراب جسور جهنم يوم المجاز عليها زَلَّةَ أقدامنا، ونَجِّنَا به من كُرَبِ يوم القيامة وشدائد أهوال يوم الطامة، وبيِّض به وجوهنا إذا اسوَدَّت وجوه العصاة في موقف الحسرات والندامة.
ولما سأل الصحابة عن رجل كان له شيء من المعروف الظاهر وهو مشرك ومات على الشرك وقد وصلته الدعوة، فسألوا النبي ﷺ: هل ينفعه هذا في الآخرة؟ قال: "إنه لم يقل يوما: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين". أي ما ذكَر يوم القيامة بإيمان ويقين ولا قال اغفر لي في ذاك اليوم. أمَّا الذين يقولون هذا هم الذين تنفعهم أعمالهم، ولا تصيبهم فضائح القيامة، ولا عذاب القيامة، ولا شدة يوم القيامة.
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ..)، الفزع الأكبر سمَّاه ربك أكبر! لا تَقِيسُه بقنابل، لا تَقِيسُه بأسلحة نووية، هذا عذاب أكبر وخوف أكبر وفزع أكبر! (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)، لم؟ لأنهم أحسنوا الصِّلَة بالإله الأكبر، ولا يقدر عليهم فزع أكبر ولا غيره (..لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:101-103]، يوم الذي وعدكم الله يغفر لكم، ويتجاوز عنكم، ويعفو عنكم، بل ويُشَفِّعكم ويربطكم بأنبيائه، هذا هو اليوم حقكم، اطمئنوا (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).
يا رب صَلِّ عليه واملأ قلوبنا بمحبته، وارزقنا كمال الرابطة به، واجعل لنا زيادة في شهر ذكرى ميلاده، وفي جميع حياتنا، وفي جميع أيامنا وليالينا، وكل ساعة من ساعات أعمارنا اجعل لنا زيادة من الرابطة به، والصلة به، والمحبة منه، والمحبة له، لك ومن أجلك يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين.
والذين أشرت إليهم في كتابك عند وجود الارتداد والانزلاق في مهاوي الكفر والزَّيْغِ، والتنكُّر لوحيك وكتابك، وتَنتَخِب من بين الخلق مَن تأتي بهم أنت! وصفتهم في كتابك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي..) مَن يأتي؟ (..فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، نسألك تجعلنا منهم، نسألك تجعلنا فيهم، نسألك تجعلنا ممن عنيتهم وأردتهم يا الله..
وهذا وصفهم: (..أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ما يتكبرون على مؤمن، ما يؤذون مؤمنًا، ما يُبَيِّتُونَ شرًا لمؤمن، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) ما يَقدِر الكفار يَستميلونهم ولا يَستذلونهم، لا بتهديد ولا بإغراء، هم أكبر من دنياهم وأكبر من أسلحتهم؛ لاتِّصَالِهِمْ بالكبير الأعلى -جل جلاله-!
(..أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)، وخروجهم هؤلاء في الدنيا، وما أعددتَ لهم المنازل في البرزخ ثم في القيامة ثم في دار الكرامة، كيف جاء؟ قال: (..ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).
يا صاحب الفضل الذي تؤتيه من يشاء، أَيْدِينَا امتدت إليك، ارحمنا، ارحمنا بصاحب الذكرى في ميلاده في هذا الشهر، ارحمنا بحبيبك أصفى أصفيائك وأحب أحبائك وأعظم أنبيائك محمد بن عبد الله، يا رب آتِنَا هذا الفضل، يا من قلت عن نفسك: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54].
يا الله: اجعل كل فرد من الحاضرين والسامعين ممن تُؤْتِيهِم هذا الفضل يا متفضل، وأهلينا وأولادنا، وطلابنا وجيراننا وأصحابنا ومن والانا فيك وذوي الحقوق علينا، الفضل بيدك والفضل فضلك يا واسع الفضل يا عليم: ائتنا هذا الفضل: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
بارِك لنا في هذا الشهر، بارِك لنا في أيامِهِ ولياليه، اجعل لنا كل ليلة خيرًا من التي قبلها، وكل يوم خيرًا من الذي قبله، بل كل ساعة خيرًا من الساعة التي قبلها.
وَوَفِّرْ حَظَّنَا من الدخول في أهل هذا الفضل، يا مُؤْتِيَ هذا الفضلِ مَن شئت، يا واسع يا عليم: يَدُ الفقر والذلة والمسكنة امتدت إليك، وأنت الغني، وأنت القوي، وأنت الرحيم، وأنت الكريم، وأنت الله، وأنت الله، وأنت الله! (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87]، اجعلنا ممن تُؤْتِيهِم هذا الفضل العظيم.
واجعلنا في أمة هذا النبي ممن تأتِ بهم أنت بعنايتك ورعايتك، تحبهم ويحبونك، تحبهم ويحبونك. والمحبة منك ولك، وهم ما كانوا شيئاً أصلًا حتى خلقتهم وعلّمتهم محبتك، لكن الأصل: أنت تحبهم! أنت تحبهم! فازوا بذلك! (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)!
وإذا قَبِلَ ربي الدعوة في ذيك الليلة: أنت سعيد، وأنت مُهَيَّأ للحُسْنَى والمزيد، وأنت مُهَيَّأ لرؤية وجه خير العبيد.
شرَّف الله بصائركم وأبصاركم برؤية الوجه المنير، وجه البشير النذير، وجه محمد!
ليته خَصَّني برؤيةِ وجهٍ *** زَالَ عَنْ كُلِّ مَنْ رَآهُ الشقاءُ
يا رب صَلِّ عليه، واجعلنا ممن ينظر إليه وهو يُبصِر؛ فيرتقي بهذه الرؤية في المقام الشريف الرفيع يا ربُّ يا بديع. فإن المنافقين والكفار نظروا إليه وهم لا يبصرون (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198]. لا يبصرون أنك نورنا، لا يبصرون أنك حبيبنا، لا يبصرون أنك الهادي إلينا، لا يبصرون أنك مستودع الأمانة مِنَّا، لا يبصرون أنك المختار من خلقنا، لا يبصرون أنك صَفِيُّنَا من بين الأصفياء (لَا يُبْصِرُونَ)، والعياذ بالله تعالى!
نوِّر بصائرنا وأبصارنا؛ لننظر إليه ونحن نُبصِر بما بصَّرتَ به المقربين من عبادك الصالحين، من أنبيائك ومن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وبما كانت تُبصِر فيه عيون أمهات المؤمنين، وما كانت تُبصِر فيه عيون خديجة بنت خويلد، وما كان تُبصِر فيه عيون فاطمة بنت محمد، وما كان تُبصِر فيه عيون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كانوا يبصرونه شيئا عظيمًا وكبيرًا! صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
يا رب: نوِّر بصائرنا، ونوِّر أبصارنا، وشرِّفها بإيراءته والنظر إليه مُبصِرًا، يا الله... يا الله.
الحمد لله، ما رَمَى بِنَا على باب إنسي ولا جني ولا صغير ولا كبير، وشرَّفنا وأعزَّنا برفع أيدينا إليه!
نِعمَ الإله إلهكم، نِعمَ الرب ربكم!
يا رب: ارحم هذه الأيدي..
وقد مددت يدي بالذل مفتقراً *** إليك يا خير من مُدَّتْ إليه يَدُ
فلا تردنها يا رب خائبة *** فَبَحْرُ جُودِكَ يَرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِد
ونادُوه بالصدق لكم ولهذه الأمة ولأحوالها الظاهرة والباطنة، وقولوا: يا الله.. يا الله.
بالصدق والإخلاص قولوا: يا الله،
بالذِلِّة والتواضع قولوا: يا الله،
بالثقة واليقين قولوا: يا الله،
بالرجاء والطمع قولوا: يا الله،
يا الله.. يا الله، يا الله.. يا الله، يا الله..يا الله..
الله الله يا الله لنا بالقبول..
08 ربيع الأول 1448