تفسير سورة الإنسان -3- من قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماًكَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7))

تفسير جزء تبارك - 114 - مواصلة تفسير سورة الإنسان {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماًكَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}الدرس الأخير
للاستماع إلى الدرس

يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا (18) ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، مُعطي العطايا الجزيلات، ودافع الآفات، وكافي المهمات والمُلمَّات، مخصِّص الأمة بواسع الخيرات، ببركة نبيها خاتم الرسالات.

اللهم أدم منك الصلوات والتسليمات والتبريكات، على عبدك المجتبى محمدٍ خيرِ أهلِ الأرضِ والسماوات، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه بإحسانٍ على الثبات إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهلِ المنازل الشريفة والدرجات، وعلى آلهم وصحبهم والملائكةِ المقرّبين وجميع عبادِ اللهِ الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.

وبعد،،، 

فإننا في نعمة اغتنام ساعات الشهر الكريم المبارك ونحن في ختامه، في تأمُّلنا لكلام الحق -تبارك وتعالى- وخِطابه الذي وجهه إلينا على لسان سيد أحبابه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، تأملنا آياتٍ في سورة الإنسان: 

  • وما أجدر الإنسان أن يُولي هذه السورة اهتمامًا وعناية وقد سُمّيت باسمه من قِبل الرحمن. 
  • وسُمّيت أيضًا باسم الزمن الذي يحياه ويعيشَه، أو يُدركه في أيّ أنواع المراتب من الأعمار والحياة وهو الدهر. 

فسمِّيت سورة الدهر، وسمِّيت سورة الإنسان، وفيها بيانُ الحقيقةِ لهذا الإنسان؛ في خلقه، وتكوينه، ومصيره، ولم يكن شيئًا مذكورًا، كما ذكر الحق -جلَّ جلاله- ووصف لنا أخبار الأبرار: 

  • وما يشربون من العيون النابعة الطيبة في جنة الله التي يُفَجِّرونها تفجيرا. 
  • ووصْفُهم في الوفاء بالنذر؛ كلما أوجب الحق عليهم. 
  • ثم ما التزموا به من قِبل أنفسهم من الطاعات والعبادات. 
  • ولكن ما كان فرضًا من الله بالأصل أعظم وأجل وأكرم.

وكثير من الناس يلتزم بشيءٍ من الصدقة، أو بشيءٍ من الصيام ونحوه إذا شفى الله له مريضًا، أو سلَّمه من مصيبة، أو خلّصه من كربةٍ وقعت فيه، ويكون كما قال بعض سلف الأمة: يُستخرج به من ذلك البخيل الذي ما حركته إلَّا هذه الدواعي، ولا يرُد من قدر الله شيئًا، وإنما هي أسباب كالدعاء، والحق يفعل ما يشاء.

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ..(7)): 

  • فالوفاء شأنُ الأصفياء، وشأن الأتقياء، وشأنُ سادتهم الأنبياء ومَن مشى على منهاجهم، فالله يرزقنا الوفاء.
  • وخيرُ الوفاء، الوفاء بعهد عالمِ السرِّ وأخفى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60-61].

حتى قيل في معنى: 

  • (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، العهدُ السابق الذي عاهدهم عليه يومَ (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172].
  • (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) كما قيل إن معناه: الطاعات والواجبات التي أوجبها، وترك المحرمات التي حرّمها عليهم. 

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، وذلك أنه عهدٌ يقتضيه عقدُ شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله.

رزقنا الله وإياكم التحقق بهذه الحقيقة في إقامة هذا العهد على الوجه الذي يرضاه ربُّ الخليقة -سبحانه وتعالى-.

إنَّ من أعظم الفوائد أن تخرج من رمضان وأنت متصل بحسن الوفاء بعهد هذا الإله -جلَّ جلاله-؛ فيُرى عليك آثارُ الوفاء في ليالي وأيام شوال والقعدة والحجة وما بقي من عمرك. 

وأعمارنا قصيرة، مَن بقي له من العمر أيام، أو أشهر، أو سنوات؛ فكله قصير، وأقلُّنا من يجُوز السبعين من هذه الأمة: 

  • الذي يجُوز السبعين من السنين على ظهر الأرض أقلّ الأمة. 
  • أكثر الأمة قبل السبعين ينتقلون من هذه الحياة إلى تلك الحياة الباقية.

فبارك الله في أعمارنا ورزَقنا فيها الوفاء بعهده الذي عاهدنا عليه.

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)؛ والركيزة عندهم يخافون: (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7))، والخوف من ذلك اليوم راجع إلى الخوف من الله -تبارك وتعالى-:

  • فأقله عند مَن قصُر فقهه الإيماني وذوقه الروحاني أنه يخاف من عذاب أعدَّه الله للغافلين، والكافرين، والفاسقين، والمنافقين: فهو معه معنىً من الخوف من الله،؛ ولكن هذا في قُصوره وضعفه. 
  • ومَن اتسع إيمانه وذوقه الروحاني، علِم أنه كل ما ذُكر من أنواع العذاب والشدة والهول فعل، لكن مَن الفاعل؟ فالخوف يأتي من الفاعل: 
  • الذي يقيك ما شاء، ويسلط عليك ما شاء. 
  • ويسخر عليك ما يشاء، ويصيبك بما يشاء. 
  • ويصرف عنك ما يشاء: (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) [الأنعام:16]

(من يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) هو المرحوم عند الله تعالى من يُصرف عنه عذاب يوم القيامة. اللهم اصرف عنا عذاب جهنم، و اصرف عنا عذاب يوم القيامة، واصرف عنا عذاب القبور، واصرف عنا عذاب الدنيا والآخرة.

(وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7))، منتشرًا، ممتدًا، ذائعًا، يكاد يستغرق عامة الخلق، بل يُوثرُ أن الحيوانات، حتى وهي في الدنيا تقلق من يوم الجمعة؛ لخشيةِ قيام الساعة، لأن قيام الساعة يكون في يوم جمعة.

لا إله إلاَّ الله، رزقنا الله هُناك أمنهُ وطمأنينته وفي كل المواقف إن شاء الله في الدنيا والبرزخ والآخرة.

ولكن على قدر الخوف من الله يكون الأمان: 

  • كل أمان المخلوق في الخوف من الخالق، على قدره يأمن:
    • قال سيدنا إبراهيم لقومه: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ) من الأصنام (وَلَا تَخَافُونَ) على أنفسكم (أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام:81-82].
    • لذا كان في أذكار راتب الإمام عمر العطاس: "بسم الله آمنا بالله، ومَن يؤمن بالله لا خوف عليه".
  • على قدر الإيمان بالله يكون الخوف من الله، فلا خوف على الخائف من الله تعالى -جلَّ جلاله- فإن الله يؤمِّنُ مَن خافه على قدر مخافته: 
    • كلما كثرت مخافته من الله زاد تأمين الله له. 
    • أمَّنه الله تعالى في الدنيا والبرزخ والآخرة على قدر خوفه من الله.

فالخوف من الله فيه الأمان، الأمان كله في الخوف من الله.

ألا وعزة الذي خلقنا وخلق كل شيء، لا أمان لمن لا يخاف الله، لا أمان لهم، وإن ادَّعوا ما ادّعوا من الأمان في الدنيا.

فلو سيق إليك ما في قلب الواحد منهم من أخْواف وقلق وهمّ، لاستعذتَ من حياتهم ولاستعذتَ من حالهم.

 ولا يصيب الناس مثل ما يصيب الكفار، والذين لايخافون من الله تعالى، من الذعر والخوف عند توقع الموت، وعند وجود الحذر، وعند وجود الشدائد، وعند وجود التفجيرات، وعند ذلك لا يُصيب الذعر مثل هذه القلوب التي لا تخاف الله؛ فهي  أذعر، وأخوف وأشد قلقًا، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وذُعرًا من الموت ..لا إله إلَّا الله..

(يَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ..(8))، مع حاجتهم إليه أو بدافع محبة الله -تبارك وتعالى-، وإن كانوا محتاجين إليه، كما قال في الآية الأخرى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9].

يقول: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)): 

  • قالوا: والأسير في وقت نزول الآية ما يكون إلَّا كافر. 
  • لأنه قد ينطلق على السجين أيضًا أنه أسير. 

ما كان مع النبي سجن يُسجن فيه أحد، لا يوجد مساجين في وقت نبيه، إنما يأتون بالأسرى من الكفار؛ ولذا كان يقول قتادة: هذا ترغيب الله في إطعام الأسير وهو كافر، فأخوك المؤمن أعظم وأشد وأكبر قدرًا عند الله تعالى، فلا تُقصِّر في إطعام أخيك المؤمن.

حتى يطعمون الأسير وهو كافر في تلك الأيام، وفي معنى الأسير أيضًا؛ المملوك الذي يحتاج إلى المساعدة في التخلص من الرق إلى غير ذلك.

 (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) وقد ذكرنا ما رواه ابن مرْدويه عن ابن عباس أنها نزلت في سيدتنا فاطمة وسيدنا علي بن أبي طالب، وينطبق على كل مَن سلك هذا المسلك.

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ)، إعتنى الحق تعالى بذكر الطعام في هذا الجانب: 

  • كما نقرأ في سورة الماعون: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون:1-3]..
    • فجعل علامة التكذيب بيوم الدين -هذا الخُلق الذميم- في نهر الأيتام واحتقارهم، وفي عدم إعطاء المسكين حقه من الطعام والمال.
  • وقال في الآية الأخرى: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت:6-7]..
    • فجعل صلة بين الشرك وعدم الإنفاق، -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

إذًا فالإطْعام والإنفاق، لكل مَن قدر عليه مكرُمة جميلة، وكرامة من الله، ووصفٌ يحبه الله -تبارك وتعالى- قال فيه زين الوجود: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ما معك تمرة كاملة،  خذ بعض التمرة تصدَّق، أطعم، وأعطِ..الله الله..

وهكذا دخلت امرأة  ومعها بنتان جائعتان إلى عند السيدة عائشة، فما وجدت لهن في بيت رسول الله ﷺ التي هي فيه إلَّا ثلاث تمرات، فأخرجت الثلاث التمرات وأعطتْهن. والمرأة أعطت بنْتاها؛ هذه تمرة، وهذه تمرة، وشقَّت تمرة من أجل أن تأكلها، فلما رفَعتها إلى فمها تعلَّقت بها البنتان، فردتها من عند فمها وأعطت هذه نصف وهذه نصف، شقتها بينهما وخرجت.

رقَّت لهذا المنظر السيدة عائشة وصارت تدمع، ودخل النبي عليها لما جاء من المسجد بعد الإشراق، فرأى أثر الدمع عليها، فقال: "ما يبكيك يا عائشة؟" قالت: كانت عندي امرأة  دخلت وهي جائعة، ما وجدتُ إلَّا ثلاث تمرات، فأعطيتهم، فأعطت بنتها تمرة والثانية تمرة، ورفعت التمرة الثالثة إلى فمها، فلما تعلقت بها البنتان شقتها بينهما وأعطت هذه نصف، وهذه نصف، قال: "إن الله غفر لها برحمتها لابنتيها بشق التمرة هذه التي خرَّجت واحدة لهذا وواحدة لهذا، وتركت نفسها"، غفر لها الحق -تبارك وتعالى- بفضل رحْمتها إياهم، رحمتِها لابنتَيها، -سبحانه وتعالى-

ففي الآيات كثيرة  إشارات إلى أن:

  • مجال الإطعام، والإعطاء، والإنفاق مجال محبوب للرَّب -جلَّ جلاله-. 
  • تُرفع درجات أصحابه إذا قصدوا به وجه الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، 

كما أشار إلينا بقوله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ). وأكثر المفسرين يقولون أنهم ما قالوا هم هذا؛ ولكن علِم الله هذا الحال الصادق من قلوبهم، فتحدَّث عنهم: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً..(9)):

  • علم أنها قلوب لا تلتفت إلى ثناء من أحد، ولا إلى خدمة من أحد، ولا إلى مقابل من أحد. 
  • ودأب كثير من الشيوخ الصالحين على الابتعاد عن خدمات مريديهم وطلابهم. 
  • وهكذا، وكان الكثير منهم يُرسل إلى السوق مَن يأتي له بالحاجة ممن لا يُعرف أنه منسوب إليه، حتى لا يُرخَّص له في السعر ولا يُراعى، من شأن كونه تبع الشيخ الفلاني؛ خشية من أن يستعجلوا شيئًا من أجورهم وثوابهم في الدنيا، -الله- لا إله إلَّا الله-.

(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ)، يعني قصد ذات ربنا، (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ): 

  • (جَزَاءً) من خدمة تقدمونها
  • (وَلَا شُكُورًا(9))، من مدح تمدحون ولا ثناء

 لا نريد (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا نحن نعرف مَن نقصد، ومع مَن نتاجر، ومن أين يأتينا الربح، نريده هو - جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وقال في الآية الأخرى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ) الخطابات بينهم البين (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114]، (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الله أكبر.

يقول: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9))، وكانت السيدة عائشة أم المؤمنين: إذا بعثت بصدقة، أو هدية لأحد تقول للذي تبعثه: "احفظ ما يقول إذا سلَّمته له": فإذا سلَّمه إياها قال: "هذا من أم المؤمنين عائشة"، قال: جزاها الله خيرًا، أكرمها الله، بارك الله في حالها.

يسترجع ما قال، قال: "جزاها الله خير وأكرمها الله وبارك الله في حالها".

قالت: اللهم اجزه خير وأكرمه وبارك في حاله، ماذا قال؟    قال: سترها الله وبلَّغها مرادها

هي ترجع وتقول: اللهم استره وبلغه مراده". 

فتدعو له بمثل الدعاء، لماذا؟ قالت: "احفظ ما يقول؛ نرده له": حتى تقع الصدقة لله - لاشئ مقابل- ثابتة لي عند ربي، ودعاء مقابل دعاء، وثناء مقابل ثناء، يأخذ حقه في الدنيا والمقابل، ويدع صدقتي لربي -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9))، كرًّر الأمر في الركيزة نفسها التي قام عليها شأن المؤمنين في الخوف من الله: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)):

انظر؛ الخوف القائم على الأساس الذوقي الوجداني! 

ليس الخوف من نفس اليوم، ولا من ناره؛ غضب الله الذي يؤدي إلى هذا، البُعد عن الله الذي يؤدي إلى هذا، هذا فعل الله -تبارك وتعالى-، وهل تقدر النار على مرضيًا من قِبل الله، أو محبوبا عند الله؟! بل تخاف منه وتصيح منه نار جهنم تقول: هذا يحرقني بنوره، اذهب -لا إله إلَّا الله- فالأمر أمر الله، والمُلك مُلك الله -جلَّ جلاله-.

لكن مَن كان ضعيف الحس والإدراك والإيمان والذوق، لايعرف إلَّا مشاكل؛ حر النار، والزقوم، والسعير، والعقرب، والحية، يخافها هي، كأنها هي من نفسها. 

ومَن علِم أنه حتى التي في الدنيا لا تقدر أن تلسعك إلَّا بأمره-حتى التي في الدنيا- ولا تقدر تصيبك إلَّا بإذنه، فلا يخاف منها لذاتها أصلًا: 

  • فيبقى الخوف المجازي الذي يصح إطلاقه من حيث كونها أسبابًا فقط. 
  • لكن شهود المسبب غالب على ذهن وعقل المؤمن الذائق الراقي. -الله- لا إله إلَّا الله-.

(إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)):

  • (يَوْمًا عَبُوسًا) يعني؛ من أهواله وشدائده؛ تعبس الوجوه فيه؛ لكن من شدة وكثرة هذا التعبيس في الوجوه، كأن اليوم نفسه عبوسٌ ليس تلك الوجوه التي فيه،  إلَّأ هو نفْسه معبس صار.
  • (يَوْمًا عَبُوسًا): كثير العبوس.
  • (قَمْطَرِيرًا) أيضًا بمعنى منقبض، وكان الوجه إذا انقبض -من شدة الوجع- يقال له قمطرير. 
  • وأيضًا (قَمْطَرِيرًا) طويل. يوم طويل: (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج:4]. 

طويل كيف هو ليس بطويل؟!

نفس اليوم الطويل يمر على المؤمنين الصالحين كما بين الظهر والعصر، (مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) كأنها ما بين الظُهر والعصر عند هؤلاء.

ىأعلى منهم درجات، يمر عليهم كأخف صلاة صلَّاها في الدنيا، كل المقدار، الخمسين ألف سنة! تمر بسرعة، الله.. الله..الله..الله.

انظر كيف يفعل ربك؟! وكيف يتصرف في الوجود والكائنات والخلق كما يشاء؟! وهذا يراه ألف سنة، وهذا خمسين ألف سنة! متى تمر عليه وهو في التعب خمسين ألف سنة وتحت حر الشمس! اللهم أجرنا من النار وعذاب القيامة.

يقول: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10))؛ فكان الجزاء والعاقبة والنتيجة:

(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ ..(11)):

  • (لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف:68]. 
  • (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)  [الأنبياء:103].

 يومكم؛ يوم البشارة لكم، يوم الأمن، يوم استلام الجزاء على صالح الأعمال. (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ):

إذا كان هذا لعموم المؤمنين، فكيف لخاصتِهم؟ فكيف لِزين الوجود؟!

  • ولذا جاء في الروايات: "المفاتيح بيدي"، يقول يومئذٍ -يعني يوم القيامة- "الكرامة والمفاتيح بيدي، ولواء الحمد بيدي، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 
  • يُقال لواحد من أتباعه: (هَٰذَا يَوْمُكُمُ)، إذا كان يومه بالتبعية، اليوم يوم إكرام زين الوجود .

يومٌ كلٍّ يعرف قدره، من كل الناس بمختلف أصنافهم وطوائفهم، بمختلف مِللهم وأديانهم، من أولهم إلى آخرهم، كلٌ يعرف قدر النبي محمد، وأنه أكرم مخلوق، وأشرف مخلوق، وأعظم مخلوق، وأجل مخلوق، وأجمل مخلوق، وأفضل مخلوق، وأسعد مخلوق، وأمجد مخلوق، وأشرف مخلوق، محمد.

كل عقيدة سوى هذه باطلة، فتبطل ذلك اليوم، لا يبقى إلَّا هذه العقيدة الحق فقط: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]. فمن الأتقى؟ "أما إني أتقاكم لله" صلى الله عليه وصحبه وسلم.

ولهذا حُق له أن يقول: "وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله يوم القيامة ولا فخر".

فاملأ قلبك؛ أن أسعد مخلوق محمد، أمجد مخلوق محمد، أرشد مخلوق محمد، أنور مخلوق سيدنا محمد، أكرم مخلوق على الخالق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. 

كيف لا نحبه؟ كيف لا نتعلق به؟ كيف لا نوده؟!

  • ولولاه ما عرفنا رمضان، ولا وقعت جلسات، ولا وقعت مذاكرات، ولا وقعت آيات.
  • هذا مصدر الرحمة من الله لنا، سبب نعمة الله

 (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) لن نقدر نحن نتلو من دون ما يتلوها علينا، من أين نأتي بها؟  (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ)، مَن معه من صغارنا وكبارنا، نور من التزكية من أين جاء؟ الله أرسله على يد هذا: (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164]؛ هذا وصفهم، لكن بالنور المبين انتقلوا من الضلال المبين إلى الهدى، والنور الحق واليقين.

فَحَمْدًا لِرَبٍّ خَصَّنَا بِمُحَمَّدٍ *** وَأَخْرَجَنَا مِن ظُلْمَةِ وَدْيَاجِرٍ

إِلَى نُورِ إِسْلَامٍ وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ *** وَيُمْنٍ وَإِيمَانٍ وَخَيْرِ الأَوَامِرِ

وَطَهَّرَنَا مِن رِجْزِ كُفْرٍ وَخَبَثِهِ *** وَظُلْمٍ وَشِرْكٍ وَاقْتِحَامِ الْكَبَائِرِ

وهذا مَن هو؟ 

هو الزاهد الملقي لدنياه خلفه *** هُوَ الْمُجْتَزِي مِنْهَا بِزَادِ الْمُسَافِرِ

وَباذِلُهَا جَوَادًا بِهَا وَسَمَاحَةً *** بِكَفِّ نَدَاهَا كَالسَّحَابِ الْمُوَاطِرِ

هُوَ الْقَائِمُ السَّاجِدُ فِي غَسَقِ الدَّجَى

أما مثل هذه الأيام، في مثل هذه الأيام لا تسأل عن قيامه، لا تسأل عن اجتهاده: 

  • لا يأتي مثل هذا اليوم إلَّا وعظمة الاجتهاد الذي كان فيه في عشر رمضان مشرقة أنوارها على كل ذرة من أجزائه؛ على ثيابه، على البقعة التي يجلس فيها، لو وقع نظرك إليها تبهرك من شدة مجاهدته صلى الله عليه وصحبه وسلم . 
  • وكان يستعد لليالي العشر؛ لأجل المناجاة يغتسل، ويتطيب ويحضرون له المبخرة والجمرة ويتبخر من أجل المناجاة في الليل، كل ليلة من ليالي العشر يفعل كذلك صلى الله عليه وصحبه وسلم، اللهم صلِّ عليه وعلى أصحابه، مجتهد في العبادات. 

هُوَ الْقَائِمُ السَّاجِدُ فِي غَسَقِ الدَّجَى *** فَسِلْ وَرَمَّ الْأَقْدَامَ عَنْ خَيْرِ صَابِرٍ

 فَسِلْ وَرَمَّ الْأَقْدَامَ عَنْ خَيْرِ صَابِرٍ؛ قل للرجل: لِم تورّمتِ قدم محمد؟ لِم هذا الورم؟ لِم هذا الانتفاخ؟ من أين جاء؟ 

فَسِلْ وَرَمَّ الْأَقْدَامَ عَنْ خَيْرِ صَابِرٍ صلى الله عليه وصحبه وسلم

هُوَ السَّاسُ وَالرَّأْسُ لِلأَمْرِ كُلِّهِ *** بِأَوَّلِهِمْ يُدْعَى لِذَلِكَ وَآخِرِ

وَتَحْتَ لِوَاه الرُّسُلِ يَمْشُونَ فِي غَدٍ *** وَنَاهِيكَ مِنْ جَاهٍ عَرِيضٍ وَبَاهِرٍﷺ

اللهم لك الحمد إذ خصصْتنا بمحمد، فبحقِّه عليك لا تُفرق بيننا وبينه، ولا تباعد بيننا وبينه، ولا تحجبنا عنه، ولا تبعدنا منه في الدنيا والبرزخ والآخرة يا رب العالمين. 

(إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ):

كل الشرور التي في القيامة، صارت لهم منها وقاية. 

من أين؟ من فوق: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ)، انتهت ما هي مجرد حصانة دبلوماسية، هذه وقاية ربانية. 

من ماذا تقي؟ كل شرور القيامة تقيك منها: 

  • الفضيحة تقيك منها. 
  • خفة الميزان تقيك منها، تسلِّمك منها، عجيب هذه الوقاية. 
  • زلزلة الأقدام على الصراط تقيك منها. 
  • إعطاء الكتاب بالشمال تقيك منها. 

كل شرور القيامة تقيك منها: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ)، لا يوجد شر لهم - شر اليوم لغيرهم- ما عاد لهم شر. 

(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ) أعطاهم وقاية من جميع شرور القيامة، ومَن يقدر من الناس يعطي حصانة ضد ملائكة العذاب، أو من إعطاء الكتاب بالشمال، أو من خفة الميزان، أو من زلزلة القدم على الصراط؟! مَن يقدر يعطيك حصانة من هذا؟ ربُك إذا صدقت معه، ربك إذا اتقيتَ يعطيك وقاية.

(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ): 

  • أعطاهم ووهبهم ومنحهم وأوصل إليهم: (نَضْرَةً) في وجوههم؛
    • عجيب! حتى في القيامة، في اليوم العبوس القمطرير، لهم نضرة: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين:24]. 
    • بهاء وجمال وحسن وبياض ونور، عجيب! لطف في الوجوه. 
  • (وَسُرُورًا(11)) في القلوب، مسرورة فرحانة مطمئنة مبتهجة، جذِلة طربة بهجة. 

(نَضْرَةً وَسُرُورًا) -الله أكبر-، (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)) يعني نعيم الظاهر والباطن، والحس والمعنى، والجسد والقلب؛ كله مرتاح. نضرة في الوجه، سرور في القلب؛ لاحزَن لا هم لا غم لا كدر لا مشكلة لا عبوسة -الله أكبر-، (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا).

وقد ذكرنا آية قدرة الله، أنه مع هذا، بالنسبة لأهل الجنة كلهم يتحولون إلى جمال فائق، تبقى مسحة تعرف بها أن هذا أصله فلان بن فلان. 

كيف هذا وقد تغيّر إلى شخص جميل واحد ثاني، وإلى شكل كبير، لكن تبقى المسحة، قدرة إلهية، يعرفون بعضهم البعض. أنت فلان؟ ويقول: وأنت فلان؟  ما الذي أوصلك هنا؟ ما الذي جاء بك هنا؟. 

هذا كان حالك بينهم البين: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الطور:25]، قد تبدلوا. 

  • أولًا نحن هذه الأمة القصيرة هذه، والطول ستين ذراع، وهذا كان أيام آدم؛ لكن من يعهد هذا منا،  وبعد ذلك صار طوله ستين ذراع وعرضه سبع أذرع، وتعرفه فلان بن فلان -الله أكبر-، وتغيّر الشكل تغيير كامل!
  • في الدنيا يغالطون بعضهم البعض، ساعة ينزل ثوبه كذا، وساعة يغيّر شعره كذا، ساعة يلبس لباس آخر، ساعة يركب دباب ثاني، أو سيكل ثاني، سيارة أخرى ويتنكر، وهذا يبقى وهو قد تغيّر تغير كبير في الشكل والهيئة واللون، ولكن يُعرف أن هذا فلان!

عظمة لله سبحانه وتعالى! 

مثل هذه العظمة التي خلقنا، الآن صُور في شكل واحد وكلنا في أحسن تقويم.

  • كم عددنا، ومَن يشابه الثاني بالضبط؟ لا شيء بالضبط! اختلاف السنتكم والوانكم. 
  • ليس الصورة واحدة، حتى الصوت، هذا يتكلف يتشبه بفلان، وعندما يركِّز فتقول: لا لا، هذا تقليد!

ماهذا؟! ملايين، ولا صوت مثل الصوت الثاني، ولا صورة مثل الصورة الأخرى!. -لا إله إلَّا الله- وكله عينين وأذنين وفم وشفتين، كله هكذا ويختلف! أي عظمة هذه؟ -جلَّ الله تعالى في علاها-.

بقول: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا

  • بسبب صبرهم، صبر قليل في أيام الدنيا القليلة.
  • فما الشجاعة غير صبر ساعة، والفوز في العقبى لكل صبَّارِ.
  • صبروا قليلًا واستراحوا كثيرًا.

(وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا):

  • صبروا على الصدق مع الله، صبروا على الوفاء بعهد الله. 
  • صبروا على ترك الملذات المحرمة. 
  • صبروا على استهزاء المستهزئين، وعلى استخفاف المستخفِّين، وعلى عناد المعاندين. 
  • صبروا على كل ما قابلهم في الطريق.

(وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً)، لباسهم فيها حرير: (جَنَّةً وَحَرِيرًا(12))

(وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)، وهو المحرَّم على الرجال في الدنيا، الحلال للنساء؛ حرير الدنيا إلَّا: 

  • (أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [البقرة:25]، في الاسم وفي بعض الطرف من الصفات، أما في الحقيقة ما شيء مثل حرير الجنة، و ما شيء مثل طعام الجنة في الدنيا، ما شيء مثل هذا. هذا عالَم وعذا عالَم آخر، كل ما فيه يختلف. 
  • ولكن (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا)، (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) [البقرة:25]، هذا الذي كنا نسميه مثله مثل شيء يشبهه في الدنيا؛ هذا نسميه الموز، هذا نسميه العنب، هذا نسميه الزيتون، هذا نسميه الرمان، كان في الدنيا يقولون هذا. 

فيجدون الأمر؛ المذاق يختلف، والحال يختلف، والشأن يختلف، لأن تركيبة أبدانهم، المواد كلها مختلفة. -سبحان الله-.

يقول: (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا(12) مُّتَّكِئِينَ فِيهَا)، يعني غاية الراحة والسرور، (عَلَى الْأَرَائِكِ) الأسرّة جمع أريكة وهي السرير.

(مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا)، ما يحتاجونه من الضوء، ما يحتاجونه من البهاء، ثابت قائم عندهم من دون شمس،  (وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)):

  • زمهرير من أسماء القمر. 
  • وزمهرير أيضًا لشدة البرد. 

يعني:- لا حر ولا برد، ولا شمس ولا قمر، النور موجود، الهواء معتدل، لا حر ولا برد، وطول المدى كذلك، وطول الأبد كذلك.

(لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13))، وقد شبَّه لنا النبي ﷺ بالنسبة لعموم النار، أن النار الموجودة في الدنيا التي قال الله عنها: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:73]؛ أنها جزء من سبعين جزء من حرارة نار الآخرة، جزء من سبعين، فُضِّلَت عليها سبعين ضعفًا. قالوا: وإن كانت لكافية هذه النار، تكفي يا رسول الله! قال: "فإنها فُضِّلَت عليها سبعين ضعفًا". 

بعد ذلك، نَفَس النار، على ظهر الكرة الأرضية، أشد حرا وأشد بردا، سببه الأساسي -الله جعله كذلك- من نَفَسٍ للنار، نَفَس في الشتاء من زمهريرها، فهو أشد ما يوجد على ظهر الأرض من البرد، إلى حد أنهم يذهبون ببعض الحكومات، تذهب ببعض الرعايا الذين يريدون الانتقام منهم إلى بلدان شديدة البرودة يموتون فيها، لا يستطيعون العيش فيها لأنهم لم يألفوها، عندما يصلون إليها بعد كم يوم يموت واحد منهم، ثم يموتون وينتهون -لا إله إلَّا الله- هذا في الدنيا.

وأشد ما يوجد من الحر كذلك في الدنيا، نَفَس. وإن النار اشتكت إلى ربها شدة حرها وشدة بردها، فأذن لها بنَفَسَيْن: نَفَس في الصيف ونَفَس في الشتاء قالوا: فأشد ما يقاسي أهل الكرة الأرضية من البرد ومن الحر من أثر نَفَس جهنم، نَفَس! وقد ذكر الحق لنا شررها، وكيف هو؟! هذا نَفَسها! اللهم أجرنا من النار.

يقول: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا..(14)) -ظلال تلك الأشجار، (دَانِيَةً) قريبة منهم- (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14))، يتناول منها -إن أراد- قائما، وإن يريد قاعدا، وإن يريد مضطجعا) يتناول من أي شجرة كانت، بمجرد ما ينظر يريد من الشجرة تلك، تجيء وأنت مضطجع؛ مضطجع، قاعد- قاعد، قائم -قائم، حيث تريد تناول كما يشاء.

يقول: (دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا)، يتناولونها من أي مكان. 

  • (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)، أي يقطف مما يشاء وكما يشاء، بمجرد ما يضع يده تخرج الثمرة له. 
  • (ذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا)، إذا أنت على السرير وتريد شجرة، تجي، ثم ترجع بعد ذلك إلى مكانها، وأنت مكانك على السرير. 
    • لأنَّ التركيبة أخرى؛ فلا يضرهم ولا يؤذيهم؛ أكل، مضطجع ولا أكل نائم. 
    • أما في الدنيا؛ إما أن تأكل متكئا، أو تأكل مضطجعا، يؤثّر عليك في الغالب. 

لكن هناك لا توجد هذه الآثار كلها، تركيبك اختلف، وتركيب المواد للمأكولات اختلف:

  • ويأكلون حتى يُعطى الرجل قوة مائة رجل من أهل الدنيا. 
  • طعام وشراب؛ ولا بول ولا شيء يخرج منهم إلَّا رشح كالمسك، أزكى من المسك، وجُشاء أزكى رائحة من المسك، وانتهى  هذا هو -لا إله إلَّا الله،- لا قذر في ذاك الدار.

(لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)) -كاملًا تامًا تحت الأمر تحت الطلب.

(وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ)، أواني الجنة من فضة، من ذهب، من زبرجد، هنا ذكر من الفضة: (وَأَكْوَابٍ) الأكواب (كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ)، في الدنيا لا أحد يصنع قارورة من فضة، هذه من الفضة، يقول: لو فضة الدنيا رقّقْتها إلى أبعد حد، لا يمكن أن ترى الذي وسطها، لكن فضة الجنة تتحول الى قارورة، ترى الذي في وسط الإناء من الخارج. 

(وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ)؛ لأنه بعض الشراب لما تشاهده ، ثم تشربه يزيد ذوقه وطعمه بالنظر وبالشُّرب، وبلمس الكوب أيضًا، وترى الذي وسطه من الداخل وتراه من الخارج، والعجيب أنه من الفضة وترى الذي وسطه، في صفاء القوارير من معدن فضة. 

(مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا)، هؤلاء الخُدام الذين يمرون بالسَّقْي، يطوفون عليهم، يقول: (وَيُطَافُ عَلَيْهِم..(15))، طوافين عليهم من هؤلاء الولدان في الجنة، يُلهمهم الله التقدير التام، ما يأتي بإناء إلَّا وهو على قدر حاجة الشارب، لا يزيد شيء ولا ينقص شيء: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)). 

(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا)، يعني؛ أنواع وألوان من الأشربة يُعطاها المؤمن في دار الكرامة، وكلما ابتعد عن المشروبات المكروهة والمشبوهة، زادت له أنواع المشروبات في الآخرة على قدر ما ابتعد عن المشروبات المكروهة والمشبوهة في الدنيا.

يقول: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (17))، أيضًا زنجبيل الجنة، يعني إن كان أحد يعجبه أي شيء من الزنجبيل ذوقًا، أو أثرًا حسنًا، أو تنشيطًا إلى غير ذلك؛ فهناك ما يسمى بالزنجبيل يُمزج به، هو أعلى وأجل من كل ما يكون من زنجبيل الدنيا. 

ويقول عن هذا الزنجبيل: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا (18))، يعني سلسًا طيبًا يصل إلى سبيله في الآنية وفي الأيدي وفي الأفواه وفي البطون، تمام مسلسل على هناء، على طمأنينة، على لذة. (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا).

يقول الحق: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ..(19)) الخدام؛ يعني أقل واحد من أهل الجنة، أقلهم، يقف على رأسه ثلاث مئة من الولدان كل يوم، ومن يكون تحت أمره في الجنة من الحور والولدان ألف ألف، يعملون تحت أمره. مَن هذا؟ أقل، أقل! الثاني فوقه فوقه. هذا أقل واحد! الله، الله، الله.. 

  • ولهذا ستسمع بعذ ذلك يقول لك: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، لا يوجد مثله في مُلك الدنيا، لا من قريب ولا من بعيد.
  • قد ذكرنا النداءات التي ينادى بها أهل الجنة لما يدخلون: "إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، إن لكم أن تحيوا فيها فلا تموتوا أبدا، إن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا". 

هل يوجد مُلك في الدنيا مثل هذا؟ لا للأولين ولا للآخرين ما حصل لأحد -سبحان الله-؛ ولكن هكذا المُلك الكبير، جعلنا الله وإياكم من أهله.

يا رب، نودع شهرًا يشق علينا فراقه ولا بد من مضيه، فاجعلنا ممن سعد فيه، اجعلنا ممن قُبل فيه، اجعلنا ممن أُكرم فيه، اجعلنا ممن حظي بعطاياك لأهلِيه ومن أحق لمن ترتضيه، من عتق من النار، وعتق من العذاب، وأُعتق من الذنوب، وعتق من الحجب، وعتق من الظلمات.

اللهم؛ ومن مغفرة تشمل الذنوب كلها، ومن رحمة تجمع الخير كله، تدفع بها السوء والشر كله. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا. 

اللهم بارك لنا في خاتمة شهرنا هذا الذي إذا جاءت آخر ليلة منه نظرت إلى عبادك فغفرت للجميع وأعتقت مثل ما أعتقت من أول الشهر إلى آخره، إلَّا أولئك الأشقياء: مشرك بك، أو مقاطع لأرحامه، أو عاق لوالديه، أو مشاحن للمؤمنين، أو مُدمن على المسكرات والمخدرات فويل لهم، ثم ويل لهم، ثم ويل لهم أن يمر عليهم أيام وليالي هذا الشهر وهم بهذا الحال ولا يخرجون أنفسهم! ويل لهم، ويل لمن أدرك رمضان فلم يغفر له!

لا تجعل في بيوتنا محرومًا، لا تجعل في جيراننا محرومًا، لا تجعل في أهلينا ولا في أقاربنا ولا في طلابنا ولا في أصحابنا ولا فيمن والانا فيك محرومًا من المغفرة والعتق والخير الكبير في هذا الشهر، وما آتيتنا فيه من الخير نستودعك إياه فاحفظه لنا يا خير مستودع، احفظه لنا يا خير مستودع، وآتنا ثماره الكبيرة، وسر بنا في خير سيرة.

وما وعدت مَن نوى أن لا يعصيك من بعد فطره أبدًا طول عمره، أعطنا النية وأعطنا الوعد الكريم يا من لا يخلف الميعاد، بوجاهة المصطفى، فإننا اجتمعنا وإياهم لوجهك ولك، ومن أجلك، نطلب رضاك ونخشى غضبك وسخطك، نخشى نارك التي أعددتها لأعدائك ولمن سخطت عليهم، ونسألك رضاك والجنة، ومرافقة سيد أهل الفطنة، والسلامة من كل فتنة.

اللهم فارحمهم في مجمعهم وارحم معهم مَن يسمعهم حيث ما كان على أي بقعة من بقاع هذه الأرض، وأعد العوائد على مَن أذنت لهم بالسماع من أهل الأرض والسماء من فيض فضلك الأعلى الأجل الذي لا يوصف ولا يُكيف، لا ئق بك إلَّا أنت يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم. اجعله من أبرك الرمضانات علينا وعلى المؤمنين، وأظهر لنا من نتائجه وخيراته وعطاياك فيه ما بعد رمضان في أحوالنا وأحوال ديارنا وأحوال بلداننا وأحوال أوطاننا وأحوال زمننا وأهل زمَننا وأحوال المسلمين في المشارق والمغارب.

أرِنا أثر الرحمة، وأرنا أثر العطف من عندك والحنان والعطايا والرأفة والجود يا جواد، يا خير مَن يتوجه إليه وأكرم مَن يوقف بين يديه. لا إله إلَّا أنت، آمنا بك وبرسولك فاجعلنا من الخيرة البررة في لطف وعافية.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تنبيه: إن أبقى الله الشهر فيكون ختامنا في الغد، وإن جاء العيد في هذه الليلة فهذا ختامكم لهذه المجالس. ويبقى إن شاء الله في بعض الدروس في أيام الست لمن وفقه الله منا ومنكم. والله يجعلنا من أسعد الناس برمضان وبالعيد بعد رمضان، ويجعلنا من أهل المزيد والعطاء من غير تحديد كما يليق بجود المبدئ المعيد الفعال لما يريد والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر الهجري

02 ذو الحِجّة 1438

تاريخ النشر الميلادي

24 أغسطس 2017

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام