(479)
(635)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المولد السنوي في سوق تريم، ليلة الأربعاء 20 ربيع الأول 1448هـ
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
يا مَنْ مِنْهُ المُبْتَدَأُ وإليه المرجع والمآب، والمآب والمرجع والمآل شاملٌ لجميع الخلائق، وبالخصوص للمكلَّفين منهم، وهم الإنس والجن.
نهايتهم، مآلهم، عاقبتهم إلى الذي خلقهم، إلى الذي أنشأهم وفطرهم وأوجدَهم، إلى الذي قال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ)، وكلُّ مَنْ عقل هذه الحقيقة منهم يجب أن يهتمَّ بهذا المآل، وأن يهتمَّ بهذا المرجع، وأن يهتمَّ بهذه العاقبة، وأن يهتمَّ بهذا المستقبل الكبير الخطير الطويل الدائم، وأن يهتمَّ بهذا المصير الذي لا بدَّ أن يصير إليه.
فأما مَنْ كفر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فهم يعيشون في الظنِّ وفي الأوهام وفي الخيالات؛ (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).
وفي القيامة يقال لهم: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، وكلهم يتمنون أنهم آمنوا وأنهم اتّبعوا الأنبياء؛ (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) صلى الله على سيدنا الرسول محمد ﷺ.
كلٌّ منهم يندم، ولكن مَنْ آمن وأكرمه الله بالإيمان هو الذي يجب أن يكون تفكيره في هذا المآل، وانتباهه منه واستعداده له قوي، وعلى منهجٍ سويٍّ.
هذا مقتضى الإيمان من كلِّ مؤمن، ولكن من العجب والغرابة أنه يؤمن بالمصير هذا الكبير والمرجع، ولا يُحْسِن الاستعداد له، ولا يُحْسِن التزوُّد له.
تزوَّدْ للذي لا بدَّ منهُ ** فميقات العباد إلى المعادِ
أترضى أن تكون رفيق قومٍ ** لهم زادٌ وأنت بغير زادِ
والحق يقول: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ).
والمؤمنون الذين أكرمهم الله تعالى بالخروج من الغفلة التي أشار إليها بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ).
يمرُّ العمر على الواحد منهم ما يخرج قلبه من اللهو، ويكاد اللهو يتابعه حتى وهو في الصلاة، وهو في القراءة، وهو في البيت، وفي الليل وفي النهار؛ قلبه لاهٍ مشغولٌ بالملاهي والتُّرَّهَات، ما يُحْسِن ذِكْرَ الحقِّ الخلَّاق جلَّ جلاله، ولا يصفو له ذكر ربه جلَّ جلاله.
يقول فيصير من أهل الغفلة الذين قال الله عنهم: (وَمَن يَعْشُ) - يعني يغفل - (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ).
بعد ذلك في المستقبل، في المآل، في العاقبة: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ).
سبحان القادر، جلَّ جلاله، ولا شيء مع الناس من أسلحةٍ تمنع عنهم عذاب الله، ما يمكن! ما يمكن إنسان يملك سلاحًا يمنع عنه عذاب الله، ولا يمنع عنه عقاب الله جلَّ جلاله.
وأكبر دول الأرض وأكبر أهل الاستعداد بأسلحة الدمار الشامل، سَلَّط عليهم ثوانٍ -ليس دقائق- ثوانٍ من زلزلة الأرض، انتهوا هم واللي معهم كلهم، جلَّ القويُّ، جلَّ القادرُ، جلَّ جلاله؛ (فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ).
إذًا، الحق والصواب: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) ﷺ، ونبيكم سيد الصراط المستقيم.
لذلكم، فالاجتماع على ذكر الله وذكر رسوله ﷺ، والاحتفاء بهذا المحبوب عند ربِّ الأرباب؛ علامة وعيٍ وصدقٍ من المؤمن، وأنه يريد الاستعداد والتزوُّد بخير زادٍ لدار المعاد ولدار المرجع إلى الحق سبحانه وتعالى.
فبالغفلة التي انتشرت، بقي المؤمنون الذاكرون للمعاد والمُستعدون له على درجات؛ أما الأنبياء فقد قال الله عنهم: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) صلوات الله وسلامه عليهم.
وأتباعهم على درجاتٍ في الاستعداد لدار المعاد، والاستعداد لهذا المصير الحَتمي اللازم، مَن آمن ومَن كفر، ومَن ألحد ومَن كذب ومَن أدبر، المصير هو هذا؛ لإلهٍ واحدٍ أحد، سبحانه؛ (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
مَن آمن بهذا فهم على درجات، ونرجو أن يكون هذا الاجتماع والاهتمام من أهل المحلَّات التجارية في ذكرى ميلاد النبي محمد ﷺ والاجتماع على الصلاة عليه، أن يكون حبل صلةٍ بالتزود بخير زادٍ والاستعداد لدار المعاد، فإن ذلك ضروريٌّ لكلِّ مؤمن.
ويمشي معه هذا في فكره وفي معاملته، سواءٌ هو وزوجة، وسواءٌ معه أبٌ وأمٌّ، وسواءٌ معه أبناءٌ وبنات؛ عليه مسؤوليات.. إذا كان يتزوَّد لدار المعاد، إذا يستعد للمصير، فعليه مسؤوليات معهم، عليه واجبات نحوهم يقوم بها ويؤديها؛ (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).
حتى إذا سيأكل، يعرف أنه يتزود لدار المعاد، ما فيه شبهة يجتنبه، فكيف بما فيه الحرام؟
وهكذا إذا كان مزارعًا أو صانعًا أو تاجرًا من التُجار، ما يرضى في تجارته بمخالفة الشرع، ولا يُدْخِل ولا ذرةً من الربا؛ لأن الربا كما قال نبينا صاحب الرسالة، والذي نحتفل بمولده ﷺ يقول: «الربا بضعٌ وستون شعبة، أدناها -يعني في الإثم والغضب من الله- مثل أن ينكح الرجل أمه». هذا أدنى شعبة من شُعَب الربا -أعوذ بالله- إثمها هكذا مثل أن ينكح الرجل أمه، ثم قال: «وإنَّ أَرْبَى الربا استطالة الرجل في عِرْضِ أخيه المسلم»، قال سبّ المسلمين لبعضهم من أَرْبَى الربا، إثمه أكبر وأشد والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فالمؤمن الذي يُصدِّق بالمعاد والدار الآخرة ما يرضى بأكلٍ فيه شبهة، ولا بمعاملةٍ خارجةٍ عن الشرع المصون، ولا سيقدر لا مركز التجارة العالمي ولا شيء من الأنظمة، لا الرأسمالية ولا الاشتراكية ولا غيرها، ما يقدرون أن يأتوا بنظامٍ أحسن من نظام الذي خَلَق، والذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، والذي له المُلْك يوم المصير والمرجع والمعاد، ما أحد منهم يحكم في ذاك اليوم؛ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هو الربُّ جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
كما قال سبحانه وتعالى، يقول جلَّ جلاله في بيان هذه الحقيقة: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) يوم الجزاء والمحاسبة، (ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) جلَّ جلاله.
فما عاد حزب يملك لك شيئًا، ولا دولة تملك لك شيئًا، ولا قبيلة تملك لك شيئًا، ولا وزارة تملك لك شيئًا؛ (لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ).
وهو الذي يُنادي: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ قولوا للذين كانوا يغترُّون: دول عظمى! دول عظمى.. عظمى ماذا؟ عُظمى ظلم؟ أو عظمى الاستبداد؟ أو عظمى ماذا؟ عظمى الحقارة والدناءة؟ عظمى التعرض للنار الموقدة؟ هل هذه العظمى؟! (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ يقول الجبَّار الأعلى.. اظهروا، هل معكم شيئًا، أحد منكم كان دولة عظمى يرفع رأسه! (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ما يجيبه واحد، فيجيب لنفسه: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) الذي يقهر عباده بالموت جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
إذن هذه لفتة كريمة من أهل المحلَّات ومشاركتهم في موالد الحبيب الأعظم ﷺ، تقتضي أن يكونوا على بصيرةٍ بشريعته فيما يتاجرون وفيما يعملون، بأن تقوم أمورهم على السُّنة وعلى الآداب وعلى الاتباع، ونحن فرحون ومسرورون بالدورات التي تُعقَد فيما يتعلق بأحكام البيع والشراء، وما يتعلق بشؤون هذه الأحكام المتعلقة بأعمالهم، وما ينطلقون به، وما يُرشدون فيه للخير، بارك الله لهم في ذلك وزادهم توفيقًا.
كان سيدنا عمر يقول: «مَنْ لم يتفقَّه في ديننا فلا يَبِعْ في سوقنا». قال: هذا سوق مسلمين، سوقٌ يُحكم بشرع الله، وسوقٌ يمشي على قدم الاتباع لمحمد ﷺ.
حتى قال سيدنا علي: «سوق المسلمين كمصلَّى المصلين»، كأنه مصلًّى فيه الشريعة، وفيه الآداب، وفيه الأمانة، وفيه المساعدة للمحتاج وللفقير، وفي كل ما يبعد عن كل ما يزعج الآخرين؛ لأن مهمة الصناعة والتجارة أن تنفع الناس وتفيد الناس، فلا تزعجهم بشيء.
لو كان صاحب صناعة وضع مصنعه بين البيوت ويُحدث صوتًا قويًّا بالمكائن، لكان مأثومًا في مصنعه، وخرج عن الأدب وخرج عن الثواب، حتى يُرتِّب نفسه ويُرتِّب مصانعه بحيث لا يضرُّ أحدًا ولا يؤذي أحدًا، بل ينفع الناس.
كذلك صاحب المحل وصاحب البسطة وصاحب التجارة، لا يُضَيِّق طريقًا يمرُّ الناس فيها سواء سيارات وإلا مشاة، ولا يؤذي أحدًا لا ببسطته ولا بدكّانه ولا بشيءٍ مما يدور عنده، بل يكون الدكان نفسه مَصْدَر مَحَل للرحمة.
كانت الدكاكين مئات السنين حوالي مكة وحرم المدينة وغيرها من بلاد المسلمين، شيء في الشام وشيء عندنا في اليمن وشيء في غيرها، ما يخلو دكان من مصحف ودلائل الخيرات (صلاة على النبي)! في الدكاكين كلها.
كل دكان وسطه مصحف أو أكثر، ونسخة أو أكثر من دلائل الخيرات من الصلاة على النبي، وكان هؤلاء القائمون في الدكاكين وقت الفراغ يحمل كلام الله ويقرأ، ويحمل الصلاة على النبي ويصلِّي على النبي ويذكر الله، فيصدق عليهم: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ).
وهكذا إلى قبل ستين سنة، مئات السنين إلى قبل ستين سنة، وكان كل دكان وسطه القرآن كل دكان وسطه الصلاة على النبي ﷺ.
والآن قالوا إنهم سيطوِّرونهم! ذهب القرآن وذهبت الصلاة على النبي، وجاءت في بعض الدكاكين أغاني ماجنة، وجاء كذبٌ وجاء غشٌّ وجاءت أمورٌ تورث الفشل في المعاد، تورث الخزي في المستقبل والعياذ بالله تبارك وتعالى، فما طوَّروهم ولكن أضرُّوهم.
وكان من أثر التطور الصحيح في تلك الأيام، كان إلى ما قبل ستين سنة الدكاكين حوالي الحرمين الشريفين، بمجرّد ما يؤذِّن المؤذِّن يخرج، ستارة يضعها على الدكان ويذهب، ستارة! ما يحتاج بابًا يقفله، مجرد ستارة، حتى أهل الذهب يضع الستارة ويذهب يصلِّي في الحرم ويرجع، ما أحد يسرق أحدًا، ما أحد يغش أحدًا، ما أحد يأخذ حق أحد، عليهم الرضوان.
هذا تطور أو ليس هذا؟ الآن حينما طوَّروهم لا يكفيهم قفل واحد! يحتاج من الأقفال الصعبة ويحطُّها، ولا سيجيء يْحَصِّل الدكان لا أدري ماذا فيه ولا قد أخذه أحد! هذا تطور؟ هذا انحطاط، هذا خروج عن القيم وخروج عن الإنسانية.
وكان جمال الإسلام تحلَّوا به وعاشوا بهذه العيشة الطيبة المباركة، يقول لي بعض أهل الحجاز، قال: كنَّا نعهد صاحب الدكان يجي الأوَّل عنده زبون ويأخذ، ويجي الثاني يقول: اسمع، انظر نفس البضاعة بنفس السعر عند جاري، عادُه ما استفتح اليوم ما أحد جاء عنده، اذهب إليه.. من المودَّة التي بينهم وإيثار بعضهم البعض.
قال: والواحد منهم يكون له حاجة مع أهله وإلا سيذهب يتوضأ أو سيُصلِّي، يقول للجار: انتبه للدكان حقي يا فلان، انظر إذا جاء أحد.. فإذا جاء زبون يخرج الجار حقه، يعرف الأسعار ويفتح الدرج لديه ويضع النقود ويأخذ ويبيع له، وإذا احتاج الثاني كذلك.
هذه حياتهم، هذا الرقي! هذا التطور الذي ما يقدر عليه نظام أمريكا ولا روسيا ولا الصين، ما يقدرون عليه إلَّا إن شيء من إيمان يدخل في القلوب واستعداد للدار الآخرة؛ تحيا هذه المُثُل، تحيا هذه القيم، تحيا هذه الأخلاق الكريمة الفاضلة.
فالله تعالى يحيي فينا مكارم الأخلاق التي جاءنا بهاصة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكل مَنْ جاء عندك زبون أو غيره، ادعُه إلى الله من خلال أخلاقك ومن خلال أمانتك ومن خلال معاملتك.
إنْ قدرت تخرج كلمة تنفعك في العقبى، ويصير دكان دنيا وآخرة، انصحه نصيحةً لله، اسأله عن صلاته، اسأله عن واجبه.. إن جاءتك امرأة أكِّد عليها في الحياء، قل لها اعلمي أنه لن ينفعكِ إلَّا أدبكِ مع الله، وكوني على احترام، وإذا جئتي انتبهي ممّنْ يغرِّك بالتبرج، ربُّ العرش يقول لكِ: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)، ويقول لكِ: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، وإن شيء كلام غير هذا لن ينفعكِ، إن غَرّكِ اليوم سيضرِّك وراء هذا اليوم.
واجعل دكّانك محل دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لا تكون الذي يضحك معها! تضحك مع الحرمة الأجنبية! وقد قال: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ)، (وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) كما يقول الله سبحانه وتعالى.
هذه إرشادات ربانية هي التي ستنفع وهو النظام الأعظم الأدوَم.
وهكذا، ولا يكون نظرك محصورًا على الكثرة ولا على كثرة الزبائن ولا كثرة الدخل، إذا لا بركة فيه سيتعبك، سيتعبك وستتعب في الدنيا وبعدها في الآخرة والعياذ بالله، لكن إذا بارك الله لك فيه ولو قليل؛ ستعيش آمِن، مطمئن، هاني، ولك الهناء الأكبر فيما بعد ذلك.
فالله يحيي فينا أخلاق نبينا وآداب نبينا، ويرزقنا الأدب، ويرزقنا الفوائد، ويرزقنا بَسط الموائد، ويرزقنا كسب المحامد، ويرفعنا مع الأماجد، ويكون لنا في الدنيا وفي دار البرزخ ودار القيامة، إلى دار الكرامة يجمعنا.
فيا رب اجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضعِ
يا أكرم الأكرمين، الله يكتب لنا القبول، ويبارك في القائمين والمساهمين والمساعدين، نرجو لهم من الله الرحمة؛ يمتلئون بها إيمانًا ويقينًا واستقامةً، وينتفعون يوم القيامة، ويرتبطون بسيّد أهل القرابة والمظلَّل بالغمامة، حتى نجتمع معه في دار المُقامة، إنه أكرم الأكرمين والحمد لله رب العالمين.
22 ربيع الأول 1448