(447)
(628)
(368)
كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ ضمن الجلسات العلمية البحثية في ملتقى الدعاة السنوي (العشرين) بعنوان: القول البليغ: مقوماته ومقاصده ومساقات إيراده
في دار المصطفى بتريم، عصر الثلاثاء 1 محرم 1448هـ
بارك الله فينا أجمعين، وفي المستمعين والحاضرين، بركةً ندخل بها في دوائر حُسْن التبليغ عمَّن أُنزِل عليه القول البليغ، وخير من قال القول البليغ بين الناس صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
متداخلةٌ الأمور في بعضها البعض، وما بيّنهُ المشايخ والمحاضرون يكاد أنّ ما طُرِح عليهم من أسئلةٍ كان متضمناً الأمر، إلا ما أشار إليه أيضاً الشيخ عبد الفتاح من ذكر امتداد صحّة إطلاق اسم "أهل السنة والجماعة" على المرادين به من الحنابلة.
وهؤلاء يُعتبرون في الحقيقة هم مِن -كما قال واستشهد بقول الشيخ الغماري عليه رحمة الله-: "لستُ أشعرياً ولا ماتريدياً"، ولكن هو في الواقع أشعري؛ لأن ما انتهى إليه هو ذلك. وهم كذلك اتفقوا مع الأشاعرة والماتريدية، وحتى قولنا أشاعرة وماتريدية إنما المراد الفوارق التي في الألفاظ، ولكن المعنى اتفقوا عليه.
فكلّ من اتفق معهم في هذا المعنى سُمّي بأي اسم، هو داخلٌ في أهل السنة؛ لأن السنة -كما سمعنا وفهِمنا من الكلام- أنها سُنّته ﷺ، والجماعة جماعته وجماعة الإسلام، فليست مخصوصةً باسم.
وكما سمعنا في الكلام أيضاً، لو أراد قائلٌ أن يقول: "أنا شافعي"، بمعنى مُتَّبِع للإمام الشافعي في اجتهاده في نصوص الكتاب والسنة، "وأنا مالكي"، "أنا حنبلي"، أتباع المذاهب الأربعة مثلاً، الذين ظهروا بقوة بين المسلمين وبين أهل السنة.
إذا أراد أن يقول: أنا مسلم صحابي، أنا مُتّبع للنبي، نقول له: صدقت، ما يتأتى يقول إذن أنا لست شافعياً!.. المسألة: الشافعي دلّك على طريقة النبي وأنت تتّبع طريق النبي، والمالكي دلّك على طريقة النبي وأنت تتبع طريقة النبي، فالأمر كله راجعٌ إلى الأصل.
فكذلك مسألة الأشاعرة والماتريدية راجعةٌ إلى أنّ الإمام هذا فيما وراء النهر، وهذا الإمام في بلاد العرب، أقام الموروث عن النبي والصحابة في العقيدة فتبعوه الناس فنُسِبوا إليه، ولكن النسبة أصلها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإلى ما خلّفه فينا من الاعتقاد. كذلك بقية الأمور متداخلةٌ في هذه الأسس.
ولنخرج من هذا إلى أننا نحتاج إلى أن نُهَيّئ أنفسنا، وننشر فيما بيننا وبين أحبابنا الاستعداد للبذل والتضحية في سبيل الله تبارك وتعالى، من خلال تزكية أنفسنا، وحملنا هذا الهم والأمانة، وهي كلها مرتبطةٌ بحقائق الإيمان واليقين، ووعي وفهم الاتصال بالحق ورسوله ﷺ من حيث الإيمان.
والتعريف أيضاً كما ذكر الإمام الغزالي في مقاصد القرآن؛ تعريف المدعو إليه وهو الله، يندرج فيه شؤون هذه المعاني، ومنه يُفهَم معنى النبوة والرسالة، ومنه تجيء المعالجة لشؤون ما يُطرَح اليوم على شبابنا مِن هذه المظاهر والمضامير.
ومنها حتى ما يتعلّق فيما ذكره أيضاً الأستاذ مصطفى، ما ذكره من جهة أنهم يُربّون فيهم نفوساً تتأبّى عن الخضوع أو الشعور بالتسلُّط.
في الواقع إنما هم يدعونهم مِن أن يخرجوا عن تسلُّطِ من يصلح تسلطه عليهم، إلى أن يكون مُسلَّطاً عليهم من لا يصلح للتسلُّط عليهم.
فهم بما طرحوا عليهم، سلّطوا عليهم ثقافاتٍ من عندهم، وسلّطوا عليهم شخصياتٍ تَبَعَ هذه الثقافات، لا يُراجعون في الكلام عنها أصلاً، لكن أبعدوا من أمامهم الأنبياء والأولياء والعلماء، وقالوا: لا تدع أحداً يتسلّط عليك!
نفس المفاهيم التي تجيء في الحرية، نفس المفاهيم التي تجيء.. أنك تتنكّر لِما يُصلحك ولِدينك ولِما تقيُّدك به شرفٌ لك، وتتقيَّد بما التقيُّدُ له حقيقةُ عبوديةٍ لغير الله تبارك وتعالى، وتنحَط عن سبيل حقيقة الحرية والكرامة، فالمسألة تلبيسٌ ومغالطة.
أما مسألة الخضوع والانقياد: فهذا يجب أن نعلمها من جهة معرفة الربوبية والعبودية، وإرجاع الناس إلى الأصل حتى تنمحي غبارات هذا الطرح.
وما يجد الشيطان إلا تقليب بعض الألفاظ، وإلا هي نفس دعوته من القديم إلى الآن يدعو الناس، إنما يُقلِّب الألفاظ من وقتٍ إلى وقت. وما هناك جوابٌ عليها مثل دعوات الأنبياء وخاتمهم ﷺ.
نظر الله إلينا وإلى الأمة، وأحيا فينا التعاون على البِر والتقوى، وخدمة هذا الشرع على خير الوجوه وأكملها، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
02 مُحرَّم 1448