محصول رمضان وتنمية المؤمن له في أشهر الحج والأشهر الحرم وبقية عمره

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 15 شوال 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

محصول رمضان وتنمية المؤمن له في أشهر الحج والأشهر الحرم وبقية عمره

لتحميل نسخة Pdf

اقرأ: بماذا تستثمر مواسم الطاعات؟

تضمنت المحاضرة:

  •  التجارة الرابحة مع الله
  • عِظَم الأجور ومضاعفة الحسنات
  • بماذا تستثمر مواسم الطاعات؟
  • نتيجة اغتنام الأعمار
  • قيام الليل ومناجاة الله
  • أجور النوافل والقصور في الجنة
  • آثار مواسم الخير على الأمة
  • الاستعداد لمواقف القيامة والربح فيها

 

نص المحاضرة:

 

التجارة الرابحة مع الله

قَبِلَنَا اللهُ وإياكم وأمةَ هذا الحبيبِ المحبوبِ في كلِّ ما وفَّقنا له من إيمانٍ وعملٍ صالحٍ، وزادنا إيمانًا، وزادنا توفيقًا للأعمالِ الصالحةِ؛ وتلكم هي التجارةُ الرابحةُ، وتلكم هي المساعي المشكورةُ الناجحةُ، وذاكم هو الزادُ الذي يُتزوَّدُ منه من خلالِ هذا العمرِ القصيرِ، والحياةِ المحدودةِ؛ لِتُنالَ به جزاءاتٌ غيرُ محدودةٍ، وثمراتٌ غيرُ منتهيةٍ ولا منقضيةٍ.

 وكذلك مَن عاملَ الربَّ الكريمَ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه، حتى يُمدَّهُ بإمدادٍ يقولُ عنه في مظهرِ عطائه: (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، ويقولُ في رزقِهِ: (إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ) جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه.

عِظَم الأجور ومضاعفة الحسنات

والذين أصغَتْ قلوبُهم وعقولُهم إلى دعوةِ الحبيبِ صلى الله وسلم وباركَ عليه وعلى آلهِ، وإلى مَن قَبْلَنا من الأممِ إلى دعواتِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم، كلٌّ منهم بهذه الاستجابةِ لنداءِ الحقِّ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه، يَعمُرُ في هذا العمرِ القصيرِ سعادةَ الأبدِ، ويَحوزُ من خلالِ الأيامِ والليالي عطاءً لا يُحَدّ، وفضلًا يليقُ بكرمِ الواحدِ الأحدِ جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه. 

وهو القائلُ: "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ له، الحسنةُ بعشرِ أمثالِها، إلا الصومَ؛ فإنه لي وأنا أجزي به" جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه، إلى غيرِ ذلك من كلِّ حسنةٍ إذا ضاعفَها، واللهُ يضاعفُ لمن يشاءُ، إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى ليُرَبِّي لأحدِكُم صدقَتَهُ كما يُرَبِّي أحدُكم فُلُوَّهُ، حتى تصيرَ التمرةُ كجبلِ أُحُدٍ؛ ممّا يُضاعفُ اللهُ تباركَ وتعالى من هذه الصدقةِ المقبولةِ وإنْ قَلَّت، فما أعظمَ مِنَّةَ اللهِ على مَن آمنَ به!

اللهم كما أنعمتَ علينا بالإسلامِ فَزِدنا منه، وكما أنعمتَ علينا بالإيمانِ فزِدنا منه، وكما أنعمتَ علينا بالعافيةِ فزِدنا منها، وكما أنعمتَ علينا بالعمرِ فباركْ لنا فيه يا أرحمَ الراحمين. 

بماذا تستثمر مواسم الطاعات؟

وتأتي محاصيلُ الأيامِ والليالي والأسابيعِ والأشهرِ، وإذا جاءَ مثلُ رمضانَ فمحصولُهُ محصولٌ كبيرٌ، وهذا المحصولُ الكبيرُ يتهيأُ به مُحصِّلُهُ من بعدِ رمضانَ إلى استثمارِهِ، وإلى تنميتِهِ، وإلى الاعتلاءِ بواسطتِهِ في الإيمانِ وفي الأعمالِ الصالحةِ،في انطلاقِهِ فيها، وفي ترتيبِ أوقاتِهِ، ومحافظتِهِ على الجماعةِ في الصلواتِ الخمسِ، وإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، مع الإمامِ في كلِّ فريضةٍ من الفرائضِ، وفي حَثِّ أولادِهِ وأسرتِهِ على هذا المسلكِ، وعلى تَتَبُّعِ سُنَنِ الحبيبِ الأعظمِ صلى الله عليه وسلم في أقوالِهم، وأفعالِهم، وشُربِهم، وطعامِهم، ومنامِهم، ويقظتِهم، ولباسِهم، ومحادثتِهم، ومخاطبتِهم، ودخولِهم، وخروجِهم. فكُلُّها أسبابُ فوزٍ وسعادةٍ، أعطانا إياها عالمُ الغيبِ والشهادةِ، يترقَّى بها مَن يترقَّى.

 

نتيجة اغتنام الأعمار 

وهم الذين يغتنمونَ هذا العمرَ، هم الذين يُدركونَ أعظمَ ما في هذه الحياةِ، وأَجَلَّ مكاسبِها، وأَجَلَّ خيراتِها، وأشرفَ محصولاتِها، هذه الحياةِ الدنيا. 

ونصيبُهم من الحياةِ الدنيا موجبُ سعادةِ الأبدِ، ونصيبُهم من الحياةِ الدنيا يقتضي مرافقةَ النبيِّ مُحَمَّدٍ؛ فأيُّ نصيبٍ أخذوهُ من هذه الحياةِ الدنيا؟ هم أهلُ خيرِ الدنيا، هم أهلُ سعادةِ الدنيا، هم أهلُ شرفِ الدنيا، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى بما حصَّلوهُ في خلالِ هذه الحياةِ. 

فتأتي الأيامُ والليالي والأسابيعُ والأشهرُ والمواسمُ، وإذا خرجتَ بمحصولِ رمضانَ وأثَّرَ في جَنانِكَ، وأثَّرَ في مسلكِكَ إلى الربِّ سبحانَهُ وتعالى، في سِرِّكَ وإعلانِكَ، يقابلُكَ مباشرةً محصولٌ لأشهرِ الحجِّ، من شوالَ أولِ أشهرِ الحجِّ.

قيام الليل ومناجاة الله

وما يكونُ فيها مِمَّن صامَ الستَّ فيها، ومَن يُكمِلُ صيامَ الستِّ فيها، ومَن يُحافظُ على الجماعاتِ فيها، ومَن يَعشَقُ القيامَ ولو دقائقَ، ولو نصفَ ساعةٍ، في ظُلمةِ الليلِ للربِّ جَلَّ جلالُهُ والوقوفَ بين يديه.

وتسمعُ ثناءَهُ على مَن سبقَتْ لهم السعادةُ، يقولُ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، قبلَ ما يقولُ (سُجَّدًا وَقِيَامًا) قال: (لِرَبِّهِمْ)، هُم للربِّ، وسَجَداتُهم للربِّ، وقيامُهم للربِّ، حتى أكلُهم صار للربِّ، وشربُهم صار للربِّ، ولباسُهم صار للربِّ؛ للربِّ! لربهم عِبادٌ خُلَّصٌ.

قال اللهُ في سادتِهم من الأنبياءِ: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) عليهم صلواتُ اللهِ وتسليماتُهُ.

وهؤلاء كذلك يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، جمالها في قوله (لِرَبِّهِمْ)، قبل أن يذكر السجود والقيام قال: (لِرَبِّهِمْ)، (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).

 

أجور النوافل والقصور في الجنة

وإذا قُمتَ له وسجدتَ له؛ ماذا تظنُّ يفتحُ لك من خزائنِ جودِهِ؟ ماذا تظنُّ يَهَبُكَ مِن عجائبِ مَدَدِهِ؟ و "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّهِ وهو ساجدٌ"، يقولُ صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آلِه.

فلا يتركُ في خلالِ اليومِ والليلةِ من النوافلِ مقدارَ اثنتي عشرةَ ركعةً على الأقلِّ، "مَن صلَّى في اليومِ والليلةِ من غيرِ الفريضةِ اثنتي عشرةَ ركعةً؛ بنى اللهُ له قصرًا في الجنةِ".

وثاني يومٍ قصرٌ، وثالث يومٍ قصرٌ، وقصورٌ إذا بُنِيَت أُبِّدت وخُلِّدت، قصورٌ ما فيها هَمٌّ، ولا غَمٌّ، ولا مرضٌ، ولا كَدَرٌ، ولا بولٌ، ولا غائطٌ، ولا وسخٌ، ولا مُخاطٌ، ولا شيءٌ من الأكدارِ، وفيها الدوامُ وفيها الخلودُ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ ولَبِنَةٌ من فضةٍ، ومِلاطُها المِسكُ الأذفَرُ، ما هذه القصورُ العجيبة! وتحصِّلُ في كلِّ يومٍ قصرًا!

سَمِعَ مرَّةً سيدُنا عمرُ، الحبيبِ ﷺ يقولُ: "من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يختِمَها عشرَ مراتٍ بنى اللهُ له قصرًا في الجنَّةِ"، فقال عمرُ بنُ الخطابِ: إذًا تكثر قصورنا، قال له الحبيبُ: "اللهُ أكثرُ وأطيبُ".. اللهُ أكثرُ وأطيبُ، كثِّر وسيعطيكَ ولا يبالي.

كَثِّر لك من هذه القصور، يا خير قصور! ما ينالُها الخرابُ، ولا ينالُها الدمارُ، ولا يُخرجون منها صاحبُها غصبًا عنه! وأما القصورِ هذه يُخرجون منها أصحابُها، وإنْ أبى، وإن أبى.. يخرجُ منها، ويخرجُ ولا يأخذ شيءٍ من أمتعتِها ولا مما فيها، ويخرجُ إلى حفرتِهِ التي أُعِدَّتْ له، إما روضةٌ من رياضِ الجنةِ وأنعِمْ، وإما حفرةٌ من حُفَرِ النارِ وبِئسَ ذلك البلاءُ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

 

آثار مواسم الخير على الأمة

ثبَّتَنا اللهُ وإياكم على الاستقامةِ، وباركَ لنا في محصولِ رمضانَ وللأمةِ المحمديةِ، ويَنصَرِفونَ في أنواعِ نشاطاتِهم؛ طالبُ العلمِ يزدادُ هِمَّتُهُ في طلبِ العلمِ ويُتقِنُ التحصيلَ، وصاحبُ العبادةِ، وصاحبُ الدعوةِ إلى اللهِ تباركَ وتعالى، وصاحبُ المهنةِ، وصاحبُ الحِرفةِ يخرجُ من محصولِ رمضانَ بأمانتِهِ في الحِرفةِ، بقيامِهِ بما شرعَ الرحمنُ في حِرفتِهِ هذه، بقيامِهِ بأدبِ المصطفى مُحَمَّدٍ ﷺ، في مهنتِهِ وحِرفتِهِ أو وظيفتِهِ، وتأثيرِهِ على مَن حواليه دعوةً إلى اللهِ جَلَّ جلالُهُ.

وإذا اتصل بمحصولِ أشهرِ الحجِّ، وافَقتْهُ بعدها محصولات الأشهرِ الحُرُمِ، والأشهرِ الحُرُمُ السَرد، تأتيه من ذي القعدةِ، ويأتيه ليالي العَشرِ، وما أعظم ليالي العَشرِ! وما فيها من الخيرِ والأجرِ، والقُربِ من عالمِ السِرِّ والجهرِ، جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه.

وموسمُ الحجِّ المباركِ، وتجمَّعَ المحصولِ مع المحصولِ، وختَم به العام الهجري، واستقبَل ذكرى هجرةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، بأولِ شهرٍ من أشهرِ السَّنةِ وهو من الأشهرِ الحُرُمِ، واستقبَل بعد ذلك بقيةَ الأيامِ بذي الأشهرِ بذكرياتِها وما فيها؛ (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)، اجعلنا الله من المُذَّكّرينَ والشاكرينَ.

 

الاستعداد لمواقف القيامة والربح فيها

ونستفيدُ فوائدَنا الكبيرةَ العظيمةَ، وأرباحَنا الفخيمةَ التي هي عُدَّةٌ للغرغرةِ، ولِما بعدَ الغرغرةِ من القبرِ، والبَرزخِ، والمحشرِ، ومواقفِ القيامةِ كلِّها، كلُّ موقفٍ يحتاجُ إلى استعدادٍ، وكلُّ موقفٍ يحتاجُ إلى زادٍ، والمواقفُ لعامَّةِ الناسِ في القيامةِ يقفون خمسينَ موقفًا، كلُّ موقفٍ للسؤال، كلُّ موقفٍ مقدارُ ألفِ سنةٍ! 

يقولُ سبحانَهُ وتعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، خمسين موقف، كل موقف بمقدار ألف سنة، خمسين ألف سنة! تنطوي هذه مقدارُ خمسينَ ألفِ سنةٍ على مُقرَّبينَ ومؤمنينَ مثل بينَ الظهرِ والعصرِ! اسمعْ، تنطوي على بعضِهم كأخفِّ صلاةٍ صلَّاها أحدُهم في الدنيا! وذهبت كلها! وإذا المواقف انتهت، ولا درى بحرِّ الشمسِ، ولا بتعبِها، ولا بالشدائدِ اللي يُلاقونَها الناسُ في ذلك اليومِ. 

وإذا به مع سيدِ القومِ، ينظرُ الوجهَ الشريفَ، ويُصافحُ الكفَّ المُنِيفَ، ويدخلُ تحتَ اللواءِ، ويرِدُ على الحوضِ المورودِ، ويرافقُهُ على المرورِ على الصراطِ إلى جناتِ الخلودِ.

يا ما أعظمَ رِبحَ هذا الإنسانِ! يا ما أعظمَ كرامةَ هذا الإنسانِ، الذي قامَ بحقِّ الرحمنِ جَلَّ جلالُهُ بالخدمةِ على هذا النمطِ وعلى هذا الشأنِ، في اتّباعِ سيدِ الأكوانِ صلى الله عليه وسلم.

فهم المغبوطونَ واللهِ لا غيرُهم، من عندِ الموتِ وما بعدَهُ، لن تعرف غِبطةَ مَلِكٍ، ولا وزيرٍ، ولا رئيسٍ، ولا ثريٍّ، ولا مليونيرٍ، ولا مليارديرٍ، ولا شيء من هذه الأمورِ التافهةِ الساقطةِ، نضطرُّ إلى ذكرِها وهي أقلُّ من أن تُذكَرَ، ليست بشيءٍ. 

ومِن حِينِ الموتِ ستعرفُ الحقيقةَ هذه، ما ستَغبِط إلا هؤلاء، تغبِط أهلَ السجداتِ، تغبِط أهلَ القلوبِ الصافياتِ، تغبِط أهلَ حُسنِ التربياتِ، تغبِط أهلَ القيامِ في الليالي المظلماتِ، وتغبِط أهلَ الرابطةِ بخيرِ البَرِيَّاتِ صلى الله وسلم عليه وعلى آلهِ.

والكلُّ بعد ذلك يعرفُ أنَّ الشرفَ هو هذا والكرامةَ، حتى ألحد الملحدين وأكفر الكافرين يعلم أن الشرف هو هذا، والكرامة هي هذه على الحقيقةِ، لا غيرُها! لا غيرُها! لا غيرُها! (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

 

التضرع والدعاء بحسن الختام

اللهُ يوفِّرُ حظَّنا مِن رمضانَ الذي مضى، ويبارِكُ لنا ولكم في استثمارِهِ وتنميتِهِ، ومحاصيلِ أشهرِ الحجِّ، والأشهرِ الحُرُمِ، ويجعلُ لنا قدمًا راسخًا في اتباعِ صاحبِ المجدِ الباذخِ صلى الله وسلم عليه وعلى آله، فبذلك الشرف الأفخر  (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

وتوجَّهوا بقلوبِكم ووجهتِكم إلى الرحمنِ الرحيمِ: يا ربّ لا تحرِمْ صغيرَنا، ولا كبيرَنا، ولا رجالَنا، ولا نساءَنا سِرَّ الصِّلَةِ بك، والإقبالِ عليك، وحُسنِ التزوُّدِ للقائكَ يا أكرمَ الأكرمين.

لا تقطعنا بالنفوسِ ولا بالأهواءِ ولا بشياطينِ الإنسِ والجنِّ، ولا بالشهواتِ، ولا بالدنيا وزُخرُفِها، ولا بأيِّ قاطعٍ يقطعُنا عنكَ يا ربَّنا، اجعل لنا إقبالًا صادقًا، وتوجُّهًا خارقًا، وأدبًا وافرًا، وقلوبًا حاضرةً، قلوبًا حاضرةً معكَ يا ربَّ العالمين، قلوبًا حاضرةً معكَ يا ربَّ العالمين؛ تتهيأُ للقائكَ، ومرافقةِ خاتمِ أنبيائكَ، وأنبيائكَ ورسلِكَ وأصفيائكَ من العبادِ المقربينَ، نسألُكَ الأمنَ يومَ الوعيدِ، والجنةَ يومَ الخلودِ، مع المُقربينَ الشهودِ والرُّكَّعِ السجودِ، المُوفينَ لك بالعهودِ، إنكَ رحيمٌ ودودٌ وأنتَ تفعلُ ما تريدُ.

فاجعلْ في إرادتِكَ سعادتَنا، وسعادةَ مَن في ديارِنا، جميعَ الحاضرينَ والسامعينَ ومَن في ديارِهم أَسعِدهُم يا ربِّ بسعادةِ الإقبالِ الصادقِ عليكَ، والتهيُّؤِ للوقوفِ بين يديكَ، ومرافقةِ أحبِّ خلقِكَ إليكَ، يا ربَّ أَسعِدنا بهذه السعاداتِ، وزَوِّدنا بهذا الزادِ الشريفِ، وثبِّتنا على القَدَمِ الطيِّبِ المُنِيفِ. 

فيا ربِّ ثبِّتنا على الحقِّ والهدى ** ويا ربِّ اقبضنا على خيرِ مِلَّةِ 

وعُمَّ أصولًا والفروعَ برحمةٍ ** وأهلًا وأصحابًا وكلَّ قرابةِ

وسائرَ أهلِ الدينِ من كلِّ مسلمٍ ** أقامَ لك التوحيدَ من غيرِ رِيبَةِ

فلا تُرِنا في وجهِ مؤمنٍ ولا مسلمٍ ذِلَّةً، ولا تُرِنا في وجهِ كافرٍ عِزَّةً، واجعلنا اللهم أعزَّةً بالذِّلَّةِ لك، والإقبالِ عليكَ، وبحقائقِ الإيمانِ بك واتباعِ رسولِكَ، أعِزَّنا بالطاعةِ، وأَعِزَّنا باليقينِ، وأَعِزَّنا بالقربِ منكَ يا عزيزُ، وأعِذنا من شرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالِنا.

يا ربَّ ارزقنا البركةَ في أعمارِنا، والبركةَ في وُجهاتِنا، وجميعِ حالاتِنا وأطوارِنا، وزِدنا زيادةً، وأسعِدنا بأعلى السعادةِ في الغيبِ والشهادةِ، يا حَيُّ يا قيومُ، يا أرحمَ الراحمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 

العربية