محاضرة في مسجد الإمام حسن السقاف، بحارة الخليف، تريم 25 صفر 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مسجد الإمام حسن السقاف، بحارة الخليف، تريم، ليلة السبت 25 صفر 1448هـ

نص المحاضرة:

 

مقدمة: فضل ذكر الله وسر المجالسة

الحمد لله، الذي أَذِنَ لنا بذكره جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وكان هذا مِنّة من مِنَنِهِ الكبيرة لخلقه؛ و أَذِنَ بذكره حتى لمُختلف الكائنات والموجودات. قال سبحانه وتعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).

وأَذِنَ لها أن تُسبِّحه وتُقدِّسه، وهو المُقدَّس المُنَزَّه قبل خلق المُنَزِّهين هؤلاء، وقبل خلق المُسبِّحين هؤلاء جَلَّ جلاله، ولكنّه سبحانه وتعالى أَذِنَ لهم أن يذكروه، وإذا ذكروه إنّما يذكرونه بألفاظٍ محدودة وهو غير محدود، ويذكرونه بأمورٍ ذِكْرُها لهم حادِثٌ، وهو سبحانه وتعالى الأزليّ الأول جَلَّ جلاله، ومع ذلك قَبِلَ منهم ذلك، وأثابهم عليه، ووعدهم المواعيد الحَسنة سبحانه وتعالى.

وكان نبينا ﷺ إذا استيقظ من نومه يقول: "الحمد لله الذي رَدَّ عليَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأَذِنَ لي بذكره"، فكيف لو قال: ما يذكرني إلا مَن أطاعني، ولا يذكرني مَن عصاني؟ كيف يعمل الضعفاء؟ وكيف يعمل المذنبون؟ 

فتح الباب للجميع جَلَّ جلاله، وجعل الذكر مسموحًا لهم، بل موعودين على الذكر بفضائل كثيرة ومثوبات وفيرة، أجلُّها قال: أنا أذكركم، هو يذكرهم جَلَّ جلاله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).

ويقول ﷺ عن الله تعالى في الحديث القدسي: "مَن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومَن ذكرني في ملأٍ ذكرتهُ في ملأٍ خيرٍ منهم وأطيب"، جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

شأن هذا الذكر فضله الكبير ومقامه العظيم راجع إلى سِرّ المُجالسة؛ سِرّ المُجالسة أن المرء من جليسه كما قال ﷺ، وإن الجليس الصالح ينفع في الدنيا وفي الآخرة، وهو كبائع المسك، إما أن يُعطيك، وإما أن تشتري منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيِّبة. 

إما أن تبتاع منه، وإما أن يُحْذِيك "يُعطيك من عنده"، وإلا أقل شيء تتطيَّب، تخرج من عنده ورائحتك طيِّبة من رأسك الى قدمك، من أين جاء ءالريح هذا ؟ من مجالستك لبائع المسك، لمَّا جلست عند بائع المسك فاح لك الطيِّب، فكان هذا شيئ عجيب من أثر المُجالسة.

وإن جليس السوء كنافخ الكِير، إما أن تطير منه شرارة تحرق ثوبك وتصل إلى جسدك، وإما أن تجد منه رائحةً كريهةً سيئة، فتخرج برائحة كريهة من عنده وتُشَمُّ منك، حتى إذا خرجت من عنده وذهبت إلى بيت تُشَمُّ منك هذه الرائحة؛ بسبب المُجالسة التي جالستَ بها نافخ الكِير.

مجالسة الملائكة لأهل مجالس الذكر

إذا كان الأمر كذلك، فإن مجالس الذكر يجتمع الداخلون فيها، فإذا أخلصوا نيَّاتهم، كان جُلساؤهم من الملأ الأعلى، ملائكة كثير يحضرون مجالس الذكر. 

بل خَصَّصَ الله لمجالس الذكر التي يقوم بها المؤمنون في الدنيا ملائكة مخصوصين ذَكَرهم ﷺ، كما جاء في الصحيحين وغيرهما: "إن لله ملائكةً سَيَّارَةً" -وفي اللفظ الآخر: "إن لله ملائكة سَيَّاحِينَ يلتمسون حِلَقَ الذكر"، شُغلهم يجتمعون ويجالسون أهل حِلَقِ الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى بُغيتكم، إلى طَلِبتكم، فيحُفُّونهم بأجنحتهم، قال: إلى السماء الدنيا، يعني حلقة فوق حلقة، فوق حلقة، إلى السماء الدنيا!

وهذه مُجالسة شريفة لهؤلاء الملائكة، والعَجَب أن هؤلاء الملائكة يذكرون مع الذاكرين، وإذا دعوا أمَّنوا على دعائهم من فضل الله سبحانه وتعالى. 

الاقتداء بسيد الذاكرين

بذلك يصير مجلس الذكر له شأنٌ عظيم، لعظمة الشأن في مجالس الذكر قال الرحمن لسيّد الأكوان: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).

وهذا يُعَلِّمنا المنزلة الكبيرة لمُجالسة الذاكرين والحضور معهم، يقول: حبيبي بكلّه أَمَرْتُهُ أن يجلس مع هؤلاء (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ)، فلو لم يكن فيها شأنٌ عظيم كبير، ما أَمَرَ الله حبيبه المصطفى ﷺ.

وحبيب الله المصطفى سيّد الذاكرين، وليس محتاج أحد يُذكِّره ولا يحتاج أحد يُعينه على الذّكر، ولكنه ﷺ قُدوة للعالمين ورحمة للعالمين، وأَمَرَهُ الله أن يجلس مع هؤلاء الذاكرين.

معية الله للذاكر

وهذا الشأن الفخيم مرتبط بما أشار إليه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، حيث يقول عنه ﷺ عن الله تعالى: "أنا جليس مَن ذكرني". 

فإذا ذكرهُ العبد المؤمن بقلبٍ حاضر، ممتلئ بتعظيم الله جَلَّ جلاله، وإقبال وتوجُّه إلى الله؛ أثمر هذا أن يكون مِن جُلَسَاءِ الله سبحانه وتعالى، بمعنى شريفٍ راقي لائق بالعبد ولائق بالحق سبحانه وتعالى الذي ليس كمثله شيء، جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

 

لهذا قال لحبيبه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، أي لا تُجَاوِزها إلى غيرهم، خَلِّ نظرك عليهم هؤلاء؛ لأن الله ناظرٌ إليهم، وحبيبه ينظر  إلى مَن ينظر إليه جَلَّ جلاله، قال: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).

مرجع المؤمن لأهل الذكر لا الغفلة

وقال عن الناس الذين يعيشون في هذه الأرض من أصناف الغافلين، قال: لا تُعوِّل عليهم، ولا تلتفت إليهم، ولا تُشاورهم في شيءٍ من أمورك، قال سبحانه وتعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).

هذا تعليمٌ واضحٌ ربَّاني، يقول: المؤمن بالله تبارك وتعالى إن أراد أن يبني أموره وحياته وشؤونه، يستشير مَن؟ ويُطيع مَن؟ ويأخذ مِن مَن؟ 

أمّا الغافلين عن ذكر الله فقال: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، وقال: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ). 

ويقول سيدنا موسى لمَّا خَلّف أخاه سيدنا هارون عليهما السلام في قومه: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).

فإنّما يرجع المؤمن في أموره ومشورته إلى أهل ذكر الله، والمُقَرَّبين عند الله، وأهل المعرفة بالله سبحانه وتعالى، فإنهُ يُقيم أموره على نور، وعلى أساسٍ من الاتصال بالعزيز الغفور جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، تسري سِراية هذا الذكر في شريف المُجالسة يتهيَّأ بها المؤمن.

أثر مجالس الذكر في التهيؤ للصلاة

فمجالس الذكر هذه تُهيِّئُنا للصلاة، نقوم الآن إلى صلاة العشاء، على قَدْرِ ما استفدنا من مجلس الذكر هذا بين المغرب والعشاء يكون حالنا في الصلاة؛ لأن الصلاة حالة لقاء خاص مع الرَّب سبحانه وتعالى، وتَجَلٍّ منه خاص سبحانه وتعالى، وتَنَزُّل منه سبحانه. 

يقول عنها ﷺ: "وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة"، وذلك لِمَا يحصل له من الشهود. قال ربي: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). وقال عن الراحة فيها ﷺ لسيدنا بلال: "أَرِحْنَا بها يا بلال"، وكان إذا حَزَبَهُ -أي أهمَّهُ- أمرٌ، قام إلى الصلاة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ومِن مُهمَّات مجالس الذكر في خلال ساعات الليل والنهار، أن تُهيِّئنا للصلوات، ليعلو قَدْرُنا في الصلاة مِن حيث الحضور مع الله، والأدب مع الله، والخشية مِن الله، والرجاء في الله، والمُطالعة لجمال الله وأسمائه وصفاته، في القيام والركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين وفي التشهد. وكلها موائد فضلٍ ربَّاني وجُودٍ امتناني يفيضه الله على مَن يشاء مِن عباده، حَقَّقنا الله وإياكم بحقائق الصلاة والأذكار بأصنافها وأنواعها.

الرقي في الإيمان بمجالس الذكر 

هذه ومع الصلوات، وما يحصل فيها من الخير، مُهيِّئة لرقِّيّنا العام في مراقي الإيمان واليقين، مِن علم اليقين وإلى عين اليقين كذلك لأهل عين اليقين، وبالنسبة لأهل حقّ اليقين في حقّ اليقين، لهم تَرَقِّيَات بهذه الأذكار في شريف معنى المُجالسة للمذكور جَلَّ جلاله. 

والتهيُّؤ لمُجالسة الرفيق الأعلى، ومُجالسة النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، بسِرّ المعيَّة التي وعد الله بها أهل طاعته: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا). 

مِن هنا كان لمجالس الذكر كفَّارات لمجالس اللهو وما إلى ذلك، وكان مُؤدَّاها إلى هذا، وبعده ما هو أكبر منه.

ثمرات المجالسة في البرزخ ويوم القيامة

وذلك أن هذه المجالس، وآثار هذا الذكر، والارتقاء في معنى المُجالسة بمختلف الأذكار عامَّة وبالصلاة خاصَّة؛ يُهيِّئك لمُجالسات في البرزخ لأهل النبوَّة، ولأهل الصِّدِّيقية، وللمُقَرَّبين، وللعباد الصالحين. على حسب ما اكتسبت في حياتك الدنيا هذه مِن سِرّ الأدب مع الله، والقُرب منه جَلَّ جلاله، فعلى قَدْرِ ذلك تكون مُجالستك في البرزخ للأنبياء وللمُقَرَّبين مِن الصِّدِّيقين وللصالحين مِن عباد الله جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

التحذير من مجالس السوء وأثرها المظلم على القلب

كما أن ما ينتشر مِن ذكر السوء، والكلام القبيح السيئ، والمناظر القبيحة كذلك؛ كُلُّها لها مُؤدّى إلى سوء المُجالسة، وتُجالس بها البُعداء عن الله، وتُجالس بها المحجوبين عن الله، وتُجالس بها المقطوعين عن فضل الله سبحانه وتعالى. 

فتُؤثِّر في قلبك قسوة، وتُؤثِّر في قلبك ظُلمة، إذا استمعت إلى أشعارهم أو أغانيهم أو كلامهم الساقط الهابط الماجن، أو شاهدت شيئًا مِن مجالسهم أو صورهم، كلها تُوصِل إلى قلبك قسوة وظُلمة وحجابًا والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ فتخسر شرف المُجالسة للرَّب، وشرف المُجالسة للملائكة، وحقيقة المُجالسة للصالحين.

حقيقة مجالسة الصالحين

لهذا قال بعض العارفين: الشقاء والبلوى كلها ليس في عدم مُجالسة الصالحين، لكن قال: أشقى منها وأتم مَن يُجالس الصالحين ولكن يُحْرَم الأدب معهم، يُحْرَم حقيقة مجالسهم! لماذا؟ لأن قلبه في مُجالسة لغير  الجنس، لغير أهل هذا المقام. 

وبهذا، حتى يحضر معهم، ولكن ما يُحسِن التلقّي، يحضر معهم ما يكون له التَرَقّي، يحضر معهم وما يُدرك روح المُجالسة التي في لحظةٍ مِن لحظاتها ترفع العبد إلى مراتب القُرب والمجد مِن الرَّب سبحانه وتعالى، وتُرقِّيه في مراقي كبيرة.

وهكذا، فيها يقول الإمام الشيخ أبو بكر بن سالم: قد يأتيني بدوي وكان جاهلًا، يبول على فخذه، ولكن يأتي بصدقٍ ونيَّة، في لحظةٍ أوصِله إلى الله! جلسة واحدة يجلس فيها مع ذاك الإمام يحصل الوصول، وتنطوي له الطُّرق هذه كُلُّها والمسافات كُلُّها؛ لأنه جاء بإقبال وكُلِّيَّة وحُسن مقابلة، فأدركَ سِرّ المُجالسة.

فالذي يتسلَّل إلى قلبه مِن أثر المناظر السيئة والكلمات القبيحة للغافلين والبعيدين، مِن السَّبَّابين والنَّمَّامين والشَّتَّامين والبذيئين والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ يُحْرَم في الدنيا طِيب مُجالسة أهل الصلاح وأهل الخير والعياذ بالله تبارك وتعالى، وتكون مَجالسه صُوريَّة معهم، صورةً لا يأخذ ما فيها مِن موائد، وما فيها مِن فوائد، وما فيها مِن محامد، وما فيها مِن جُود مِن الجواد جَلَّ جلاله، وواسع إمداد وفضل وإسعاد.

قال الحبيب علي الحبشي عليه رحمة الله:

 همُ العلماءُ العارفونَ الذين في ** مجالسِهِم للمرءِ أعظمُ إسعادِ

ليس إسعاد.. أعظم إسعاد! أعظم إسعاد يكتسبه بمُجالسة هؤلاء، وبالحضور معهم؛ لأنه يترقَّى ليس على قَدْرِه، بل يترقَّى على قَدْرِ منازلهم عند الله، وعلى قَدْرِ رعاية الله بهم وعنايته بهم جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وقال في هذا المعنى:

أُفِيدُكَ أَنَّنِي جَالَسْتُ قَوْمًا ** حَدَوْنِي بِالْمَقَالِ وَبِالْفِعَالِ

 رِجَالًا مَا رَأَيْتُ لَهُمْ مَثِيلًا ** يُزَعْزِعُ حَدْوُهُمْ صُمَّ الْجِبَالِ

 فَحَرَّكَ حَدْوُهُمْ قَلْبِي فَأَبْدَى ** غَرَاماً مِنْهُ فِي حُبِّ الْجَمَالِ

وذَكَرَ ما حصل له مِن تلك النتائج الكبيرة في كلامٍ عظيم.

الفرق بين مجالسة الأخيار ومُجالسة الأشرار

وهكذا، مِن سِرّ المُجالسة كان يقول سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم: "مَن جالس الأخيار حُظِيَ بالخير والأسرار، ومَن جالس الأشرار استحقَّ العار والنار"، لأن هذه المُجالسة لهم إذا ارتضيتها، فضلًا عن أن تحضر معهم في مواقع غفلتهم وعصيانهم، فإن هذا يُؤدِّي إلى أن تُرافق أمثالهم في البرزخ، وتُحجَب عن الأنبياء، وتُحجَب عن المُقَرَّبين؛ لأنك اخترت المُجالسة للساقطين هؤلاء والهابطين والمُبعَودين والعياذ بالله تبارك وتعالى، فهي تكسبك قسوةً في القلب في الدنيا، وقد تُؤدِّي بك إلى مُجالسة هؤلاء الغافلين البعيدين عن الله جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

لكن أرباب اكتساب الثمرات الصالحة مِن مُجالسة الصالحين -التي كان يقول عنها الناس: مَن جالَس جانَس، 

وإذ الطباع تسرق الطباعَ ** وكل مَن جالس خبيثًا ضاعَ

 والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ولكن في مُجالسة هؤلاء الأخيار والصالحين تأتي الثمرات والنتائج في البرازخ، ثم في يوم القيامة ومواقف القيامة، يتميَّز مَن كان أدرك منزلة شريفة في المُجالسة الربَّانية، والمُجالسة المُحمدية، ومُجالسة أهل النبوة والرسالة. 

مُجالستهم مِن خلال هذا الإيمان بهم، واليقين والاتباع لهم والاقتداء بهم، وهذا الذِّكر الذي يحصل للقلب منه تنوير، وللقلب منه تطهير، وللقلب منه تذكير، وللقلب منه رفعة ودرجات يرتقي بها في الإسلام والإيمان والإحسان، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، اللهم أعِنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، فيكسَب الكُلّ.

نتائج المجالسات في القيامة

أما مُجالسة البعيدين والعياذ بالله فحقيقتها تظهر في القيامة؛ يتلاعنون وفي النار يتلاعنون، وكل واحد ما يدري بالثاني ولا يُحِب الثاني، ويتبرَّأ مِن الثاني والعياذ بالله، كلٌّ مشغولٌ بشدة العذاب الذي عنده.

أما مُجالسة النور والخير والصلاح والهدى والبِرّ، فمُجالسات عجيبة تحصل لهم في الجنة، على قَدْرِ ما اكتسبوا مِن سِرّ المُجالسة أيام كانوا في الدنيا. 

قال عنها سبحانه وتعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ). 

وقال عنها سبحانه: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).

(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) مِن الجاحدين ومِن الغافلين، لكن ما أطعته ولا جالسته، كان يضحك عليَّ، لمَّا أحضر مجالس الخير وأذهب عند الصالحين يضحك عليَّ ويستهزئ بي، ويستهزئ بإيماننا بالآخرة وتصديقنا بها، وكان يقول: (أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) أنحَاسَب نحن بعد ذلك؟

يقول له الملَك وهو يتكلم هو وصاحبه هذا، يقول: هل أنتم مُطَّلعون؟ سترون حالة هذا الذي كان يضحك عليكم ويستهزئ بإيمانكم! قال: (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ)، يقولون: نعم، فيُكشَف الحجاب بينهم وبينه وهو في النار ، فيُشاهدونه في النار، فيرجع إليه حِسّه يراهم، يعرف الذي كان! 

يصيح عليهم: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)، قال: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ)، لو سمعت كلامك في الدنيا لكنتُ عندك أنا في البلاء هذا الذي أنت فيه والعذاب الشديد! (إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).

قال الله في أهل الجنة هؤلاء ومُجالستهم ومخاطبة بعضهم البعض: (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فهذا النُّزُل الطيِّب لأهل هذه المُجالسات في الله سبحانه وتعالى، ثم لهم مجالس مع بعضهم البعض، ولهم مجالس مع الصِّدِّيقين ومَن فوقهم مِن أهل الدرجات، ولهم مجالس مع النبيين، ولهم مجالس في ساحة النظر إلى وجه الله الكريم، وكُلُّها يأخذون فيها نتائج ما وصلوا به مِن رتبة المُجالسة في الدنيا، فَعَظُم بذلك شأن المجالس هذه؛ مجالس الذكر ومجالس التذكير.

بذلك حَرِصَ عليها الصالحون مِن عهد الصحابة ومَن بعدهم، ونشروها في أتباعهم ونشروها في أصحابهم، وعقدوا لها المجالس، والله يُوفِّر حظَّنا منها. 

 إحياء شهر ربيع الأول ومجالس المولد النبوي

والآن وأنتم تلتقون شهرًا بعد شهر والشهور تمضي علينا، ويُقبل علينا شهرٌ في مِثْله وُلد نبينا، ظهر نور نبينا ﷺ، وهو شهر ربيع الأول، اختاره الله لحبيبه المُفَضَّل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والمجالس فيه تكثُر، وعسى ننال ثمرتها وخيرها.

وكُلٌّ يُنَوِّر داره، ويُنَوِّر أهله وأسرته بمجالس في ربيع الأول؛ فيها ذكر الله، والصلاة على حبيبه ﷺ، وفيها تطهير وتنوير وتقريب، واستنزال لرحمة الله، ومُجالسة للملائكة الذين يحضرون مجالس الذكر إلى غير ذلك. 

لا يبخل على نفسه، ولا على أهله، ولا على أسرته بالنصيب، وكان بعض الأخيار ما يمُرّ عليه شهر ربيع الأول إلا وكُلّ غرفة مِن غُرَف بيته قرأ فيها المولد، هو وأولاده وأهله ومَن عنده يحضر، وبعضهم يمُرّ حتى على المَمَرَّات، حتى على المطبخ، يقرؤون فيه قصة المولد الشريف، ويستنزلون رحمة الله تعالى. 

البيت كُلُّه يتنوَّر بالنور، وتتردَّد إليه الملائكة، فترتفع درجتهم في شرف المُجالسة، شرف المجالسة للرحمن، ولملائكته، ولأرواح النبيين والصِّدِّيقين والمُقَرَّبين، يتهيَّأون لمنازل شريفة في البرزخ وفي يوم القيامة وفي دار الكرامة، بهذا يجب أن نغنم أعمارنا.

بركة العمر إذا عُمرُك مضى وأنت طائع

 تعبد الله دائم وأنت خاشع وخاضع

 يا ذاكر الله يا بُشراك نِلْتَ الأمان

أصل عقد المجالس

فالحمد لله الذي هيَّأ لنا سبيل الذكر، ومَنَّ علينا بمجامع أصل عقدها ما كان بمجرد نيَّاتنا ولا عزائمنا، وسبق قبلنا أرباب العزائم، وبَنَوا لنا الأماكن، وأسَّسوا لنا المجالس، واستلمناها منهم موروثة.

وإذا رجعنا إلى أصولها مِن عندهم، تطلع لفوقهم وتجد المُؤسِّس الأصيل لها: سيد المرسلين الذي كان ينزل عليه جبريل، هو الذي دعاهم إلى هذا، وهو الذي أرشدهم وعلَّمهم، وفي استجابة لدعوته أقاموها وأسَّسوها، فهي راجعة إليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فالحمد لله على هذه النِّعَم، الله يُتِمّ النعمة علينا وعليكم، ونُكرَم بحُظوة المجالس ونورها، وما فيها مِن خِلَع، وما فيها مِن نفع، وما فيها مِن رفعة، وما فيها مِن شرف، ونزداد إيمانًا ونزداد يقينًا، ونتصفَّى حتى نُصطفى ونُصافى مِن حضرة الرحمن جَلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

أكرَمنا الله وإياكم بذلك وسلك بنا أشرف المسالك، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك يا أرحم الراحمين.

 

تاريخ النشر الهجري

16 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

29 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية