كلمة في افتتاح المؤتمر العلمي الدولي بعنوان: قضايا مستجدة في بيوع الآجال
كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العلمي الدولي، بعنوان: "قضايا مستجدة في بيوع الآجال"، في كلية الشريعة والقانون -جامعة الأحقاف.
ضحى السبت 1 ذو القعدة 1447هـ
الافتتاح والارتباط بالفضائل
الحمدُ لله على تجدُّدِ الوسائلِ، لبقاءِ سلسلةِ الارتباطِ بالفضائلِ، والحمايةِ عن الرذائلِ، في وصلةٍ تجمعُ بين الروحِ والجسدِ، والظاهرِ والباطنِ، من خلالِ تعامُلٍ في واقعِ البشريةِ.
سمعنا الحديثَ عنه من جهاتِهِ المتعددةِ، ودلالاتِهِ المتنوعةِ، من خلالِ ما أُلْقِيَ علينا من كلماتِ أكابرَ من العلماءِ والفقهاءِ، وأهلِ جهاتِ الخدمةِ، في العلمِ وما تعلّقَ به أيضاً من كلماتِ السلطةِ وما إلى ذلك.
أمانة البيان وضرورة الإنقاذ
في إجماعٍ على أننا في حاجةٍ لِطَرْقِ هذه المواضيعِ وإعطائِها حقَّها؛ لأداءِ أمانةِ البيانِ، والمساهمةِ في الإنقاذِ الذي يمكنُ في واقعِ البشريةِ على العمومِ، من حيثُ أنَّ الخطابَ الإلهيَّ موجَّهٌ للجميعِ.
وحماية منْ أرادَ الإنصافَ وتركَ الاعتسافِ من أهلِ المِلَّةِ، مِن أن يتعرّضوا للتبعيةِ، لِمَا سمعنا الحديثَ عنه مما سماهُ اللهُ (الطَّاغُوتَ) الذي يجبُ اجتنابُهُ، ويفقد حقائقِ شرفِهِم وكرامتِهِم، بل مكانِ مسؤوليتِهِم في نفعِ الغيرِ وإيصالِ الخيرِ إلى الغيرِ.
خطورة قضايا المال في الواقع المعاصر
فالموضوعُ -الذي سمعتُم الإشارةَ إلى أنه من أخطرِ المواضيعِ- التي تحتاجها الأمةُ في واقعِها العامِّ وفي حاضرِها الآنَ، وما يدورُ في هذا العالمِ.
حتى أنَّ حروبَ العالمِ -وقد سمعتم بعضَ الدولِ تُغيِّرُ حتى اسمَ الوزاراتِ إلى اسمِ "الحربِ"- تقومُ على شأنِ اللَّعِبِ بهذا المالِ، والخروجِ فيه عن الجادَّةِ، واستحلالِ حقِّ الغيرِ بغيرِ حق، في انحرافٍ تامٍّ عن معاني الإنسانيةِ، فضلاً عن العقلِ والديانةِ.
فشل النظريات المادية ووسطية الإسلام
الحاجةَ الواقعةَ في الأمةِ شديدةٌ، وقد أدركتُمْ وشعرتُمْ أنه من خلالِ القرنِ الماضي سادَ -فيما يتعلّقُ بقضايا المالِ- النظريتانِ المشهورتانِ: الاشتراكيةُ والرأسماليةُ، وتزاحمَتَا على العالمِ لإيرادِ ما عندَهما من أفكارٍ وأطروحاتٍ.
هذه -الاشتراكية- مبالغةٌ في نفي الملكيةِ الفرديةِ القائمةِ عليها الفطرةُ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها، والاستبدادِ على حقوقِ الغيرِ. وهذه الأخرى -الرأسمالية- مبالغة في الاستبدادِ من وجهٍ آخرَ، والوقوعِ فيما نأت الشريعة عنه في إشارةِ قولِ اللهِ تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) ، فجعلَ مصارِفَ هذا المالِ كيفَ تكونُ.
ومن المعلومِ أنَّ النظريتينِ جُرِّبتَا في الواقعِ، ومن المعلومِ أنَّ كلاً منهما اضطرَّ إلى التراجعِ عن حِدَّتِهِ، والحقيقةُ أنَّ الوسطَ الذي يجبُ أن يرجعوا إليه هو نظامُ الرحمنِ سبحانه وتعالى، الخالقِ المحيطِ علماً بكلِّ شيءٍ.
شمولية الشريعة والتعاون المشترك
لا مبالغةَ في جانبِ الملكيةِ الفرديةِ والاستبدادِ بها، ولا مبالغةَ في جانبِ إفقادِ النفسِ البشريةِ معنى المِلْكِ والأخذِ بحقِّ الغيرِ، ولكنْ إعطاء كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، هو الذي جاءت به شريعةُ اللهِ الجامعةُ الكاملةُ، والتي مَهما تركَها الناسُ اختياراً، عادوا إليها اضطراراً عن قريبٍ أو بعيدٍ؛ حكمة الله جلَّ جلالُهُ في أمرِ هذا الشرعِ المصونِ والواجبُ والمهم.
جزى اللهُ تعالى الأستاذَ البروفيسور الحبيب عبد الله باهارون خيرَ الجزاءِ، ومَنْ تَبِعَهُ في هذه الجامعةِ من كليةِ الشريعةِ والقائمينَ على هذا المؤتمرِ، وأجرى اللهُ على أيديهِم منافعَ كثيرةً في خدمةِ واقعِ الأمةِ والانتهاضِ بها، إنه أكرمُ الأكرمينَ.
والأمرُ كما ذكرَ في كلمتِهِ محتاجٌ إلى التعاونِ وبذلِ التكاتُف، مع هذه التحقيقاتِ والوصولِ إلى التوصياتِ والتشاركِ عليها؛ فجانبٌ لدى المسلمينَ ولدى العلماءِ، ولدى مَنْ يُسمَّى برجالِ الأعمالِ أو أهلِ التجاراتِ، ولدى أيضاً الدولِ والحكوماتِ المسلمةِ.
حاجة العالم إلى الحلول الربانية
والأمرُ محتاجٌ إليه أيضاً -كما سمعنا في إشاراتِ بعضِ الكلماتِ- حتى عند غيرِ المسلمينَ؛ هُم محتاجون إلى ما يُنقذُهُم من هذه الأزماتِ، ومن هذا الفشلِ في كثيرٍ من التجرباتِ.
فاللهُ يباركُ هذا المؤتمرَ، ويجعلُ نتائجَهُ طيبةً مباركةً، تُسهِمُ إسهاماً قوياً في نهضةِ الأمةِ، والعودةِ إلى موجبِ السعادةِ في الدارينِ.
أخذَ اللهُ بالأيدي، وجمعنا على الخيراتِ، وفيما سمعتُموه الكفايةُ، وبارك اللهُ خطواتِ هذا المؤتمرِ وفي نتائجِهِ وما يخرجُ به من التوصياتِ؛ نسألُ اللهَ أن يجعلَها مفتاحاً للخيرِ في الأمةِ، ومغلاقاً لأنواعٍ من الشرورِ والآفاتِ وكلِّ محذورٍ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
دعاء الختام
وجهتُنا إلى الرحمنِ الكريمِ أن يُثبِّتَ على الصراطِ المستقيمِ، وأن يجعلَ في هذه الأعمالِ وفي هذا المؤتمرِ من الخيراتِ الكثيرةِ النافعةِ؛ علماً وعملاً، وذوقاً وسلوكاً، وربطاً واجتماعاً واتصالاً بما هو تعالى أهلُهُ.
وأن يُحييَ في الأمةِ ما ماتَ، ويردَّ ما فاتَ، من عجائبِ الإنابةِ إليهِ، والفهمِ والوعيِ لخطابِهِ، والقيامِ بحُسنِ التطبيق لذلك، وملامسةِ الواقعِ بأنوارِ الشرعِ المَصونِ.
نسألُ الرحمنَ أن يُتمِّمَ النعمةَ، ويُعليَ درجاتِ مَنْ سُمِّيتِ القاعةُ باسمِهِ (محمد بن أحمد بن عمر بن عوض الشاطري) وجميعِ مَنْ ذُكروا من مشايخِ هذه الجامعةِ، ومَنْ درَّسوا فيها، ومَنْ قاموا بالجهدِ فيها مِمَّن مضى، ويحفظَ اللهُ تعالى مَنْ بقيَ ويُعينَهُم.
ويبارك في هذه المجامعِ والخيراتِ، ويجعلها متصلةً بسرِّ الإنابةِ والخشيةِ والاستقامةِ، المسلسلِ من حضرةِ النبوةِ إلى أسانيدِ خيارِ الأمةِ على مدى القرونِ.
ونسألُ الرحمنَ أن يفتحَ أبوابَ المِنَّةِ والفضلِ، وأن يدفعَ البلايا والسوءَ والشرَّ عن وادينا ونادينا وحضرموتِنا، وعن يمنِنا وشامِنا وشرقِنا وغربِنا، ويُصلحَ الأمةَ ويكشفَ كلَّ غُمَّةٍ.
01 ذو القِعدة 1447