تفسير سورة الإنسان -2- من قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً (4))
يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.
نص الدرس مكتوب:
﷽
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10))
الحمدلله مُكرمُنا بتنزيل الآيات، وإفاضة البَيّنات، وتوالي الرحمات، وبركة الأوقات، والعطايا الجزيلات، وصلى الله وسلم على سيّد أهل الدنيا والآخرات، عبده المُجتبى الذي ختم به الرِسالات؛ سيدنا محمد، وعلى آله المُطهّرين وأصحابه الغُرّ الأثبات، وعلى من تبعهم بإحسان وثبات، إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رافعي الدرجات، وعلى آلهم وأصحابهم والملائكة المُقرّبين وجميع عِباد الله الصالِحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ونواصِل في نعمة الله علينا ومِنّته بمتابعة تأمّل آياته وخِطابه وكلماته، ونحن في آخر جُمعة من جُمَع شهر رمضان الكريم المُبارك، جَمع الله قلوبنا عليه، وجَمع لنا خيرات الشهر كلِّه.
وقد مررنا على أوائل الآيات في سورة الإنسان، وأثبت الله فيها أنّ الإنسان -ومِثله بقيّة الموجودات- كان عدمًا محْضًا لا وُجود له أصلاً، فسُبحان المُوجد الخالِق.
(هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ) الخالِق واحد، قل: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3].
(مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، بَيّنا له الطريق والمَسلك: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)).
اللهم اجعلنا من الشاكِرين، وجنِّبنا الكفر وأهله في كلّ شأن، وفي كلّ حال، وفي كلّ حين.
ثم يقول -جلّ جلاله- في ذِكر مصير هذا الإنسان، ونهاية هذا الإنسان، وغاية هذا الإنسان، وعاقِبة هذا الإنسان، والمُستقبل الكبير لهذا الإنسان: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6))؛ هذه غاية الإنسان، هذه نهاية الإنسان، هذا المُستقبل الكبير للإنسان؛ إمّا من الكافرين، حيث قال الله:
- (أَعْتَدْنَا) أعتاد الشيء: إعداده ليكون حاضِرًا، العتيد: الحاضِر.
- (أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ)، أعددنا لهم وهيّأنا:
- (سَلَاسِلَ)، قال سبحانه: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة:32] سلاسِل تُقيَّد بها أرجلهم.
- (وَأَغْلَالًا) تُجْمع بها أيديهم إلى أعناقِهم، وفي الحديث: "ما من والٍ يلي أمر عشرة من الأمة فأكثر إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، إمّا فكّه عدله أو أوبقه جوره" فما أخطر الولايات!
يقول: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ) جمع سِلسلة، وذرع السبعين ذراعًا، سبعون ذراعًا بذراعه هو.
وضِرس الكافِر في النار كجبل أُحد، الضِرس الثاني، الثالث، والرابع، فكيف يكون فمه إذاً؟ إذا أثنين وثلاثين جبل من جِبال أحد كم؟! فمه أكبر من المدينة هذا -مدينة كامِلة-، لا إله إلا الله، وغِلَظ جِلدِه مسيرة ثلاثة أيّام؛ بِذراعِه سبعون ذراعًا -السلسلة التي يُقيَّد بها-.
فإنّ أجسامهم تُنشأ وتُكبّر لأجل أن يذوقوا العذاب، فعلى قدر عذابهم، تكبُر أجسامهم؛ لأن الجسم الصغير بِسرعة يحترِق، وإلا كيف يذوق ألم الشيء؛ يشوون جلده مسيرة ثلاثة أيام، يشتوي: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56] اللهم أجرنا من عذابك.
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا (4)) فتُغلُّ أيديهم بها إلى أعناقِهم، وفي الاستجارة من هذا العذاب واسترِحام الحق ألّا يورِدَ هذا المورد، يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين في دعائه إلى الربّ:
يا كريم، أتُراك -هل يحصل ويُظن بك-، تغلّ إلى الأعناق أكُفًّا تضرّعت إليك -كانت تسأل وتطلب وتدعو، أتضعها هكذا في القيامة؟! لا يُظن بك ذلك يارب-.
أتُراك تغلُّ إلى الأعناق أكُفًّا تضرّعت إليك، واعتمدتْ في صلاتِها راكعةً وساجِدةً بين يديك، أو تُقيِّد بِأنكال الجحيم -السلاسل هذه-، أقدامًا سعت إليك، وخرجت من منازِلها -إلى مجامِع الصلاة والخير والعِلم والذكر والدعاء-، وخرجت من منازِلها لاحاجة لها إلا الطّمع والرّغبة فيما لديك.
وهذا الذي حصل منها؛ من الدعاء والتضرع والاعتماد في الركوع والسجود وحُضور مجالس الخير؛ مَنًّا منك عليها- أنت الذي مننت عليها بهذا الفضل، ليس من عندها-. لا مَنًّا منها عليك- لا تَمُنُّ عليك، هذا أنت قد تفضلّت عليها بهذا في الدنيا، فهل ترُدّها في العقبى إلى الغلّ أو إلى التقييد بالأنكال والسلاسل -.
أَتُراك؛ هل يحصل هذا منك يا رب؟! نرجو بفضلك ألا نُرَدَّ عليه، وقد وفقتنا في الدنيا:
- مددنا أيدينا بالتضرّع إليك.
- واعتمدنا عليها في الركوع والسجود لك.
- ومشينا بأرجلنا وأقدامنا إلى مجالس العِلم والذكر والجماعة والصلاة. ما لنا حاجة إلا الطمع والرغبة فيما لديك.
وهذا، مَنُّا منك عليها يا سيدي لا مَنُّا منها عليك! ثم يقول:
بل ليت شِعْري! أَتُراك تصُمّ بين أطباقها -النار- أسماعًا تصمّها من صوت النار وشدّتها، أسْماعًا تلذّذت بحلاوة تِلاوة كِتابك! كم تعبت في الدنيا أنّها تستمِع كلامك وكِتابك وتتلذذ به، بعد ذلك تَصمّها في النار؟! لا يكون منك بهذا بالفضل والإحسان.
أو تصُمّ بين أطباقها أسماعًا تلذّذت بحلاوة كِتابك الذي أنزلته، أو تطمِس بالعمى في ظُلم مهاويها أبصارًا بكت إليك؛ يُحشرون عُمِي وبُكُم وصُمْ؛ تُعميهم النار- يقول: أو تطمِس بالعمى في ظُلم مهاويها -النار، أبصارًا بكت إليك؛ خوفًا من العِقاب وفزعًا من الحِساب؛ ثم يقول له -في حالة الداعين هؤلاء الذين في ختم القرآن وفي الاجتماع على الصلوات يبْكون ويتضرّعون- :
أما وعِزّتك وجلالك، ما أصغت الأسماع حتى صدّقت، ولا أسبلت العيون واكِفَ العبرات حتى أشفقت، ولا عجّت الأصوات حتى خشعت، ولاتحرّكت الألسن ناطِقة باستغفارها حتى ندِمت على ما كان من زللِها وعِثارها.
ويُتابع دعاءه بالتذلل والخُضوع فيقول: فيا من أكرمنا بالتصدِّيق -مُصدِّقين بالوعد والوعيد وكل ما جاء به نبيك محمد، على بُعد أعمالنا من شواهِد التحقيق -أعمالنا ليست شاهِدة بالتحقيق بالصدق، تصديقنا هذه، نحن مُصدِّقين لكن أعمالنا ليست قائمة شواهِد على الصِّدق، وفي تصْديقنا بما جاء من الوعد والوعيد؛ فيها تقصير وفيها خلل، أكْرَمنا بالتصدِّيق على بُعد أعمالنا من شواهِد التحقيق، قال: أيّدنا اللهم مِنك يا ربّ بالعِصْمة والتوفيق -الله يُأيّدنا بالعِصْمة والتوفيق-.
قال سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4))، نارًا موقدة يسكِنون فيها ويُخلّدون -والعياذ بالله تبارك وتعالى- هذا إعداد الجبّار الأعلى للكفار والفُجّار، فويلٌ لهم! وماذا غرّهم مما مُتِّعوا به أو أُعطوه في هذه الدنيا؟ مهما كان؛ سُلطة أو استِبداد أو ظُلم أو مظاهِر أو مباني أو قصورًا أو أموال أو أي شيء، وإذا هذا مُعدّ لهم، فما يُغني عنهم هذا؟
(أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:205-207].
(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) [البقرة:96]، تُعمَّر ألف سنة وبعد هذا العذاب أمامك، أين تذهب؟ ماذا افادتك الألف سنة؟ لم يعش أحد ألف سنة في هذه الأمة، كانت الأمم السابقة تعيش ألف سنة، وماذا أفادتهم؟
الذي عاش ألف سنة في الكفر من الأمم السابقة؟ ماذا أفاده العيش هذا؟ وهو من يوم موته إلى الآن، آلاف السنين وهو في عذاب، ماذا أفادته الألف السنة التي في الدنيا؟ والألف السنة التي كان فيها كافرًا في الدنيا كانت أمراض وهُموم وغُموم ومشاكل ومُضاربات ومُخاطرات، مُقابل ماذا؟
وبعد ذلك هلاك أبدي -والعياذ بالله تعالى- (أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ) -كحال هؤلاء جميع الكفار- (أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الملك:20-22]، بِنور إلهي الذي خلقه لإدراك حقيقة الأمور.
فالحمدلله على نِعمة الإسلام، اللهم ثبّتنا عليها، ولو شاء لجعلك في أي طائفة من طوائف الكُفر، ومَن لك؟ والحمدلله على نِعمة الإسلام، اللهم ثبِّتنا عليه.
يقول: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)):
- هذا النوع أو الأنواع التي ذكرها من العذاب الشديد الذي لا يُطاق، وبقيت أنواع كثيرة مذْكورة في القرآن في آيات مُفرّقة، وفي الأحاديث بيان لكثير من أوصافِها -اللهم أجرنا من النار-.
- (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192]، هذا الخِزي، هذا الخِزي على وجه الحقيقة؛ دخول النار، ولذا قالوا: لا خير في خير بعده النار، كما لا شرَّ في شرِّ بعده الجنّة - الله يجمع لنا خير الدنيا والآخرة-.
يقول الله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ) من هم الأبرار؟ أهل البِرّ، أصحاب البِرّ (۞ … وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) [البقرة:177]؛ هذه خِصال البِّرّ، رأسُها حُسن الخُلق:
قال ﷺ لِوابِصة بن معبد: "جئت تسأل عن البر؟" قال: نعم، جئت أسألك عن ذلك يا رسول الله، قال: "البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ" يعني رأس البِّرّ وأهم شيء فيه حُسن الخُلق؛ "البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ" ولذا قالوا عن الأبرار: إنّهم لا يؤذون الذَّر، حتى الذَّر لا يُتأذّى مِنهم، لاشيء يُتأذّى منهم، لا يضُرّون، لا يُتعِبون أحد، لا يعتدون على أحد، لا يغتابون أحد؛ أبرار.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ): مجمع البِّر، مذكور في هذه الآية في القرآن: (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة:177]، هذا بار، والواحد بر، وجمعه أبرار.
- هؤلاء الأبرار لهم درجات عالية في الجنة، فوقهم المُقرّبون، قال تعالى كما تقدّم معنا في سورة المُطففين: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين:22-24].
- (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:27-28].
- المُقرّبون يشربون من العين مُباشرة -التسنيم-.
- والأبرار مِزاج، يمزِجون لهم شرابهم من التسنيم، هذا أعلى شراب في الجنة.
جعلنا الله وإيّاكم من أهل الجنة.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) إناء (كَانَ مِزَاجُهَا) هذه الكأس التي يشربون منها (كَافُورًا (5)).
أمّا الكافور الموجود في الدنيا:
- فيه لون البياض.
- وفيه بعض طيب قد يوافِق بعض الطِباع.
- وليس فيه طعم طيّب.
فليس المُراد به هذا الكافور، لكن أفادت الأحاديث:
أن لون البياض موجود في كؤوس الجنّة، حتى"إن ماءها أبيض من اللبن"، وكذلك الحوض الذي يرد عليه المؤمنون، حوض النبي ﷺ، فيه ميزابان يصُبّان من الكوثر، "ماؤه أحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، أبيض من اللبن" أشدّ بياضا من اللبن؛ من صفائه فوجود البياض في الشراب والرائحة الحسنة المُمتازة الطيبة، هذا هو الموجود في كؤوس الجنّة.
- ويُقال أنّ الكافور عين في الجنة مخْلوقة اسمها هكذا، طيّبة الشُرب، حسنة.
- ويُقال أنّ هُناك مادة تُسمّى الكافور، عظيمة، طيّبة، حسنة، لذيذة، يكون مِزاج أهل الجنّة منها، مِزاج شرابهم، شرابهم منها.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا..(6))، وهذا بمعنى يُؤكِد قول الذين قالوا إن الكافور هو عين في الجنّة، فيكون:
- (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) يعني الأخيار المُتّقين الصالِحين الذين خَلَصَت عبوديتهم لله، فلم تستعبِدهم الأنفس ولا الأهواء.
فهذا أشبه بأن يكون الذي سُمّي كَافُورً والذي سُمّي تسنيم، والختم أيضًا فيه بالمِسك، أي بشيء يشبه رائحة المِسك في الطيب، ولكن مِسك الجنة ليس مثل مِسك الدنيا، وأن الكافور والتسْنيم هو هذه العين التي يشرب بها المُقرّبون مُباشرة، وغيرهم يُمزج شراب بقيّة أهل الجنّة من هذا التسْنيم.
- (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) يعني المُقرّبون، وقيل أنَّ المُراد به كلّ أهل الجنّة، ليس التسنيم المخصوص بالمُقرّبين، ولكن جميع أهل الجنّة يتحكّمون في شؤون الشراب هذا.
- (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ): المؤمنون الصادِقون الذين دخلوا الجنّة.
(عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6))، عسى ما في الجنة متفجِّرات؟!
- (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) يمضون بها حيث شاءوا في أيّ مكان، ويقول الواحِد منهم لهذه العين الجارية: مُرِّي تحت هذا القصر، واطلعي هُنا، اذهبي عند تلك الغُرْفة، واخرجي من هنا -تمشي حيث يُريد- (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا).
- وقال أيضًا بعض أهل التفسير: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): يستطيعون أن يثقِبوها ويطلقوها من أيّ مكان في الجنّة.
يقول لها؛ من هُنا، يشقُها من الجدار، يشقُها من الأرض، تنْشق، تمشي، تتفجّر له حيث يُريد؛ لأنّهم في دار الكرامة والضيافة؛ عِندكم في الدنيا أزرار الأجهزة، بِسُرعة تغيّر الأوضاع؛ الخواطر أزرار -عِندهم- تُغيّر كلّ شيء.
أنتَ الشاشة تغّيرها بزر من هنا وهُنا، وأولئك جميع ما في الجنة تحت خواطِرهم يتغيّر؛ مُلك، مُلك أعظم إذا خطر على باله خاطِر، انقلب له الى واقع، إذا نظر إلى شجرة مُعلّقة:
- يخطر على باله أن يأخذ مِنها، تتدلّى له فيتناولها بيده.
- يخطر على باله الشق الثاني؛ تنقلِب مُباشرة.
- يخطر على باله أن يضع يده لأخذ الثمرة، تخرُج من نفسها.
- يقربها، تنفصل من نفسها.
- يضعها في فمه تذوب من نفسها، بطعم أول وثاني وثالِث.
ضيافة كبيرة من واحد كبير، ربي يُضَيّف على قدره، كلٌّ يُضيّف على قدره، هذه ضيافة ربّ العالمين، بالأطعمة العجيبة كما يأتي معنا: (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) [الإنسان:14].
يقول: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6))، يمضون بها حيث شاءوا، ويأمرونها أن تمر حيث شاءوا، وتمرُّ تحت السرير هذا، يُقال لها هنا، مرِّي كذا، تمر تحت السرير، يقول: أنا سأجلس على السرير سأرى العين تجري، وهكذا في شؤونهم:
أحدهم يخطر على باله أخوه في الله فلان بن فلان -كلهم من أهل الجنة- يريد أن يزوره، السرير يتحرّك يمشي، الوقت الذي يخطر على بال هذا، ذاك يخطر على باله أيضًا، فالسرير ذاك يتحرك، والسرير هذا يمشي إلى هذا. هذا يمشي إلى هذا يقول: السلام عليكم، يرد: وعليكم السلام ورحمة الله، هذا يقول: أنا أريد أمشي عندك، والثاني: وأنا أريد أمشي عندك يقول: أنا الآن ذكرتك، .. قال: وأنا الآن ذكرتك واشتقت إليك، وهذا على السرير والآخر على السرير: (إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47].
نعيم بكل معانيه، في حقه، يترك الدنيا وما فيها، كل شيء فيها، لو قُطِّع الإنسان قِطعة قِطعة مُقابِل أن يصل الى هذا النعيم كان قليلًا، نعيم لا يُقدَّر بمقدار، وأبدي، سرمدي، دائم، سبحان الله!
(عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6))، قال الله؛ كان وصفهم في الدنيا مضبوطا، أوصاف نُحِبّها، وفتحنا لهم أبواب النعيم هذه بلا حد، بلا قيد: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (7)):
- (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، يعني إذا التزموا بشيء من الطاعات والقُرَب؛ وفّوا.
- (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، وقال بعضهم إن النُذر هذا مُقتضى العهد بالإيمان، لمّا تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمعناه أنك: تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه؛ فأنت توفي بالنذر الذي هو مُقتضى عهد الشهادتين، يعني تلتزم بالطاعة وتترك المعاصي.
- (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، كما قال في الحج: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) [الحج:29]، يُكمِلون فرائض الحج؛ لأنّهم أحرموا بالحج، فهذا صار نُذر عليهم، يعني التزام.
ومن هذه الآية أيضًا، اخذ الإمام الشافعي وغيره بوجوب الالتزام بالنذر، في كل من نذر والتزم بأي طاعة وقربة وخير؛
- أما نذر الواجبات، فلا يُغيّر منها شيئًا، فهي واجبة بالأصل.
- وأما نذر السنن والمندوبات والطاعات، فيُصيِّرها واجبة على من نذرها.
- وأما نذر المُباحات فلا يؤثِّر، ولا نذر المكروهات، ولا نذر المحرمات، لا يؤثِّر شيئًا، حكمها هو.
لكن قال ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصِ الله فلا يعصه": لا يُغيّر النذر شيئًا، لا يُغيّر النذر حُكم الله -تبارك وتعالى-، ولكن يُحوّل المندوبات والمسنونات إلى واجبات وفرائض، هذا لا يؤثر إلا في المندوب فقط، في المُستحب، في الطاعات.
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ):
- فإذا عاهدوا وفوا.
- وإذا التزموا أنجزوا.
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، والتزامهم العام بالشهادتين، امتِثال الأوامر واجتناب النواهي؛ يوفون بالنذر.
والذي يُحفِّزهم على الوفاء بالنذور هذه، وإعطائها حقّها، قال: أنّهم موقِنون بالمستقبل الكبير، (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)):
-
فهذا كافٍ لهم بأن يُحسِنوا الالتزام بالنذر والوفاء بالعهد على الوجه التام؛ لأنه مُستحضِر أمامه المصير الكبير، ليس غائب عن ذهنه، الذي يغيب عن ذهنه يخربط.
-
وهكذا من اؤتُمن على مكان، أو خزْنة أو مخزن، أو دكان؛ ذهب عنه صاحبه، وذهب الرقيب عليه -إذا غاب عن ذهنه- يُخربط.
-
فإذا كان يحضر بعد ذلك وهو واعٍ ومستوعب ويدري ما الذي فعل، يا ويله وقت ما يحضر! ضيَّع نفسه وظنّ أنه سينتفع ولكنه ضيّع نفسه، ظنّ أنه سينجو، ثم وقع في ورْطة.
وكذلك كل الذين تغيب عن أذهانهم الآخرة، فيلعبون في الدنيا قليل، فإذا بالورطة قد جاءت فأوقعتهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
- يقول الله تعالى: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:7]، في وقت ما عملوا.
- (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [إبراهيم:42].
لا إله إلا الله، (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7))، مُنتشِر، كان شر ذلك اليوم مُمتدًا مُنتشِر ظاهِر، الله! الله! لذا قال بعض العارِفين في القرون الأولى: شرّه عام وخيره خاص، خير ذاك اليوم خاص، لكن شرّه عام، لأن أكثر الناس كُفّار.
(كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): يمتلئون فزعًا، يمتلئون رعبًا، يمتلئون خوفًا، يمتلئون إشفاقًا، وأنواع من شرور، منه هذه الشمس التي عامتهم تحتها، قليلٌ في ظل العرش ولكن عامة الناس تحت حرارة الشمس، والعرق في الأرض يغوص سبعين ذراعًا، ويُلجم هذا إلى كعبيه، وهذا إلى ركبتيه، وهذا إلى حقويه إلى نصفه، وهذا إلى فيه، وهذا كله مُنغمِس، حَرٌّ وشمس وظلمة و مُنغمِس في العرق، كيف حاله؟!
الناس يعيشون حرّ الدنيا هذه قليل! وبينهم وبين الشمس أكثر من تسعين مليون ميل -بعيدة-.، وثم إذا انطفأت الكهرباء قليل، قالوا: هذا حَر حر! من أجل مروحة؟! من أجل مكيف؟! الشمس فوق الرؤوس، لو مدّ أحدهم يده، بينهم وبينها مِقدار ميل وعرق شديد، كيف حال هذا؟!
-نعوذ بالله- لهذا أكثر الموجودين في الموقِف يتمنوّن الإنْتقال ولو إلى النار؛ لأنّهم لم يذوقوا النار، النار أشد، لكن لم يذوقوها بعد.
- عادة الإنسان في حالة الشدِّة يقول: أريد أي حال آخر، أي حال آخر فيه أشد! أنت مجنون؟! لكن لا يشعر إلا بالذي هو فيه.
- عادة الناس هكذا، لما يجيء له وجع العين يقول: كل شيء سهل إلا هذه العين، وجع، تعب، هذا صعب.
- ثم يجيء له وجع السن، يقول: لا يخليك تأكل، أشدّ شيء هذا، كل شيء سهل.
- وبعد ذلك يجي له وجع البطن، يقول: هذا خبيث، هذا أسوأ وجع، أشدّ شيء وجع البطن.
كل واحد لمّا يُصيبه شيء، يعرف حقيقته وشِدِّته وحِدّته. وهؤلاء في الموقف تحت الشمس والشدِّة يقولون: ولو إلى النار! يقولون: ولو إلى النار، نار ماذا؟! نار جهنم! هذه نار أشد وأعظم وأخطر.
ولهذا يلوذون بالأنبياء حتى تظهر وجاهة سيدهم؛ لا أحد يقدر يقول أنا لها، غيره، لا مَلَك، لا نبي، لا إنسي، لا جني، لا صغير، لا كبير، فقط محمد يقول: أنا لها، سبحان المعطي! سبحان مُعطيه!
رؤوس كلّها تخضع، الذين سبّوه والذين تكلّموا عليه، والذين كذّبوا به، والذين كفروا به؛ كلّهم رؤوسهم تخضع لمحمد، محمد فوق الكل، ويتمنون القُرب منه ويتمنونه.
ولكن الذي ضيَّع ضاع، والذي قطع نفسه قُطِع، لا أحد يقدر أن يرى وجهه ولا يسمع صوته ولا يُصافح يده، والذي له به صلة، يرى الوجه الكريم ويسمع الصوت ويُصافح ويشرب من الحوض ويمشي معه ويرافقه في الجنة.
الله يجعلنا معه، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) [التحريم:8].
في يومٍ كلٌّ بذكرك يامحمد يصيحُ
حتى الظَلَمة، (يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ…)، لا يتذكّر رؤساءه، لا يتذكّر زعماءه، لا يتذّكر مخططينه و مُنظِّرينه، لا يتذكّر أصدقاءه (مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان:27]
أين أصدقاؤك؟ أين زعماءك؟ أين القادة؟ أين ذهبوا؟ ألا تريد معهم؟! لا، لا، مع الرسول، أنت قطعت نفسك عن الرسول وعن سنّة الرسول وعن هدي الرسول في الحياة، الآن تريد معه؟! كيف هذا؟!
الله الله الله، قالِ: (كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7))، ولكن موقِف القيامة ؛ مواقِف مواقف:
- بعض المواقِف، يعُمُّ الرهبة والخوف فيها الكل، وهي التي ينزل الله الملائكة فيها، وفي مواقف أيضًا.
- وهناك مواقف كما وصف الحق:
- (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) [الأنبياء:103].
- (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) [الأنبياء:102].
فسبحان ذي الملك والملكوت، الجبار الأعلى، ولولا رحمته ما نجا أحد، وقد خلق الرحمة وجزأها مائة جزء و أنزل جزءًا واحدًا إلى الدنيا، جميع الرحمة المبثوثة في القلوب من هذا الجزء، حتى رحمة الوالدة على ولدها، حتى إن البهيمة ترفع حافرها عن ولدها من هذه الرحمة.
فإذا جاءت القيامة، أرجعَ الجزء إلى التسعة والتسعين، فاكتملت مئة كاملة، فيرحم بها عباده، وإلا لا أحد سيدخل الجنة، ولن يدخل أحد منكم الجنة إلا برحمة الله.
اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7))؛ هذا وصف الأبرار، وماذا يعملون؟
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ): يُفطِّرون الصائمين، يفرحون بالضيف إذا نزل، يؤدّون الزكاة، كلما حصلوا على شيء؛ تفقّدوا جارهم، تفقّدوا قريبهم المُحتاج، يأخذون ولو يسيرًا من عندهم.
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ)، على حبِّ ربِّهم سبحانه وتعالى، محبةً لله: (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)).
- يقول بعض أهل التفسير: (عَلَىٰ حُبِّهِ) مع حاجتهم إليه.
- ويقول بعضهم: بل يُنفِقون على حبِّ الإنفاق والإطعام، يعني مولّعة قلوبهم بنفع الناس، ويُحبّون أن يُطعِموا الناس، فلمّا يأكل غيرهم يفرحون كأنهم هم أكلوا.
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ)؛ لحبّ الإطعام، ولكن المعنى الأرفع الأجمع فيها: على حُبّه تعالى؛ من أجل حُبِّ الله.
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ) -على حبِّ ربّهم- (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)): يعني يشمِلون أصناف المُحتاجين، كلّ من قدروا أن يُطعِموه أطعموه، قال:
- (مِسْكِينًا) مُحتاجًا.
- (وَيَتِيمًا) ليس عنده أب ولا كافِل.
- (وَأَسِيرًا) محْبوسًا مأسورًا؛ إمّا من المسلمين أو أسيرًا من الكفار؛ يُطعَم، كما قال رسول الله ﷺ: "أحسنوا إلى الأسرى".
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8))، وقد حصل من عدد من الصحابة أنواع من هذا الإطعام، ومنهم ما جاء أن سيدنا علي والسيدة فاطمة نذروا صوم يوم، فصاما.
ذهب سيدنا علي فجمع بعض الحب، فجاء به للسيدة فاطمة فطحنته ثم عجنته ثم خبزته ثلاثة أقراص؛ من أجل أن تفطر هي على قرص، وعلي على قرص، وقرص للحسن والحسين وزينب عندهم، فجهزت الأقراص للعشاء:
- فإذا بالباب واحد، قالت: من؟لمسكين؛ فأعطته قرص.
- ثم أتى الثاني، قالت: من؟ قال: يتيم؛ فأعطته قرص
- ثم أتى الثالث، قالت: من؟ قال: أسير؛ فأعطته قرص.
فآثروا كل واحد منهم بِقوتهم، وجاء وقت الفطر لا يوجد شيء لا لها ولا لعلي ولا لهم. فباتوا طاوين، باتت الأسرة كلّها ليس عندهم شيء.
ونزل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ)، أمثال هذه النماذج العجيبة.
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ) -حبِّ الله- (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ)، قال هذا حالهم، ما قالوا هم ولا تكلموا؛ بل الله علِم من قلوبهم هذا؛ فحكاه عنهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ)، هذا معنى (عَلَىٰ حُبِّهِ)؛ أي لوجه الله.
(لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً) بالعمل، وَلَا شُكُورًا (9)) باللسان، لا تُقدِّموا لنا خِدمة، ولا تقرِّبوا لنا شيئًا، ولا تُساعِدونا في شيء، ولا تُثنون علينا، ولا تمدحُونا، أعطيناه للواحد الكبير لوجه الله العلي: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)).
كان يقول لنا شيخنا محمد الهدار رحمة الله عليه: امْضوا في طريق من مضى من صالِحي سلفكم وآبائكم، كانوا يقومون بما يقومون به من الخير. ومنه مايقدِّمون من معروف للناس، ومنه تعليم الناس، لكن على قاعدة: (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).
قالوا: حتى لفظة؛ جزاك الله خيرًا من أحد، لا ينتظرونها ولا يلتفتون إليها، لا يريدون من أحد شيئًا؛ إن أطعموا، وإن علِّموا، وإن خدموا، وإن أسْدوا معروفًا، وإن أصلحوا؛ يُريدون أن يرضى الله عنهم، حتى لا ينتظِرون من أحد أن يقول لهم: جزاكم الله خيرًا - مشكور-، يعني لا يلتفِتون إلى شيء من هذا.
وقصْدهم الرحمن في القول والفعلِ
ولذا يُعلِّم ويُطعِم، الذي يقول: جزاك الله خيرًا، والذي يتكّلم عليه من وراء ظهره، لا يُبالي؛ لأنه يريد واحد (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا).
فمن عنده الجزاء، من عنده -سبحانه وتعالى- إذا قَبِل فالفضل فضله، والأمر أمره، والقول قوله -جلّ جلاله وتعالى في علاه- الله أكبر!
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9))؛ أرجع الركيزة الأصل نفسها التي دفعته، سواء للوفاء بالنذر والكف عن المُحرّمات، أو لمكارم والأخلاق: (إِنَّا نَخَافُ)، نفس الركيزة (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا) تعبس فيه الوجوه من شِدّة ذلك اليوم، اليوم نفسه سمّاه عُبوسًا، ليس وجوه الناس، هو اليوم نفسه.(يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10))، شديدًا هائلًا..
- (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ) لا عليكم، لا من شِدّته ولا من عُبوسته.
- (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) في وجوههم (وَسُرُورًا (11)) في قُلوبهم.
اللهم أكرمنا، واجعلنا ممن تُلقّيهم (نَضْرَةً وَسُرُورًا)، اجعلنا في أهل البِّر، واجعلنا من أهل التقوى في الجهر والسِّر، واجعلنا من أهل اتِّباع المُصطفى الطاهر المُطهّر، اللهم وأظلّنا بظِل لوائه، وأوردنا على حوضه، وأسقنا من كأسه، وأدخلنا معه الجنة، فإنه أول من يدخلها، وأنزلنا معه في قصورها، فإنه أول من ينزلها، وارحمنا يوم يشفع للخلائق، فترحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، واشمل جميع من يحضرنا وجميع من يسمعنا وأهليهم أجمعين وأولادهم أجمعين وآباءهم أجمعين، اجعلنا وإياهم في دار الكرامة مجتمعين، في ظل ظليل، (إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47]، وكن لنا بما أنت أهله، وأصلح الشأن كلّه.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
10 شوّال 1438