كلمة في مجلس الذكر والتذكير في شعب النبي هود، ضحى السبت 5 محرم 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شعب النبي هود عليه السلام، وادي حضرموت، ضحى السبت 5 محرم 1448هـ

نص الكلمة:

الحمد لله رب العالمين، حمدًا يجمعنا به في مراتب الحمد، وتحت لواء الحمد، مع أحمدِ حامد، سيدنا محمدٍ المحمود، والنبيِّ هود، والأنبياءِ والمرسلين، وكُلُّهم تحت لواء الحمد، وقائدُهم سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله.

اللهم لا تُخرِجنا عن رَكبهم، ولا تُبعِدنا عن حزبهم، واسلُك بنا في سبيلهم، واجمعنا بهم في دار الكرامة وأنت راضٍ عنا. 

فيا رب واجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارك الفردوس أطيَبِ موضعِ

فضلًا وإحسانًا ومَنًّا منك يا ** ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسَعِ

فضل الأمة وأولياء الله الصالحين

وبعنايتهِ -سبحانه وتعالى- ساقكم حتى حضرتم، وأنتم نوّابٌ عمَّن بقي في دياركم ومنازلكم وبلدانكم، وبقيةِ أمة الحبيب صلى الله وسلم عليه وعلى آله. 

يتناوَب أهلُ الوُجهة إلى الله تعالى فيهم، والورودِ إلى موارد الرحمة في مختلف الأقطار والبلدان، والأمرُ يدور على النظر منه -جل جلاله- والقبولِ لديه.

ولن تخلو الأمةُ من مقبولين، ولن تخلو الأمةُ من مَوصولين، ولن تخلو الأمةُ من واصلين، ولن تخلو الأمةُ مِمَّن بهم يَرحَم البلاد والعباد، ويدفَع الآفات والأنكاد، بل لا يجتمع أربعون من هذه الأمة إلا وفيهم وليٌّ لله -جل جلاله-، فيكون سببًا لقبولهم. 

فإذا كانوا ثمانين؛ فلا أقلَّ من وليَّين بينهم، فإذا كانوا مائةً وعشرين؛ فلا أقلَّ من ثلاثة أولياء بينهم، فإذا كانوا بعد ذلك مائةً وستين؛ فلا أقلَّ من أربعة أولياء بينهم، فإذا كانوا ألفًا؛ فكم من أولياء بينهم! فإذا كانوا ألفَين؛ فكم من أولياء بينهم!

وهؤلاء الأولياء الذين بِهِم ينزِل الله تعالى الرحمات، ويرحم العبادَ والبلاد، وقد قال ﷺ كما قال في الأبدال ومَن يحلُّ منهم الكثير في الشام، يقول: بهم يرفع الله البلاء عن العباد، وبهم يرحم الله العبادَ والبلاد، بهم يُرزقون وبهم يُمطرون، قال صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

فيُبقي الله تعالى في الأمة أسبابَ الرحمة وأسبابَ الخير، وحظُّ هذه الأمة موَفَّرٌ من هذه العطايا؛ بواسطة مُصطفاها، بواسطة نبيّها، بواسطة هاديها صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. 

والذي جعل الله -تبارك وتعالى- مِن أسباب الخير لها وأسباب البركة فيها؛ عرضُ أعمالها عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا أمرٌ عام. 

ومنه ما يكون من العرض الخاص عليه، ومنه ما يكون من اعتنائه -صلى الله وسلم عليه وعلى آله- والتفاتِه، وتتمُّ النعمة على عباد الله -جل جلاله وتعالى في علاه- بالفضل الكبير.

الروابط القلبية بالأنبياء وهَديهم

وهو الذي -سمِعتم- لما قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، سألهم، قالوا: إنه يومٌ نجَّى الله فيه موسى وأهلك فرعون وقومه، فنحن نصومه شكرًا لله، قال: "أنا أحقُّ بموسى منكم"، وفي اللفظ الآخر: نحن -يعني أنا وأتباعي والمؤمنين بي- أحقُّ بالأنبياء منكم كلِّكم. مِن كل مَن حرَّف، وكل مَن بدَّل، وكل مَن خرج عن هَدي الأنبياء. 

المسلمون أَولى بموسى، المسلمون أَولى بعيسى، المسلمون أَولى بداود، المسلمون أَولى بسليمان بن داود، المسلمون أَولى بزكريا، المسلمون أَولى بيحيى، المسلمون أَولى بموسى وعيسى، المسلمون أَولى بسيدنا هود عليه السلام، المسلمون أَولى بسيدنا صالح عليه السلام، المسلمون أَولى بإبراهيم: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، جعلنا الله وإياكم من خواصّهم، إنه أكرم الأكرمين.

فصامهُ وأمر الناس بصيامه، وكان فيه إحياءُ هذه الاحتفالات والصِّلات القلبية بيننا وبين الأنبياء كما سمعتم في هَديه الكريم عليه الصلاة والسلام. 

وهذه الروابط القلبية التي تكون بين الأمم وأخيارها، تجتمع قوةُ ارتباطاتهم بأخيارهم في ارتباطاتهم بأنبيائهم؛ بواسطة هؤلاء الأخيار، وتسمعون قوله إذا أمَّرَ على سريةٍ أميرًا يقول لهم: "مَن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومَن عصاه فقد عصاني" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وتجتمع هذه الروابط بواسطة هؤلاء، فإذا قويَت الاتصالات برُسُل الله؛ فإنما المقصود مَن أرسلهم، إنّما المقصود مَن بعثهم، إنما المقصود مَن اصطفاهم، إنما المقصود مَن أوحى إليهم، وهو الله! فهو مقصودُ المرسلين وأتباع المرسلين، ومقصودُ الملائكة المُقربين، ومقصودُ جميع مَن سبقت له السعادة، جل جلاله وتعالى في علاه.

إخلاص القصد والتوجّه لله تعالى

ولكن في مثل هذه المجامع، يتحرّر قصدُك لهذا الإله، وتعرف حال مَن قصد الرحمن -تعالى في علاه-، وتعلم أنّ قصده -جل جلاله وتعالى في علاه- يقتضي أن تجتمع بكلِّيتك عليه، ويقتضي أن تكون كُلَّك له، ويقتضي أن تتحقَّق بحقيقة: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

فيا مَن لا مقصود إلا هو عند كل مَن تعرَّف إليه وسبقت لهم منه السابقة، نسألك أن تنظُر إلى قلوبنا فلا تجعل مقصودها إلا أنت، فلا تجعل مقصودها إلا أنت! كما أنه لا معبود لها إلا أنت، فأكرِمها أن لا تجعل لها مقصودًا إلا أنت، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين.

وإذا صَحَّ قصدُك لله؛ تهيّأت لأن تعرف مِن سر الوجود، أنك وجميعَ الكائنات لستُم بشيء أمام وجود المُوجِد الذي بيده التصريف والأمر كله -جل جلاله-، وعرفتَ معنى قولهم: "لا موجود إلا الله"، وحينئذٍ يُفتَح لك باب الشهود، وذلك الفضل من الله سبحانه وتعالى يؤتيه مَن يشاء.

والقصد أنّنا نخرج من هذه المجامع والزيارات؛ بصِدق قصدِ وجه الله -جل جلاله وتعالى في علاه-، فتكون هِمّتنا مع الانصراف من هذه الزيارة والمجامع: أن نكون قاصدين الله تعالى في أحوالنا مع الأُسَر والديار، قاصدين الله تعالى في أحوالنا مع الأصدقاء ومع الجيران ومع الأرحام.

كل ما خرج عن طاعة الله وعن الأدب مع الله نُبعده، ونبتعد عنه، ونُقصيه من بيننا، ولا نزال في تحقيق قصد رضوان الله تبارك وتعالى، وإرادةِ مرافقة أحبابه وأصفيائه، والاجتماعِ تحت لواء الحمد، وبعد لواء الحمد مَن لم يحضر تحت لواء الحمد ما يدخل الجنة، ما يدخل الجنة مَن لم يحضر تحت لواء الحمد، ما يدخل الجنة! 

"آدمُ فمَن دونه تحت لوائي"، فكلُّهم يجتمعون تحت لواء السيد المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والله يجمعنا معهم، ولا يُخلِّف أحدًا منا، ولا من أهالينا، ولا من قراباتنا.

يا حيُّ يا قيوم، انظر إلى قلوبنا فلا تجعل لها مقصودًا سواك، ولا مرادًا إلا إياك، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.

سر النصر والتمكين للأمة

وإذا توفَّرت القلوبُ القاصدةُ له في الأمة؛ انكشفت الغُمّة، انجلت الظلمة، رُدَّ عنهم كيدُ أعاديهم، ولو اجتمع عليهم آلُ الشرق والغرب لأُبيدوا دونهم، وهكذا يكون الحال. 

كان يذكرون أهلُ السيرة أنّ ملك الروم تعجَّب في أحوال هؤلاء أتباع محمد، ما قصتهم؟ كانوا ضعافًا وكانوا ناسًا لا علم عندهم، ولا خبرة عندهم، ولا قوة عندهم، ولا عسكر عندهم، ما قابلناهم في مكان إلا غلبونا! فكتب إلى ملك الصين، وكان من أهل الكتاب تلك الأيام، ملكٌ عنده قوة وجيش كثير.

وقال له: هاتِ لنا، أعِنّا على هؤلاء القوم، ما وقفنا موقفًا إلا وانتصروا علينا، ما ندري ماذا ينصرهم! لا قوّة لهم، ولا خبرة لهم، ولا ثقافات عندهم.. قال: أرسل إليه ملكُ الصين يقول له: أنا مستعدٌّ أمدّك بجيش يكون أوله عندك وآخره عندي، لكن قبل ذلك ابعث بين القوم مَن يأتي بخبرهم، ماذا يعملون في ليلهم ونهارهم؟ أُرسِل إليه: بُثَّ عيونك.

أرسل عيونه وجاءوا بالأخبار، قالوا: هؤلاء في الليل يشتغلون بالكتاب الذي نزل على نبيهم هذا، ويتلونه ويبكون، هذا راكع، وهذا ساجد، وهذا خاشع، وهُم راجعون إلى كبارهم ومسلِّمون أمرهم إلى أميرهم، وهم في النهار يخدم بعضهم بعضًا، ويقوم بعضهم بخدمة بعض، ويشتغلون بذكر إلههم ونبيهم هذا، هذه أعمالهم وهذه أحوالهم.

كتب إليه قال: إن هذا الخبر الذي جاءنا من معسكرات المسلمين، قال له: أمّا مَن هذا وَصفهم؛ فلو قُمتُ أنا وإياك ومعنا الجبال والبحار لأبادها الله دونهم! لكن نصيحتي لك، تريد أن تسترد ملكك منهم؟ ابعث بينهم مَن يشغلهم عن هذا.. عن هذه الأعمال، ويشغلهم بالخلاف بينهم! فإذا انحرفوا عن ذلك؛ فستسترد مُلكك منهم أنت أو أحد أولادك من بعدك، لكن ما داموا على هذا المسلك الذي ذكرت؛ أنا وإياك ولو وقفت الجبال دونهم والبحار لأبادها الله دونهم.. وهكذا شأن أهل الحق، وهكذا شأن أهل الصدق مع الحق -جل جلاله وتعالى في علاه-.

الدعاء والختام

والله ينظر إلينا وإليكم في هذا المجمع، ولنا ينفع ويرفع، ولأهالينا ومَن في ديارنا، ويجعل مقصودهم الله، في تبعيّة الإمام القدوة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وبمجرد ما يتحرك أحدنا في عبادة ويُقتدى محمد؛ يُجبَر خللُه في العبادة وتتعرّض للقبول، بمجرد ما ينبعِث في قلبه إرادةُ قصدِ وجه الله والتبعيةِ لمحمد؛ يجيء نظرُ الله ويُعينه على تحقيق هذا القصد، حتى يُخلِّص قلبه من قصد السوى وإرادة الغير، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء. 

اللهم تكرَّم على الجمع ومَن فيه، وعلى أهاليهم وأهل ديارهم، بأن تكون مقصودهم.

ونتحقّق بحقيقة:

ربي عليك اعتمادي *** كما إليك استنادي 

صِدقًا وأقصى مُرادي *** رضائك الدائم الحال

ولا أحلى من رِضا الله -جل جلاله-، ارضَ عنا رِضًا لا سخط بعده أبدًا، وأسعِدنا مع خواصّ السعداء، واجعل العام مِن أبرك الأعوام علينا، واخصُص بعظيم الفضل مَن حضر معنا في العام الماضي وما قبله من الأعوام وخرجوا من هذه الدنيا، أدخِل عليهم في قبورهم رَوحًا منك وسلامًا مِنا، عددَ علمك وزِنةَ عرشك ومدادَ كلماتك.

وهيِّئنا للاجتماع وإياهم تحت لواء الحمد، وتحت لواء محمد ﷺ، وعلى حوضه المورود، وفي مواقف الكرامة، وفي دار الكرامة، وأنت راضٍ عنا، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين. والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر الهجري

10 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية