توجيهات مهمة ودعوات مباركة للحبيب عمر بن حفيظ يوم عرفة 1447هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة توجيهية ودعوات مباركة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس التعريف وقراءة دعاء يوم عرفة، بجوار مسجد مولى خيلة بمدينة تريم، عصر الثلاثاء 9 ذو الحجة 1447هـ

تضمنت الكلمة:

  • التلبية وحقيقة العبودية
  • حقيقة "لا إله إلا الله"
  • مجامع الخير والذكر
  • مراتب القرب من الله
  • يوم المغفرة وقهر الشيطان
  • رضا الله ورسوله وإنقاذ البيوت والأسر
  • صوم يوم عرفة وحال المسلمين مع العبادة
  • حماية البيوت والشوارع بنور الله
  • تنبيه عن منكرات الأفراح وترويع المؤمنين
  • تريم الأبرار والأخيار
  • مسؤولية التربية
  • تكبير العيد والتعاون في الأضاحي
  • مرجعيتنا في العيد

 

نص الكلمة مكتوب:

 

التلبية وحقيقة العبودية

الحمدُ لله على نعمةِ الإسلامِ وكفى بها من نعمةٍ، الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أنْ هدانا الله.

الحمدُ لله على نعمةِ التَّعرُّضِ لِرَحماتِهِ ونَفَحاتِهِ وعَطِيّاتِهِ، والتلبية لِنِدائِهِ، وإنْ كان شِعارُ حُجّاجِ بيتِ اللهِ: "لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيْكَ" في تلبِيَتِهِم لِنِداءِ الحقِّ سُبحانَهُ على لِسانِ الخليلِ إبراهيمَ في قَولِهِ "إنَّ اللهَ بَنَى لكم بيتاً فَحُجُّوهُ"، وهي أيضاً مُتضمِّنةٌ التَّلبيةَ والإجابةَ لِجَميعِ نِداءِ اللهِ الذي نادانا بهِ سُبحانَهُ وتعالى.

وأعظمُهُ ما أنزلَهُ على قلبِ نبيِّنا محمدٍ، فبلَّغَهُ لِسانُ نبيِّنا محمدٍ ﷺ إلينا، في كتابِهِ العزيزِ: (يَا بَنِي آدَمَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)؛ فهو خِطابٌ خاصٌّ من ربِّكم جلَّ جلالُهُ، حمَلَهُ أخصُّ الخواصِّ إلينا؛ عبدُهُ ونبيُّهُ محمدٌ ﷺ.

يجبُ أنْ نُلَبِّيَ هذا النِّداءَ، وكان من نِدائِهِ أنْ نَجتمِعَ على الذِّكرِ، وكان من نِدائِهِ أنْ نَجتمِعَ على الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ. وصَحَّ في حديثِهِ: "ما اجتمعَ قومٌ فدَعا أحدُهُم وأمَّنَ الآخرونَ إلّا استجابَ اللهُ لهم". وقد صَحَّ في أحاديثِهِ تَنادِي الملائكةِ إلى مجالسِ الذِّكرِ، وحُفُوفُها لِأهلِها بأجنحتِها إلى السَّماءِ الدُّنيا.

وكان مِمّا دعانا إليهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الاغتنام لِهذهِ الأيامِ؛ أيامِ العَشرِ، في الذِّكرِ والتَّسبيحِ والتَّحميدِ والتَّهليلِ والتَّكبيرِ، وفي الصَّدقةِ. فكان هذا المَظهَرُ من مَظاهرِ التَّلبيةِ لِلنِّداءِ. 

ويجبُ أنْ تكونَ تلبيَتُنا لِنِداءِ اللهِ في ظواهرِنا وبواطنِنا، وفي دِيارِنا، وفي أقوالِنا، وفي أفعالِنا؛ ثابتةً، ودائمةً، وراسخةً؛ فهذا حقُّ العُبوديَّةِ، هذا حقُّ العُبوديَّةِ؛ إنْ كُنتَ عبداً لِهذا الرَّبِّ جلَّ جلالُهُ.

أَعْطِ المعيَّةَ حقَّها ** والْزَمْ لهُ حُسْنَ الأدبِْ

واعلَمْ بأنَّكَ عبدُهُ ** في كلِّ حالٍ وهو رَبْ

حقيقة "لا إله إلا الله"

جلَّ جلالُهُ؛ غافرُ الذَّنبِ لِمَن يقولُ لا إلهَ إلّا اللهُ، قابلُ التَّوبِ لِمَن يقولُ لا إلهَ إلّا اللهُ، شديدُ العقابِ لِمَن لم يَقُلْ لا إلهَ إلّا اللهُ، ذو الطَّوْلِ لِمَن يقولُ لا إلهَ إلّا الله.

والحمدُ للهِ على لا إلهَ إلّا اللهُ، وعلى وُصولِها إلينا من ذاتِ نبيِّهِ محمدٍ، ولِسانِ نبيِّهِ محمدٍ، وقلبِ نبيِّهِ محمدٍ، وعلى يدِ نبيِّنا محمدٍ، بِسلسلةِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وخِيارِ آلِ البيتِ الطَّاهرِ، قرناً بعدَ قرنٍ، وزَمناً بعدَ زَمنٍ، حتى وصلَتْ إلينا لا إلهَ إلّا اللهُ. 

حقَّقَنا اللهُ بِحقائقِها، وجعلَنا من خواصِّ أهلِها عندَهُ، إنَّهُ أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الرَّاحمينَ.

ولو وُضِعَتِ السَّماواتُ السَّبعُ في كِفَّةٍ، والأرَضُونَ السَّبعُ معها في كِفَّةٍ، ولا إلهَ إلّا اللهُ في كِفَّةٍ؛ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ لا إلهَ إلّا اللهُ. أي: لا يُساوي قَدْرَها عندَ اللهِ سماواتٌ ولا أرضٌ. أُعْطِيتَها فَارْعَها، أُعْطِيتَها حافِظْ عليها، أُعْطِيتَها قُمْ بِحقِّها.

أُعْطِيتَ لا إلهَ إلّا اللهُ؛ لا تَعْصِ بِعينِكَ، أُعْطِيتَ لا إلهَ إلّا اللهُ؛ لا تَعْصِ بِأُذُنِكَ، أُعْطِيتَ لا إلهَ إلّا اللهُ؛ لا تَعْصِ بِلسانِكَ، أُعْطِيتَ لا إلهَ إلّا اللهُ؛ لا تَعْصِ بِبطنِكَ، لا تَعْصِ بِفَرْجِكَ، لا تَعْصِ بِيدِكَ، لا تَعْصِ بِرِجْلِكَ، فهذا مُتناقِضٌ مع حقيقةِ لا إلهَ إلّا اللهُ. 

أُعْطِيتَ لا إلهَ إلّا اللهُ؛ فاتَّقِ اللهَ، وقُم بحق الله سبحانه وتعالى في طاعته في السِّرِّ والعلانيةِ، في الظَّاهرِ وفي الباطنِ، بالقلبِ والرُّوحِ والسِّرِّ، وبالأعضاءِ هذهِ التي جعلَها اللهُ على عدَدِ أبوابِ جهنَّمَ.

يقولُ سيِّدُنا الإمامُ الغزاليُّ: واعلَمْ أنَّ لِجهنَّمَ سبعةَ أبوابٍ، وقد جعلَ اللهُ لكَ جوارحَ وأعضاءً سبعةً، ولا يَتعيَّنُ الدُّخولُ من تِلكَ السَّبعةِ الأبوابِ في النَّارِ إلّا مَن عصَى اللهَ بهذهِ السَّبعةِ الأعضاءِ، إلّا مَن عصَى اللهَ بهذهِ السَّبعةِ الأعضاءِ! فَحافِظْ على السَّبعةِ الأعضاء، وصَرفها في طاعة الله.

مجامع الخير والذكر

واشْكُرِ اللهَ الذي جمَعَكَ هذا الجمْعَ، اللي تقدَّمَ فيهِ قبلَنا من أربابِ القلوبِ، وأربابِ الأرواحِ، وأربابِ الصِّدِّيقيَّةِ الكُبرَى، وأربابِ الجمعيَّةِ على اللهِ تعالى؛ عدَداً بعدَ عدَدٍ، من بعدِ ما أسَّسَهُ سيِّدُنا الحبيبُ علويُّ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المَشهورِ عليهِ رحمةُ اللهِ تبارك وتعالى، ومَن كان يَحضرُ معهُ، ومَن خَلَفَهُ ومَن يَحضرُ معهُ، ومَن خَلَفَهُ ومَن يَحضرُ معهُ، ومَن خَلَفَهُ ومن يحضر معه.

أعدادٌ كبيرةٌ من أهل القلوبِ النَّويرة اجتمعَتْ في هذا المكانِ سنةً بعدَ سنةٍ، وتوجَّهَتْ إلى الواحدِ الأحدِ، الفردِ الصَّمدِ، وتذكَّرَتْ عرفةَ وما يتنزَّلُ على أهلِ عرفةَ، وما يَجودُ الله به على أهلِ عرفةَ فمَن دونَهُم ومَن وراءَهُم من المؤمنينَ والمؤمناتِ في جَميعِ الجهاتِ.

مراتب القرب من الله

والمؤمنونَ على مراتبَ في قُربِهِم، كان يقولُ بعضُ العارفينَ في القرونِ الأُولَى: رُبَّ طائفٍ بالبيتِ ورجُل بِخُراسانَ أقربُ منهُ إلى البيتِ وإلى ربِّ البيتِ! وهو يطوفُ هناكَ في البيتِ؛ وذاكَ الذي بِخُراسانَ أقربُ؛ لأنَّهُ أقربُ إلى الرَّبِّ، لأنَّهُ أنقى، لأنَّهُ أطهرُ، لأنَّهُ أخشَعُ، لأنَّهُ أخضَعُ، لأنَّهُ أعظمُ تواضعاً، لأنَّهُ أعظمُ إجلالاً لِأمرِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى.

وما نُصِبَ البيت إلّا لِبعثِ إجلالِ اللهِ وتعظيمِ شعائرِ اللهِ: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ) يعني يَقومُ بأمرِ دِينِهِم وأمرِ صلاحِهِم وأمرِ فلاحِهِم، (قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

يوم المغفرة وقهر الشيطان

يا شديدَ العقابِ أَجِرْنا من عِقابِكَ، يا غفورُ يا رحيمُ اغفِرْ لنا وارحَمْنا؛ فقدِ اجتَمَعْنا مُقتدِينَ بِهؤلاءِ مُتعرِّضِينَ لِرحماتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ، ولِمغفرتِكَ يا خيرَ الغافرينَ. فلا تدَعْ أحداً من الحاضرينَ، ولا مِمَّن في دِيارِهِم، ولا من السَّامعينَ، ولا مِمَّن في دِيارِهِم إلّا غفَرْتَ لهُ يا خيرَ الغافلينَ بالمغفرةِ الواسعةِ.

هذا يومُ مغفرةٍ كبيرةٍ يَتجلَّى بها الغفّارُ جلَّ جلالُهُ، حتى قال نبيُّه المختارُ: "ما رُؤِيَ الشَّيطانُ في يومٍ أحقرَ ولا أدحرَ ولا أغيَظَ منهُ ولا أصغرَ من يومِ عرفةَ"؛ لِمَا يرَى من تنزُّلِ رحمةِ اللهِ والتَّجاوزِ عن الذُّنوبِ العِظامِ، والتَّجاوزِ عن الذُّنوبِ العِظامِ! قال: "إلّا ما رُؤِيَ يومَ بدرٍ"، لِمَا رأَى جبريلَ يَزعّ الملائكةَ، يَصُفُّهُم صُفُوفاً في القِتالِ مع النَّبيِّ محمدٍ ﷺ.

فهو يَنْدَحِرُ هذا اليومَ وهو يُقْهَرُ هذا اليومَ، لكنْ لا تكون من بعدِ اليومِ هذا مِمَّن يَسُرُّهُ، ولا مِمَّن يَرُدُّ كدره إلى فرح بِك؛ تُقاطِعُ رَحِمَكَ، أو تُؤْذِي جارَكَ، أو تَعُقُّ والدَيْكَ، أو تَنْظُرُ للحرامَ وتَسْتَهْوِيهِ وتَتمَادَى فيهِ، دعهُ مقهوراً إلى أنْ تَموتَ، مقهور منك ما يرْضى من قِبَلك. 

رضا الله ورسوله وإنقاذ البيوت والأسر

إن ستُرضي أحد؛ أَرْضِ محمداً ﷺ، أَرْضِ ربَّكَ جلَّ جلالُهُ، يقولُ اللهُ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)، المؤمنُ ما يَطلبُ قَبْلَ رضوانِ اللهِ ورضوانِ رسولِهِ رضا أحدٍ؛ لا فردٍ ولا جماعةٍ، لا صِغارٍ ولا كِبارٍ، ولا حزبٍ ولا هيئةٍ، ولا أهل شارع ولا أهل سُوق؛ يَطلبُ رضا اللهِ رضا اللهِ! 

إذا كان مَوْلاي راضي ** فمن راد يَغضبْ فَيَغضبْ

إذا اللهُ راضي علينا ** سَواء عندي المدح والسَّب

لا أحدَ منهم مُقدِّم ولا مُؤخِّر، ولا أحد منهم نافعٌ ولا ضارٌّ، ولا أحدَ منهم رافعٌ ولا خافضٌ. الحُكْمُ حُكْمُهُ، والأمرُ أمرُهُ، والمُلْكُ مُلْكُهُ، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ).

تَعلَّمُوا طلبَ رضوانِ اللهِ ورسولِهِ، وأنْ يكونَ المُقدَّمَ عندَكم على كلِّ رضا، وعلِّمُوا أهلَكم، وعلِّمُوا أولادَكم.. هذهِ مسؤوليَّتُكم. 

عندَكم أولادٌ يَترضَّوْنَ أصدقاءَ في الشَّر، أصدقاءَ معاونينَ على السوء، أصدقاءَ معاونينَ على عُقوقِ الوالدينِ، أصدقاءَ معاونينَ على الحِيَلِ والمَكرِ. وأولادُكم يَطلبُونَ رضاهم، ويترقّبون الفُرصةَ؛ يُغفِّل أبوهُ ويُغفِّل أُمُّهُ ويذهب معهم! في أوقاتٍ غيرِ لائقةٍ وفي أعمالٍ غيرِ رائقةٍ؛ لأنَّهُ أبوهُ ما علَّمَهُ طلبَ رضوانِ اللهِ، ما علَّمَهُ حقيقةَ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ).

صوم يوم عرفة وحال المسلمين مع العبادة

فوَجَبَ أن نَعرف قَدْرَ هذهِ العشيَّةِ وتَجلِّي ربِّ البريَّةِ جلَّ جلالُهُ، عَسَى لا تَغربُ شَمْسُها إلّا وقد غربَتْ ذُنوبُنا وآثارُ ذُنوبِنا، وغربَتْ كُروبُنا وكُروبُ أُمَّةِ النَّبيِّ محمدٍ. اللهُ يجعلُها من أبركِ العَشايا علينا.

ما أبركَ هذا اليومَ وما أعظمَهُ، لِأهلِ عرفةَ ولِجميعِ مَن آمنَ باللهِ في شرقِ الأرضِ وغربِها؛ فضلاً من فضلِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، وجوداً من جودِ اللهِ العظيمِ.

والكثيرُ منكم أيضاً لبَّى بِصيامِ هذا اليومِ وصُمْنا، واللهُ يَقْبَلُنا على ما فينا، وكان يقولُ ﷺ: "إنِّي أَحتسِبُ على اللهِ أنْ يُكفِّرَ ذُنوبَ السَّنةِ التي قبلَهُ والسَّنةِ التي بعدَهُ". 

وجاءَ في روايةٍ عندَ الإمامِ ابنِ ماجه وعند الطَّبرانيِّ، يقولُ ﷺ: "صيامُ يومِ عرفةَ يُكفِّرُ ذنوبَ سنتين أمامَهُ وسنةً خلفَهُ"؛ إنَّها ثلاثُ سنينَ، نعمةٌ من نِعَمِ اللهِ تبارك وتعالى.

اللهُ يَقْبَلُنا وإيّاكم ويُحقِّقُنا بِحقائقِ القبولِ عندَهُ، فإنَّ الصَّوْمَ إذا قامَ الإنسانُ بِحقِّهِ دائماً، وفي هذا اليومِ خُصوصاً، يقولُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إنَّهُ يومٌ مَن تَحفَّظَ فيهِ على سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ غفَرَ اللهُ لهُ". تَحفَّظَ على سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ولِسانِهِ في هذا اليومِ غفَرَ اللهُ لهُ، يقولُ ﷺ. 

وعَسَى قبولٌ لنا عندَ اللهِ ونكونُ حافَظْنا على الأسماعِ والأبصارِ وعلى الألْسُنِ؛ لا نَنْطِقُ إلّا بما يُرضِي ربَّنا، ولا نَنْظُرُ إلّا بما يُرضِي ربَّنا، ولا نَسْتَمِعُ إلّا إلى ما يُرضِي ربَّنا. (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ)، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ).

وهكذا قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "صَوْمُ يومِ عرفةَ بِصومِ سنةٍ"، وفي رواية: "بِصومِ سنتينِ"، وجاءَ في روايةٍ عندَ البيهقيِّ يقولُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "صيامُ يومِ عرفةَ بِصيامِ أَلْفِ يومٍ"، صيامِ أَلْفِ يومٍ، وجاءَ في روايةٍ بِصيامِ عشرة آلاف يوم! 

تقولُ السَّيِّدةُ عائشةُ، لَمَّا دخلَ عندَها مَسروقٌ ويَسألُ هل عندَهم من شرابٍ، قالَتْ: أوَلَسْتَ بِصائمٍ يا مَسروقُ وهذا يومُ عرفةَ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ أنْ يكونَ يومَ العيدِ. قالَتْ: ليسَ ذا، ليسَ ذاكَ. قالَتْ لهُ: إنَّما يومُ عرفةَ يومَ يُعرِّف الإمامُ، ويومُ الأضحى يومَ يُضحِّي الإمامُ.. تعمل لِنفسِكَ أنتَ مذهبٌ آخر مُستقِلٌّ؟! اليومُ الذي الإمامُ فيهِ يُعرِّف هو يومُ عرفةَ، والذي يُضحِّي فيهِ هو يومُ الأضحى، بلا وسواسٍ ولا شكٍّ ولا ريبٍ. أَمَا تَدْري يا مَسروقُ أَنّا كُنَّا نَعدله على عهدِ رسولِ اللهِ بِصيامِ عَشرةِ آلَافِ يومٍ؟ بِصيامِ عَشرةِ آلَافِ يومٍ، هذا اليومُ المُكرَّمُ! 

الأدب في البيوت والشوارع والأسواق

اللهُ يَقْبَلُنا وإيّاكم وتَظهَرُ آثارُ القبولِ علينا. وإذا أخذْتَ نصيبَكَ من المُتنزَّل في عرفات، اللَّيلة تَبِيت وأهل البيت كلُّهم مغفور لهم! وإذا أهلُ البيتِ مغفورٌ لهم، ما يَبقَى وسَطَ الدَّارِ مناظر غير لائقةٍ، ما يَبقَى وسَطَ الدَّارِ تفرُّجاتٌ على بلايا وآفاتٍ، ما يَبقَى وسَطَ الدَّارِ قطيعةٌ ولا عُقوقٌ، ولا وسَطَ الدَّارِ غفلةٌ عن اللهِ ولا تأخيرٌ لِصلاةِ الفجرِ ولا لِغيرِها من الفُرُوضِ.

وما مِيزَةُ بيوتِ المؤمنينَ إلّا بِذِكرِ الرَّحمنِ، وتلاوةِ القرآنِ، وإقامةِ الصَّلواتِ، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكرِ؛ لأنَّ كلَّ بيتٍ من بيوتِ المسلمينَ، كلَّ دارٍ من ديارِ المسلمينَ، محلُّ ثكْنَةٍ من ثكْنّاتِ المسلمينَ، من معسكراتِ المسلمينَ، من محلِّ التَّطبيقِ لِشرعِ اللهِ، والتَّطبيقِ لِوحْيِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، والتَّنفيذِ لِأوامرِ اللهِ على لِسانِ رسولِهِ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فَانْظُرْ بيتَكَ من أيِّ البيوتِ؟ إنَّ بعضَ البيوتِ يَتلالَى عليها النُّورُ وتَتنزَّلُ عليها الرَّحمةُ. وكان الشَّوَّافُ يَحلفُ على بيوتِ تَرِيمَ ومَن كان يَسكنُها، قالَ:

واللهِ ما فيها دار ** إلّا قد أملاه الله

من نور سادات الأبرار ** فالتُّرَبُ لي فيها صار 

إكسير يَقْلِب الأحجار  **فِضَّة بِدَحْق أهلِ الله

تَشرَّفَتْ دِيارُهُم ومَنازِلُهُم، وصغيرُهُم ارتَبطَ بِكبيرِهِم، وعوامُّهُم ارتَبَطُوا بِخواصِّهِم، وكانُوا على قلبِ رجلٍ واحدٍ؛ مع صُلحائِهِم ومع أوليائِهِم ومع كبارِهِم مُتداخلينَ، مُترابطينَ، فَيَلتحِقُ الصَّغيرُ بالكبيرِ، ويَلتحِقُ بالأوَّلِ الأخير؛ فضلاً من فضلِ اللهِ تبارك وتعالى.

حيثُ كانُوا يَقومُونَ على على هذهِ الوجهاتِ الصَّادقةِ، ويَتربَّوْنَ في الدِّيارِ، ويَتربَّوْنَ حتى خارجَ الدِّيارِ، شوارعُنا كانت فيها تذكيرٌ، شوارعُنا كانت فيها تنويرٌ، شوارعُنا كانت فيها إنابةٌ، شوارعُنا كانت فيها تلاوةٌ، شوارعُنا كانت فيها ذِكرٌ، شوارعُنا كانت فيها عِلمٌ، شوارعُنا فيها كانت إنابةٌ وخُشوعٌ؛ تجده حتى في الشَّوارعِ، كانت شوارعُ تَرِيمَ وشوارع خواص عبادِ اللهِ الصَّالحين في أماكنِهِم، كانت الشَّوارعُ تَعِجُّ بِنورِ الإنابةِ، بِنورِ الخشيةِ، بِنورِ التَّواضعِ، بِنورِ الأدبِ مع اللهِ، بِنورِ الذِّكرِ للهِ سُبحانَهُ وتعالى.

وكانُوا حتى أسواقُهُم، كان سيِّدُنا ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ أيامَ العَشرِ هذه يَعتنُونَ كلَّ يومٍ بالخروجِ إلى السُّوقِ؛ ما لهم حاجةٌ في السُّوقِ ولا يشترُونَ شيئاً ولا يبيعُونَ شيئاً، يشاهِدُونَ الأنعامَ ويُكبِّرُونَ ويَرجعُونَ، يَمْلَؤُونَ السُّوقَ تكبيراً ويَرجعُونَ. هذا شُغْلُهُم في السُّوقِ؛ يَخرجُونَ لِلسُّوقِ يَمْلَؤُونَهُ تكبيراً. 

وكانت هكذا، قالَ سيِّدُنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ: سُوقُ المسلمينَ كَمُصلَّى المُصلِّينَ. السُّوقُ كأنَّهُ مُصلَّى؛ الذِّكرُ فيهِ، التَّلاوةُ فيهِ، الأدبُ فيهِ، تطبيقُ الشَّرعِ فيهِ، الأمانةُ فيهِ، الإحسانُ فيهِ. هكذا كانت الأسواقُ.

والآنَ كيفَ صارَتْ؟ كيفَ صارَتْ أسواقُنا؟ كيفَ صارَتْ شوارعُنا؟ استَوْرَدْنا أخلاقَ مَن؟ ارتَضَيْنا خطَط مَن؟ تأثَّرْنا بِمَن؟ وتَسْتَفحِل يوماً بعدَ يومٍ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى.

ما عرَفُوا حتى يُوقفُونَ سيّاراتِهِم أو درّاجاتِهِم في الطَّريقِ، والحقّ سُبحانَهُ يَبْتَلِيهِم؛ ساعةَ تَعَبٍ في البِترولِ وتأخيرٍ، وساعةَ كذا وساعةَ كذا.

وأنتَ اتَّقِ اللهَ تعالى في مَركُوبِكَ هذا، واعرِفْ وين تُوقفُهُ؛ لا تُؤْذِ المارَّةَ، لا تُؤْذِ مَن يَمُرُّ معهُ مريضٌ، مَن يَمُرُّ معهُ وعدٌ من الوعودِ بِسببِ التَّوقيفِ الأعوجِ هذا أو في غيرِ محله.

أنت ستقضي حاجتَكَ ولا أنت مُبالٍ بالمسلمينَ؟! ما هكذا يكونُ الحالُ، ولا هكذا تكونُ الغفلاتُ، ولا هكذا يكونُ الانقيادُ وراءَ التُّرَّهاتِ والبطالاتِ، ووراءَ ما يَتنزَّلُ أو وراءَ ما يُلْقَى إليهم من قِبَلِ أعدائِهِم في الشَّرقِ والغربِ؛ أخلاقٌ مُخالفةٌ لِأخلاقِ النَّبيِّ محمدٍ ﷺ.

تنبيه عن منكرات الأفراح وترويع المؤمنين

وصلُوا إلى الزَّواجاتِ عِندَنا، وكانت الزَّواجاتُ من أوَّلِها إلى آخرِها: ذِكر ورحمة، لِلرِّجالِ ولِلنِّساءِ. 

إنْ عمِلُوا الشَّرْحَ وإنْ عمِلُوا الزَّفِينَ، مَربوطٌ ليس فيهِ حركاتٌ مُخلَّةٌ بالمروءةِ، ليس فيهِ حركاتٌ خارجةٌ عن الآدابِ، ليس فيهِ ألفاظٌ نابيةٌ ولا ألفاظٌ ساقطةٌ وهابطةٌ؛ من أوَّلِ الزَّواجِ إلى آخرِهِ، الرِّجالُ والنِّساءُ.

وكيفَ صارَ الحالُ؟ صارَ الحالُ الآن طرأَتْ على النَّاسِ طوارئ، واجب عليهم يُعْمِلُونَ أفكارَهُم وعُقولَهُم فيها، وإلّا وقعُوا في بَليَّةِ: (كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ)! قَوْمٌ قبلَنا لُعِنُوا بِسببِ ذلكَ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ).

مِن أين جاءت الحركاتُ الغيرُ اللّائقةِ هذهِ؟ ويجعلون أوَّلَ الجِلْسةِ تمضي بِمَن فيها مِمَّن يُستحيَا منهم من الكِبارِ، عملوا جِلْسةً ثانيةً وبدأَتِ الخربطة، وعند بعضهم تكون معهُ جِلْسةٌ ثالثةٌ ليلةَ زواجه، ويُلقى فيها من الكلامِ السَّاقطِ الخبيثِ والحركاتِ الخبيثةِ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى!

وتَعلَّمُوا أشياء، صارُوا حتى بالخروجِ عن الإنسانيَّةِ وشَرَفِها، فضلاً عن الدِّينِ، فضلاً عن السُّنَّةِ. يُوقِعُونَ الروع والرُّعْب حتى في قلوبِ المُتزوِّجِ نفسِهِ في ليلةِ زِفافِهِ؛ وهذا يَتَقدَّمُ بالسيَّارةِ وهذا يُعدُّ له "تفحيطًا"، وهذا يأتي بكذا.

مِن أين جاؤوا بهذه الأخلاقَ؟ مِن أين جاؤوا بهذه؟ قلَّدُوا مَن واتَّبَعُوا مَن؟ ما لهم ميزانٌ؟ ما لهم ميزانٌ يَوْزِنُونَ بهِ أُمورَهُم؟ ميزانٌ من عندِ اللهِ ومن عندِ رسولِهِ! ورسولُهُ ﷺ يقولُ: "مَن رَوَّعَ مُؤْمِناً لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"، مُجرَّدُ ترويعِ المؤمن! ترويعِ المؤمنِ ما تأمُّنِ الرَّوعةِ.

كان يقول خِيارُ الأُمَّةِ: لو خَبأتَ متاعَ صاحبِكَ يَظُنُّ أنَّهُ سُرِقَ عليهِ أو خابَ فقد وقَعْتَ في التَّرويعِ، وقَعْتَ! فيجيء يقولُ: أين؟ مَن أخذ حقي من هنا؟ يَظُنُّ أحداً سَرقَهُ؛ قالَ: هذا هو نوعٌ من التَّرويعِ، يَخافُ أنْ لا يُؤمِّنَكَ اللهُ يومَ القيامةِ. 

فكيفَ بأنواعِ التَّرويعاتِ هذهِ التي تَحصُلُ؟ يَصِلُ بهم الحد أنْ كان بَلغَنا، إنْ كان هذا يَصِحُّ عن أحدٍ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى، يَرْمُونَ أشياءَ في غُرَفِ الزِّفافِ لِلزَّوجِ والزَّوجةِ، والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى، وأشياءَ غريبةً خارجةً عن الإنسانيَّةِ فضلاً عن الشَّريعةِ فضلاً عن الدِّينِ، والعياذُ باللهِ تعالى!

وقد رأينا بعضَ الصَّالحينَ والأخيارِ عندَهُ مهارةٌ، يُتقِن قيادةَ السيَّارةِ ولكنْ يَتجنَّبُها. لماذا يَتجنَّبُها؟ قالَ: أحياناً أُضْطَرُّ إلى استعمالِ آلةِ التَّنبيهِ هذهِ (الهون)، فَيَتَروَّعُ أحدٌ قريبٌ منِّي وأكونُ رَوَّعْتُ مُسْلِماً! اترك غيرِي يَسُوقُ أحسنَ.

وكان عُقلاؤُهُم إذا يَمشي ووجَد أحداً في الطَّريقِ يَقِفُ، يظل واقِف ولا يَضرِبُ الآلةَ المُنَبِّهةَ حتى يَمُرَّ هذا من الشَّارعِ، الغافلِ، قال: إذا أنا نَبَّهْتُهُ وأنا قريبٌ منهُ سيَنْزَعِج! سيَقَعْ عليَّ ترويعُ مسلمٍ، لا يجوزُ ترويعُ المسلمِ حتى بهذا.

فكيفَ ترويعُهُ بهذهِ الأخلاقِ السُّفليَّةِ، التي جاءَتْ من عندِ الفَسَقَةِ ومن عندِ الكَفَرَةِ وشبابُنا وراها؟! انقَطَعُوا عن سَماعِ كلامِ اللهِ، وسَطَ البلادِ عايشينَ، لا يَحضرُونَ مجالسَ الخيرِ، لا يَحضرُونَ مجالسَ العِلمِ، لا يَحضرُونَ مجالسَ التَّذكيرِ. وأذهانُهُم مُؤثَّرةٌ بهذا الذي ينظرون إليه، في هذهِ الجوّالاتِ وفي هذهِ الشَّاشاتِ المُلَطَّخةِ؛ فجاءَتْ هذهِ الأخلاقُ؛ وغَزَتْ بلدانَنا وغَزَتْ أراضِينا. 

اللهُ يُطهِّرُ بلادَنا منها ومن شَرِّها ومن أذاها، ويَحفظُ علينا سِرَّ السِّيرةِ؛ سِرَّ السِّيرةِ ونورَ البصيرةِ وصفاءَ السَّريرةِ، والاقتداءَ والاهتداءَ بِنَهْجِ الصَّالحينَ.

تريم الأبرار والأخيار

وقد كانْ السيِّد محمد بن عبدِ المَوْلَى عليهِ رحمة اللهِ تبارك وتعالى، لَقِيَ ناساً ورَدُوا من السَّفرِ، وهو يعرف أنَّهُم وصَلُوا إلى تَرِيمَ من قبلِ الأيامِ، من قبلَ مُدَّةٍ، لَمَّا لَقِيَهُم قالَ: ما شاءَ اللهُ، مرحباً، متى وصَلْتُم؟ قالُوا: لنا مُدَّةٌ في تَرِيمَ. قالَ: أبداً، ما لكم مُدَّةٌ في تَرِيمَ. قالُوا: كيفَ ما لنا مُدَّةٌ في تَرِيمَ؟ نحن لنا كذا. قالَ: أبداً، يمكن اليومِ وصَلْتُم؟ قالُوا: لا، لا، وصَلْنا منذ أيام. قالَ: اسمعُوا، اعلموا أن الذي ما يَحضرُ المدارسَ عندَنا وموالدَنا ومساجدَنا ما نَعُدُّهُ في تَرِيمَ! ما رأيتكم لا في مَدرَسٍ ولا في مَجلسٍ، ما أنتم في تَرِيمَ ولا تَعُدُّونَ نَفْسَكم في تَرِيمَ، إلّا إنْ حضَرْتُم هذه المجالسَ أنتم في تَرِيمَ. 

وتَدَّعِي أنَّكَ في تَرِيمَ وأنتَ في غفلتكَ؟! مَجلسُ الخيرِ بِجنبِكَ وتَتْرُكُهُ؟ والمَوْلِدُ جنبَكَ وتُعْرِضُ عنهُ وتَرُوحُ وراءَ الغفلةِ وتَقُولُ أنا في تَرِيمَ؟! أنتَ في تَرِيمَ الغفلةِ، ما أنتَ في تَرِيمَ الفقيهِ المُقدَّمِ، ما أنتَ في تَرِيمَ الأبرارِ، ما أنتَ في تَرِيمَ الأخيارِ، ما أنتَ في تَرِيمَ الخاشعينَ الخاضعينَ الصَّادقينَ!

تَرِيمُهُم إنابةٌ، تَرِيمُهُم أدبٌ، وتَرِيمُهُم خشيةٌ من اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، وعَملٌ بِشرعِ اللهِ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ.

مسؤولية التربية

فهكذا يجبُ نَرْعَى حُرُماتِ اللهِ، ونَرْعَى حقوقِ اللهِ في أنفُسِنا، في أهالِينا، في أُسَرِنا، في عاداتِنا. 

وقد خَلَّفَ لنا الأكابرُ وأهلُ النُّورِ الأفاضلُ المُقرَّبُونَ عاداتٍ مبنيَّةً على السُّنَّةِ والاقتداءِ والاهتداءِ؛ لماذا نَتغافَلُ عنها؟ لماذا نُعْرِضُ عنها؟ لماذا نَستبدِلُ بها بِعاداتِ فُسَّاقٍ، عاداتِ بعيدينَ عن الخَلّاقِ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى؟! 

يجبُ علينا نَنتبِهُ من بعضِنا البعضِ ونَأخذُ بأيدي بعضِنا البعضِ، قالَ ربِّي تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

وإذا رحِمَهُم الله؛ لن يقْدِر يُهدِّدُهُم شرقيٌّ ولا غربيٌّ، ولكنْ هذا الظُّلَمُ وهذهِ الشُّرورُ المُنْتَشِرَةُ بِسببِ الغفلةِ، بِسببِ البُعدِ، بِسببِ بِسببِ التَّرْكِ لِأوامرِ اللهِ، بِسببِ الارتكابِ لِمَا حرَّمَ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى، ولِمَا نَهانا عنهُ في أنفُسِنا وأهالِينا وأولادِنا. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ)، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)، لن يَكُونُ قُرَّةَ العَينِ إلّا إذا تَرَبَّى، وإلّا إذا ارتَبَطَ، وإلّا إذا انضَبَطَ، وإلّا إذا اقتَدَى، وإلّا إذا اهتَدَى.

تكبير العيد والتعاون في الأضاحي

وتُواجِهُكُم اللَّيلةَ ليلةُ التَّكبيرِ المُرْسَلِ هذا؛ أمّا هذا التَّكبيرِ المُقيَّدِ قد بَدَأْتُم فيهِ من فجرِ اليومِ، وجاءَ في روايةِ الدَّيلميِّ عن سيِّدِنا عليٍّ يقول له ﷺ: "كَبِّرْ من صلاةِ الغَداةِ في يومِ في يومِ عرفةَ إلى آخِرِ يومٍ من أيامِ التَّشريقِ". فهذا التَّكبيرُ المُقيَّدُ بالصَّلواتِ، بعدَ كلِّ صلاةِ فرضٍ أو نفلٍ، أو فرضِ كفايةٍ مثل صلاةِ الجنازةِ، يُكبِّرُونَ هذا التَّكبيرَ، ولكنَّ المُرْسَلَ من المغربِ إلى وقتِ الإحرامِ بِصلاةِ العيدِ، فهذا وقتُ تكبيرٍ مُرْسَلٍ.

وتَأْتِيكُمُ الأُضْحِيَّةُ لِمَن قدَرَ عليها، وكلُّ مَن قدَرَ عليها. 

ويَأْتِيكُم تفَقُّدُ المُحتاجينَ، وجزى اللهُ خيراً إخوانَنا من الذينَ يَتبرَّعُونَ بِتقسيمِ الأضاحي وتوزيعِها، وجزى اللهُ خيراً الذين تنبَّهُوا منهم، يتمّ التَّنسيقُ بينَهم حتى لا تَبْقَى ناسٌ محرومُونَ وغيرُ مَأْبُوهٍ لهم وغيرُ واصلٍ إليهم شيءٌ، ويَعُمَّ توزيعُ جَميعِ البيوتِ المُحتاجةِ وجَميعِ المُحتاجينَ، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

وهكذا إنَّما يُصلِحُنا صِدقُنا مع اللهِ وتَعاوُنُنا على مَرضاتِهِ. وهؤلاءِ إخوانُنا شبابُنا الذين يُنظِّمُوا المجالسَ أو يُنظِّمُوا مُرورَ السيّاراتِ وترتيبَها جزاهم اللهُ خيراً، وعلى كُلٍّ يُخلِصُ لِوجهِ اللهِ ويَنْصَحُ المسلمينَ ويَتخلَّقُ بالأخلاقِ الفاضلةِ، ويُبشِرُ بالخيرِ من اللهِ. 

ولا سيُصلِحُكم ولا يُصلِحُ بلدانَكم ولا أوضاعَكم شرقيٌّ ولا غربيٌّ، إلّا إذا توجَّهْتُم لِربِّ المشارقِ والمغاربِ واتَّبَعْتُمُ الحبيبَ صلى الله عليه وسلم سيأتي لكم خيرُ اللهِ: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

مرجعيتنا في العيد

وكُنْ في يومِ العيدِ بعيداً عن الذُّنوبِ، بعيداً عن المعاصي، لا دُخُولٌ على الأجنبيّاتِ؛ خُذْ فيها فَتْوَى من نبيِّكَ محمد: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ"، قالُوا: يا رسولَ اللهِ، أفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ (أقاربَ الزَّوجِ)، قالَ: "الحَمْوُ المَوْتُ"، الحَمْوُ المَوْتُ! تَموتُ خيرٌ لها من أنْ تَظهَرَ على أخِ زوجِها أو عمِّ زوجِها غيرِ مَحْرَمٍ لها، وكيفَ إذا كانت أيضاً مُتزيِّنةً يومَ العيدِ؟ ويُصافِحُها كذلكَ؟! من أين أتوا بهذهِ الأخلاقَ؟ ما لهم مُقْتَدَى يَقتدُونَ بهِ؟ ما لهم مَرْجِعٌ يَرْجِعونِ إليهِ؟ ما لهم أوامر جاءَتْ من فَوْقُ؟! وبلَّغَها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.

اللهُ يُصلِحُ القلوبَ، اللهُ يَرْزُقُنا الاقتداءَ والاهتداءَ والاتِّباعَ والاستقامةَ على ما يُرْضِيهِ عنّا، ونَظْفَرُ بالخيرِ الكبيرِ إنْ شاءَ اللهُ، ويكونُ يوماً من أبركِ الأيامِ ولَيالٍ من أبركِ اللَّيالي. 

ختام الكلمة

الأيامُ المَعلوماتُ هذهِ أواخِرُها وستَدْخُلُ عليكُمُ الأيامُ المَعدوداتُ، وكلُّها مأمورينَ بالذِّكرِ فيها: (وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ)، (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وهكذا.

اللهمَّ أَعِنّا على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ، الله يجعلُهُ جمْعاً مقبولاً، وما تَنزَّلَ على القلوب الصافية مِن قبلنا يَتكرَّم الرَّحمن بِه علينا، وتَعُودُ العَوائدُ إلى دِيارِنا وإلى أهالِينا وبلدانِنا، والمسلمينَ في المشارقِ والمغاربِ، ويَرفَعُ اللهُ البلاءَ والظُّلمَ والآفاتِ والعاهاتِ والبَغْضاءَ والشَّحْناءَ وجميعَ ما يُغْضِبُ الرَّبَّ جلَّ جلالُهُ، ويرزُقْنا التَّعاوُنَ على على البِرِّ والتَّقْوَى والتَّواصِي بالحقِّ والصَّبرِ، بالاجتماعِ على ما يُحبُّهُ منّا ويَرْضَى بهِ عنّا، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

تاريخ النشر الهجري

18 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية