(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة التحريم، من قوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ..}، الآية: 3
﷽
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))
الحمد لله مولانا الكريم، الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي استوى عنده ظاهر الأمر وخفاياه. نشهد أنه الله الذي لا إله إلَّا هو وحده لا شريك له، منه مبدأُ كل شيء وإليه منتهاه، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفوته وخيرته ومنتقاه ومصطفاه.
اللهم أدم صلواتك في كل لمحة ونَفَسٍ وحينٍ على عبدك الأمين، معدن الأنوار، ومركز الأسرار، مجلى التجلي في السر والإجهار، وعلى آله الأطهار وأصحابه الهداة، وعلى مَن تبعهم بإحسان واقتدى بهم، مُقبلًا عليك بحسه ومعناه، إلى يوم المُلاقاة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل المصافاة، وعلى آلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وعبادك الصالحين من كل منيب أوَّاه، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا الله.
أما بعد،،
فإننا في نعمة الحق علينا في تأمُلنا لكلام إلهنا -جلَّ جلاله-، وتلقِينا لِرحماته ونحن نُنصت إلى معاني آياته: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف:204]، وقال ﷺ لسيدنا أسيد بن حضير: "تلك السَّكينةُ تَنَزَّلَت بالقُرآنِ"؛ فرأى ظُلّة فيها أمثال السرج نازلة من السماء عليه، وهو يقرأ سورة الكهف، وقال له: "لو مضيت في قراءتك لأصبحت والناس ينظرون إليها، فيها الملائكة"، "تلك السَّكينةُ تَنَزَّلَت بالقُرآنِ"، فيُسترحم الرحمن بتلاوة آياته وتأمل معانيها.
تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3))
ومررنا على آياتٍ في سورة التحريم، خاطب فيها العلي العظيم نبيهُ الكريم، ذا القدر الفخيم لديه، يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا..(3))؛
إلَّا أن يتعلق به حقٌّ لله -تبارك وتعالى- لا مجال فيه للكتمان، وإلَّا فإذا كلَّم الرجل صاحبه وحدّثه بحديث وهو يلتفت فهي أمانة -سر-؛ لأن تلفُّتهِ دليل أنه لا يريد أحد أن يسمع، فإذا قامت هذه العلامة دلَّ على أنه استكتمك هذا الحديث، فإن أفشيته فقد خُنت الأمانة، فهذا بمجرد أنه يتلفت، فكيف إذا صرَّح لك وقال لك: لا تُخبر أحد، واكُتم هذا الكلام!
وقال سيدنا أنس بن مالك: إن أول ما جئتُ إلى رسول الله عليه -الصلاة والسلام- قدمتني أمي، وجاءت أُم طلحة تقول؛ يا رسول الله، إن أهل المدينة فرحوا بك وبمجيئك وأهدوا إليك مما عندهم، وليس عندي شيء أهديه، ولكن ابني هذا جئت به إليك ليخدمك، فاقبله مني يكون خادمًا معك يا رسول الله. قال: فقبلني، فأول ما كلمني قال: "يا غلام، احفظ عليَّ سري"، فوَعَى سيدنا، مع أنه كان صغير السن، ولكن كبير القدر والوعي والفهم، فمكث في خدمة النبي عشر سنوات، إلى أن توفي ﷺ.
وجاءت أمهُ في آخر السنوات تقول له: إن ابني هذا خدمك فادعُ الله له. قال: "اللهم أطل عمره، وبارك له في أهله وفي ولده وماله، واغفر له"، وكان يذكرها سيدنا أنس..
يومًا قال لنبينا: يا رسول الله، أسألك الشفاعة يوم القيامة. قال: "إني فاعل إن شاء الله". قال: أين أجدك، -وهذه قيامة فيها الأولين والآخرين-! أين أجدك؟ قال ﷺ: "اطلبني على الميزان". قال: فإن لم أجدك؟ قال: "فاطلبني على الصراط". قال: فإن لم أجدك؟ قال: "فاطلبني على الحوض، فإني لا أُخطئ هذه الثلاث المواطن" صلى عليه وصحبه وسلم.
وكان أول ما حدَّثه به قال له: "احفظ عليَّ سري"، فكان من وعْيه، حتى أن بعض أمهات المؤمنين يسألنه أحيانًا: أين ذهب رسول الله وماذا قال؟ يسكُت ساكت، ماذا يَعمل، ماذا قال؟ يذهب يسكت ساكت ولا يتكلم؛ لإنه قال له: "احفظ عليَّ سري"؛ وهذه خصلة من الخصال التي يجْمُل بها الإيمان ويصلح بها شأن الأصدقاء والأصحاب والمجتمعين، وإلَّا تخلخلت أمورهم إذا كانوا يفشون أسرار بعضهم البعض.
تفسير قوله تعالى: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4))
وهكذا يقول: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا..(3))، حفصة بنت عمر، (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أفشت السر، وأظهره الله عليه (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ)، وترْجعا عن أي شيء يؤذي رسول ﷺ، ويخالفه أو يخالف أمره.
(فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، معنى صغت:
(وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) تتعاونا على شيء مما يخالف مراده وقصده أو يؤذيه، (تظَّاهرا عَلَيْه) فاعْلمن مَن الذي أمامكُن.
ولأنه حبيبنا ورسولنا؛ (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)، وفيه أنَّ تولِّي المؤمن لرسول الله على قدر إيمانه:
ولذا قال: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)، يعني كل مؤمن لا يصح إيمانه، حتى يوالي الله ورسوله، (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).
وقد قال أهل التفسير (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ):
يقولون: إن أنتن تظَّاهرِينَ عليه! فإن صالح المؤمنين، حتى ابويكما، أب كل واحدة منكما، عونٌ له عليكما، لن يقفون معكما؛ ولكن مع نبيي ﷺ! وهكذا كان شأنهم.
ولما كان يُراعي السيدة عائشة في صِغر سنها، ويتنزَّل معها على قدر تفكيرها، في أمر تخالفت فيه، في يوم، قال لها: "انظري مَن شئتِ، يفصل في هذا الأمر". قالت: أبي. قال: "نعم، نعم أبوكِ"، فدعا النبي سيدنا أبابكر، دخل الى عنده في بيته، قال: "إنَّا كان بيني وبين عائشة شيء، في كذا وأحببنا أن تنظرَ في الأمر". قال: "تتكلمين يا عائشة أم أتكلم أنا؟" -غاية الأخلاق- قالت: تكلم أنت ولا تقل إلَّا حقًا!
فغضب أبوها وقام سيدنا أبوبكر يلطمها، والنبي مسكه، فلاذت بالنبي، صار هو المدافع عنها، فمسكه، قال: "ما دعوناك لهذا يا أبابكر! ما دعوناك لهذا!". قال: يا عدوّة نفسها، وهل يقول رسول الله إلَّا حقّا؟ تقولين هذه الكلمة: كيف؟! تكلم أنت ولا تقل إلَّا حق؟ هل يقول رسول الله إلَّا حق؟!
فكان موقفهُم؛ يتولون الله ورسوله، قبل أي شيء عندهم.؛ أب وعنده عاطفة على بنته، وعنده كل شيء، هو بشر ككل البشر؛ لكن إيمانه رقَّاه هذه المراقي وجعله في ولاء الله ورسوله، ما تغلُب عليه عاطفة ولا غير عاطفة، كله لله ولرسوله -صلى الله عليه وصحبه وسلم- وهكذا كانوا.
(فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)، والملائكة كلهم -أوه أوه!!- (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ)، وكفى بالله..
تفسير قوله تعالى: (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5))
وهكذا يخاطبهم الله -سبحانه وتعالى- ويقول: (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ)، أي اعلمن أمرًا في قدرتي، لو أردته -فإن لم أفعله- جعلتكن خيار هذه الأمة. هذه الأمة خير الأمم، وجعلتكنَّ خيار هذه الأمة وفي بيت نبيي صلى الله عليه وصحبه وسلم، في قدرتي أن آتي بغيركنَّ، لكني اخترتكنَّ، فارعَين هذا الاختيار، وارعين هذا التشريف مني؛ أنا شرفتكنَّ وأكرمتكنَّ، وقربتكنَّ من نبيي، لترعَين الحُرمة وتقومَين بالولاء وتؤدين المهمة، وليس تتظاهرَين فيه على مقتضى طبعكنَّ البشري! يلاحظ الحق -سبحانه وتعالى- تأديب أهل مساكن نبيه، وأهل بيت نبيه، وأزواج نبيه، ليكون البيت الأطهر الأنور المترقي أصحابه إلى أعلى مراتب التزكية.
يقول: (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ)، يعني يمكنه ويقدر ربكم وعنده القدرة (أَن يُبْدِلَهُ)، وفي قراءة: (أَن يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ)؛ وإن جعلكنَّ أنتنَّ خيرَ الأزواج، ويقدر لو أراد كما قال: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا) [النساء:133]، و(كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) [الأنعام:133]، يأتي بغيركم، الله قادر على ذلك.
وهكذا يذكِّر أمهات المؤمنين، أنظرْنَ الى المركز الكبير الذي وضعتكنَّ فيه، ارعيْن الحُرمة، وإلَّا أنا أستطيع أن آتيَ بغيركن. -الله أكبر-! كما قال: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)
لكن عامة الصحابة، لا أحد تولَّى منهم، لكن أي وقت، ولو واحد تولَّى عن إقامة أمر الله ونصرة دين الله -سبحانه وتعالى- يأتي غيره، يختار الله غيره، ويحِل محله ويرتفع القدر، والله لا يحتاج لأحد.. الناس يحتاجون لربهم، ومَن انصرف عن نصرة وخدمة أتقياء، أو صلحاء، أو أولياء أوعارفين، يأتي بدله أكثر منه وأحسن منه، يذهب ويأتي بدله من هو أحسن منه وأتقى، بأي علة من العلل، زاغ يمنة ويسرة، إذهب لك! (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) [محمد:38] -لا إله إلَّا الله-، نعوذ بالله أن يستبدل بنا غيرنا، وندعوه أن يرزقنا الثبات والاستقامة والنصرة له ولرسوله.
(عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ)، (رَبُّهُ) الله قال: انا الذي اتولَّاه وأراعيه (عَسَىٰ رَبُّهُ)، وكان يمكن يقول عسى ربُكنَّ قال: (عَسَىٰ رَبُّهُ)، وكان يمكن يقول: عسى الله قال: (عَسَىٰ رَبُّهُ)، المربي له، المتولي أمره (عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ):
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6))
الحق تعالى بيَّن هذه الأخبار عن البيت القدوة، وعن الأسرة العظمى في هذه الأمة، فوجَّهَ الخطاب للمؤمنين قال:
وجَّه الخطاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بعدما تلا علينا أخبار عن الأسرة الكريمة والبيت الأشرف، قال: بيوتكم الآن وأُسركم أيها المؤمنون، انتبهوا منها! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ)، أي احموا واحرسوا (أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). احفظوا أنفسكم وأولادكم وأهليكم من التعرض للنار، من الوقوع في النار، من الدخول إلى النار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، كيف تقون أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة؟
نار شديدة عظيمة، وقودها الناس، وقودها ناس -ناس- لاحول ولاقوة إلَّا بالله العظيم- والحجارة -حجارة- يقول لك: إذا كانت وقودها الذي تشتعل به هو الحجارة -تحرق الحجارة- كيف الناس؟ كيف بني آدم؟! ذكر الحجارة بجانبها. يُقال: إن الحجارة كبريت كبير أحمر في الآخرة، يزيدها توهجا، يزيدها لهيبا!
(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، ويروى أنه ﷺ قرأ الآية مرة عند أعرابي قال: يا رسول الله، هل الحجارة في النار مثل الحجارة هذه؟ قال له: "إن الصخرة من صخرات جهنم أكبر من جميع جبال الدنيا"، قال له: الحجرة الواحدة أكبر من جبال الدنيا كلها! فخرَّ مغشيًا عليه، فوضع النبي يده على صدره فأفاق، وبشَّره بالجنة، لا إله إلَّا الله.
(قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، قال: إذا أنتم ستصغون إلى كلمات مَن يقول لكم: سنطوِّر حياتكم، سنحْميكم من الفقر، سنسهِّل لكم الأكل، قال انظروا، عندنا خبر! إذا أردتم أن تُسلِّموا أنفسكم وأهليكم من النار الموقدة؛ الخطر الأكبر الداهم عليكم، فاصغوا إلى نداء الله: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
كيف تُقوهم؟
(قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)..
الملائكة هؤلاء، خلَقهم الله متناسبين مع ما وكَّلهم عليه؛ نار موقدة، محل مسكن الكفار به، المعاندين لأمره، العاصين له، فهؤلاء ماذا يحتاجون؟
(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ) يعني لا يتهاونون في تعذيب مَن خالف أمر ربهم، وكفرَ به وبرسله وعصاه، لا يتهاونون في الأمر، ليس عندهم له رحمة في هذا.
(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) أقوياء القلوب ، لا يقدر أحد أن يُطاولهم، فيما آتيناهم من قوة ومن قدرة..
لا يقدر أحد عليهم.
يأتون إلى المجرم الكبير، يُكبِّر الله، يمسك ناصيته وقدميه، يلويه من وراء، ويقمِّطه.
لا يقدر أحد أن يتأبَّى عليهم.
هذا وصف الملائكة الكرام:
من فضل الله تعالى أنه يُظهر مكانة أحبابه فيرحم بهم، ويسامح بهم، ويعفو بسببهم، و يشفعهم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
وفي هذا تخلّق النبي ﷺ بالخلق الكريم:
والحق تعالى هو الرحمة من عنده، والأولياء هؤلاء والأنبياء والملائكة؛ فضله وكرمه -كلُّه- من عنده، هو جعلهم هكذا وقال: شفِّعه، هذا يغفر له بسبب هذا، هذا يُتجاوز عنه بسبب هذا، هذا لا يدخل النار بسبب هذا، هذا يرتفع الدرجات لأن الله أراد أن يشفّعهم، وإلا هو الأمر له. من أين لهم الفضل كلهم؟ هو له فضله عليهم، لا نبي ولا ملك ولا ولي إلَّا والفضل فضل الله عليهم، من أين هم؟ هل خلقوا أنفسهم؟ خلقهم وتفضل لهم، ولكن أراد أن يظهر فضلهم عنده، فشفَّعهم في عباده -جلَّ جلاله.
وحتى جاء في الحديث عن النبي ﷺ عن سيدنا أويس القرني قال: "إذا كان يوم القيامة قيل له: قفْ فاشفعْ، قفْ فاشفعْ، فيُشفّع في عدد كربيعة ومضر" هذه الملايين، هذه أكبر قبائل العرب -ربيعة ومضر- وأكثر العرب يرجع نسبهم إلى ربيعة ومضر، أكبر القبائل! قال: يشفع في مثل هؤلاء؛ أويس وحده! وجاهته عند الله تبارك وتعالى، أويس بن عامر القرني المخلص الصادق، عليه رحمة الله تعالى ورضاه، المتواضع المتذلل الخاشع، لا إله إلَّا هو.
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7))
قال: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)، ما عاد تنفع الأعذار، يعني كل من وصلته دعوتي على يد أنبيائي أو خلفاؤهم، انتهت الأعذار بالنسبة لكم، لايقبل لأحد منكم عذر: (فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:24].
ولن نأتي لكم بأعمال الآخرين نضعها عليكم! ولكن جزاء أعمالكم التي عملتموها سنجازيكم بها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (7))، يعني:
(لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ):
ليس هذا وقت اعتراف الآن، لماذا لم يكن من أول؟
(لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
وإذا بانت لكم الحقائق في شأن إقامة الأسر، وفيها المحافظة على حقائق الدين عبر الأسر، فإن دولة الإيمان تقوم بالقلوب التي اتصلت بالرحمن. ويكون مجلى تكوينها في عالم الحس في الدنيا عبر هذه القلوب المؤمنة، تستقر فيها الأمور بالأسر، الأسر التي تؤمن وتجتمع، فيتكوَّن بهم مجتمعاً، فتقوم دولة الإيمان بهم.
وبداية الخلافة عن الله في الأرض بدأت بالأسرة الأولى؛ آدم وحواء -اثنين- تكوَّنت بهم أسرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:38]، فخرجوا وبدأت الخلافة عن الله بالاثنين هؤلاء في الأرض.
هذه دولة الإسلام، هذه دولة الإيمان؛ آدم وحواء يمتثلون أمر الله، يقولون: ربوا أولادكم على هذا، علموهم أنهم مخلوقون، والله خالقهم، وإليه مرجعهم، وخلقهم لحكمة كذا وكذا، ورددوه عليهم، يتبعون الهدى، فعلموا أولادهم؛ هذه دولة الإسلام.
وهكذا نجد أن الأُسر التي انتشرت فيها حقائق الإيمان وصارت مراكز في دولة النبي محمد عليه الصلاة والسلام..
الأسر بهذه الصورة هي مراكز الدولة النبوية، وبذلك صارت سِراية هذه التربية بهذه الصورة:
وهكذا الاعتناء بشأن الأثسر وقيامَها وقيام الدين فيها، أمر مهم. يقول الله في الأسرة الكريمة النبوية:
(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [الأحزاب:34].
وهكذا نجد المجتمعات التي قام فيها الوعي في الأسر وثقافة العلم والدين والشريعة، هاجمتها؛ إما فِرق إلحاد، وإما فرق تنصير، وإما فِرق تدعي العلمانية إلى غير ذلك من المسميات؛ فكان الحفظ للأسر التي تقوم على هذا عجيباً وغريباً.
ومرت الموجة عليهم وكأن لم يكن شيء، والناس ثابتين على ما هم عليه. لكن البلدان التي ما كانت الأسر فيها أخذت نصيباً من التربية والمحافظة على هذا، بمجرد ما يجي تيار ينجرفون وراءه؛ يمنة ويسرة، ويتغير أحوالهم كثير. فيا رب ثبتنا على الحق والهدى.
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8))
يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ..(7))، إذا عرفتم حال الأسر فإن المصير بعد ذلك الكفار نخاطبهم بكذا، فأنتم معشر المؤمنين انتبهوا لذاك اليوم والمرجع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)، ارجعوا إلى ربكم توبة نصوحاً، نصوحاً صادقة؛ تكرهون فيها الذنب الذي كنتم تستلذون به وتشمئزون منه ولا تعودون إليه، (تَوْبَةً نَّصُوحًا).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)، والنتيجة للتائبين:
(يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، بساتين في دار الكرامة أنهار تجري من تحتها، لا إله إلا الله، وتكون تحت حكمكم؛ أنهار فيها، يقول سبحانه وتعالى: (أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) [محمد:15]، تمشي هذه أنهار، ولا تختلط بعضها ببعض، وتمشي طوع أصحابها. لو شرب من نهر اللبن ثم أراد العسل، هذا يبعد ويأتي الآخر مباشرة، يتحول هذا هنا وهذا هنا، على حسب الطلب. شرب من العسل يريد من نهر الخمر، ذاك يتحول وهذا يجيء إلى عنده.
وبعد ذلك يريد أن يمشي ويمر بجانب قصره، ممكن! يريد تحت السرير أن يمشي ممكن! (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان:6]، يريد هنا، يريد أن يصعد يهبط، يريد أن ينزل تحت السرير، تمشي على طول، عند القصر من هنا، تدخل الغرفة هذه وتخرج من هنا على طول. لا إله إلا الله، (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) تمشي معهم حيث أرادوا.
يقول: (وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، في ذلك اليوم لا يخزي الله محمداً.
القرآن عرض علينا:
كما عرض لنا:
لم يعرض عليه، أن يدعي ربه، قال له: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) أعطيناك هذا ﷺ.
سيدنا موسى طلب الرؤيا في الدنيا؛ فقال له: (لَن تَرَانِي)، ولم يأذن الله بها لأحد، إلا لحبيبه محمد، ومكّن حبيبه محمد ليلة المعراج وقال:
يقول: فلو قابلتَ لفظة (لَن تَرَانِي) بـ(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) فهمْتَ معنى، أن هذا محبته أعلى، ومقامه أشرف، كلهم محبوبون، مرفوعو القدر، لكن هذا أشرف وأعلى ﷺ.
فالله ينظر إلينا وإليكم، ويا ليت رمضان يتأخر قليلا، ولكن ما فينا قدرة نؤخره، ولكن نتمنى ذلك، ونأسف على فراقه وما فاتنا فيه من نفحات، وما فاتنا فيه من خيرات، وما فاتنا فيه بسبب غفلات، وما فاتنا فيه. فالله يعوض عنا عما فات ويبارك لنا في الباقي، وإن شاء الله يبقي الله لنا اليوم المقبل فإذا بقي معنا إكمال إن شاء الله هذه السورة. ونظر الله إلينا وإليكم، والجوائز نفوز بها مع كل فائز، ونحوز أعلاها مع كل حائز، اللهم آمين يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
وإعلِ درجة المنتقلين لرحمتك، مازن بن محفوظ بن سعيد، وداود بن حسن بن إبراهيم الضحوي، ارفع لهم المراتب بالدرجات، واجمعنا بهم في أعلى الجنات، وارحم موتانا وأحيانا بالرحمات الواسعات. ووفر حظنا في خاتمة الشهر الذي أزمع على الرحيل وعزم على الترحيل، اللهم اجعله شاهداً لنا لا شاهداً علينا، وحجة لنا لا حجة علينا. وبارك لنا في آخره أكمل البركة وأتمها وأعلاها وأعظمها وأوسعها وأدومها وأشملها وأبقاها وأسناها وأبهاها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فَرِّج يا رب عن أمة النبي محمد في المشارق والمغارب، وادفع عنا مصائب النوائب، وأرنا آثار قبول المقبولين في رمضان في أحوال أمة نبينا محمد بعد رمضان. اكشف الشر عنا وكيد النفس والهوى والشيطان. وارزقنا الإخلاص لوجهك الكريم يا مقلب القلوب والأبصار. تأخذ بقلب من شئت إلى حضرة القرب منك فلا يستطيع شيطان من الإنس والجن أن يُزيغه ولا أن يصرفه عن صدق الإقبال عليك، فاجعل قلوبنا من القلوب التي تصطفيها لصدق الإقبال عليك والوجهة إليك فلا تتسلط عليها أهواء ولا شهوات ولا شياطين الإنس ولا شياطين الجن. وافعل كذلك بقلوب أبنائنا وبناتنا وأهلنا ورجالنا ونسائنا و صغارنا وكبارنا. ورُدَّ كيد إبليس في نحره وكل من قام معه من شياطين الإنس والجن لا تبلغهم مراداً في أمة هذا الحبيب المصطفى.
اللهم أصلح لنا الظاهر والخفاء، وبارك لنا في هذه الليالي والأيام. واجعل اللهم من بركتها فرجاً تفتح بابه للأمة، تكشف به الغموم، وتجلي به الظلم، وتدفع به النقم، وتحول به الأحوال إلى أحسنها، وتبين به الحق للناس فيما يقولون وفيما يفعلون وفيما يعتقدون، ولا تجعل اللهم الأمر مبهماً عليهم ولا مشتبهاً فيتبعون الهوى، واجعل الهوى تَبَعاً لما جاء به حبيبك محمد ﷺ.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
29 رَمضان 1440