محاضرة في مجلس الذكر والتذكير في حضرة الإمام أحمد بن زين الحبشي بالحوطة، محرم 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في حضرة الإمام أحمد بن زين الحبشي بالحوطة، وادي حضرموت، يوم الأحد 27 محرم 1448هـ

تضمنت المحاضرة:

  • فضل كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، وآثارها في نجاة المؤمن والاتصال بأسرارها..
  • مكانة وراثة الأسرار النبوية، ووجوب التمسك بالقرآن والسنة والاقتداء بالصالحين.
  •  دروس مستفادة من الهجرة النبوية، واستقبال العام الهجري بعزيمة متجددة.
  • تحذير من الغفلة عن ذكر الله، وبيان أن حقيقة السعادة في تعظيم الشريعة والالتزام بآدابها.
  • أهمية مواساة الفقراء والمحتاجين، وأن صلاح المجتمعات ورفع البلاء يكون بالتقوى والرحمة والتكافل.
  • دعوة إلى التجند لله، وبيع النفس لله تعالى، وإحياء كلام الله ورسوله ﷺ في البيوت والمجتمعات.

 

نص المحاضرة:

فضل التوحيد وأسرار "لا إله إلا الله"

الحمد لله ذي المِنن الوسيعة، والعطايا البديعة، والغيوث السريعة، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، بأسرار "لا إله إلا الله" سقى قلوب أنبيائه ورسله وملائكته والصالحين من عباده سُقيا خاصة، وسقى بعموم سُقياها قلوب مَن سبقت له السعادة، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

وكُلّ من مات على حقيقة منها ولو مقدار ذرّة، فحرام أن يُخلَّد في جهنم، ولا بدّ أن يعود إلى دار الكرامة والنِّعَم، حَقَّقنا الله بحقائقها وجعلنا عنده من خواصّ أهلها.

عناية رب العالمين حُفِظت عليكم أسرار الاتصال بأسرار "لا إله إلا الله"، وأنوار "لا إله إلا الله" في انتسابكم واتّصالكم بخواص المُتحققين بحقائق "لا إله إلا الله" - عليهم رضوان الله تبارك وتعالى - مِن خواصّ وَرثة سيدنا محمد بن عبد الله.

وراثة الأسرار النبوية والاتصال بالصالحين

وقد زَيَّن الله واديكم بالعدد الكثير الكبير منهم بحمد الله تبارك وتعالى، أعلى الله درجاتهم وبارك لنا في وراثة أسرارهم تلك، وآدابهم، ووجهاتهم، ونياتهم، وحضورهم مع حضرة الرحمن جل جلاله، وانطوائهم في سيد الأكوان محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعملهم بسنته، وعملهم بهديه، وعملهم بما جاء به عن الإله الحق جل جلاله. 

وتحرُّرهم بذلك من رقّ الأنفُس، ومن كيد الأهواء، ومن تلبيس إبليس وجنده من الإنس والجن، فكان هواهم تبعًا لما جاء به الحبيب المؤتمن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان المشي في ذلك الطريق أساسه وأعلامه: 

فالزم كتاب الله واتبع سنة ** واقتد هداكَ الله بالأسلافِ

أهل اليقين لعينه ولحقِّهِ ** وصلوا وثمَّ جواهر الأصدافِ

 راح اليقين أعزّ مشروب لنا.. يا من سقاهم من هذا الشراب اسقنا! يا من سقاهم من هذا الشراب اسقنا! يا من سقاهم من هذا الشراب اسقنا!

ولا أحضركم جل جلاله في هذا المحضر إلا ولكم منه نظر، إلا وهو يريد أن يتفضّل ويُكرم ويُنعم، فالله يُهيئ قلوبنا لفائض النفحات في هذه الساعات وفي هذه الساحات، التي لو قُصِدت من أبعد الجهات كان قليلًا في حقها.. ولكن من يعرف عظمة الله، ويعرف قدسية الله، ويعرف جلال الله جل جلاله، يعرف مكانة أهل مقعد الصدق، ومكانة أهل حظيرة القدس، ومكانة أهل نظره وعنايته ورعايته سبحانه وتعالى من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

أولئك أبدال النبيين أُبرزوا ** لفضل رسول الله في خير أمةِ

"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" يقول سيدنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان في أهل العلم المرفوع القدر والشأن في شرق الأرض وغربها سُمُوٌّ واعتلاء بحقيقة الاتصال بالعليِّ الأعلى جل جلاله وتعالى في علاه، وكان لكل مَن اتّصل بهم نصيب من الدنو، ونصيب من الرفعة والعلو.

سنة الله لمن آمن ولمن أعرض

وهكذا جرت سنة الله تبارك وتعالى في هذا الوجود؛ أنه من التفَّ حول الأنبياء، ومن آمن بهم، ومن اتّصل بهم هو الرابح والفائز بنعيم الدنيا ونعيم الآخرة.

ومَن أعرض ومن تولى، كما قال ربنا العلي الأعلى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا). وإن مَلك الدنيا كلها؛ يعيش في ضنك، يعيش في هموم، يعيش في أحزان، يعيش في كُرَب، يعيش في آفات في الدنيا، والآخرة أشد! (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) والعياذ بالله جلّ جلاله.

ومن نسِيَهُ الله في ذاك اليوم من رحمته فأين يذهب؟ وما هول مصيره؟ وما الشدائد التي يلقاها؟ (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، (وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ)، (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ)، ارحمنا يا رب برحمتك الواسعة، ارحمنا يا رب برحمتك الواسعة.

آثار حبال الاتصال بالأسلاف

أنتم في آثار للكبار الكبار، وَرَثة النبي المختار ﷺ، فاحمدوا ربّكم الكريم الغفَّار، جاء بكم وأبقى لكم هذه الخيرات، والدلالات، والأعلام، والعلامات، والصِّلات، وحبال الاتصال، اللهم لك الحمد، أتمم علينا النعمة، وعلى أهل وادينا، وعلى الأمة المحمدية.

وبيدك تحويل الأحوال، وبيدك تقليب الأمور، وبيدك الرفع والخفض، وبيدك النفع والضر، وبيدك الأمر كله، لا إله إلا أنت، فانظر والطُف بنا والمسلمين.

وكلما أقبلت القلوب على مولاها؛ أحاطها باللُّطف من جميع جوانبها، ومرّت الشدائد، ومرّت الآفات، ومر اختلاف الأوضاع، وهم في دائرة لُطف اللطيف جل جلاله، وفي عناية من عناياته سبحانه وتعالى.

وإنما شؤون يُبديها ولا يبتديها، يرفع بها قدر هذا، ويثيب بها هذا، ويخذل بها هذا، ويضاعف بها البعد والطرد على هذا، والأمر أمره جل جلاله. فيا فوز المقبلين عليه جل جلاله وتعالى في علاه!

يا محوّل الأحوال حوّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وكل من حضر أكرمه يا رب بالنظر، وأدخله في دوائر هؤلاء الغُرر. 

"بن زين لي شل حِملِي يكفي على جُملة أهلي" .. بماذا يكفي؟ يكفي بإرثهم، يكفي بحيازة فضائلهم، ومن أين جاءت؟ من عزمات صادقة، ووجهات خارقة، وتوجُّه إلى المولى قوي، وثبات على المنهج السوي، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

فكان الحظ لأهل زمنهم ولمن والاهم، ولمن أحبهم، ولمن قرأ سِيرهم، ولمن قرأ كتبهم، كما كان يقول عليه رحمة الله -أول ما ابتهج بأخذ الإلباس منه تلميذه سيدنا محمد بن زين بن سميط عليه الرضوان، وناله بعد ذلك من شدّة ما نازله مرض شديد، وكان يتردّد عليه- وكان يقول الحبيب أحمد بن زين: إن كان لأهل هذا الزمان بخت يسلَم لهم هذا السيد..!

بركات الوادي والافتقار إلى الله

وكان ما كان من البخوت فيما مضى من الوقوت في واديكم الميمون المبارك؛ ما تجد مدينة، بل وكثير من القرى، إلا وفيها من أهل أسرار "لا إله إلا الله" خاصّة وخلاصة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. 

وادٍ غير ذي زرع ولكن ** يُنبت الصالحين والأخيارَ

يُنبت الصالحين والأخيارا! فتوزّعوا في الجهات وفي الأماكن.. 

فلكل أرض حظها منهم فلا ** يُخشى على الدين اغتيال الغائلِ

وكل هذا يدعونا لأن ندرك الحقيقة، الأحوال متقلبة بأهلها، وذا يجي وذا يروح! (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

لكن مِن أيام أبينا آدم إلى الساعة هذه التي نحن فيها في هذه الحضرة، الأسعد مَن امتلأ قلبه بتعظيم الله، مَن امتلأ قلبه بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، مِن أولاد آدم لصُلبه المباشرين إلى الموجودين في زماننا هذا، وهذه سنة الله فيمن بعدنا إلى أن تقوم الساعة. 

وحينئذ يعلم الكل أن لا فوز بشيء مِما غرّهم من المظاهر، ولا غرّهم من التُّرّهات والبطالات في هذه الدنيا، ولا استحسان لشيء يخرج عن الشريعة، أو يخرج عن الأدب في لباس، أو في نية، أو في قول، أو في فعل، أو في مناسبة، أو في حركة، أو في سكون، أو في معاملة.

والزم كتاب الله واتبع سنة ** واقتد هداك الله بالأسلافِ

فذلكم الشرف الأفخر، والمجد الأكبر، الذي يتّصل به ألطاف الله وعنايته في الدنيا إلى نعيمه ورضوانه في البرزخ ويوم القيامة، ومرافقة المظلل بالغمامة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والدخول إلى دار الكرامة مع المحبوبين من عباد الله.

فيا رب واجمعنا وأحبابًا لنا ** في دارك الفردوس أطيَب موضعِ

فضلًا وإحسانًا ومنًّا منك يا ** ذا الجود والفضل الأتم الأوسعِ

وصلة "لا إله إلا الله" وتزكية الجوارح

فيا أيها الحُضَّار، أنتم في نيابة عمّن في الديار، وعن أصحابكم وأهل هذا القُطر، ثم عن المؤمنين أجمعين؛ فاجعلوا لكم وجهة إلى الرحمن جل جلاله صادقة في هذه الساعة المباركة، وما يتنزّل فيها بسر سرايات مُتّصلة إلى هذه الحضرة والجناب الشريف.

إلى شيخه عبد الله بن علوي الحداد، إلى شيوخه محمد بن علوي السقاف وعمر بن عبد الرحمن العطاس، إلى شيوخهم الحسين بن فخر الوجود الشيخ أبو بكر بن سالم ومن في طبقته، إلى فخر العوالم الذي كان لجده الإمام أحمد بن محمد الحبشي أقوى الاتصال بذلك الجناب. 

وما هي إلا عنايات ربانيات في الوصلة بـ "لا إله إلا الله"، اقتضت أن تجتمع القلوب على المحبة في الله مع أهل خلاصة أسرار "لا إله إلا الله"، حقِّقنا اللهم بحقائقها، وثبِّتنا على طرائقها، واجعلنا من خواص أهلها عندك، وأحيِنا عليها يا حي، وأمِتنا عليها يا مميت، وابعثنا عليها يا باعث.

وهي التي بنورها تأخذ بقلب الإنسان، ويسري هذا الأخذ إلى عينيه فلا يعصي بهما، إلى أذنيه فلا يعصي بهما، إلى بطنه وفرجه ويده ورجله فلا يعصي بشيء من هذه الأعضاء ويتجنّبها.

ذكرنا الحبيب أحمد بن زين في "رسالته الجامعة" -والتي تُترجم اليوم من لغة إلى لغة، والذي ينتفع بها البلدان العربية وغيرها- رسالة لطيفة لكن فوقها أسرار شريفة، فوقها وجهة نقية عظيمة مع الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه، برزت بها فوائد، وكم من ألّف مَن ألّف قبله وبعده مثل هذا الكتاب وأكبر وأصغر، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيث يجعل أسرار الإرث للرسالة وللنبوة.

خصّكم الله بخصوصيّات في الوادي الميمون، قوموا بحقِّ الشُّكر لربكم جل جلاله في الظهور وفي البطون، متعاونين على مرضاة هذا الإله سبحانه وتعالى، مستقيمين على القرآن والسنة التي بُعِث بها سيد الأكوان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، صاحب الهجرة.

معاني الهجرة النبوية واستقبال العام الجديد

وأنتم تودّعون أول شهر من أشهر العام الهجري الجديد، الثامن والأربعين بعد أربعمائة وألف من هذه الهجرة، 1448 هـ، وخيرها طري يزداد ويقوى، ليالي الغار التي قضّاها مع الصِّدِّيق صلى الله عليه وسلم وعلى جميع آله وأصحابه، وما قاساه في المشي حتى وصل المدينة. 

يمشون والشمس فوقهم، ويترقّب الظل سيدنا أبو بكر من مكان إلى مكان، حتى إذا طال بهم المشي وتعب ترقَّب هل من ظِل لشيء من كومة أو لشيء من الشجر؟ ويأتي برسول الله إلى عندها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويذهب.. هل من صاحب غنم، هل من لبن يشربه ﷺ في جوعه وطريقه هذه عليه الصلاة والسلام.

وكم ومرت الأيام حتى أقبل على المدينة المنورة وقابلوه: 

طلع البدر علينا من ثنيات الوداعِ ** وجب الشكر علينا ما دعا لله داعِ

وأسرار هذه الهجرة، وهو بطلعته الغراء وأوامره ونواهيه يُقبل عليك؛ أنت تعرف معنى "طلع البدر علينا"؟ وهل تعرف معنى "أتى بالأمر المطاع"؟ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

هل تعرف حقيقة طاعته؟ (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) يقول جل جلاله وتعالى في علاه، فعسى نَنصُرُه ﷺ ونقوم بنصرته بكل ما استطعنا وبكل ما قدرنا، ونتعلم من الهجرة، نهجر العادات السيئة.

وقد خلّف لكم رجالكم عادات طيبة حسنة في جميع شؤونكم وأحوالكم مستقاة من منبع الوحي ومنبع البلاغ والبيان النبوي، وآثار الغوص على معاني ما بُعِث به ﷺ من قبل الصحابة وآل البيت الأطهار والتابعين وتابعي التابعين بإحسان عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. 

فما أعجب ما أنتم فيه من هذا الخير ومن هذه البركة، والله يُثبتنا، ويُثبت قلوبنا، ويثبت أقدامنا، وننتهض الانتهاضة الصحيحة القوية في امتثال أوامر الرحمن واجتناب نواهيه جل جلاله وتعالى في علاه.

وألا نُضيِّع أنفسنا لإهمال العمر في غفلة، ولا في تُرّهات، ولا في تبعيّة غافل، ولا جاهل، ولا بعيد عن الله سبحانه وتعالى.

واجب الأمة في الانتباه لأمرين

وإذا انتبه الفرد والأسرة أو المجتمع أو الدولة من اثنين: من أحباب الله وأهل قُربه، وأعطوهم حقّهم وقدرهم، ومن أهل الفقر والمسكنة والحاجة والشدائد، وواسوهم بما قدروا؛ فالخير ينصب عليهم، والبلايا تندفع عنهم.

وإذا أهملوا جانب أهل الله وما بالوا بأهل الشدّة والمسكنة والفقر فيهم والضعف والحاجة؛ غضب الجبار سبحانه وتعالى، والتخطيطات لا تجيء بشيء.. ترجع تخبيطات، والترتيبات لا تجيء بشيء.. ترجع هباءً منثورًا، إلّا أن نتصل بهذا الإله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

فانظُر إلى ما يرحم الله تعالى عباده برحمة الضعفاء، ورحمة الفقراء، ورحمة أهل الحاجة، ورحمة أهل الشدة، ورحمة أهل النوازل، والمواساة لهم، وكم بها يرفع الحق جل جلاله. 

يُروى أن سيدنا الخليل إبراهيم لما شيَّد البيت العتيق بأمر الله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ناداه الله بعد بناء البيت: "نِعمَ ما فعلت، وإن لقمة تصل بطن جائع أفضل من بنائك للكعبة"، لقمة تصل إلى بطن جائع أفضل لك عندي في المكانة مِن بناء الكعبة كلها.

هذا فضل الله تبارك وتعالى وهذه التعليمات الربانية، لنقوم بواجبنا من التحسُّس لأهل الفقر ولأهل المسكنة ولأهل الحاجة ولأهل الشدائد ولأهل الضر، وبذلك يكشف الله عنا الضر وبذلك يأتي لنا الخير منه، ولكل كسر يجبُر جل جلاله وتعالى في علاه، ونعرف حق أهل الله بيننا: "من عادى لي وليًا فقد آذنتهُ بالحرب" والعياذ بالله تبارك وتعالى.

تعلموا التجند لله

فاستقبلوا العام الجديد بهمّة جديدة ووجهة صادقة، أحيوا كلام الله ورسوله وكلام الصالحين في دياركم ومع أسركم، وأحيوه مع أصدقائكم وأصحابكم، وتعلّموا التجنُّد لله الذي يظفر به من كان فقيرًا، ومن كان غنيًا، ومن كان ذا وجاهة، ومن كان مغمورًا بين الناس، ومن كان صاحب سلطة ونفوذ، من قام منهم بحق الله وتجنَّد لله تعالى هو الفائز وهو الرابح.

ومن يسعى لأمن الوادي ولأمن المسلمين في أي مكان، ولطمأنينتهم ولاستقرارهم، يستقرع أبواب العفو والعافية والرضوان من ربه جل جلاله. 

والله يعين كل صادق في إرادة نشر الخير والأمان والهدى والطمأنينة، والتعاون على البر والتقوى، من مسؤولين، ومن وجهاء، ومن عامة للناس، وبذلك يقوم الأساس الذي يُسترضى به رب الناس، فيدفع الباس ويرفع الشدائد والبلايا عن الأمة.

بيع النفس لله سبحانه وتعالى

وهكذا، إذا رأينا مثل هؤلاء الشباب في ترتيبهم لمثل هذه الحضرات والمجالس، وللداخل وللخارج وللسيارات ولغيرها، فرحنا بمظهر تجنُّد لربّ العالمين، بمنهج نتعلم فيه القيام بتعظيم أمر الله سبحانه وتعالى، وبذل الوسع والطاقة فيما يحبه، فيما يُقرّب إليه جل جلاله، وإنزال الأمور منزلتها.

بدل ما تبيع نفسك لغفلة أو لشهوة أو لبعيد.. بعها لربك! سيشتريها ويعطيك الجنة! (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) يقول جل جلاله وتعالى في علاه. 

وقال نبينا: "كلّ الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"، كلهم يبيعون نفوسهم، أصبحتم في كل يوم نصبح ونغدو والناس يبيعون أنفسهم.

لكن ذا يبيعها لشهوة، وذا يبيعها لخيانة، وذا يبيعها لقلة أدب، وذا يبيعها لمحرم، وذا يبيع نفسه للصالحين والأخيار، ذا يبيع نفسه للطاعة، يبيع نفسه للقرب من الله، يبيع نفسه لرب العالمين جل جلاله، فذا يربح ويعتق، وذاك يخسر ويوبَق -يعني يهلك- "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" إما عتق وإما خسران والعياذ بالله تعالى.

فلا تبِع نفسك إلا لربك جل جلاله، وإذا بعت نفسك لهذا الرب؛ وجدتَ المسارعة والمبادرة إلى ما شرع لك، وإلى ما أحب منك، وإلى تعظيم من عظَّم هو، وإلى محبة من أحب هو، وسيد المحبوبين يقول في محراب توجّهه لرب العالمين: "أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك"، والله يرزقنا وإياكم هذه المحبة. 

قرأتم أبيات شيخه الإمام الحداد:

 يالله بذرة من محبة الله ** أفنى بها عن كل ما سوى الله

ولا أرى من بعدها سوى الله ** الواحد المعبود رب الأرباب

جل جلاله وتعالى في علاه.

الدعاء ومناجاة الله

اعرفوا قدر المنن من المنّان والعطايا من الرحمن، وما أنتم فيه من هذه الحضرات، الله يمتعنا بشيباننا ومناصبنا وعلمائنا وأهل السر فينا، وعندكم منصب الحبيب عبد الله الحداد، عندكم منصب الإمام أحمد بن زين عندكم، وغيرهم من المناصب والشيابة، وأهل السر وأهل النور، ظاهرهم ومستورهم، الله يطيل أعمارهم في عافية ويقرّ أعينهم بالخيرات.

ولتكن منا وجهة، وجهة صادقة إلى الرحمن جل جلاله، وساعة من الغني تُغني، وساعة من الغني تغني، نظرة من نظرات الله تكشف الكرب، ويصلح بها الوادي واليمن والشام والشرق والغرب في الظاهر وفي البادي.

ألا يالله بنظرة من العين الرحيمة ** تداوي كل ما بنا من أمراض سقيمة

وقلبك أنت في محل أطباء القلوب، والعيادات المُخصّصة لتصحيح المسار، وللتنقّي عن الأكدار والأغيار، ولحظة إذا توجّهت إليها وجاءتك نظرة؛ تخرج بحال غير الذي دخلت به، وشأن غير الذي دخلت به، وذوق غير الذي دخلت به، وتنصرف والبيت كله يتنوَّر وأصحابك ومن عندك، وتسير في خير مسار إلى لقاء الحق ورسوله المختار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فيا ربّ ثبتنا على الحق والهدى ** ويا ربّ اقبضنا على خير ملّةِ

بارك لنا في شهر محرم وخاتمته، واجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا، وحُجّة لنا لا حجة علينا، واجعل لنا باقي أشهر هذا العام يا مولانا من خير الشهور وأبرك الشهور، اجعله من أبرك الأعوام على جميع أهل الإسلام، أرِنا فيه ما يسرّ قلب نبيك، وما تقر به عين نبيك وأعين الصالحين. 

اللهم اجعلها من ساعات الإجابة، واجعل الدعوات مستجابة، ولا تدع فينا قلبًا لصغيرنا وكبيرنا إلا نظرتَ إليه، وأكرمته بما أنت أهله، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. 

وعَجِّل بالفرج للأمة أجمعين، واجمع شملهم وألِّف ذات بينهم، واجعلنا مِمّن تخصّهم بواسع الرحمة، ويظهر منهم رحمة القريب ورحمة البعيد، ورحمة الطائع ورحمة العاصي، بتمنّي التوبة والهداية والإرشاد والتعاون على البر والتقوى. يا من وفّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفِّقنا للخير وأعِنّا عليه، وزدنا من فضلك ما أنت أهله، والحمد لله رب العالمين.

 

 

العربية