أسباب تحصيل أعلى المكاسب في الحياة وهو زيادة الإيمان

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في المولد السنوي في جامع الإيمان، بحارة الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، ليلة الثلاثاء 3 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:

أسباب تحصيل أعلى المكاسب في الحياة وهو زيادة الإيمان

 

نص المحاضرة:

مقدمة في أعظم المكاسب: زيادة الإيمان واليقين

الحمد لله، جامعنا وإيّاكم على ما يزيد الإيمان، وعلى ما يُقَوّي الإيمان، وليس يكسب أحدٌ على ظهر الأرض كسباً أعظم من زيادة الإيمان وقوة الإيمان، الذي إذا قويَ ورسخَ في القلب والجنان سُمّي اليقين، وما نزل من السماء إلى الأرض أشرف من اليقين.

ومَن أيقن بهذه الحقائق كان حريصاً على المكاسب الرفيعة الغالية البديعة، وهي مكاسب ما يزيد إيمانه، وما يقوّي إيمانه، وما يُثبّت إيمانه. 

وقال ربنا سبحانه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ)، وفي الآية إشارة إلى زيادة الإيمان وثباته بالطاعة، وأنهُ بالظلم والمعصية يحصل الضلال وينقص الإيمان، والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

زادنا الله وإياكم إيماناً في كل شأن، زادنا الله وإياكم إيماناً في جميع الأحيان.

أسباب زيادة الإيمان: التفكر في آيات الله والاعتبار بسنن الأولين

وإنما يزيد هذا الإيمان ويقوى بأسباب أعظمها: 

  • حُسن النظر والتأمُّل في آيات الله، 
  • وأخبار رسوله ومُصطفاه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

خصوصاً ما فيها ذِكر عظمة الحق وجلاله، وكبريائه وتفرُّده، والرجوع إليه، والمصير إليه جل جلاله، وما فعل بأنبيائه، وما قابلهم أعداؤه وأعداء أنبيائه من العناد والمكر، وما كان مصير هؤلاء، وما كانت نهاية هؤلاء وهؤلاء؛ فهذا من أقوى أسباب زيادة الإيمان.

جُلْ بفكرك، وتأمّل بعقلك، ما يغرّك شيء من هذه الظواهر، ولا من هذه التُّرّهات، ولا من هذه النداءات والصيحات. 

مَن في زمانك ما لهم سُنّة في حياتهم وأوضاعهم غير ما مضى، أبداً! (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، جلّ جلاله وتعالى في علاه.

كُلّ مَن عاند وكابر وجحد، وإن استطال في الأرض بظُلمه، أو إجحافه، أو سيطرته، أو عُلوّه وفساده؛ فما أسرع ما تكون العاقبة أن يصير عبرة، وأن يصير ذكرى للمُتذكِّر، وأن يخسر ما كان. 

(فَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا)، كما يقول جل جلاله وتعالى في علاه، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ). 

والعواقب والنهايات: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، جل جلاله وتعالى في علاه.

أثر الإصغاء لكلام الله ورسوله في نور القلب

هذا الإصغاء إذا تمكَّن من قلب الإنسان، انفتح له باب الزيادة القوية في هذا الإيمان، الإصغاء إلى كلام الله وكلام رسوله بإمعان، وتفكُّر، وحُسن تبصُّر ونظر؛ وهو الذي نقص على أكثرنا، نقص على أكثرنا؛ أحيان تمر عليه آية، أو يسمعها يفكّر فيها ويتأملها، وبعد ذلك يغفل ويغفل.. وبعدها تمر عليه ويغفل ويغفل ويغفل وهكذا!

ويصير كمن يريد أن يسقي الحرث له، فيجيء بقطرتين ماء ويضعها ويذهب، وتيبس ويجيء بقطرتين ويقعد سنة، ويفوت الزرع كله! حتى يوالي سقيه بما يفيده، حتى يحصُل ما يكفيه، فحينئذ يطلع الزرع ويُثمِر، وهكذا إصغاؤنا لكلام الله، إصغاؤنا لكلام رسوله يجب أن يستمِر ويدوم.

والزرع إذا كثر عليه الماء ربما أفسده، ولكن هذا كلما كَثُر: نوَّر، وطهَّر، ورفَع، ووسَّع، وعطاء ما له حد وما له غاية من جود الله تبارك وتعالى، لكن لا نُضيّع على أنفسنا استماع الآيات وتدبُّرها؛ في صلواتنا، في خارج الصلاة، في قراءتنا الفردية، في حزبنا، في سماعنا من الغير، في تلاوتنا بأنفسنا لهذا الكلام العظيم.

ما أجلّه وما أكرمه! حبل مدّه الله إلينا، مفتاح لكل خير، سبب لدفع كل شر وضير، سبب للتنوير وللتطهير، وللتقريب وللتحبيب، وللرفع وللإعلاء وللقرب، وسبب لاتّضاح جليَّة الحق، سبب لرؤية محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله، ومشاهدة طلعته الغَرّاء وأنوارها الزاهرة الزاهية.

إذا امتلأ قلبك بذكر معاني الآيات التي أُنزِلَت عليه، انقدح في قلبك صورة المُنزَل عليه هذه الآيات، وأصبحت على اتصال به صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. 

فلا نبخل على أنفسنا بحُسن الإصغاء والاستماع إلى آيات ربنا سبحانه: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).

(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).

تربية الأجيال على تعظيم القرآن

وعَلِّم هذا المسلك الطيِّب أهلك؛ يصغوا إلى آيات الله، ويتدبّروا كلام الله سبحانه وتعالى، البلدة كانت ملآنة بنساء من خلال الآيات وتدبرها، في غرفتها ومكانها ترتفع وترتقي، وتزداد يقينها وإيمانها حتى تصير من أهل علم اليقين، ومن أهل عين اليقين، منهن نساء ارتفعن إلى مراتب في حق اليقين، وفي بلدتكم هذه مضى الكثير منهن عليهن رضوان الله تبارك وتعالى.

عَلِّم أولادك أن يتصلوا بالقرآن، ويِعظِّموا القرآن، ويفرحوا بتلاوة القرآن، ويفرحوا باستماع آيات القرآن الكريم. "مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله وراء ظهره ساقه إلى النار" والعياذ بالله تبارك وتعالى.

​واستمع ما تلا علينا لسان محمد ﷺ من أخبار عظمة الله وجلاله، والرجوع إليه، والمصير إليه، والوقوف بين يديه، ومن أخبار من مضى من الصالحين والعارفين والأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. 

اعمر فكرك وعمرك بهذا النظر والتأمل، فهذا أقوى أسباب زيادة الإيمان.

التفكر في آيات الله المُبتثة في النفس والوجود

​ثم بعد ذلك فِكرُك في آيات الله المُبتَثَّة في هذا الوجود.. 

وفي كُلّ شيء له آية ** تدلُّ على أنه الواحدُ

جل جلاله، رأسك دليل على عظمة الله، وعيناك في رأسك دليل على عظمة الله، وأذناك في رأسك دليل على عظمة الله، وأنفك دليل على عظمة الله، وفمك ولسانك وكلّ سن من أسنانك دليل على عظمة الله تعالى، لا تغفل!

​(أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ)، ألم نجعل! من أين جئت بها هذه؟ أنا اللي رتَّبتها -قال ربي- وصوَّرتها وهيَّأتها ونظَّمتها: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، ركَّبها تركيباً بديعاً حسناً سبحانه وتعالى، تمت بها المنافع والمصالح، وعلى غير هذه الهيئة ما تستقيم الحياة ولا تتأتى المصالح.

​سبحان المُرتِّب، سبحان الصانع، سبحان المُكوِّن، سبحان المُقدِّر، سبحان المُصوِّر! (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ)، هو الذي أبدع هذه الصورة للوجود وما في الوجود، من أجل أن تعبر من الصورة إلى ما وراءها من المعاني البديعة.

​ثمّ بعد ذلك، هذه الأعمال الصالحة سبب زيادة الإيمان، وإصغاؤك إلى كلام العلماء والعارفين والصالحين، وحضورك مجالس الذكر، وذكرك لله مع الذاكرين. 

كيف ما يزيد إيمانهم والرحمن يذكرهم؟ (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، و "مَن ذكرني في ملأ ذكرتهُ في ملأ خير منهم وأطيَب"، يقول جل جلاله وتعالى في عُلاه.

عظمة التسبيح والصلاة على النبي ﷺ في تزكية القلوب

فكلّ لحظة من لحظات الذكر تنفتح لك بها باب زيادة في الإيمان وقوة الإيمان، وتطهير الجَنان، وإذهاب الرَّان، ونظر الرحمن، بأن يذكرك الكريم المنان جل جلاله وتعالى في علاه؛ من أنواع التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وهذه أحبّ الكلمات إلى الله. 

أحب الكلام إلى الله أربع: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيّهُنّ بدأت".

وزينة وتاج لهذا الذِّكر؛ أن تذكُر الله ورسوله بالصلاة على عبده محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله؛ لأنه ذِكر لله وذكر لرسوله، ويذكرك الله ويذكرك الرسول صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وإذا ذكرك الله بذكر رسوله.. لا كما يذكرك بذكرك أنت، وإذا صليتَ عليه صلّى الله عليك، وهو صلّى عليك، فإذا صلّى عليك، صلّى الله عليك بصلاته هو! ليس بصلاتك أنت التي جاءت منك.

وإذا سلّمتَ عليه؛ سلَّم الله عليك وسلَّم عليك الرسول، ​وإذا سلَّم عليك الرسول صار سلام الله إليك بسلام الحبيب صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، وكان ذلك أطيَب وأجوَد، وأفضَل وأفوَد، وأنفع وأمجد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فيا فوز المكثرين من الصلاة على خير الأنام محمد ﷺ!

أثر المعاصي على نور الطاعة ونقصان الإيمان

وهذا الذي ذكرناه مِن كل ركعة، ومن كل عمل صالح، ومن كل تعاون على البر والتقوى يزيد الإيمان، بشرط أنك ما تفسده.. كيف تفسده؟ تجعل هناك في إناء قلبك خُروقاً، كل ما جاءت أنوار خرجت منه. لِم؟ نظر حرام، كلام حرام، مجالسة غافلين.

والذي تُحَصِّله من الخيرات ومجالس الخير، مثل واحد معه الحوض يريد يمتلئ من الماء، فكّ فيه القنوات تخرج، كل ما صبّ شيء ذهب ومشى، وظلّ يصُب ولكن لا شيء يبقى؛ وهكذا، الذي يحضر المجالس ويقرأ القرآن ويستمع الآيات.. ولكن مواظب على النميمة، مواظب على الغِيبة، مواظب على قطيعة الرَّحِم، مواظب على إيذاء الجيران، مواظب على نظر الحرام! 

سُدّ الثغرات هذه التي تُضيِّع النور عليك، وتُضيِّع الخير وتُضيِّع العطاء، وسترى الأثر يظهر. ولذا قال العارفون: "أفضل الطاعات ترك المعاصي"، اترك المعاصي، هذه أفضل طاعة. 

بعد ذلك أي طاعة تفيد، أي طاعة تُثمر، أي طاعة ترفعك، إذا لم تكن هناك معاصٍ؟ أما إذا ذنب من هنا وذنب من هنا!

وهذا يقول في الأثر الذي ورد: "مَن أذنب ذنباً فارقه عقل لا يعود إليه". قال الإمام الغزالي: لأن غايته أن يُتْبِع ذلك الذنب بحسنة أو طاعة فتمحو أثرها، قال: هذه الطاعة لو جاءت وليس قبلها ذنبٌ، لازداد بها نور القلب والعقل، لكن بسبب أن الذنب قبلها، غايتها أن مسحت الذي قبلها، فلم تَزِدْ، قال فلهذا فارقه عقل لا يعود إليه أبداً، لا يرجع إليه.

لأنه لو لم تكن هذه المعصية لكان ما يحدثه من الطاعات زيادة في عقله، لكن لمّا كان قبله معصية ليس هناك زيادة، غايتها تُنظِّف وتمحي وتمحي.. فخسر! خسر هذا بسبب هذه المعصية، وما أهانت العباد أنفسها بمثل معصية الله، ولا أعزَّت أنفسها بمثل طاعة الله.

الدنيا فرصة للترقي في مراتب الآخرة

فانتبهوا من خير المكاسب، مكاسب زيادة الإيمان ما دُمنا في هذه الحياة؛ لأنّ مراتبنا بعد ذلك في زيادة النعيم في الجنة وزيادة معاني القُرب والمعرفة، على حسب المرتبة التي يموت أحدنا عليها في يقينه وإيمانه. 

ومن كان في مرتبة أعلى الزيادات هناك أكبر وأجل، ومن كان دون ذلك زيادات مستمرة ولكنها دون ذلك.

أين تصل ما دُمت في الدنيا؟ ماذا تكسب ما دُمت في الدنيا؟ 

من هنا جاءت هذه فائدة الدنيا، أعظم فائدة الدنيا أن فيها مكاسب الزيادة ومكاسب الرُّقي إلى الأبد وسط الدنيا؛ أي ما دُمت في الدنيا، حتى تنتهي إلى الحالة التي تموت عليها، فهناك الغاية التي يترتّب عليها نعيم الجنة الدائم وزيادتها المؤبّدة، من حسب الحالة التي مُتّ عليها في إيمانك، ويقينك، ومحبتك، وقُربك من ربك جل جلاله، ورضاك عنه ورضاه عنك سبحانه وتعالى.

ولذا قال لأهل الجنة: "أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"، نسبة كل واحد من الرضا على حسب الحالة التي وصل إليها في حياته من الرضوان قبل الموت، وكلهم رضي عنهم، ولكن ليسوا في رتبة واحدة ولا في درجة واحدة، والأنبياء شأنهم شأن في رضوان الرحمن عنهم، وبعدهم الصديقون، وبعدهم خواصّ الأولياء، وبعدهم عمومهم، وبعدهم عموم المؤمنين بعد ذلك، (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).

مضاعفة الأجور والفضل اللدني ومجالسة الصالحين

فأحسِن المحاسبة؛ لأنك تعامل عظيماً جليلاً كبيراً ما يُضيّع عليك ولو مثقال ذرة، وما يزيد عليك في عقاب المعصية إلا ما عفا وغفر وسامح. 

وأما ثواب الطاعة، ما ينقصك إلا ما زاد سبحانه وتعالى، "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" كما قال.. (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍوَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا). 

وأيضاً شيء بعد المضاعفة! المضاعفات هذه كثيرة وكبيرة، قال أيضاً فوقها: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) جل جلاله، (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ) تعرف هذا الأجر اللَّدُني؟ ما يعرفون الناس إلا العلم اللَّدُني، ما النسبة بين العلم اللدني والعلم المكتسب؟ كبيرة! وكذلك هذا الأجر الذي بسبب المضاعفة والأجر اللَّدنّي (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، جل جلاله.

من هناك كان العارفون يذكرون أنّ بعض المحبوبين عند الله والمقربين يؤتي من لدنه أجر كبير ما له حد! فيصل إلى أقاربه وأصحابه وجلساؤه ومن كان عنده.. يقول: من أين لي بهذه الحسنة؟ ماعرفتها؟ فيُقال فاضت فيوضات ربك على فلان الذي عرفته والذي جالسته في الدنيا، خذ من عطاء الله، (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا). 

وهذه من أعظم فوائد صحبة الصالحين ومجالستهم، تُحصِّل لك من الأجر اللدنّي وإن لم تبلغ مبلغ أهل يصل إليك بواسطتهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

فما دُمنا في مهلة وفرصة المكسب فلنكسب، خير ما نكسبه: زيادة الإيمان في هذه الحياة. 

طلب زيادة الإيمان

الله يزيدنا إيماناً في كل يوم، وفي كل ليلة، وفي كل ساعة، وفي كل لحظة، وفي كل لمحة، وفي كل نفس.

اللهم زدنا إيماناً بكل تسبيحة، وكل تكبيرة، وكل تهليلة، وكل تحميدة، وكل حوقلة، وكل حسبلة، وبكل صلاة على نبيك محمد، وبكل صدقة، وبكل كلمة، وبكل حركة، وبكل سكون.

اللهم زدنا إيماناً، وزدنا يقيناً، وارفعنا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين، وأوصل من شئت منا إلى مراتب حق اليقين، وزدنا منك يقيناً، وألحقنا بالصالحين صالحين، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

يا رب العرش، لا صرفتَ من المجلس أحداً إلا منظوراً إليه منك نظراً تكتب له به زيادة الإيمان، تُدخله في دوائر أهل الإحسان، وترفعه إلى مراتب أهل العرفان، وتربطه بالقرآن ومَن أنزلت عليه القرآن، حتى يرافقه في أعلى الجنان، يا كريم يا منان. وأهالينا ومن في ديارنا، يا ربنا يا منان، يا كريم يا قديم الإحسان، يا عظيم الامتنان، يا رحمن، يا الله! أغِثنا، وأدركنا، وبلِّغنا ما سألنا وفوق ما سألنا، وما طلبنا وفوق ما طلبنا، يا رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

04 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

15 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية