توجه الخطاب الإلهي إلى المكلفين بلسان خاتم النبيين وأحوالهم في استماعه واتباعه

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في الاحتفال بالذكرى الثلاثين - 30 - لافتتاح دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية

ظهر يوم الإثنين 29 ذو الحجة 1447هـ بعنوان:

توجه الخطاب الإلهي إلى المكلفين بلسان خاتم النبيين وأحوالهم في استماعه واتباعه

تضمنت المحاضرة دروس مستفادة من الهجرة النبوية، أكّد على أن حقيقتها المستمرة هي هجر ما نهى الله عنه، وأنّ محبة الله ورسوله هي أساس الصلاح والثبات والفوز، كما عرض نماذج من أخلاق الصحابة والصالحين في التواضع للحق، وقبول النصح، والتضحية في سبيل الله، وربط ذلك بمعاني الصدق مع الله والثقة بوعده، واختتم حفظه الله بالتذكير باغتنام العام الهجري الجديد بالتوبة والطاعة، والدعاء للأمة بالفرج والنصر.

لتحميل المحاضرة pdf

نص المحاضرة:

الحمد لله ربِّ العرشِ العظيم، الأوَّلِ الآخِرِ الظاهرِ الباطن، جامعِ الأوَّلين والآخِرين ليومٍ لا ريبَ فيه، الحاكمِ بينهم والحُكم حُكمه ولا مُعقِّبَ لحكمه، لا إله إلا هو.

أرسلَ الرُّسلَ والمرسلين، فشرَّفَ اللهُ بهمُ المكلَّفين على ظهرِ الأرض، وجعلَ كمالَ التشريفِ والتكريمِ بخاتَمِهم: سيدِ المرسلين، وخاتَمِ النبيين، صاحبِ البعثة، وصاحبِ الهجرة ﷺ، وصاحبِ الغزوات، وصاحبِ القرآن، وصاحبِ الدلالةِ على الحق، وصاحبِ الخَتْمِ للنبوّة، صلواتُ اللهِ عليه. وصاحبِ الرحمةِ الكبرى والنعمةِ العظمى.

يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آلهِ وصحبهِ ومَن سارَ في درْبِه، واجعلنا ممَّن سارَ في درْبِه برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

أمانة الهجرةِ النبوية وحفظ الأمة

وقدِ استلم هذه الكائناتُ على العموم، والمكلَّفون من هذه الأمةِ إنسًا وجنًّا على وجهِ الخصوص، خطابَ الخالقِ الذي بيدهِ الأمرُ وإليه يُرجَعُ الأمرُ كلُّه، على لسانِ محمدِ بنِ عبدِ الله.

الذي ما جاءتْ هجرتُه هذه -التي نتذكّر كلما خَتَمْنا عامًا هجريًّا وابتدأنا بعامٍ جديد- نتذكّر ما جاءتْ هجرتُه هذه في صبرهِ ومُكافحتهِ وتحمُّلهِ وعنائهِ، والمشقةِ الواقعةِ عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما كان في بيته، وما كان في الغار، وما كان في طريقه، ثم ما كان في المدينةِ المنورةِ من تلك الخُيورِ الكبيرة.

جاءت لأداءِ هذه الأمانة، جاءتْ لحفظِ هذه الأُمّة، ولحراسةِ هذه الأُمّة، ولبقاءِ الخيرِ في هذه الأُمّة، ولمعاني الرحمةِ الربانيةِ التي بعثَ اللهُ بها خاتَمَ الأنبياء نبيَّ الرحمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

حقيقة الهجرة

وتفرَّعَ عنها ما تفرَّعَ من تلك الخيرات، وبقيَ حبلٌ قويٌّ للاتصالِ بسرِّها، يقولُ عنه ﷺ: «والمهاجرُ مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه». والمهاجرُ مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه، هو سيدُ المهاجرين ﷺ.

وقال اتصالُكم بي بهجرِكم ما نهى اللهُ ونهيتُكم عنه، فإنَّ ذلك مُوصِلٌ لكم إلى رحابِ الدخولِ فيّ، وفي هجرتي المباركة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، "والمهاجرُ مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه".

وذلكمُ الأساسُ الذي قامَ عليه شرفُ أولي العلم، وشرفُ أولي المعرفة، وشرفُ المصلِحين، وشرفُ الولاية، وشرفُ المعرفةِ الخاصة، وشرفُ الصدِّيقية؛ قامَ على هذا الأساس: اجتنابِ ما نهى اللهُ تباركَ وتعالى عنه.

 

التربية على محبة الله ورسوله

بذلك من التربيةِ التي تربَّى عليها خِيارُ الأمةِ وأكابرُهم من الصِّغَر، أشارَ إليه سيدُنا المحضارُ بقوله: 

همُ أقوامٌ غُذُوا في المحبة من صِغَرهم

محبة مَن؟ محبة مَن؟ محبة إلهِهم جلَّ جلالُه، الذي به وبمحبتهِ أحبُّوا محمدًا قبلَ كلِّ أحدٍ من الخلق. وبمحبتهِ للهِ ومحبةِ محمدٍ قامَ الميزانُ في مَحَبَّاتِهم، فما تركوا محبةَ القلبِ التي هي عنوانٌ والتي هي أساسٌ والتي هي شأنٌ كبير، ما تركوها للأهواءِ ولا للأنفسِ ولا للمطروحاتِ ولا للوساوس.

قوَّموا محبّتَهم، فأحبُّوا من أجلِ الله، ومن أجلِ محبةِ اللهِ ومحبةِ رسولهِ؛ أحبُّوا آلَ بيته، أحبُّوا صحابتَه، أحبُّوا الأنبياء، أحبُّوا الملائكة، أحبُّوا الأمةَ عامة وخاصَّتُهم خاصة. خاصَّتُهم مِن ذوي العلمِ أو الفضلِ أو الصلاحِ أو التقوى أو المكانةِ في الديانة، أحبُّوهم محبةً خاصةً لأجلِ اللهِ تباركَ وتعالى.

ثمرات المحبة في الصحابة والسلف

وبسرِّ المحبةِ قامتِ الهجرة، وبسرِّ المحبةِ قامتِ النُّصرة، وبسرِّ المحبةِ قامتْ حقائقُ هذا الدين، وقامتْ حقائقُ الصحابةِ والسابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.

ومن آثارِ تلك المحبةِ ما جاءَ في سِيَرِهم وأخبارِهم من اجتنابِ ما نهى اللهُ عنه، وحذرِهم ممَّا نهى اللهُ سبحانه وتعالى عنه، وخوفِهم أن يقربوا شيئًا ممَّا نهى اللهُ عنه؛ الذي تجلَّى في بكائهم، وتجلَّى في وَرَعِهم، وتجلَّى في محاسبتِهم لأنفسِهم ومُعاتبتِهم لأنفسِهم، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.

والفرحُ بالنصحِ من بعضِهم البعض ولبعضِهم البعض، وطلبُ أكابرِهمُ النصحَ والتبيينَ من أصاغرِهم، حتى وممَّن دونهم، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، في سِيَرٍ قرأناها، كانت من أثرِ تربيةِ محمدٍ المصطفى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

موقف سيدنا عمر وقبول العفو

بسرِّها قال سيدُنا عمرُ لمَّا خاطبتْهُ المرأةُ وهو على المنبرِ يُصدِرُ قرارًا، رجعَ عنِ القرارِ وقال: «أصابتِ امرأةٌ وأخطأَ عمرُ» عليه رضوانُ الله، وكان وقَّافًا عند كتابِ اللهِ جلَّ جلالُه.

دخلَ الداخلُ عليه وقد أساءَ الأدبَ بعضُ الحاضرين معه، فيقولُ للصاحبِ الذي عنده: ما ترى في هذا؟ قال: أرى قولَ اللهِ تعالى جلَّ جلالُه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).

قال سيدُنا عمرُ: «خُذِ العفوَ، وأمُرْ بالعُرف، وأعرِضْ عنِ الجاهلين»، أخذَ يكرِّرها، قال: هو في حِلم، هو في حِل، سامحْه.. كان يستحقُّ أدبًا كبيرًا، وتجرَّأَ على خلافةِ النبوة، وتجرَّأَ على أميرِ المؤمنين، ومع ذلك كلِّه وقفَ سيدُنا عمرُ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، صدقتَ، صدقَ الله! سامح الرجل، ولا عقابَ ولا عتابَ عليه بعد ذلك.

وأقاموا أمورَهم على هذا الأساس؛ كلما قرأنا ترجمةَ وليٍّ وصالحٍ ومقرَّبٍ، حصَّلنا فيها هذه المعاني، وحصَّلنا فيها هذه الأُسسَ لهذه المباني، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

التضحية والثبات على الحق

وكم فيه الوقائع الخاصة والعامة مع الوالدِ رحمه اللهُ تعالى، من هذه المعاني التي تأصَّلتْ فيه عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.

ولو التفتَ إلى جاه، ولو التفتَ إلى مال، ولو التفتَ إلى الانتقامِ من أحد، ما كانتْ هذه الثمرة، ولا قامتْ هذه الخيرات، ولكنها معاملةٌ مع عظيمٍ قويٍّ يُحسِنُ المعاملةَ مع مَن عامله، وأحسنَ المعاملةَ معه.

وإذا جاءَ إحسانُ اللهِ فما مدى إحسانِ الخلائق؟ الخلائقُ يُحسِنون على قدرِهم، لكنَّ الرحمنَ يُحسِنُ على قدره، ولذا قال: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشر» جلَّ جلالُه، ويقولُ سبحانه: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). رزقنا اللهُ الإحسانَ والصدقَ معه والإقبالَ الصادقَ عليه.

وفي تذكُّراتِكم لمعاني هذه الهجرةِ ومعاني هذه المحبةِ ولقاءِ اللهِ تباركَ وتعالى، سمعتُم ما يُذكَرُ من الحبيبِ محمدٍ الهدّارِ وغيرهِ من الذين جالسوا الوالدَ في تمنِّيه للشهادة.

وقال لبعضِهم لمَّا قالوا له: الوضعُ صعب، والخروجُ من البلادِ أحسن، وآخرُ حجةٍ حجَّها قالوا له: اقعُدْ مَحلَّك ولا تخرُجْ إلى البلاد، قال: أترُكُ البلادَ لمَن؟ قالوا له الأوضاع، قال: ايش غايتُها؟ قتل؟ الصحابةُ ساروا في طلبِ الشهادةِ مسيرةَ شهور، وإذا جاءتْنا عند بيوتِنا نرفضها؟ وجاءتْنا إلى عندِنا.. عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، وهكذا كان الأمرُ في هذه التضحيةِ وهذا البذلِ لهذه النفسِ في تلك الأيام. 

تكلَّمُ فيكم السيدُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المحضارُ، وشهدَ مشهدًا من هذه المشاهدِ في بلدهم هناك في حَبّان، في العامِ نفسه، عامِ اثنين وتسعين؛ وهو أنهم سحَلوا الحبيبَ أحمدَ بنَ عبدِ اللهِ المحضار عليه رحمةُ الله، في نفسِ اليوم سحَلوا الحبيبَ أحمدَ بنَ صالحٍ الحدّادَ عليه رحمةُ اللهِ تباركَ وتعالى في شهرِ رجب، في يومِ السابعِ والعشرين من رجب، يومِ المعراج، عَرَجتْ روحُ هذا وروحُ هذا.

وعندنا في الوادي سحَلوا الحبيبَ حسينَ بنَ أحمدَ العيدروسَ في الحَزْم، وجرُّوه على الأرضِ بالسيارةِ إلى شِبام وما إلى ذلك. 

وهي أعمالٌ تُنبئُ وتُعرِبُ عن حالِ إرادةِ إطفاءِ نورِ الله، وما الذي يريده أعداء الله تبارك وتعالى؟ ولكنَّ النتائجَ والعواقب عبَّرتْ عن معنى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ)، والتجربةُ واحدة هذه؟ وفي البلدانِ الأخرى من حوالينا كم من تجارب، وكم من محاولةٍ لإطفاءِ نورِ الله!

وما دامَ القرآنُ عندنا موجود، فانعموا بسرِّ هذه المراحل؛ حقائقُ الخُيورِ والقربِ من العزيزِ الغفور، ومراتب مواصلاته وولايته قائمةٌ في الأمةِ غيرَ منقطعة، حتى يغضب الله على مَن في الأرض، ويرفع القرآنَ، ويَنزِع روح مَن في قلبهِ إيمان، فلا يبقى خيرٌ على وجهِ الأرض، ما دمتُم قبلَ ذلك فاغنموا ما أنتم فيه. 

من عجائب الهجرة النبوية

عطاءَ اللهِ بواسطةِ حبيبهِ محمدٍ ﷺ صاحبِ الهجرة، الذي سمعتُمُ الإشارةَ إلى قولهِ لسيدِنا سُراقة، وهو يمشي في الطريقِ والمتابعةُ له من كلِّ جانب، والقبائلُ مُغراةٌ بمئةٍ من الإبلِ من أعظمِ ما يكون، والدولةُ قائمةٌ على متابعتهِ ﷺ، ويمشي في الأرضِ وسُراقةُ يتبعه، لمَّا كلَّمه قال له: «كيف بك وأنت تلبسُ سِوارَيْ كسرى وقيصر؟».

قال أكبرُ ملوكِ الأرضِ سيذِلُّون للهجرةِ هذه وللدين هذا، وأسورتَهم أنت يا بدويُّ عايشٌ بين الجبالِ هذه ما بين مكةَ والمدينة، ستلبس سوار كسرى وقيصر! ما العظمةُ هذه؟ ما الثقةُ هذه؟ ما اليقينُ هذا؟ ما المعرفةُ هذه عند سيدِنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله؟

وهو كان أدرك -وهو بدويٌّ- وأدركَ الحقائق، قال: اكتُبْ لي كتابًا يا رسولَ الله، قال: يا أبا بكرٍ اكتُبْ له، بعدما عاهدَ أنه سيُرجع الناسَ من حوالَيْه ولن يتابعه هو، فجعلَ في بقيةِ النهار، كلما لقيَ أحدًا من المتابعين قال: هذا طريقٌ ما أحد فيه، أنا قد جئتُ من طرفه، روحوا مَحلًّا آخر، فكان أولَ النهارِ يتابعه، وآخرَ النهارِ يردُّ الناسَ عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ولمَّا كان فتحُ مكةَ وغزوةُ حُنين، جاء الرجلُ وجاء بالكتاب، قال: نعم، هذا يومَ الوفاء، أعطوه وأعطوه وأعطوه! وأعطوا سُراقةُ بنُ مالك، هذا الذي حصَّله في الدنيا، وحصَّلَ رؤيةَ وجهِ محمد، وحصَّلَ الإيمانَ بمحمد، وحصَّلَ التهيُّؤَ لمرافقةِ هذا النبيِّ في الآخرة، ما أعظمَ ما حصلَ عليه! 

مع أنه جاء ليضرُّهم، جاء ليُمهِّدُ القتلَ لهم، ولكن ما هذه الرحمةُ الكبيرةُ؟ اللي جاء يضرُّه حوَّله وسألَ اللهُ له، وردَّه واحدًا من أهلِ الجنةِ ومن أهلِ المراتبِ العُلى. 

يا ربِّ صلِّ على خيرِ المَلا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آلهِ وصحبه.

عاقبة الصدق مع الله

وكان ما كان، وسمعتُمُ الإشارةَ إلى عجائبِ الحوادثِ في هذه الحياة، ولكن كلُّها ترجعُ إلى هذا المختصر: مَن صدقَ مع اللهِ حقَّ الصدقِ وقامَ بحقِّه، هو الفائزُ الرابحُ الظافرُ دنيا وآخرة بحُكمِ ربِّ الدنيا والآخرة. 

ومَنِ اتبعَ الهوى، ومَنِ اتبعَ النفس، ومَن آثرَ الدنيا على أمرِ اللهِ وطاعةِ رسوله، هو الخاسرُ كائنًا مَن كان، فُرادى وجماعات، في الدنيا والآخرة، والعياذُ بالله: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

استشهاد الإمام الحسين

وفي أولِ عامٍ من الأعوامِ الهجريةِ كان استشهادُ سيدِنا الحسينِ عليه رضوانُ اللهِ تعالى، وفي آخرِ العامِ كان اختطافُ الوالدِ عليه رحمةُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

فكان في أولِ العامِ الاستشهادُ لذاك الإمامِ عليه رحمةُ اللهِ تباركَ وتعالى، وكان خبرُ استشهادهِ قد نزلَ به جبريلُ على رسولِ اللهِ في حياةِ سيدِنا رسولِ الله، والحسينُ على رِجلهِ وهو طفلٌ صغيرٌ على رِجلِ المصطفى ﷺ، ويقولُ لأمِّ سلمة -عنده كانت- قال: «إنَّ جبريلَ أخبرني أنَّ أمتي ستقتُلُ ابني هذا»، وإنَّ جبريلَ أتاني بترابٍ من مَحلِّ مقتلهِ من كربلاء، وأعطاها إياه. أخذتْه ووضعتْه في قارورةٍ عندها، فلمَّا كان يومُ عاشوراءَ الذي قُتلَ فيه الحسينُ تحوَّلَ دمًا، لمَّا رأتِ القارورةَ تحوَّلتْ دمًا، قالت: اليومَ قُتلَ الحسين! وكيف علمتِ؟ الخبرُ في العراقِ وجاءَ الخبرُ في نفسِ اليوم! عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

شهيد بالطَّف فائز بالرضا والسرور ** وراح قاتلُه يدعو في لظى بالثُّبور

والعياذُ بالله؛ من أجلِ دنيا، من أجلِ مصلحة، من أجلِ مال، من أجلِ سلطة، ارتكبَ الجريمةَ الكبيرة. 

وقبلَه بتلبيساتٍ وتدليساتٍ من عبدِ الرحمنِ بنِ مُلجَم، "أشقى الآخرين" كما سمعتم، ارتكبَ المصيبةَ الكبيرة، تدليسٌ وتلبيسٌ من إبليس، صورة عبادة، في الجبهة أثرُ السجودِ من الحسي هذا، ويقومُ بالليلِ ويقرأُ كثيرًا، وهو بالنصِّ أشقى الآخِرين! يعني أشقى واحدٍ في هذه الأمة، بالنص!

قال: أشقى الأوَّلين الذي عقرَ ناقةَ نبيِّ اللهِ صالح: (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا)، هذا أشقى الأوَّلين، قال «وأشقى الآخِرين الذي يضربُك على هذه فيخضِبُ منك هذه»، تخضَّبتْ لحيتُه بالدمِ عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى.

وهذا في وسطِ العام، وهذا في أولِ العام، وكلُّ الأعوامِ اكتسبتِ لقاءاتِ من المقرَّبين عند الله، وهلاكَ لمُبعَدين عن اللهِ والعياذُ بالله تباركَ وتعالى.

ذكريات الصالحين

وسمعتُم في مثلِ هذه الأيامِ كان آخرَ الشهرِ هذا وفاةُ سيدِنا الفقيهِ المقدَّمِ محمدِ بنِ عليٍّ عليه رضوانُ الله، الذي عظُمتْ مشابهتُه لعليِّ بنِ الحسينِ؛ في علومه، في عباداته، في عاداته، في بُعدهِ عن السُّلطاتِ والمظاهر، وكسرهِ السيف، ما أشبهَه! وفي نفقاتهِ، في بذله، في صدقاته، عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

وكان في أواخرِ هذا الشهرِ وفاةُ سيدِنا الشيخِ أبي بكرِ بنِ سالمٍ أعلى اللهُ درجاتهِ وجمعنا به في أعلى جنّاته، إلى غيرِ ذلك.

النداء الرباني والدعاء للأمة

والنداءُ الربانيُّ الذي جمعكم في هذا المجمع، والذي به تُصغي القلوبُ إلى سرِّ الاستعدادِ للقاءِ الحق، وطلبِ مرافقةِ أهلِ حضرتهِ من المحبوبين والمقرَّبين الذين رأسُهم محمدٌ سيدُ المرسلين. 

وجمعكم من بلادٍ شتى وقبائلَ شتى، ومعنا مناصبُنا وعلماؤنا وصلحاؤنا، والظاهرين فينا والخاملين فينا، وأهلُ الظاهرِ وأهلُ الباطن، ووجهةٌ واحدةٌ إلى الواحد.

وأحوالُ أمةِ حبيبكَ محمد، إن توجَّهوا فيها إلى ذا أو ذا أو ذاك فإليك وحدكَ نتوجَّهُ يا رب. 

يا مَن نصرتَه في الهجرةِ ويومَ الغار، ويا مَن نصرتَه ﷺ في فتحِ مكة، ويا مَن كتبتَ له النصرَ العزيزَ المؤزَّر، نشكو إليك أحوالَ أمته، ونستغيثُك به، ونسألُك أن تُعجِّلَ النصرَ للحقِّ والهدى وأهل لا إله إلا الله.

وأن تجمعَ شملَهم بعد الشتات، وأن تثبِّتَهم أكملَ الثبات، وأن ترحمَ صغيرَهم وكبيرَهم وذكرَهم وأنثاهم، وتجعلَ هواهم تبعًا لما جاء به النبيُّ محمدٌ ﷺ.

اللهم انظُرْ إلى المَجمَعِ ومَن فيه، ولا تصرِفْ أحدًا من الحاضرين ولا من السامعين والمشاهدين إلا مقبولًا عندك، مغفورًا له جميعُ ما سلفَ من الذنوب، موفَّقًا فيما أبقيتَ له من العمرِ في العامِ القابلِ أو ما بعده لمرضاتِك؛ في قولهِ وفعلهِ ونيتهِ وقصدهِ، وأحوالهِ وأقوالهِ وأخذهِ وعطائهِ وحركاتهِ وسكناته.

يا ربنا، أنت خيرُ مطلوب، أنت أكرمُ مسؤول، أنت أعظمُ مأمول، أنت الذي بعثتَ إلينا هذا الرسول، أنت الذي مددتَ لنا حِبالَ النورِ في الاتصالِ به ﷺ. 

اللهم بمنزلتهِ عندك انظُرْ إلينا، وأثبِتْنا في أهلِ وُدِّك من الموفين بعهدِك يا الله، لا تُخلِّفْ عن ذلك صغيرًا منا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، يا مولى المواهب، يا ذا العطايا الواسعاتِ العجائب، يا حيُّ يا قيوم، يا رحمنُ يا رحيم، تداركِ الأمة، اغفِرْ لنا ما مضى، واحفظْنا فيما بقي.

ما كان في عامنا هذا وما قبلَه من كل ما لا ترضاه؛ من نياتِنا، أو مقاصدِنا، أو أعمالِنا، أو نظراتِنا، أو حركاتِنا، أو سكناتِنا، أو كلماتِنا، فاغفِرْه يا خيرَ غافر، اغفِرْه يا خيرَ غافر، وتُبْ علينا في الباطنِ والظاهرِ توبةً نصوحًا.

اللهم وعامُنا المقبلُ اجعلْه عامَ فرجٍ للمسلمين، اجعلْه عامَ غِياثٍ للمسلمين، عامَ جمعٍ لشملِ المسلمين، وأُلفةٍ بين المسلمين، يا أكرمَ الأكرمين، يا ربَّ العالمين، يا أرحمَ الراحمين.

أنت الذي قُلت: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وقلتَ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وارفعوا حاجاتِكم إليه، وكلُّ مَن له مرادٌ في دينٍ ودنيا وبرزخٍ وآخرة، في نفسهِ أو أهلهِ أو ولده، في صحةٍ ظاهرةٍ أو باطنة، أو في علمٍ أو في عمل، نرفعها إلى الله، نتوجَّه بها إلى الله، مجيبِ الدعاءِ الذي لا يُخيِّبُ الرجاء، ربَّ الأرضِ والسماء، أجِبْ دعاءَنا، لَبِّ نداءَنا، حقِّقْ رجاءَنا، زِدْنا من فضلكَ ما أنت أهلُه يا الله. 

ومن صميمِ قلبكَ ناده وهو يسمعُك وأقربُ إليك من حبلِ الوريد، وقُلْ له: يا الله! وإذا نظرَ إليك فأنت السعيد، وتخرجُ بالسعادةِ الكبيرة.

يا ربِّ سِرْ بنا في خيرِ مَسار، واجعلْنا في عبادكَ الأخيار، وكُنْ لنا بما أنت أهلُه يا كريمُ يا غفّار، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

تاريخ النشر الهجري

29 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

15 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية