(636)
(368)
(480)
(170)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير (الإحدى عشرية)، في مسجد الحبيب أحمد بن محمد المحضار، في القويرة، وادي دوعن، ليلة الثلاثاء 11 ذو القعدة 1447هـ بعنوان:
حكمة ما أظهر الملك الديان من أسرار إرادته خصوصاً في المكلفين وما يترتب عليها من رفع وخفض وسعادة وشقاوة
يا الله بها يا الله بها يا الله بِحُسن الخاتمة، وحُسن الخاتمة قائمٌ ومربوطٌ بِحُسن السابقة، والسوابق عليها كلُّ الأعمال تُختَم، والسوابق إراداتُ الخالق الذي خَلَق، وسيَّر بها جميع الخلائق على ما أراد جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
وأخبرنا عن أسرار الإرادة، وأنَّ من أعظمها وأجلِّها ما أراد الإبقاء من حضرته تعالى لأرواح بني آدم والجنِّ والملائكة أبدَ الآبدين، وذلك مع تطوُّرهم وتنقُّلهم في المراحل، ومع ما أراد من عيش أرواح المُكلَّفين مدةً مؤقَّتةً في عالم الأجساد، في أجسادها في عالم الدنيا، بعد تكوين تلك الأجساد من نُطَفٍ إلى علقٍ إلى مُضَغٍ إلى عظامٍ، ثم يكسو العظامُ لحمًا، ثم يَنفَخ فيها الروح الذي يتأبَّد ويبقى، وكان موجودًا قبل وجود الجسد بإيجاده جلَّ جلالُه، ثم يبقى بإبقائه.
ولكن لا يستمر مربوطًا بهذا الجسد داخلًا فيه إلا مُدةً مُعينةً مضبوطةً بدقائقها وأنفاسها ولحظاتها، لا يزيد فيها نَفَسٌ ولا ينقص منها نَفَس، ثم يكون الخروج إلى البرزخ، ثم يكون الجمع في يوم الجمع الأكبر للأولين والآخرين.
ثم كان في إرادته هذا الحُكم الكبير الخطير المُتعلق بالمكلَّفين، وهو الدوام والبقاء والخلود، إما في الجنة وإما في النار (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) يقول جلَّ جلالُه، يوم يأتي ذاك اليوم: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ).
والسُّعداء أهل الجنة ينقسمون إلى القسمين: قسم المُقرّبين السابقين، وقسم مَن دونهم من أصحاب اليمين.
وقال سبحانه وتعالى عن هذا التقسيم: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)، لا يقدر أحدٌ يؤخِّرها، لا يقدر أحدٌ يؤخّر شيئًا مما فيها، (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)، ما تصنع بالمكلَّفين؟ قال: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ)، تخفض هذا وترفع هذا.
فمن ذا الذي يُرفَع في القيامة؟ مَن شاء الرافعُ الخافضُ أن يرفعه في الدنيا بالإيمان واليقين والقرب منه؛ هو الذي يُرفَع في ذاك اليوم.
ومن شاء الرافعُ الخافضُ أن يخفضه في الدنيا بكفرٍ أو بمعاصٍ وسيئاتٍ وذنوبٍ ومخالفةٍ للشرع؛ فهو الذي يُخفَض في ذلك اليوم.
إذن فالرفع والخفض يجب أن لا يغترّ به المؤمن العاقل في مظاهر الصور القصيرة المنتهية في هذا العالم، "وإنَّ الرجلَ ليُنشَر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب وهو ما يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضة"، و "لا تقولوا للمنافق سيّدًا، فإنه إن يكُ سيّدَكم فقد أسخطتُم ربكم" جلَّ جلالُه، أي: لا رفعة له.
وإن ساد في عالم الدنيا بحُكمٍ وسلطةٍ، أو بجاهٍ وشهرةٍ، أو بمالٍ وثروةٍ، هذا ليس بسيد، لأنَّ حقيقة السيادة لأهل التقوى وأهل الإيمان.
ومَن يُرفَع في يوم يوضع الميزان؟ (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)، اللهم اجعلنا منهم وأهلينا وأولادنا، (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)، اللهم أجِرنا منها، اللهم أجِرنا منها، اللهم أجِرنا منها.
أنبأنا اللهُ عن أسرار هذه الإرادة منه على ألسُن أنبيائه، فأرسلهم مُبشرين ومُنذرين (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وأنبأنا الله عن سرِّ هذه الإرادة الكبيرة، وأعطانا سبحانه وتعالى مفاتيحَ ومسالكَ ومعالمَ السعادة والنعيم المؤبَّد، ومفاتيحَ ومعالمَ وأسبابَ الشقاء والنيران الموقَدة.
فبذلك كان الرُّسُلُ مُبشرين ومنذرين، يقولون سبب السعادة: الإيمان والعمل الصالح، والصِّفات المَرضيَّة للرب.
فإن طلبتَ السعادة في غيرها فما أشقاك، تطلبها من غير محلّها، تطلبها من غير ما وضعها الواضعُ الخالقُ جلَّ جلالُه.
وإنَّ الشقاء كلَّ الشقاء في الكفر والمعصية والفسوق، والمخالفة لأمر الله عز وجل.
فمهما أردتَ الهوان والذلَّ والخِزي ففي المعاصي وفي الذنوب، في الخروج عن الشرع، في قطيعة الأرحام، في عقوق الوالدين، في الكذب، في الغيبة، في أخذ حقّ الغير.
"من استحلَّ مال أخيه المسلم أكبَّهُ اللهُ في النار"، "ومن حلف على يمينٍ يستحلّ بها مال مسلمٍ لا يحقُّ له، أدخله اللهُ النار". قالوا: يا رسول الله، ولو كان يسيرًا؟ قال: "ولو كان قضيبًا من أراك"، لو كان قضيبًا من أراكٍ من غير حقٍّ يحلف عليه ويأخذه على صاحبه، النار أمامك جزاء هذا!
هذا مما كشف اللهُ لنا من أسرار إرادته، وجعل حقوق الخلائق صعبة، لا سبيل للمغفرة فيها إلا أن يعفوَ صاحبُ الحق، وأنزل اللهُ هذا العبدَ المخلوقَ هذا المنزل وقال: "مَن ظلمك فأنا معك"، ولا يمكن يسامَح في ذرةٍ من ظلمه إياك حتى تسامحه أنت، وهو القائل جلَّ جلالُه: "أنا المظلوم إن لم أنتقم مِن الظالم للمظلوم، أنا الواحد الملك العدل".
يُنادي مُناديه في القيامة: الذي لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده مظلمةٌ لأحدٍ من أهل النار حتى اللطمة فما فوقها، حتى آخذها منه! ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار، وعنده مظلمة لأحدٍ من أهل الجنة حتى اللطمة فما فوقها حتى آخذها منه.
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) يقول جلَّ جلالُه.
وبعد كشف أسرار هذه الإرادة، لا سبيل للمرء أن يقول: ما علمتُ أو ما دريتُ! (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ).
مظهرٌ من مظاهر الخفض والهوان والخزي في القيامة: (تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ)!
يا أيها الحضور في هذه الحضرة المنوَّرة المباركة، النورانية الرحمانية الربانية، المحمدية الأحمدية، القرآنية السُنِّيَّة السَنِيَّة، عنايتهُ ساقتكم حتى حضرتم، وتوفيقُه جلَّ جلالُه أحضركم إلى هذه المواطن وفي هذه المناسبة الكريمة، التي تتعلق من أسرار الإرادات التي كشفها اللهُ لنا بواجباتٍ ومهماتٍ علينا في هذه الدنيا، نطلب بها حقائقَ الرفعة عند العلي الأعلى.
الذي أيقنَّا أنه لا يَرفع عنده من أراد العلوَّ في الأرض ولا من أراد الفساد.. (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا).
والذين يريدون العلوَّ والسطو بالجبروت والكبرياء، ويتباهون كما تسمعونهم بالأسلحة الفتاكة والأسلحة النووية والقنابل الذرية والهيدروجينية، ويحبون أن لا يشاركهم أحدٌ فيها، يقول: حقٌّ لنا وحدنا.. يريدون علوًّا في الأرض، لا نصيب لهم في الآخرة، وكفى بذلك خزيًا وهوانًا وذلّة.
(فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
(نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ)، أما الذين يريدون العلوَّ في الأرض فشأنهم الهون يوم القيامة، (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ).
والاستكبار بغير الحق: تجد من يستكبر بالكفر، ومن يستكبر بالإلحاد، ومن يستكبر بالفجور والفواحش، ومن يستكبر بالشهوات! تستكبر بماذا يا أبله يا بليد؟! يا من نسيتَ خلقك وبدايتك ونسيتَ نهايتك، يا غافلًا عن إلهك الذي خلقك! بمَ تستكبر؟ (تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ)، وينادون إلى الفسق، ويدعون إلى الفسق، ويتظاهرون بالفسق، ويُقنِّنون للفسق في أنظمتهم، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ).
فلهم الخزي الذي يحذر منه الأنبياء، وهم أعزُّ الخلق على الله في الدنيا ويوم القيامة.
يقول الخليل إبراهيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، ويقول الله لحبيبه: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، اللهم اجعلنا معه.
(يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
ونحن نقول بقولهم، وقولوا لربكم: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وهذا السؤال في هذه المحال طيِّبٌ وحَسَنٌ ومتناسبٌ ومتوافق، أنتم في حضرات من كان يقول الحبيب أحمد للحبيب علي الحبشي: أربعون سنة وأنا أقرأ ختمةً في الليل وختمةً في النهار.. انظر في السنة كم؟ كلَّ يوم ختمتين، وثلاثمائة يوم في السنة عندك، بستمائة، والكسور فوقها، والخمسين التي تتحول إلى مائة، فوق الستمائة إلى سبعمائة! والسنة الثانية سبعمائة، والعشر السنين كم؟ سبعة آلاف، والعشر التي بعدها سبعة آلاف! النور إذا ما كان هنا، أين سيكون النور؟
"مسقط النور يا حامد وقع في القويرة"، قبره وحده قرأ فيه سبعة آلاف ختمة، وهذا أربعون سنة، وكلَّ يوم ختمة في الليل وختمة في النهار، ختمة في الليل وختمة في النهار، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
ومن أين جاء بهذا؟ مواريثُ وأسرارٌ، لما أبرز الجبار أسرارَ الإرادة على ألسُن الأنبياء والمرسلين، هيَّأ قلوبًا لأن تفقَه وتتنبّه وتتوجّه، فتصدُق في الإقبال على ربها جلَّ جلالُه، وتحاسب نفسها بأحسن المحاسبة قبل يوم الحساب، فهم الذين يتعرضون لأحد أمرين: إما حسابٍ يسير، وإما دخولٍ إلى الجنة بغير حساب.
ولكن من لم يستجب لنداء الله ولم يحاسب، ولم يحاسب نفسه، ولم يراقب نفسه، ولم يعاتب نفسه، فالحساب أمامه، والحسابُ العسير مَن يخرج منه؟ "مَن نوقش الحساب عُذِّب"، "مَن نوقش الحساب عُذِّب"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
تمَّت المناسبة في هذه الليلة والحضرة، مناسبةُ مجيء منصب الشيخ أبي بكر بن سالم، في أول قيامه بهذه المهمة الاستخلافية النبوية، النورانية القرآنية السُّنّية، العلوية الفَقيهية السقّافية المحضارية العيدروسية الحبشية، التي اجتمَعت فيها أسرار الوراثة للحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان باعُ فخر الوجود طويل في إرث الرسول الجليل، بسوابق من الخالق التي لا تكون الخواتِم إلا عليها.
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ)، (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا)، يعني عن النار، (مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا).
فما أعجب كرامتهم في يوم القيامة! (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).
ما معنى (يَوْمُكُمُ)؟ يوم تكريمكم، يوم تجلِّي الرحمن بالرضا لكم وعنكم، يوم كشفه لِما خَبَأ لكم من نعيمٍ لا يحصى ولا يُحدُّ، دائمٍ مؤبَّد، (هَٰذَا يَوْمُكُمُ)، يوم شرفكم وعزكم.
(هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، يوم المقرَّبين، كما قال في الآية الأخرى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا) -ضيافة- (مِنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ)، (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
بعد الإيمان واليقين والتحقُّق بما قال الرب؛ أيقَنَ كُل من ثبت الإيمان في قلبه مِن أتباع الأنبياء إلى أن جاء سيدهم، فأول مَن صدق في اتّباعه مِن مثل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قرَّ في قلوبهم أن لا شرف ولا عزّة فيما يتباهى به الناس، ولا فيما يسيرون خلفه ويلهثون من السلطات، ولا من الثروات، ولا من المظاهر الفارغات، وأنَّ العز كلَّ العز في التقوى والصدق والصلاح.
وأنه لله في حكمته وإرادته لمن أراد أن يُعزَّهم، من جملة الشؤون الواسعة شأنين حدثنا عنها في كتابه وعلى لسان رسوله:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)!
فإن ذهب بظنّك أنَّ أرباب السلطة الصورية المحدودة الفانية هم الذين يرثون الأرض؛ فقد شططتَ بعيدًا عن ميزان الحق وعمّا أنزل الحق.
الصالحون على ظهر الأرض هم وارثو الأرض، لهم حقائق الشرف والعزّة، وأعلى ما يُكتسَب في الأرض من إيمانٍ ومن يقينٍ ومن قربٍ من الرحمن، ومن اعتلاء درجاتٍ عندهم وحدهم، كل ما يترتب عليه الرفع في يوم القيامة الرافعة الخافضة عندهم.
فمن الذي وَرِث الأرض؟ وَرِث الأرضَ من اكتسب فيها المآثم؟ ويخرج أحقرَ ما يكون، ويُبعَث أهوى وأخزى ما يكون، هذا وَرِث الأرض؟! هذا أخذ بلاء الأرض، شرَّ الأرض، فساد الأرض، سوء الأرض، ما يوجب الخزي يوم العرض.
من يرثون الأرض؟ وَرَثة الأرض من يخرج من على ظهر الأرض مُعزَّزًا مكرَّمًا، موفَّقًا منعَّمًا، مَرضيًّا عنه من قِبَل الرب، هذا وَرِث الأرض (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
ومع ذلك فلهم من أسرار اللُّطف الربّاني والتّمكين ما يجعل لهم راياتٍ تنتشر في المشارق والمغارب، هي راياتُ النبيين وخواصِّ أتباعهم، كلما حاربها المحاربون من أهل الشرق والغرب باؤوا بالفشل والخزي فوق الخزي!
وربما قَتَلوا، وربما حَبَسوا، وربما ضَرَبوا، وربما ظَلَموا، ولكن لا عاقبة لهؤلاء الظالمين ولا للقاتلين ولا للغاصبين (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
انظر، هذه الرايات التي نتحدث عنها ونحن تحت ظلالها في هذا الموقف وهذا الاجتماع، من أيام آدم ورفعتها قائمة وشرفها قائم، وعلى مرور الأنبياء حتى جاء سيد الأنبياء، وتمَّت النعمة (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ).
ومظاهر هذه النعمة والشرف والكرامة، أين هي؟ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).. هذا أمرٌ.
فهم أمام اختبارين: اختبارٌ أمام من يُظهِرهم بتقوى أو صلاحٍ أو علمٍ أو إرث من مواريث النبوة؛ فيجب احترامهم لذلك، ويجب توقيرهم لذلك.
بمجرد أن يشيب في الإسلام شيبة يصير توقيره من إجلال الله، "إنَّ من إجلال الله" -يقول نبينا ﷺ- "توقيرَ ذي الشيبة المسلم"، وهذا بمجرد شيبته في الإسلام، يصير توقيره من إجلال الله، وكيف بمن نشأ في الإسلام على تقوى وعلى علمٍ وعلى إنابةٍ وعلى صلاحٍ وإصلاحٍ بين عباد الله جلَّ جلالُه؟ "وخير الناس أنفعهم للناس"، في ميزان سيد الناس وربِّ الناس جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
إذن فشؤونهم لها ظهورٌ وبروزٌ في العالم الدنياوي، ويُخفي اللهُ من يُخفي منهم، والحقائق كلها تظهر يوم لقاء الخالق، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ)، (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
هذا الذي له المُلك ذاك اليوم الذي نحن بين يديه، والذي نرتجي بحضورنا إلى هذه المواطن، نظرة منه ورحمة منه، ولطفٌ منه ومغفرةٌ منه وجُودٌ منه جلَّ جلالُه وتعالى في علاه، (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
في هذه المعاني ما يقول الحبيب مصطفى عليه رحمة الله تبارك وتعالى، عند مجيء جد هذا، الحبيب أحمد بن علي، بعد تنصيبه، وكان صغيرَ السن في 14 سنة، تولَّى المنصب وهو ابن 10 سنين، في 14 خرج إلى دوعن، وجاء، وصل إلى هذه الأماكن، وكانت الاستقبالات وكانت هذه المظاهر، التي لا يريد أصحابها علوًّا في الأرض ولا فسادًا، من أولها إلى آخرها قائمة على التقوى في السرِّ والنجوى، ومخافة الذي لا تخفى عليه خافية، وطلب القرب منه جلَّ جلالُه، والخشية من عقابه وغضبه وسخطه، هي قائمة على هذا الأساس، بل وفوق هذا الأساس صباغة نبوية وعناية ربانية رحمانية، برزت في أصفياء بعد أصفياء بعد أصفياء.
يقول الحبيب مصطفى عليه رحمة الله في رسالة أرسلها مع الوالد إلى الجد سالم، وقد حضر الوالد معهم هنا، يقول: وأنا أحزر قد دخل جدُّه أحمد بن سالم مرتين إلى دوعن، وأحزر ولده علي بن أحمد دخل مرتين إلى دوعن، كل مرة من مرّاتهم أكبر من التي قبلها، واليوم هذا الولد جاء وهي أكبر من المرات السابقة كلها، والذي يظهر أن المقام يتجدد، لهذا السر، سرِّ أنه موصول بفوق، سرِّ أنه قائمٌ على نظر نبوة.
ما من جيوشٍ تُجيَّش له، ولا خططٍ من هنا، ولا حِيَلٍ ولا مكرٍ، خلُّوه لهم، وليتحيَّلوا ما شاؤوا، ولكن من يتحيَّل اللهُ له ما تطيقه حيلة، ولا تناله حيلةُ المخلوقين إذا الله تولَّى الدفاعَ عنه وتولَّى عنايته سبحانه وتعالى.
"لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من ناواهم، حتى يأتيَ أمرُ الله وهم ظاهرون"، "يحمل هذا العلمَ من كل خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين".
ويقول في تلك الأيام: "ما أظنُّ أحد من آل دوعن ما رآهم، من قدّامهم أو وراهم"، وكم من إنسانٍ ما له نية ولا قصد، ما درى بنفسه إلا حاضر في الموكب ومع أهل الموكب.
وأسماء الصالحين تُردَّد بالتوسل إلى رب العالمين جلَّ جلالُه، على قدم التوحيد الذي جاء به النبي محمد ﷺ، الذي لا يمكن أن يخرج عنه توسُّلٌ وهو الثابت في سنته والثابت في الوحي الذي أُوحِيَ إليه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)، قال الأنبياءَ الذين ادَّعى المشركون من أتباعهم ربوبيتَهم، قال: ما كانوا يدَّعون ربوبية، وكانوا عبادي يتوسَّلون إلى الله بالأقرب منه، (يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)، هذا وصفِ الأنبياء ومسلكهم.
من أين يأتيه الشرك هذا؟ كيف يدخل إليه الشرك؟ هدي الأنبياء صلوات الله عليهم، وجاء سيدهم ﷺ ويتوسل إلى الله بالأنبياء الذين من قبله، ويتوسل إلى الله بذاته الكريمة، ويعلِّم التوسل، فكيف يكون أمرٌ يعلِّمه زينُ الوجود فيه شائبة شرك؟ هذا يمكن؟ يدخل في عقل من؟
يأتي إليه الأعمى الذي ذهب بصره متوسلًا به إلى الله، يريد أن يدعوَ له، لكن النبي ﷺ علَّمه أسلوبًا آخر في التوسل، قال: أنت اذهب بنفسك، توسَّل وادعُ ربك بي! الحديث صحيحٌ عند أرباب السنن، الترمذي وغيره.. يقول عثمان بن حُنيف: "كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجلٌ أعمى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جئتُ إليك لتدعوَ لي ربي يردَّ عليَّ بصري".
وأمره غريب أيضًا، تلك الأيام ماحد يعتاد عمليات يرد البصر بها، ولا تنقيش في العيون، ولا بالليزر ولا بالليزك ولا بالجراحة.. لا أحد يعمل، ولكن الرجل بقوة إيمانه ودينه قال: الله قادرٌ على شيء، وهذا حبيبه، اذهب عنده يردُّ بصري، على خلاف العادة، على خلاف السنة المعروفة في الناس.
"ادع الله يرد لي بصري"، يقول له النبي ﷺ: "إن شئتَ صبرتَ ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ لك". قال: يا رسول الله، الجنة جزاءٌ جميل، ولكن أريد الجنة وادع لي، أريد البصر.
فعلَّمه الأسلوب الثاني، قال له: "قم، تَوضَّأ وصلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة" ﷺ.
قل للذين يقولون: الله ما يحتاج واسطة، ونحن نحتاج، نحن! ربي ما يحتاج، حتى للإيمان، إذا تكفرون اكفروا، أما الحاجة من قال لكم ربي محتاج؟ ليس محتاجٌ للصلاة، إن أردتم تتركون الصلاة اتركوها، نحن محتاجين للصلاة، نحن المحتاجين للتوسل، ليس ربي، من قال لكم ربي محتاج؟ أجهل واحد من العوام سيقول لكم ربي محتاج؟ ليس محتاج لشيء ربي، نحن المحتاجون يا بُلَهاء، نحن المحتاجون يا بُلَداء، نحن ما نتوسل إليه لأنه محتاج، لأننا نحن المحتاجون، نحن المحتاجون نتوسل إليه جل جلاله، سواءًا بالإيمان أو بالعمل الصالح أو بالذوات المُكرّمة لديه.
وإلا اذهبوا عَلِّموا الأنبياء، الأنبياء ما عَلِموا عِلمكم هذا، الذي جئتوا به من عند شيوخكم، هذا الأنبياء ما عَلِموه، حتى في القيامة يأتون إلى عند سيدنا آدم يستغيثون به كما جاء في البخاري، "استغاثوا بآدم"، يتَوسَّلون به إلى الله، يقول آدم: نفسي نفسي، وما يقول: ربكم ما يحتاج وسيلة، أنتم اسألوه مباشرة، "اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح"!
والأنبياء لماذا يردون الخلق من نبي لنبي إذا كانت المسألة ربي ما يحتاج واسطة؟ أنت ستجيء في الجمع ستشفع للخلق؟ لن يذهبون عند الأنبياء، سيأتون لعندك يا أبله! الخلق محتاجون لأهل الوجاهة عند الرب جلَّ جلالُه.
"اذهبوا إلى غيري"، صار آدم مشكلة عنده شيء من شائبة الشرك، يقول للناس: "اذهبوا إلى نوح"، ما يقول لهم: اذهبوا إلى الله، اسألوا الله لماذا ما يقول؟ هو أعقل وهو أعظم إيمان، والموقف هو موقف قيامة.
"اذهبوا إلى نوح"، ونوح يجيء إلى عنده يعمل نفسَ الأسلوب: أنا ما أقدر أسأل ربي هذا اليوم، ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثلَه ولم يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.
ويذهبون إلى إبراهيم، وإبراهيم على نفس الوتيرة، كلهم متوسلين، كلهم يدلُّون الخلائق في الموقف على التوسل إلى الله بعبادهم، ما أحد من الأنبياء يعرف أن الله لا يحتاج، وما أحد من الأنبياء يعرف أنه يقول اسأل ربك وانتهى الأمر، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
يقول لهم أنا أنا وبالنبوة ما أقدر في هذه المسألة أخوض معه، لكن ابحثوا واحدًا صاحب منزلةٍ عنده، اذهبوا إلى فلان، اذهبوا إلى فلان.. وإبراهيم الخليل يقول: اذهبوا إلى موسى، وموسى يقول: اذهبوا إلى عيسى، وعيسى يقول: اذهبوا إلى محمد ﷺ.
إذا جاؤوا عند محمد ﷺ سيد المرسلين، إذا جاؤوا عند سيدنا محمد ﷺ ماذا يقول؟ يقول: "أنا لها"، ما يقول اسألوا ربكم انتم، يقول أنا لها، عند الشدة والهول الأعظم، أنا صاحب الوجاهة التي تخاطب الجبار.
يقول سبحانه وتعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ)، صاحبُ المنزلة عند الرحمن، (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ).
الحبيب يقول: "أنا لها"، انظروا في هذا الموقف العظيم، ويسجد لربه سجدة، لمّا يطيل السجدة ربُّ السماوات والأرض يقول حبيبي، وجاهتك عندي كبيرة، ارفع رأسك، لا تطيل السجود، تشَفَّع أُشفِّعك، ارفع رأسك، قل يُسمَع لقولك، سَل تُعطَ، اشفَع تُشفَّع.. ما هذه الوجاهة؟ من ذا يتجرأ يقول: أنا ما أحتاج إليه! من سينوب عنه؟ ومن سيقوم مقامه؟ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
لا التوسل ولا التبرُّك يخرج عن التوحيد ولا عن الإيمان، بل سيد الموحدين دلَّنا عليه، وحتى في القيامة يقول: "أنا لها"، أم هناك شيء آخر؟ ما يقول: اذهبوا إلى ربكم، يقول: أنا، أنا سأُكلِّمه، "أنا لها" صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
ادعِ ربك ما شئت، لكن لا تنكر على من يتوسل، والنصوص جاءت به، والأنبياء أنفسهم متوسلون.
لا تنكر على من يتبرَّك، إن ما أردت تتبرك لا تتبرك، لكن لا تنكر على من يتبرك، ربي سبحانه وتعالى يُبيِّن لنا البركة حتى في الجمادات، حتى في الأمطار، (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا) يقول جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)، ولكن التبرك بالتوجه إليه في الصلاة ما لك عذرٌ منه.. إن كنت ما تريد أن تتبرك بشيء أبداً التفت كل ركعة على جهة صلّها،) لكي ما تتبرك بجهة.. لأن الله ليس في جهة، صحيح! الله ليس في جهة، وبعد ذلك لم للكعبة؟ (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، الله ما يحتاج، ليس في مكان ولا يحتاج وسيلة، وبعد ذلك؟
ويعتقدون أنَّ ذات الله في السماوات والأرض كلها، مخلوقة من مخلوقات الله، لا يحلُّ فيها ولا هي تحل فيه، يحلُّ فيها الكائنات والمخلوقات بعضهم البعض، أما هو فهو موجودٌ قبل السماوات قبل الأرض، وهو على ما عليه كان، لا يتحول ولا يتغير ولا يتبدل، كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيره، كان الله ولم يكن شيءٌ معه.
وإذًا إن كنتم تعتقدون كذا، انبطحوا في الأرض وصلّوا هكذا، وتوجَّهوا للسماء.. يا بلهان! ربي جلَّ عن الجهة، جلَّ عن الكيفية، لكن نتبرّك بالبيت العتيق، نتوجّه إليه، كما كان أنبياء قبلنا يتوجّهون بعضهم إلى بيت المقدس، وبعضهم إلى الكعبة، ولا بيت المقدس رب ولا الكعبة ربٌّ، لكنها آثارٌ مباركة مُنوَّرة، التوجه إليها يُرضي الربَّ جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
بل والربُّ ما شرع التوجُّه في الصلاة إلى الكعبة إلا ليُرضيَ قلبَ حبيبه ﷺ، ونصَّ القرآن على ذلك، فإن الله جَبَلهُ على محبة الكعبة، والقبلة إلى بيت المقدس، فكان يجيء بين الركنين اليمانيين يصلي عند الكعبة، يستقبل الكعبة وبيت المقدس، لكن لما سافر المدينة، صار بيت المقدس في المدينة إلى جهة الشمال، والكعبة إلى جهة الجنوب، فصار يُصلي إلى بيت المقدس، وفي نفسه أنَّ ربَّ العرش يُحوِّل التوجه إلى الكعبة.
حتى مرة قال لجبريل، بعد ما مرَّت شهور، سنة وكم أشهر، زاد شوقه إلى الكعبة، قال لجبريل: لو سألتَ ربك يحوِّل، سيدنا جبريل قال: أنت أقرب إليه منِّي، قال: أنت أحبُّ اليه منِّي، أهاب أن أكلمه، والحبيب مِن أدبه ما تكلَّم، ولكن وقع في قلبه أنَّ الله يرضيه في ذلك، وصار يترقَّب وحيًا، يرفع وجهه نحو السماء من وقتٍ لوقت، وإذا بجبريل ينزل بقول الرحمن: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).
فهذا مقدارٌ من التبرك ومنكري التبرك ما يقدرون يتزحزحون عنه، الذين ينكرون التبرك، تتوجّه الى أين في صلاتك؟ الكعبة؟ أنت معظِّم غيرِ الله؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! نُعظِّم ما عظّمه الله جلَّ جلالُه، والبَرَكة حيث أنزل اللهُ البَرَكة، فلا تَبَرُّكٌ ولا توسُّلٌ يخرج الناسَ من توحيدٍ ولا من إيمان، ولو شيءٌ يخرج من التوحيد واجبٌ كلُّنا سنجاهد في إبعاده، سنجاهد في طرده عنا وعمن حوالينا، لكنه الذي خلَّفه فينا محمدٌ ﷺ توحيد شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ﷺ.
ثم يقول لهذا الأعمى، ذهب فصلّى ركعتين، دعا ورجع، يقول عثمان بن حنيف: "فدخل علينا وهو يبصر"، تمَّت العملية، الرجل مُفتّح! دخل إلى عند الحبيب، صافحه، يودعه، قال: "فإن كان لك حاجةٌ فافعل مثل ذلك"، يعني اتخذني وسيلة دائماً، اتخذني وسيلة إلى ربك دائماً، هذا فيه شرك؟ تعليمُ زين الوجود، تعليم صاحب المقام المحمود.
"فإن كان لك حاجةٌ فافعل مثل ذلك"، حتى يقول، راوي الحديث أنه جاء واحدٌ في خلافة سيدنا عثمان بعد وفاة النبي ﷺ بسنين، قال له: يا هذا، كلّم لي صاحبَك عثمانَ بنَ عفان، أنا أجيء أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم، ما يدخلوني عليه ولا أُحصِّل منه وجه، وأنا لدي حاجة أُكلمه، فَكَلِّمه لي، قال: إن شاء الله إذا لقيتُه أُكلِّمه، لكن اسمع، أنا سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول كذا لذاك، فأنتَ اذهب توضأ وصلِّ ركعتين، وادعُ بهذا الدعاء، ذهب وصلَّى الركعتين ودعى، دخل جاء اليوم الثاني، يقول له: تفضل، سيدنا عثمان يقول له تعال، أَجلَسهُ بجنبه على الطُّنفُسة، قال: ألك حاجة؟ قضى له حاجته، قال: إن كانت لك حاجة فتعالَ إلي.
فاعتقد أنَّ الرجال كلَّم سيدَنا عثمان وخرج، لقيه في الطريق، قال له جزاك الله خير، ما كانوا ينظرون في أمري، ولكن لما كلّمت عثمان اليوم أقبلَ عليَّ وأعطاني، قال: والله ما رأيتُ عثمان منذ كلَّمتُك أمس، أنا ما رأيتُ عثمان ولا كلَّمته، صليت؟ قال: نعم، ذاك الصلاة وذاك الدعاء، توسَّل بزين الوجود ﷺ، اللهم إني أسألك.
وكمال الحديث: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد.."، هذه التي تزعزع بعضهم ويشمئزون منها، يقول لك: النبي علَّمها، هم يشمئزون منها، لكن النبي علَّمها، والله لا نشمئزُّ مما علَّمه محمدٌ ﷺ، نشمئز من المعاصي والذنوب.. أما شيء علَّمه زين الوجود ﷺ؟! "يا محمد"، في رواية أخرى: "يا أحمد، يا أبا القاسم"، "يا محمد، يا أحمد، يا أبا القاسم، إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه، اللهم فشفِّعه فيَّ"، قال: فدخل علينا وهو يُبصِر.
فنعمَ ما أنتم فيه، والدواعي دعتكم، وهذه المسالك عَلِمتموها ممن لا يريد في الأرض علوًّا ولا فسادًا، حُورِبت من عهد آدم وبعد ظهور النبي الخاتم، ولكن محاربوها هم الذين يهلكون ويُخزَون ويفشلون، وينتقلون عامتهم إلى العذاب، كل مَن لم يتُب اللهُ عليه انتقل الى العذاب، والعياذ بالله تبارك وتعالى.. بالحبس ما راحت، بالقتل ما راحت، بالسحل ما راحت، قويَت وظهرت وكثرت، لأنَّ من ورائها خلفية، لا تخطيط ولا تخبيط، لكن من فوق!
ويمكرون ويمكر الله، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
يُعلِّمه سبحانه وتعالى، يقول له صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، قُل لهم: (ثمَّ كِيدُونِ فلا تُنظِرُونِ)، (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ)، ادعوا الشركاء والآلهة هذه، أي نوع من الأصنام هذه.. تريد مناة؟ تريد عُزّى؟ تريد اللات؟ تريد أي شيء معك، هاتوا الشركاء.. (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ) ادعوهم علي، (ثمَّ كِيدُونِ) أنت وإياهم معاً اعملوا كيداً (وَلَا تُنظِرُونِ)، ولا تأخروني ولا يومًا واحدًا ولا ساعةً واحدة.
وبعدها ما خلفيتك أنت؟ (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) وليس وليّي وحدي أنا.. الصالحين من أمتي من بعدي كذلك، هو وليهم، فاعملوا كيدكم حتى تشبعوا، لا تقدرون لا عليَّ ولا على أتباعي هؤلاء، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه، فالحمد لله الذي دعاكم، الحمد لله الذي ساقكم.
ومنهجُهم: يرثون كل من تولَّى ولايةً أو وقعت له ثروة، فإن اتقى الله فيها ساعدوه وآزروه ودعوا الله له، وإن خالف أمر الله فيها، نصحوه إن يقبل النصيحة، ودعوا له بالتوبة، ووكلوا أمره إلى الله، ولا يُنازعون، لا على مالٍ ولا على سلطة، ما ينازعون أحدًا عليها.
ومن اتقى من أهل السلطات أو أهل الأموال دعوا له، وساعدوه على الخير.
ومن انحرف وظلم وخالف، نصحوه مهما يقبل النصيحة، وأدُّوا إليه حقَّ الأمانة، ودعوا له بالتوبة، ووكلوا أمره إلى الله، فإن بغى وطغى، كفاهم الله اياه (فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وعلى هذا الحال مضوا.
والليلة ليلةُ عطاءٍ كبير، ومَن وفير، ليس اتصال عينات بالغناء فقط.. وادينا هذا الميمون مترابط ترابطات نورانية، إلى الغناء إلى خير مَغْنى، إلى زين الوجود ﷺ، ودخلت الحَجون والمعلاة والبقيع والحرمين وبيت المقدس في معاني خيوط نورانية من الإيمان بالله وتوحيده، وكلها مجموعةٌ لمن صدق مع الله تعالى، وإن أيضاً حصلت على سند إلى حضرة النبوة مثل الكبار هؤلاء فالخير المُفرَّق في العوالم يجتمع عندك، في لحظةٍ من اللحظات وساعةٍ من الساعات.
الحمدلله الذي جمعكم، وإن شاء الله نخرج قلوبٍ منوَّرة مطهرة وبصدقٍ وإخلاصٍ، وكُل منا صادقٌ مع الله، لا يريد في الأرض علوًّا ولا فسادا، زُيِّن إليه الإيمان وحُبِّب في قلبه وكُرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فجعله الله من الراشدين، اللهم اجعلنا من الراشدين، انظر الينا يا أرحم الراحمين.
اجعلها ساعة إجابة وقبول، وبارك في وفادة منصب الشيخ أبي بكر، ووفد معه وجاء حضر الحضرة هذه ما شاء الله منصب آل حامد من عمد، منصب سيدنا الإمام أحمد بن زين الحبشي، عينٍ من عيون الدلالة على الله سبحانه وتعالى والإرث التام لخير الأنام ﷺ.
وجماعة من المناصب عندنا من عمد من آل العطاس ومن غيرهم، وحضر المجلس من الظاهرين والأعيان وحضر من المَخفيين، وحضر من الملائكة، وحضر من الأرواح الطاهرة.
وكلها وجهة إلى واحد، اسمه الله، خاب مَن قصد غيره، وذلَّ مَن اعتزَّ بسواه، ولا إله إلا هو، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
وبالمَجمع كلُّنا نتوجه إليه: يا ربِّ اقبلنا وفرِّج على المسلمين، واحفظ حضرموت واليمن والشام والشرق والغرب من كيد الكافرين والفاجرين والمفسدين والمعاندين والظالمين، ولا تبلِّغهم مُراداً فينا ولا في أحدٍ من المسلمين.
اللهم اجعلها من أبرك الليالي، واجعل اللهم خاتمة هذا العام من خير خواتيم الأعوام، وما بقي لنا يا ربّ من الأعوام فاجعله في نقاء وفي تُقى وفي صدق وفي هدوء وفي أمن وفي استقرار وفي طمأنينة، وكلُّ من عاون على ذلك، أعِنه ووَفِّقه وخذ بيده.
ورُد عنا كيد كل كائد، ومكر كل ماكر، وسحر كل ساحر، وأذى كل مؤذٍ، فإنك حصننا، وإنك ملاذنا وملجأنا، وتوجَّهنا إليك بذاتك وأسمائك وصفاتك وأنبيائك ورسلك ووحيك وكتابك والمحبوبين عندك، فلا تخيِّب رجاءنا، ولا ترُدَّ دعاءنا، ولا تصرِف منا أحدًا إلا مغمورًا بأنوار عنايتك ورحمتك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
وعجِّل بتفريج كروب الأمة أجمعين، وأعِن مناصبنا هؤلاء وعلمائنا وأهل الخير والسُّعاة في الخير والإصلاح بيننا، أعِنهم على القيام بالأمر على الوجه المَرضي، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وكنا في العصر عند وجهٍ من وجوه الخلافة الكاملة الصِّديقية النبوية، الشيخ سعيد بن عيسى العمودي عليه رحمة الله، وأعلى الله درجاته، وبارك في ذريات أولئك الذين وزّعهم الله عندكم في الوادي، من هنا ومن هنا ومن هنا، الله يُعلي درجاتهم ويجمعنا بهم في أعلى الجنة، ويرينا في ذراريهم الخيرات والثبات والتوفيق على ما يحبُّ الله في الظواهر والخفيات.
يا رب، أيدي الفقراء امتدَّت إليك يا غني، أيدي الضعفاء امتدَّت إليك يا قوي، أيدي المحتاجين امتدَّت إليك يا مغني، أيدي العاجزين امتدَّت إليك يا قادر، فلا تحرِمنا خيرَ ما عندك لشرِّ ما عندنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين، والعفو على التطويل.
05 ربيع الثاني 1448