المكاتبات والمناجاة الإلهية - 4 | فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الأحد 12 صفر 1448 هجري.
فما زالتْ مَطِيّةُ عَزمهِ لَا يَقَرُّ قرارُها، دائما تسْيَارُها، إِلىٰ أنْ أناختْ بحَضْرةِ القُدْس، وبِساطِ الأنس، مَحلَ المُفاتحةِ والمُواجهةِ، والمُجالسةِ والمُحادثة، والمُشاهدةِ والمطُالعة، فصارتِ الحَضْرةُ مُعَشْعَشَ قُلوبهمْ إليها يأوون، وإليها يَسْكُنُون
فإنْ نزلُوا مِنْ سماءِ الحقوقِ وأرضِ الحظوظ .. فبِالإذنِ والتَّمكين، والرُسوخِ في اليقِيْن؛ فلَمْ يَنْزِلُوا إلى الحُقُوقِ بِسُوءِ الأدبِ والغفْلة، ولا إلى الحُظُوظِ بالشَّهْوَةِ والمُنْعَةِ، بل دَخَلُوا في ذلك بالله وللّه ومِنَ اللهِ وإلى الله.
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى سيدنا الشيخ علي بن عبد الله باراس، إلى أن قال:
"فإذا صحت له هذه الحالة التي هي الاعتماد على فضل الله وإعانته .. لم تزل مطية العزم في السلوك جادة؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
فَمَا زَالَتْ مَطِيَّةُ عَزْمِهِ لا يقَرُّ قَرَارُهَا، دَائِماً تَسْيَارُهَا، إِلَى أَنْ أَنَاخَتْ بحَضْرَةِ الْقُدْسِ، وَبِسَاطِ الْأُنْسِ، مَحَلِّ الْمُفَاتحَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ، وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُحَادَثَةِ، وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُطَالَعَةِ، فَصَارَتِ الْحَضْرَةُ مُعَشْعَشَ قُلُوبِهِمْ؛ إِلَيْهَا يَأْوُونَ، وَإِلَيْهَا يَسْكُنُونَ.
فحيث كان المريد -كما وصفنا- من طهارته عن الأكدار، وتخلّيه عن الأغيار، وتصفيته عن كدر الآثار، وكان مع ذلك آخذًا في السير في أطوار الوجود، قاصدًا التجلي والشهود.. ما زلَّتْ عن المقصد ولا حالت عن الطريق "مَطِيَّةُ عَزْمِهِ"؛ شبَّه عزيمته وقوتَه بالمطية -والمطية: هي النجيبة من الإبل، المختارة لقطع المسافة البعيدة في المدة القريبة، وليست كل الإبل كذلك، بل لم تسمَّ مطية إلا التي تستطوى للسير وتطوي له من بين الإبل لقوتها وصبرها.
فهذه عبارةٌ حسنة كما هو عادته في كلامه الاستعارة بالأمور الحسية عن الأمور المعنوية؛ ليفهم ذلك كل السامعين، ويقرب إلى الأفهام معنى الكلام.
"لا يقَرُّ قَرَارُهَا" والقرار: هو السكون والركون، وعزيمة الصادق لا تسكن، ولا إلى شيء دون المراد تركن.
ومرادها ومنتهى مقصدها: هو الكون في أطوار وأنوار التجلي والحضور، ورفع الحجب والستور، دائمًا في تسيارها، لم تقطع سيرها العوارض، ولا تقيدها العوائق، فلم تزل كذلك جادة في السير قائلة: (لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) [الشعراء:50]، إلى أن وصلت إلى غاية المراد، ومنتهى قصد القُصَّاد، ومحل كرامة الرائدين والوُفَّاد، بفائضات المواهب والإمداد، وحيث تُنيخ نجائب الطلاب بباب المتفضِّل الوهاب، وحيث يواجه الأحباب بالتجلي والخطاب، وحيث ترفع عن الحبيب الستر والحجاب، وحيث يؤذن بالسؤال والجواب، نهاية سير الهمم، واستبانة الطريق الأَمَم، والمنهج الأقوم، وتجلي الأسرار، وشروق الأنوار، الحضرة القدسية عن لوث رؤية الأغيار، المنزهة عن كثافة الآثار.
"حضرة القدس"، والتقديس: هو التطهير، والقدس: هو المحل الطاهر الأنفس الأعز، وعند الكون في هذه الحضرة الأنيسة والرتبة الأريسة.. تظهر أسرار وشوارق أنوار، فينمحي عن أنيَّته، ويغيب عن شاهد غينيته، فلا يبقى له أثر، ولا يسمع له خبر، فيتخلف هنالك عنه آثاره، وتنمحي عنه شواهد أفعاله وأوصافه، فيأخذ في السير فيه بعد السير إليه".
جلّ جلاله وتعالى في علاه.
يقول عليه رحمة الله: الحمد لله الذي يهيئ السبيل لكل صادق مع الملك الجليل في النية والقصد والفعل والقيل؛ فإذا صح له التوجه إلى الله معتمِدًا على الله وعلى فضله وإعانته، فتوجه إلى الله بالله لا بنفسه، لم تزل مطية العزم عنده في السلوك جادة، لأنه لم يتوجه بنفسه.
عَزَمْت شَاقَطَعْ كُلَّ أَمْرٍ أَرَى *** فِي قَطْعِهِ نَيْلَ المَقَامِ الكَرِيم
وَأَرْفُضُ الدُّنْيا الغَرُورَ الَّتِي *** مِنْ حُبِّهَا كَانَ الحِجَابُ مُقِيم
وَالنَّفْس وَالشَّيْطَان أَعْصِيهِمَا *** بِقُوَّةِ اللهِ العَلِيَ العَظِيم
بِقُوَّةِ اللهِ العَلِيَ العَظِيم!.. يقول:
أُولِّي الأكْوَان ظَهْرًا وَلَا *** أَرَى سِوَى اللهِ العَزِيزِ الحَكِيم
يَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْكَ حُسْنَ اليَقين *** وَعِصْمَةَ الصِّدْقِ وَقَلْبًا سَلِيم
وَهِمَّةٌ تَعْلُو وَصَبْرًا جَمِيل *** وَنُورَ تَوْفِيقٍ بِه أسْتَقِيم
وَحُسْنَ تَأييدٍ وَعَوْنًا يَدُوم *** فَإِنَّكَ الدَّائِم وَجُودُك عَمِيم
أَرْجُوكَ تُعْطِينِي الَّذِي أَبْتَغِي *** بِمَحْضِ فَضْلِكَ لا بِجُهْدِي الذَّمِيم
بِمَحْضِ فَضْلِكَ لا بِجُهْدِي الذَّمِيم!..
فإذا توجهتَ إلى الله مستعين به ومعتمد عليه لا على نفسك، وبذلت همتك وعزيمتك كلها له به -جل جلاله-؛ "فَمَا زَالَتْ مَطِيَّةُ عَزْمِهِ لا يقَرُّ قَرَارُهَا، دَائِماً تَسْيَارُهَا"، تُحمى عن الانقطاع وعن الانصراف، بل:
لَمْ أَزَل بِالبَابِ وَاقِف *** فَارْحَمَنْ رَبِّي وُقُوفِي
وَ بِوَادِي الفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عُكُوفِي
وَحَسبِي أنَّنِي بِالبابِ حَانِي *** عَلَى الْأَعْتَاب إِلَى يَومِ القِيَامَه
مَضَى فِي العِلمِ وَالتَّقوَى زَمَانِي *** وَفِي الْأُخْرَى إِلَى دَارِ المُقَامَه
قِف على باب ما يقلده يا سعد قالِدْ *** باب مولاك لي منّه ورود الفوائدْ
ما يقلده يا سعد قالِدْ: أي يغلقه.
ثم يقول في حاله الذي يعيش به:
فإنّ لولا الرجاء في الله وحسن العقائد *** في الرجال الذي زانوا صفوف المساجد
كان ما عاد أنا باغي في العمر زايد
كان ما عاد بيطيب لي المقام في الدنيا ولا الجلوس فيها أبدًا.
فإنّ لولا الرجاء في الله وحسن العقائد *** في الرجال الذي زانوا صفوف المساجد
كان ما عاد أنا باغي في العمر زايد
لا إله إلا الله! يقول سيدنا الإمام الحداد أيضًا:
لَوْلَا التَّرَجي لِمَا يَأْتِي *** مِنْ نَفْحَةِ المَلِكِ القُدُّوس
لَمَزَّقَتْ قَلْبِيَ الْأَحْزَان *** وَذُبْتُ مِنْ شِدَّةِ الكَرْب
يقول على "الليالي التي مرت بنا في الحِمَى المأنوس":
كَانَتْ بِهَا كُلُّ لَذَّاتِي *** فِي عَالَمِ الرُّوحِ وَالمَحْسُوس
لَوْلَا التَّرَجي لِمَا يَأْتِي *** مِنْ نَفْحَةِ المَلِكِ القُدُّوس
لَمَزَّقَتْ قَلْبِيَ الْأَحْزَان *** وَذُبْتُ مِنْ شِدَّةِ الكَرْبِ
لا إله إلا الله؛ لكن الرجاء في الله -سبحانه وتعالى- بواسطة مصطفاه محمد ﷺ.
يقول:
سَقْيًا لِأَيَّامِنَا اللَّاتِي *** مَرَّتْ لَنَا بِالحِمَى المَأْنُوس
كَانَتْ بِهَا كُلُّ لَذَّاتِي *** فِي عَالَمِ الرُّوح وَالمَحْسُوس
لَوْلَا التَّرَجِّي لِمَا يَأْتِي *** مِنْ نَفْحَةِ المَلِكِ القُدُّوس
لَمَزَّقَتْ قَلْبِيَ الْأَحْزَان *** وَذُبْتُ مِنْ شِدَّةِ الكَرْبِ
عِشْ بِالرَّجَا وَالأَمَلُ يَا صَاحْ *** وَحَسِّنْ الظَّنَّ بِالمَعْبُود
وَزَجِّ وَقْـتَـكَ بِالأَفْرَاح……………………….
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]، وتصبح وتمسي على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وصلاة جماعة ومجلس ذكر في الصباح وعصر وضحى، وظهر وعصر وروحة، وعشية والدرس وصلاة جماعة ياسلام!.
عِشْ بِالرَّجَا وَالأَمَل يَا صَاحْ *** وَحَسِّنْ الظَّنَّ بِالمَعْبُود
وَزَجِّ وَقْـتَـكَ بِالأَفْرَاحْ *** وَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَفْقُودْ
وَارْقَ إِلَى عَالَمِ الأَرْوَاح *** فَإِنَّهُ الأَصْل وَالمَقْصُودْ
وَلَا تُعَوِّل عَلَى الجُثْمَان *** فَإِنَّمَا هُوَ للتُّرْبِ
فَهَلْ تَرَى يُسْعِدُ الدَّهْرُ *** بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالبَيْنِ
مِنْ قَبْل أَنْ يَنْقَضِي العُمْرُ *** بِمُلْتَقَى قُرَّةِ العَيْنِ
وَيَدْنُوَ الرُّكْنُ وَالحِجْرُ *** مِنْ مُنْتَهَى الحُسْنِ وَالزَّيْنِ
وَبِالمُعَرَّفِ مِنْ نَعْمَانْ *** مَوَاقِفُ الفَوْزِ وَالقُرْبِ
نعمان: الوادي الذي أخذ الله علينا فيه العهد وأشهدنا على أنفسنا (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172]، لا إله إلا الله.
يقول -عليه رحمة الله-: "لا يقَرُّ قَرَارُهَا، دَائِماً تَسْيَارُهَا، إِلَى أَنْ أَنَاخَتْ بحَضْرَةِ الْقُدْسِ، وَبِسَاطِ الْأُنْسِ، مَحَلِّ الْمُفَاتحَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ"، سيأتي شرح هذه المعاني "وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُحَادَثَةِ، وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُطَالَعَةِ، فَصَارَتِ الْحَضْرَةُ مُعَشْعَشَ قُلُوبِهِمْ"؛ قلوب هؤلاء الصادقين مع الله؛ "إِلَيْهَا يَأْوُونَ، وَإِلَيْهَا يَسْكُنُونَ".
"فحيث كان المريد -كما وصفنا- من طهارته عن الأكدار" -اللهم طهرنا عن الأكدار-، "وتخلّيه عن الأغيار" -وهي الظلمات-، "وتصفيته عن كدر الآثار، "وكان مع ذلك آخذًا في السير في أطوار الوجود، قاصدًا التجلي والشهود" معتمد على الملك المعبود.. "ما زلَّتْ عن المقصد ولا حالت عن الطريق "مطية عزمه"؛ شبَّه عزيمته وقوتَه بالمطية."؛ شبهها بالمطية.
- والمطية: هي النجيبة من الإبل- المختارة لقطع المسافة البعيدة في المدة القريبة.
"وليست كل الإبل كذلك. بل لم تسمَّ مطية إلا التي تستطوى للسير وتطوي له من بين الإبل لقوتها وصبرها"، فتصير مطية، فالصدق خير مطيةِ، فخير مايقطع بك الطريق، ويطوي لك المسافة.. الصدق.
قال: "فهذه عبارة حسنة كما هو عادته في كلامه الاستعارة بالأمور الحسية عن الأمور المعنوية".
"لا يقَرُّ قَرَارُهَا"؛ أي: ماتسكن، "والقرار: هو السكون والركون، وعزيمة الصادق لا تسكن، ولا إلى شيء دون المراد تركن.
ومرادها ومنتهى مقصدها:" أن تكون "في أطوار وأنوار التجلي والحضور، ورفع الحجب والستور"؛ حجب الغفلات والشهوات والانقطاعات، "دائمًا في تسيارها، لم تقطع سيرها العوارض، ولا تقيدها العوائق، فلم تزل كذلك جادة في السير قائلةً: (لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ)":
- وذا يهددهم.. (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه:71].
- (قَالُوا لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) [الشعراء:50]، نحن مرجعنا إلى ربنا فلتعمل ما تريد.
- (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا) [طه:72-73].
قال: وهكذا لا تقيدها العوائق "إلى أن وصلت إلى غاية المراد، ومنتهى قصد القُصَّاد، ومحل كرامة الرائدين والوُفَّاد، بفائضات المواهب والإمداد، وحيث تُنيخ نجائب الطلاب -الله أكبر!- بباب المتفضِّل الوهاب -جلَّ جلاله-، وحيث يواجه الأحباب بالتجلي والخطاب":
فتحس ما أوحى الله إلى رسوله؛ موجَّه إليك ومخاطب لك، والحق قد تكرم عليك: "ياأيها الذين آمنوا"، "ياأيها الناس"، "يابني آدم"، كلها خطابات لك.. أنت داخل في هذا الخطاب أو لا؟ كم مرات ربي خاطبك في القرآن، ولكن عادك ما سمعت، وإذا صَفيت تسمع الخطاب من رب الأرباب. -لا إله إلا الله-.
كان يقرأ الآية سيدنا عمر يرددها حتى يغمى عليه، ويُحمَل إلى البيت قد يُعاد أيامًا من أثر آية من كتاب الله، سمعت؟!..
قال لك: "وحيث يواجه الأحباب بالتجلي والخطاب، وحيث ترفع عن الحبيب السُّتُر والحجاب، وحيث يؤذن بالسؤال والجواب، نهاية سير الهمم".
- (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282].
- (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29]. نورًا تفرِّق بين الحق والباطل
"واستبانة الطريق الأَمَم"؛ الذي يُؤمُّ ويُقصَد، "والمنهج الأقوم، وتجلي الأسرار، وشروق الأنوار، الحضرة القدسية عن لوث رؤية الأغيار"؛ يعني: المقدسة عن لوث رؤية الغير، "المنزهة عن كثافة الآثار.
قال: "حضرة القدس" والتقديس: هو التطهير، والقدس: هو المحل الطاهر الأنفس الأعز"، وبعدين ذلك إذا دخل حظيرة القدس- وعند الكون في هذه الحضرة الأنيسة والرتبة الأريسة.. تظهر أسرار وشوارق أنوار، فينمحي عن إنيَّته"؛ أنا.. أنا.. أنا ما عاد شي، "ويغيب عن شاهد غينيته"؛ ادعاؤه لنفسه بشيء من الاستقلال بوجوده او أي شيّ من الأعمال والأحوال، يكون تقدس عن ذلك، "فلا يبقى له أثر، ولا يسمع له خبر" -عن الحال الذي هو فيه- "فيتخلف هنالك عنه آثاره، وتنمحي عنه شواهد أفعاله وأوصافه":
- فتفنى أفعاله في الشريعة المطهرة.
- وتفنى صفاته في صفات الحق -جل جلاله- المعطي المانع، الخافض الرافع.
"فيأخذ في السير فيه بعد السير إليه":
- يصير سائرًا في الله، بعد أن صدق في السير إلى الله.
- فإذا وصل إلى حظيرة القدس صار سائرًا في الله: أي:
- متنزهًا في مطالعة جمال جلال كمال أسمائه وصفاته.
- مشاهدًا لأنوار القدس بقلبه وبروحه وسره.
(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]؛ اللهم أعطنا من فضلك ما أنت أهله.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"وأشار المؤلف رحمه الله إلى بعض ما يتجلَّى للواصلين من سنيّات الأحوال، فقال: "وَبِسَاطِ الْأُنْسِ" فالإشارة بالبساط إلى التجلي في حالة البسط؛ وهو ما يبسط الله لعبده من أسرار التولي وألطاف التجلي، ما يحول بينه وبين رؤية وجود الأغيار وظهور الآثار، فلا يشهد جنة ولا نار، ويُدار على السر عقار، تحت ملابس وخمار، فيختار، ولا يعرج على سكنٍ ولا دار، ولا أهلٍ ولا عقار، بل غريق في بحار لا تبين فيها الجهات والأقطار، ومستبدِلٌ بالأنس عن الإنس، فيُؤانس بأنواع ملاطفات، ولذيذ محاورات، وخفي مسارَّات، وشهيّ مسامرات، محل المفاتح بفتوح العلوم اللدنيات، والخزائن العرشيات، والذخائر الوصفيات، والمعاني الذاتيات، والمواجهة بالتجليات الوصفيات، والمحاسن العليات، في العوالم الجبروتيات، والغيوب العرشيات.
"وَالْمُجَالَسَةِ" في الحظائر الذكريات، "أنا جليسُ من ذَكَرني"، "وَالْمُحَادَثَةِ" بانكشاف معاني الكلم القدسيات، والإشارات القربيات، والمخاطبات الروحيات، وانتشار ما استودع في الذوات من الخطاب في عالم الذرات، يوم (أَلَسْتُ) بما كان وما هو كائنٌ إلى يوم نشر الأموات، وجمع الشتات، ونشر الصحائف بالحسنات والسيئات، "وَالْمُشَاهَدَةِ" للمتجليات الوصفيات، "وَالْمُطَالَعَةِ" للأنوار الذاتيات.
فإذا كان كذلك.. فلا شك أنه بين المشاهدات والمخاطبات لم يبقَ له بقية التفات، لا إلى ماضٍ ولا إلى آت، بل صارت الحضرة لقلبه دارًا، ولسرِّه قرارًا، ولروحه عقارًا، فالإشارة بالمعشعَش الذي هو مسكن الطير.. أولى من التعبير بغيره؛ لأن القلب من العالم السماوي الروحي، وأهل ذلك العالم موصوفون بالأجنحة (أُولِي أَجْنِحَةٍ)، والطير لا تسكن في غير وكرها، ولا تقر دون معششها، فإليها يأوي، وفيها تسكن وتثوي.
إذا أوت النفوس إلى الشهوات، وسكنت بالأسباب الدنيويات، وتقيّدت بالعادات الطبيعيات.. فأرواح الواصلين متنعمة في تلك الحظائر الأزليات، الدائمة الأبديات، لا يخشون من انقطاعها عنهم، ولا انفلاتها منهم، إذا صُلِيَ بحرارة الفراق، وأُقْلِقَ للمساق عن الأهل والمال من كان لها عَشَّاق، عند بلوغ الروح التراق، فيحترق سره بنار الفراق، وخوف الإشفاق مما هو لاقٍ".
الله أكبر، وله الحمد والمنة، لا إله إلا هو.
قال: "أشار المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى بعض ما يتجلى" وينكشف ويبين "للواصلين من سنيَّات الأحوال"، قال: إلى أن أناخت مطاياهم وعزائمهم الصادقة بحضرة القدس والتقديس:
- تقدسوا هم عن المعايب، من رياء، من كبر، من عجب، من غرور، من حسد، من حقد.
- بل تقدسوا عن الالتفاتات للكائنات، وبدا لهم من طالع الجلال ما أفناهم عن أنفسهم وذواتهم.
فصاروا يطالعون قدسية الرحمن -جل جلاله- الملك القدوس سبحانه. هذه الحظيرة القدسية يكون لهم فيها بساط الأنس.
قال: "فالإشارة بالبساط إلى التجلي في حالة البسط:
وهو ما يبسط الله لعبده من أسرار التولي وألطاف التجلي، ما يحول بينه وبين رؤية وجود الأغيار وظهور الآثار"؛ فيمد الرحمن عبده، سره وباطنه، بالحضور الكامل معه والغيبة عما سواه -جل جلاله-.
"فلا يشهد جنة ولا نار، ويُدار على السر عقار"؛ يعني: سُقيا حقائق القرب والمعرفة الخاصة، "تحت ملابس وخمار، فيُختار"، أي:
- يُصطفى من قبل الله تعالى، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75].
- ويقول سبحانه وتعالى: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) [الشورى:13]؛ يجتبي: يصطفي ويختار، فيكون من الذين اختارهم الله تعالى.
"فيُختار، ولا يعرج على سكن ولا دار، ولا أهل ولا عقار، بل غريق في بحار لا تبين فيها الجهات والأقطار، ومستبدل بالأنس عن الإنس، فيُؤانس بأنواع ملاطفات، ولذيذ محاورات، وخفي مسارَّات، وشهيّ مسامرات". سمعت؟.. ما يتجلى له من جمال أوصاف ربنا وأسمائه الحسنى -جل جلاله- وصفاته العُلى، يأخذ بكليته، ويحس له بحلاوة وذوق تغيبه عن جميع الخلق وحتى عن نفسه.
"محل المفاتح بفتوح العلوم اللدنيات، والخزائن العرشيات" لا إله إلا الله!.. قال لهم فتوحات عرشية منسوبة إلى العرش من حيث علوها وسموها، وتجلي رب العرش بها على هؤلاء الأصفياء.
"والذخائر الوصفيات"؛ ما ذخره الله تعالى من انكشاف صفاته العُلى للمحبوبين.
"والمعاني الذاتيات"؛ ما يمنح الله به هؤلاء المخصوصين من شهود سنا وقدسية الذات، أنوار القدس الكامل المطلق لذاته العلية جل جلاله.
"والمواجهة بالتجليات الوصفيات، والمحاسن العليَّات، في العوالم الجبروتيات"، وهي وراء عالم الملكوت؛ خرج من عالم الملك إلى عالم الملكوت، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75] إلى عالم الجبروت؛ وهو ما بين عالم الملكوت وعالم اللاهوت، عالم الجبروت تظهر فيه جباريًَة الجبار -جل جلاله-.
قال: "والغيوب العرشيات، (والمجالسة) في الحظائر الذكريِّات"، يقول الله تعالى: "أنا جليسُ من ذَكَرني"، رواه البيهقي في شعب الإيمان وغيره عن أُبي بن كَعْب قَالَ: "قَالَ مُوسَى عليه السلام يَا رب أقريب أنت فأناجيك أَوْ بعيد فأناديك فَقيل له يَا مُوسَى أنا جليس من يذكرنِي"، وشاهِدُه: "مَن ذكَرَني في نَفْسِه ذكَرتُه في نَفْسي، ومَن ذكَرَني في مَلَإٍ مِن النّاسِ، ذكَرتُه في مَلَإٍ أكثَرَ منهم وأطيَبَ"، وقوله في القرآن: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:152].
قال: "والمحادثة بانكشاف معاني الكلم القدسيات والإشارات القربيّات والمخاطبات الروحيات، وانتشار ما استودع في الذوات من الخطاب في عالم الذرات"؛ الله تعالى خاطب أرواحنا، أخرجنا من ظهر آدم في نَعمان. نَعمان: وادي ما بين الطائف إلى جهة عرفة، قريب من عرفة؛ وادي نعمان جمع فيه الأرواح لبني آدم.
حتى لما نظرتهم الملائكة قالوا: هؤلاء كلهم من ذرية آدم! يا رب لا تسعهم الأرض، قال: إني جاعلٌ موتًا، ما يجتمعون هؤلاء، يفنون، ملايين وملايين يفنون ويجون غيرهم، قالوا: والموت بينهم! إذًا لا يطيب لهم عيش، كيف يهنأ لهم العيش والموت أمامهم؟! قال: إني جاعل أملًا؛ يعيشون بالأمل؛ يقبرون موتاهم ويمشون، ما كأن الأمر يهمهم، لا إله إلا الله!.
قال: هكذا في هذا العالم تجلى الله علينا وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ) [الأعراف:172]، فإذًا مخبوء في روح كل واحد منا سر الخطاب هذا.
يقول: "وانتشار ما استودع في الذوات من الخطاب في عالم الذرات، يوم (أَلَسْتُ)"، (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) "بما كان وما هو كائنٌ إلى يوم نشر الأموات، وجمع الشتات، ونشر الصحائف بالحسنات والسيئات، "وَالْمُشَاهَدَةِ" للمتجليات الوصفيات، "وَالْمُطَالَعَةِ" للأنوار الذاتيات.
فإذا كان كذلك.. فلا شك أنه بين المشاهدات والمخاطبات لم يبقَ له بقية التفات، لا إلى ماضٍ ولا إلى آت، بل صارت الحضرة لقلبه دارًا، ولسرِّه قرارًا، ولروحه عقارًا"؛ يعني: شُربًا، "فالإشارة بالمعشعَش الذي هو مسكن الطير.. أولى من التعبير بغيره؛ لأن القلب من العالم السماوي الروحي، وأهل ذلك العالم موصوفون بالأجنحة (أُولِي أَجْنِحَةٍ)"، (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) [فاطر:1]، "والطير لا تسكن في غير وكرها، ولا تقر دون معششها، فإليها يأوي، وفيها تسكن وتثوي"، فكذلك الروح إذا وصلت إلى هذا العالم، تأنس بالعالم القدسي العلوي.
"إذا أوت النفوس إلى الشهوات، وسكنت بالأسباب الدنيويات، وتقيدت بالعادات الطبيعيات" فهي تأوي إلى فوق، ولا تتبع هذه النفوس.. "فأرواح الواصلين متنعمة في تلك الحظائر الأزليات، الدائمة الأبديات، لا يخشون من انقطاعها عنهم، ولا انفلاتها منهم، إذا صُلِيَ بحرارة الفراق، وأُقْلِقَ للمساق عن الأهل والمال من كان لها"؛ -أي: للدنيا- "عَشَّاق، عند بلوغ الروح التراق"، (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) -أيقن أنه بيفارق هذه الدنيا- (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) [القيامة:26-30]، فهؤلاء عند تلك الساعة ما يحسرون على شيء في الدنيا ولا على شيء فاتهم في الدنيا؛ لأنهم قد أنسوا بقربه ومحبته، وهم الآن يسافرون إلى حظائر قرب أصفى وأوفى مما كان يتجلى عليهم وهم في الدنيا؛ فلذلك يفرحون، ولهذا قال:
دفين في الفُؤَادِ بِهِ حَيَاتِي *** إِذَا صَالَ الفَنَاءُ عَلَى السَّوِيَّة
إذا الموت جاء للجسد، أنا حي بهذه المحبة ونور القرب منه سبحانه وتعالى.
دفين في الفُؤَادِ بِهِ حَيَاتِي *** إِذَا صَالَ الفَنَاءُ عَلَى السَّوِيَّة
ولهذا قال سيدنا بلال -عليه رضوان الله-: واطرباه! لمّا عند الموت تقول زوجته: واكرباه؛ فتح عينيه قال: "بل واطرباه، غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه"؛ بروح عند حبيبي؛ تقولين كرب أيش كرب؟ كرب هذا الذي لن يصل عند حبيبه هذا مكروب، أما أنا…
لا إله إلا الله.
لهذا لما قالت السيدة فاطمة وأحست بالحبيب ﷺ في النزع وخروج الروح: "واكرب أبتاه"، التفت إليها وقال: "لا كربَ على أبيكِ بعدَ اليومِ" يا فاطمة، "لا كربَ على أبيكِ بعدَ اليومِ" ﷺ.
قالت السيدة عائشة: ورأيته رفع يده وقال: بلِ الرَّفيق الأعلى، فعرفت أنه خُيِّر فاختار، وقلت: إذًا لا يختارنا أبدًا، لأني سمعته قبل يقول: ما من نبي يموت حتى يُخير بين أن يبقى مدة أو يلقى ربه، قالت: فلما سمعته يقول: "بلِ الرَّفيقُ الأعلى"، علمت أنه خُيّر وأنه اختار لقاء ربه، فقلت: إذًا لا يختارنا أبدًا. ﷺ.
قال: "فيحترق سره بنار الفراق، وخوف الإشفاق مما هو لاقٍ."، هذا الذي رَكَن للدنيا. أما من أحب الخلاق فيُبشر بالبشائر، وتكاد روحه تطير، والملائكة تتوفاه ويقبضون روحه وهو مشتاق إلى لقاء ربه، يحب لقاء الله، والله -تعالى- يحب لقاءه؛ فيا لها من عطايا، ومنح ومزايا، الله لا يحرمنا إياها.
12 صفَر 1448