(445)
(628)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الإمام حسن السقاف، بحارة الخليف، مدينة تريم، حضرموت، ليلة السبت 27 ذو الحجة 1447هـ
الحمد لله الفعال لما يريد، المُبدئ المعيد، الواحد الحقّ الملك المجيد، لا إله إلا هو، بيده ملكوت كل شيء، (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ).
أرسل إلينا عبدهُ المختار محمداً خير العبيد، بحقائق الإسلام والإيمان والتوحيد، والمعرفة بالرحمن والقُرب منه سبحانه وتعالى، والظفر بعطائه الواسع المديد.
اللهم أدِم صلواتك على مفتاح أبواب رحماتك، عبدك المختار المُجتبى سيدنا محمد خير برياتك، وعلى آله وأصحابه وأهل اتباعه في ابتغاء مرضاتك، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين شرَّفتهُم بأعلى وأسنى خطاباتك، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى ملائكتك المقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا وعلى الحاضرين في مجمعنا، وعلى من يسمعنا، وعلى والدينا وأهلينا وذوينا وذوي الحقوق علينا، معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان وجهاً وجعل له وجهة؛ فالوجه صورته الظاهرة، والوجهة صورته الباطنة، فوجهته حيثما كانت، وأين ما كانت، وإلى ما كانت هي الحاكمة عليه، والتي تتأثر منها حتى صورته ووجهه الظاهر في يوم القيامة، يوم كشف المُخبّآت يظهر الباطن.
ويظهر ما في السريرة، ويظهر ما في البصيرة، ويظهر ما في الروح، ويظهر على هذا الجسد في يوم المحشر، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ)، يقول جل جلاله وتعالى في علاه.
فعلى المؤمن أن ينتبه من وجهه؛ الناس كلهم بحُكم الفطرة وبحُكم الحِس، ينتبهون من وجوههم ولا يصيبها أذى ولا قذر، ولا يظهر فيها شيء من الوسخ ولا من الكدر، ولا يحبون أن يظهروا بذلك أمام الناس، والحق تعالى ما ينظر إلى هذه الصور، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم.
توجَّه حيث شئت فأنت مِمَّا ** له وُجِّهت فاختر للمليحِ
اختر للمليح: الطيّب الزين.
فإنّ وجهتك هذه هي وجهك الباطن، ووجهك الباطن يترتّب عليه المواجهات؛ المواجهات في البرازخ والمواجهات في القيامة مُترتبة على وجهك الباطن.
وجهتك إلى الله سبحانه وتعالى؛ إن كانت إلى الله فنِعم الوجهة إلى الله، وإن كانت لغيره فلغيره، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وفي هذا المعنى كان يقول أهل المعرفة والذوق: من كان في حياته مشغولاً بالناس فاحسبه في قبره مشغولاً بالناس، وفي القيامة مشغولاً بالناس، وفي الآخرة حساباته فيما شغله من الناس عن الله تبارك وتعالى.
ومن كان في الدنيا مشغولاً بنفسه؛ فاحسبه في القبر مشغولاً بنفسه، وفي القيامة مشغولاً بنفسه.
ومن كان مشغولاً بالمال؛ فاحسبه في القبر أيضاً مشغولاً بالمال، وفي القيامة مشغولاً بالمال؛ من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وجزاء كل ما كان من ماله.
قال: ومن وجدته مشغولاً بالله؛ فهو في القبر مشغولاً بالله، وهو في القيامة مشغولاً بالله، وهو في الجنة مشغولاً بالله جل جلاله وتعالى في علاه.
توجَّه حيث شئت فأنت مِمَّا ** له وُجِّهت فاختر للمليحِ
وهذه الوجهة أعزّ ما وهب الله لهذا الإنسان؛ باطنه الذي هو مستقر المعرفة الخاصة، ومستقر المحبة الخالصة، مستقر الإيمان ومستقر اليقين، ومستودع علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
هذا الباطن، وهذا الوجه الباطن، وهذا القلب، فوجهتك يجب عليك أن تحافظ عليها وتنتبه منها.
ومقصود جميع العبادات أن تستقيم وجهتك إلى المعبود جل جلاله؛ حتى لا يكون لك مقصود إلا هو، وحتى لا يكون لك مشهود إلا هو جل جلاله، وحتى لا تعتبر في الوجود شيئاً يوقفك إلا الموجود الحق؛ فإنّ ما سواه من جميع الموجودات مُسَبِّحات بحمده، مشيرة إليه، في قبضته، مملوكات بيده جلّ جلاله وتعالى في علاه.
لا ينبغي أن توقفك، ولا أن تحجبك، ولا أن تمنعك عن مطالعة جماله جل جلاله وتعالى في علاه:
واشهد جمالاً أشرقت أنوارهُ ** في كل شيء ظاهراً لا خافي
وعلى منصّ الجمع -جمعيتك على الله تعالى- قف متخلياً ** عن كل فانٍ للتفرّق نافي
فإذا مرّ عليك يوم فقل: إلى أين وصلت وجهتي؟ وماذا تقوَّى فيها؟ وإلى من هي؟ وأنا متوجه لماذا؟
وتَعلّم ما قال ربنا سبحانه في تعليمه لإمامنا وقائدنا ومتبوعنا ومعلمنا وهادينا ﷺ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
كما قال له في الآية الأخرى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)؛ وهو أول المسلمين، وهو أول العابدين للرب جل جلاله وتعالى في علاه.
فهو الأحق بقُربه، وهو الأحق بِحبّه، لا يفوقه أحد في محبة الله، ولا يفوقه أحد في القرب من الله، ولا يفوقه أحد في المنزلة عند الله؛ منزلته أعلى المنازل، وقُربه فوق كل مُقرَّب، ومحبته فوق كل محبوب لله، بل فرّع الله المحبة للمحبوبين منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو الحبيب الأعظم ﷺ، وهو المُقدَّم على من سواه، صلوات ربي وسلامه عليه.
وإن رسول الله من غير ريبةٍ ** إمامٌ على الإطلاق في كل حضرةِ
وجيهٌ لدى الرحمن في كل موطنٍ ** وصدرُ صدورِ العارفين الأئمةِ
فإن كان لك وجهة هو إمامك فيها؛ ربحت وفُزت وسعدت، وإن كان لك وجهة إمامك فيها نفسك أو هواك أو الشيطان؛ فالخسائر فيها، والبعد فيها، والحجاب فيها، والظلمة فيها.
فحافظ على وجهتك لا يقودها إلا الوجه الجميل، إلا الجاه الفسيح عند الرب، الوجه المليح، الوجه الصبيح، وجه محمد ﷺ.
اجعله قائدك في الوجهات كلها، لا تتوجَّه لشيء حتى في المباحات إلا وهو القائد لك عليه الصلاة والسلام، فيصطلح بذلك ويتجمّل وجهك الباطن ويصفو، وتتهيّأ لملاقاة ذاك الوجه المليح، ولرؤيته في المنام وفي اليقظة وفي الحياة، وعند الوفاة وفي البرزخ ويوم الموافاة.
والناس على درجات في ذلك، وقد تستتِر بعض الأمور في عالم الدنيا ولكن من بعد الغرغرة وما وراءها الأمور إلا بحقائقها تنكشف وتنجلي وتتَّضِح، ويُعرَف من الأرفع، ومن الأوسع، ومن الأعلى، ومن الأجمل، ومن الأكمل، ومن الأفضل، ومن الأحقّ، ومن الأرفع، ومن العظيم، ومن الكبير، ومن الكريم عند الله تبارك وتعالى.
والميزان ميزانه سبحانه وتعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، ومعنى (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ): ليحسنوا توجّهاتهم، لتكون وجهاتهم صحيحة، طيّبة مليحة.
أما أن تتوجَّه إلى ظُلم أحد، فاعلم أن وجهتك هذه موجبة للخسران! تتوجّه إلى التغاضي عما يجب عليك الاجتناب له والبعد عنه، فهذه وجهة ساقطة هابطة! ما قدوتك فيها إلا نفس أو هوى أو شيطان، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وإن تتوجّه للتقوى وتتوجّه للإصلاح، تتوجّه لمجالس الخير والحرص عليها؛ هذه وجهات قائدها محمد ﷺ؛ "ما تركتُ باباً من أبواب الخير إلا دللتكم عليه وعرّفتكم به" صلى الله وسلم عليه وعلى آله، "وما تركتُ باباً من أبواب الشر إلا حذرتكم منه ونهيتكم عنه" ﷺ.
قال لنا ربنا: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ﷺ، وقال: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، وقال: (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
وانت احذر يخرج العام عليك الهجري هذا، ووجهتك فيها هبوط أو انحطاط أو التفات إلى غير الله، وقيادة من غير محمد ﷺ، تفقَّد وجهاتك كلها، ولا تبقى لك وجهة إلا إلى الله والإمام محمد بن عبد الله، قال لنا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ﷺ؛ لأنه هو القائد الأعظم في كل حضرة عليه الصلاة والسلام.
اجتمع الأنبياء كلهم والمرسلون ليلة الإسراء والمعراج، ومعهم عدد كبير من الملائكة وفيهم جبريل وكبار الملائكة، وصلوا فما كان الإمام إلا سيدنا، وما كان الإمام إلا نبينا عليه الصلاة والسلام.
وشاهدَ جنات وناراً وبرزخاً ** وأحوال أملاك وأهل النبوةِ
وصلى وصلوا خلفه فإذا هو المقدم وهو الرأس لأهل الرئاسةِ ﷺ
ومن الآن صَحِّح قدوتك به، وأقِمهُ في المقام الذي أقامه الله فيه، ومقام الإمامة على قدرك وإلا على قدره؟ مَن يبلغه ﷺ؟
فمهما عرفت من فضله فهو أفضل، ومهما عرفت من عظمه فهو أعظم، ومهما عرفت من كرامته فهو أكرم، وفوق ذلك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه.
وإذا كان المؤمن به يعلو له القدر بالإيمان، ولو كُشِف نور العبد المؤمن العاصي لطَبَّق ما بين السماء والأرض؛ بسرِّ الاتباع له والإيمان به ﷺ وبما جاء به عن الله، فكيف به هو صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله!
بل قالوا سرّ الإنسان ما يطلع عليه لا هو ولا الملائكة من حواليه، وباطن سره وسر سره سريرة بينه وبين الله لا يطلع عليها إلا الله جل جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا يجب علينا أن نُحسِن وجهاتنا إلى ربنا جل جلاله، ونتوجّه بكلياتنا إليه سبحانه وتعالى؛ حتى نرقى في مراقي التقوى، ونصل إلى الحالات التي لا نقول فيها إلا لله، ولا نسكت إلا لله، ولا نتحرّك إلا لله، ولا نسكن إلا لله، وبعد ذلك لا يأكل إلا لله، ولا يشرب إلا لله، ولا ينام إلا لله، ولا يقوم إلا لله جل جلاله: (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ) جل جلاله وتعالى في علاه.
ولكن مِن أين نتعلّم هذا؟ مِن أين نأخذ هذه الحاجة؟ ومن أين نتدرّب عليها ونتمرن فيها وننتظِم في سلكها؟ ما هو إلا بالأدب، ما هو إلا بالتعرُّض للنفحات، ما هو إلا بحضور مثل هذه المجالس. ولا تحسب أنها مجالس نجيء نقعد ونقرأ هذه القراءات ونخرج؛ هذه المجالس التي عقدها وربط حبلها زين الوجود، عن أمر الواحد المعبود جل جلاله، لهذا تتداعى الملائكة إليها!
ملائكة سياحين.. لو كان المقصود الذكر وحده فهم يعرفون يذكرون الله، ماذا أرادوا من مجالسنا؟ لكن وظيفتهم يلتمسون هذه المجالس؛ لأن المجالس كان ربطها وعَقْدها من الإمام المُطلَق ﷺ، بأمر الإله الذي خلق، ثم أخذ يقول: "لا يقعد قوم يذكرون الله" كما روى الإمام مسلم في صحيحه "إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده".
وما تخرج من المَجمع هذا وأنت ما صحّحتَ وجهتك إلى الرب جل جلاله، وما أخذت نصيباً من هذه الوجهة، وبدأت تتمرّن على الوجهة إلى الله في أعمالك وأحوالك كلها؛ في عباداتك وفي عاداتك، لأنه خالقك هو وحده، والمُنعِم عليك هو وحده، والمرجع إليه وحده سبحانه وتعالى.
ولا أحد سيرجع إلى شيء من الهيئات ولا الأحزاب ولا الحكومات؛ هُم وما عندهم وما معهم كله مرجعهم إلى الله: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، يقول سبحانه وتعالى.
ولهذا يُعاتَب ويُعذَّب أهل النار في النار، يُقال لهم: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، ويُقال أيضاً للقوم من الكافرين: (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ)، بعد بيان الحقيقة وإرسال الرسل وإيضاح البرهان.
فالحمد لله الذي جعلنا في أمّة سيد الأكوان مَن أَنزَل عليه القرآن، عسى لنا بركة في الاتصال بهذا الجناب الرفيع، والاستماع إلى ندائه: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا)؛ هذا باب الوجهة إلى الرب، ومفتاح باب: (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، توجّهنا، قال لنا: تعالوا إلى كذا وتوجّهوا إليه، ونحن مشينا خلفه، هو إمامنا، (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ)؛ لأنهم أهل الوجهات الصادقة المقبولة، وهم القريبون من الإمام هذا ﷺ وحزبه عليه الصلاة والسلام.
(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
والذين قاموا بهذه الوجهات وهذه الأعمال، وهذه الطَّلبات والسؤال: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ).
فالله يُلحقنا بخواص المؤمنين، ويجعلنا وأهالينا من خواص المؤمنين والمؤمنات، الذين بعضهم أولياء بعض، وبعضهم داخل في دوائر بعض على القيام بالسنة والفرض في الوجهة إلى الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا "من قرع باب مولانا بنياتٍ ما خاب"، لأنك إذا توجَّهتَ إلى أي كريم ولو من خلقه؛ ما يردّك الكريم ويعطيك أحسن مِما تطلب، ولا أكرم من ربّك؛ فإذا صدقتَ في الوجهة إليه ما أحد أحسن منه، ولا أحد أكرم منه، ولا أحد أسخى منه سبحانه وتعالى، "من تقرَّب إليًّ شبراً تقربّتُ إليه ذراعاً.
فنحتاج تصحيح الوجهة إلى الله تبارك وتعالى، تصحيحات تخليصها من إرادات غيره؛ في العبادات ثم في العادات، لا نريد بها إلا الله سبحانه وتعالى.
لمّا غلبت النية الصالحة على بعض العارفين، وأخذ في الإعلان في النكاح يوقد عدداً من السرج، وسرجهم كانت هذه الأقباس؛ الشموع التي يضيئونها، وأوقدَ شموعاً عديدة، ولكن الرجل كان على تمكين ما يعمل إلا لله، فجاء واحد من أهل العلم اليسير وقال: يا شيخ في هذا إسراف كأنه تبذير، قال: كلّ شمعة أوقدتها لغير الله فأطفئها، قِف وأطفئ.. قام يجتهد ليطفئ شمعة ولا انطفأت له ولا شمعة! ينفخ، يضع ماء، يضع الرداء، ولا انطفأت شمعة واحدة! قال: أستغفر الله، هذا له حال مع الله يعلم به، وأنا ظننته مثلنا هكذا يريد المظاهر كلها، وهو الرجل معه وجهة صادقة إلى الرب سبحانه وتعالى.
وهكذا، والذين توجَّهوا إلى الرب أحاطهُم بعنايته، وأحاطهم بألطافه فوق ما يؤملون، وأعظم مما يطلبون جل جلاله، وهذا شأنه سبحانه في كلّ مَن صدق معه من أولهم إلى آخرهم؛ أعطاهم فوق ما يطلبون وفتح لهم، وهو يقول في حديثه القدسي: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
الله يُكرمنا وإياكم بصدق الوجهة إليه، وصِحّة الوجهة إليه، وإخلاص الوجهة إليه، ويجعلنا مُتوجّهين إليه في جميع الحالات، ويجعل وجهتنا إليه في جميع الآناء والساعات، والمقاصد والنيات، والكلمات والحركات والسكنات، يا أرحم الراحمين.
أقبِل بوجهك الكريم علينا، واجعل وجهتنا إليك حيثما كنا، وأين ما كنا، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين، والحمد لله رب العالمين.
01 مُحرَّم 1448