تفسير سورة الإنسان -4- من قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ(19))
تفسير الحبيب عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قول الله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } الإنسان: 19-21
نص الدرس مكتوب:
﷽
(۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22))
الحمد لله، مُشَرِّفنا بالقرآن الكريم، ومُشَرِّفنا بالنبي العظيم، ومُشَرِّفنا بالشهر المخصوص بالتكريم، ومُشَرِفنا بِجَعلنا من أمة حبيبه الهادي إلى الصراط المستقيم، ومُشَرِفنا بالإمداد بالعافية والصحة والإسلام والإيمان والاتباع للمصطفى محمد خير الأنام، وبلوغ رمضان في عفو وعافية وجود من الكريم المنان.
لك الحمد، أتمم علينا النعمة يا من شرفتنا بهذه المنن، وتولنا بما أنت أهله في كل سرٍّ وإعلان، سبحانك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، بعثت إلينا النبي المؤتمن، فهدانا إلى خير طريق وأقوم سَنَن، فصلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على المصطفى محمد، وعلى آله وصحبه وأهل محبته وقربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين، وأهلهم وصحبهم أجمعين، والملائكة المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
ولك الحمد على طلوع شمس أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك، اللهم وفِّر حظنا من أيامه ولياليه، وإن لك عتقاء من النار، ويكثر منك الإعتاق لرقاب عبادك عند غروب الشمس وعند طلوعها في ليالي وأيام الشهر المبارك.
اللهم وهذه رِقابُنا بين يديك، لا تجد مُعتِقًا سواك لها من النار، ولا من العار، ولا من الفضيحة، ولا من العيب، ولا من الذنب، فاعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وقراباتنا وطلابنا وأصحابنا وأحبابنا -يا كريم- يَمُنُّ بالعتق على من يشاء، اعتقنا من النار ومن كل عار، ومن الذنوب والأوزار، ومن العيوب والأكدار، يا خير من يُعتِق، ويا خير من يَجود ويتفضل ويُحسن ويَمنح ويهب ما لا يدخل تحت حَصر حاصر ولا تحت عدِّ عادٍّ مِن مَن خَلَق.
اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المن فضلًا، فصلِّ على عبدك المصطفى محمد وعلى آله وصحبه، وافتح لنا به أبواب الفهم في الكتاب العزيز، وارزقنا اللهم الاطلاع على ما أودعتَ فيه من المعاني من ذات تلك الجواهر و الإبريز، واجعل اللهم لنا نصيبًا وافرًا من الفهم عنك فيما خاطبت به كل مُوَفَق من عبادك منحته ودادك، يا حي يا قيوم، يا كريم يا عزيز.
ولقد تأملنا فيما مضى معنا مِن رمضان في عامنا الماضي، ثم أمد الله في أعمارنا حتى بلغنا هذا العام، تأملنا في كلام ربنا وتدبرنا بعض خطابات إلهنا -تعالى في علاه-، حتى انتهينا في سورة الإنسان إلى قول الرحمن جلَّ جلاله.
وقد ذكر لنا أوصاف الجِنان، جعلنا الله وإياكم من أهلها، اللهم اجعل مآلنا الجنة، واجعل مستقرنا الجنة، واجعل غايتنا الجنة، واجعل مصيرنا إلى الجنة في خواص الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الدرجات العُلى، ونسألك الدرجات العلى من الجنة.
وآخر ما ذَكَر لنا وصف الولدان في الجنة، وهم صنف من خلقه أوجدهم الله لجنته ولخدمة أهل جنته، فنشرهم أُلوفًا مؤلفة لكل فرد من أفراد أهل الجنة، قال عنهم: (۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19)):
- المنظر الذي يسْبي العقل بما تراه العين في الوِلدان، تحسبهم اللؤلؤ المنثور، إذا بدا لعينك منهم عدد -عن يمينك أو شمالك أو أمامك- فكأنك ترى اللؤلؤ الذي نُثِر وتناثر هنا وهناك في حُسنه وجماله.
- هذا وصف الولدان الخادمين، فكيف وصف المالكين المخدومين؟
- (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة:4].
يقول جلَّ جلاله: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))؛ فالخطاب أول ما يتوجه إلى رسول الله ﷺ، ولقد أراه الله تبارك وتعالى: (ثَمَّ) أي هناك، أراه الجنة بمرائي متعددة، في المنام وفي اليقظة:
- ومنها ما كان ليلة الإسراء والمعراج.
- ومنها ما يُصبح في بعض الأيام؛
- فيقول لسيدنا بلال: دخلتُ الجنة البارحة فسمعت دفَّ نعليك أمامي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
- ومنها ما جاءنا في الأحاديث الصحيحة:
أنه وهو يصلي بأصحابه الكرام في مسجده الكريم، تقدم من مكانه حتى قارب الجدار، ثم رجع مكانه وهو في الصلاة، ثم تأخر حتى كاد أن يلتصق بالصف، ثم عاد إلى مكانه وأكمل الصلاة. فلما قضى صلاته أخبرهم، وقال: "عُرضت عليَّ الجنة والنار في عَرض هذا الحائط، فحين عُرضت عليَّ الجنة دنوتُ منها، بذاك حين رأيتموني تقدمت، حتى لقد هممت أن أقطف قِطفًا من عنبها، ولو قطفته لأكلتم منه إلى يوم القيامة". لأن طعام الجنة لا ينفد، لا يبيد، كلما تأخذ ثمرة تثمر بدلها أحسن منها، ولو أَخذ هذا العنقود من العنب لبقي في الدنيا إلى يوم القيامة، ولكنه رأى حكمة الله في تأخير ذلك وجعله غيبًا على الناس حتى؛
- يشاهدوه بعد ذلك مشاهدة العيان بعد الانتقال من هذه الدنيا.
- ويشاهدوه مشاهدة حق اليقين على وجه التمام بعد البعث والحساب وإدخال هؤلاء الجنة وهؤلاء النار.
مع أن كلًّا من أهل الجنة والنار قد كان يشاهد الجنة والنار في أيام برازخهم من حين وفاتهم، فلا أقلَّ من عرضٍ لأهل الجنة في الصباح والمساء، ولأهل النار في الصباح والمساء:
- قال تعالى في قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) -صباح، ومساء- (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]. فهنا عرض.
- ثم هناك حق اليقين بالدخول إلى النار، وكذلك بالدخول إلى الجنة، جعلنا الله من أهلها.
- على أن أهل الجنة يجعل الله لهم من المرائي، ويجعل الله لهم من المشاهدات القلبية والروحية، لهم مراتب وهم في الدنيا قبل الآخرة.
- وقد عُرض على نبينا محمد ﷺ عدد من مرائي أصحابه في أخبار الجنة وفيما في الجنة، وكان يُقِرُّها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد ذلك..
- يكون معاينتهم لها عند الغرغرة وخروج الروح.
- ثم يكون معاينتهم لها في القبور وإلى يوم البعث والنشور.
- ثم الإذن بدخولها بالحال الأتم الأكمل الأجمل من بعد الحساب.
وبعد أن يُحرِّك حِلَق أبوابها سيد الأحباب، ويستفتح؛ فيُقال له: "بك أُمرتُ أن لا أفتح لأحدٍ قبلك"،
- ويدخلها ويدخل بعده من كان من السابقين من أمته.
- ثم الأنبياء المتقدمون والسابقون من أممهم.
- ثم لا يزالون في الجنة يرِد طوائف ممن عُذبوا في النار مرة بعد أخرى.
- حتى يأتي آخرهم، آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة:
وهذا يُعطى مثل الدنيا عشر مرات، لأقلهم، وما فيهم قليل، ويطوف فيما أعد الله له ألف عام حتى ينتهي على دورته فيما أعد الله له من حيث حضوره بجسده.
أما من حيث نفاذ بَصَرِه فيراها من أطرافها إلى أطرافها في وقت واحد، يمد الله تعالى أبصارهم إلى منتهى مُلكهم؛
- فليست الأبصار في الجنة كحُكْمِ الأبصار في هذا العالم، ولا الأسماع كحُكْمِ الأسماع هنا.
- ولا اللمس كحُكْمِ اللمس، ولا الأكل كحُكْمِ الأكل، ولا كل ما في الحياة مثل هذه الحياة.
- وإنما هي حياة أزهى وأبهى وأعلى وأغلى وأحلى و أجلى وأجمل وأكمل وأفضل.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ..(20)):
في الخطاب الأول لِزَينِ الوجود، فهو الذي مُكِّن من الرؤية ما لم يُمكَّن غيره؛
- (ثمَّ إِذَا رَأَيْتَ) أيها المؤمن: (ثَمَّ) إما بعين الإيمان واليقين وأنت في الدنيا -بعين الوصف أو بعين البصيرة- أو بعينك في المنام.
- (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) وإذا رأيت بعد ذلك في عالمك، وإذا رأيت عند الدخول إليها، وذلك غاية الرؤية وأتمها: (رَأَيْتَ نَعِيمًا):
- نعمةً لا تبيد بل تزيد نعيمًا.
- رأيت وجوهًا ناعمة، ورأيت طيرًا ناعمة، ورأيت ولدانًا ناعمة، ورأيت حورًا ناعمة.
- ورأيت (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) [الغاشية:8-10].
- (رَأَيْتَ نَعِيمًا) وأي نعيم؟ مؤبد مخلد لا يزول.
(رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، فكل من آمن بالله ورَسوله يحق له؛ إذا تحقق بحقائق الإيمان أن يحتقر مُلك الأرض من أيام آدم إلى أن تقوم الساعة، فكلُّه -والله- إذا قورن بلحظة من لحظات مُلك الجنة صار حقيرًا، صار حقيرًا.
وليس فيه إلا ما كان متصلًا بذلك المُلك الكبير من حيث إيمان صاحبه وتقواه، أو عدله أو خشيته من الله، أو تنفيذه لأمر الله، أو قهره لنفسه، أو إنصافه للمظلوم من الظالم، وما إلى ذلك، وماعدا ذلك؛ فكل مُلكِ الأرضِ -ورَبُ الأرضِ- حقير.
وهذا المُلك الحقير عليه تقوم حروب الخلق، ويقوم عليه ظلم الخلق لبعضهم البعض، ويقوم عليه قتال الخلق لبعضهم البعض..
- تَفًّا لهم وأُفٍّ لهم! ولِما رضوا لأنفسهم أن يكونوا بهذا المستوى الحقير من أجل المُلك الحقير، انتهكوا الحرمات والأعراض والدماء وأسالوها، أُفٍّ لهم وتبًّا لهم.
- ووالله لو أدركوا معاني المُلك الكبير لكانوا أزهد في هذا المُلك الحقير، وما كان يسوى عندهم كلمة، فضلًا عن أن تُزهَق النفس، فضلًا عن أن يُتصرَّف أي تصرف في هذا الوجود؛ ولكنه الغرور، الغرور الذي يصيب بني آدم، والعياذ بالله.
ولكنها موجبات الندامة، التي أشار إليها إمام أهل الإمامة، وسيد أهل الكرامة، وقال لأمته: "إنكم ستحرصون على الإمارة وإنها ستكون ندامة يوم القيامة"
ولقد حرصوا يا رسول الله بعدك حرصًا لم يحرصوه على صلاة ولا على زكاة ولا على ما دعوتهم إليه، حرصًا بذلوا فيه أرواحهم وأنفسهم لأجل تلك الإمارة مع زوالها.
وما كان ذلك في صحابتك الكرام، وما كان ذلك في الرعيل الأول، ولا في خيار أمتك على مدى الأيام؛
- لكن فيمن أصابتهم الغفلة.
- ولكن فيمن لم تتهذب نفوسهم.
- ولكن فيمن لم تتزكَّ أنفسهم.
- ولكن فيمن لم يتربوا على أيدي ورثتك من الذين تربوا بالسلسلة على يدك، عليك صلى ربك في كل حال وحين، أفضل الصلوات وأزكى التسليمات.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)):
- مُلك كبير؛ في هذا المُلك الكبير حتى الملائكة المعظَّمين لا يدخلون قصر أحدهم ولا بيته إلا بإذنه، يستأذنون هذا المَلِك، ملائكة الله! ما هذا المُلك؟ ما هذا المُلك؟
- فأي مُلك في الدنيا يستأذن أصحابه مَلَكٌ من الملائكة؟ أو يستأذنهم عزرائيل إذا جاء؟ يحتاج إلى ترخيص الدخول، يحضر تصريح من عند مَن منهم؟ حُراسهم يَرُدُّونه؟ أسلحتهم تردُّه؟ قصورهم تردُّه؟ كم عجائب لهم مع عزرائيل! هذا في شارع، وهذا في بيته، وهذا في مستشفى في سريره، وهذا في طائرته، وهذا في سيارته، ذهبوا.
- لكن ذاك الملك، حتى الملائكة ما تقدر تدخل إلا بإذن "يا فلان يا ولي الله، أتأذن لي؟" ملائكة مقربون، مُلك كبير كما قال الكبير.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، وكيف لا يكون مُلكًا كبيرًا وأنت ترافق فيه البشير النذير، وترافق السراج المنير، وترافق آدم وشيث بن آدم وإدريس ونوح، الله أكبر! ترافق فيه هود وصالح ، وترافق فيه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف، ترافق فيه موسى وعيسى وزكريا ويحيى وأيوب وأنبياء الله، وترافق المُقَرَبين من عباد الله تبارك وتعالى.
فنعم الجوار ونعم الحِلال ونعم المُلك الذي لا غُصة فيه ولا غم فيه ولا هم فيه ولا موت فيه ولا مرض فيه ولا سوء فيه.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، فأكبِر بمُلكٍ سماه الكبيرُ كبيرًا، سماه الكبيرُ كبيرًا، وماهذا المُلك؟!
تصوم شهر أو شهرين أو كم أيام في السنة أو أربع أشهر وتحصل على هذا المُلك الكبير! كل ما تبذله قليل ويسير أمام هذا المُلك الكبير.
أمام المُلك الحقير تَعِبوا كثيرًا، أمام المُلك الحقير خسروا فيه المُلك الكبير؛ بذلوا كثيرًا، وسافروا كثيرًا، وتغيبوا عن ملاذهم وبلادهم، وتغيبوا عن أهليهم وأولادهم من أجل أن يصلوا إلى هذا المُلك الحقير.
فيا طالب المُلك الكبير أما تستحي؟
- طلاب المُلك الحقير سهروا، طلاب المُلك الحقير بذلوا، طلاب المُلك الحقير سافروا.
- أنت تطلب المُلك الكبير ولا تريد أن تبذل؟! ولا تريد أن تضحي؟! ولا تريد أن تسهر؟! ما عرفت قَدر المُلك!
هذا المُلك الكبير، مِن المَلِك الكبير، لكل من على نهجه ومنهاجه وشريعته يَسير، جعلنا الله من السائرين على شريعته.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، وفي هذا يرى بعض الأخيار تلك المرأة الصالحة التي كان اسمها مسكينة لديهم في قريتهم، فلما توفيت رآها تمشي أمامه في حُلَلٍ من حُللِ الجنة متبخترة، فعرفها ونادى: يامسكينة، يامسكينة، التفتت وقالت: هيهات! ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر، قال لها: كيف حالك؟ قالت: لا تسأل عما أُبيحت له الجنة بحذافيرها، قال: الله أكبر! بِمَ نلتِ هذا؟ قالت: بمجالس العلم، التي كنت أحرص عليها في الدنيا، قال: فلِم تتبخترين هكذا؟ قالت: هذه مشية الخُدَّام في دار السلام، هذا ما هو بتبختر! مع شهود هذا المُلك، أنت ما رأيت الجنة! هذه مشية الخُدَّام في دار السلام.
اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام، وأدخلنا برحمتك دارك دار السلام.
قال: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ):
- (عَالِيَهُمْ) إما أهل الجنة على العموم أو هؤلاء الولِدان.
- (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ) يعني تعلوهم ثياب من سندس، من أعلى وأغلى ما تُكسَى الخلائق.
- (خُضْرٌ)، اختار الله لهم اللون الأخضر في عامة ألبستهم.
- ومن (وَإِسْتَبْرَقٌ): أنواع من الحرير العظيم، كما قال في الآية الأخرى:
- (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر:33].
- (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [الحج:23].
لكن حرير، أي حرير؟ ليس من دودة! حرير الدنيا دودة، دودة القز تصنع لك حرير؛ أغلى ثوب حرير خالص، ثوب كبير تُدخله في دائرة الخاتم ويخرج منه، من لِينِه.
ليس كلما صنعوا ثيابًا قالوا: حرير خالص، كذب، يكتبون عليها ويزعمون، حتى ثياب الرجال يكتبون عليها حرير خالص، لو كان حرير خالص حَرُمَ عليهم لُبْسُه، هو ليس امرأة.
الحرير الممتاز في الدنيا صعبٌ وغالٍ وله خصائص، حتى السيف يزلق فيه لا يقطعه.
أما حرير الجنة فما هو هذا؛ السندس والإستبرق الذي يلبسونه في الجنة، يا ما أغلاه! "وإن حُلَّةً منه لا تقوم لها الدنيا بما فيها"، لو خرجت حُلَّة منه ونريد أن نقوِّمها الآن بالموجود من الذهب في الدنيا، والموجود من النقد في الدنيا، ما تقوم له، ما فيه له مثيل أصلًا
حُلَّة رائحتها تُشَم من المَشرق إلى المَغرب، ماهذه الحلَّة؟! هذه ثيابهم، هذا هو المُلك الكبير، لا إله إلا الله.
لو أن حورية من الجنة برزت في الشَرق لوُجِد طيب رائحتها من الغَرب، ما هذا؟! هذا لا يوجد، لا يمكن أن يوجد على ظهر الأرض، غير موجود.
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20))، لكن هناك (ثَمَّ)، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ):
و(ثَمَّ) هذا قريب والله؛ لأنه آتٍ بيقين، فما مقدار السنين التي مرت من حين خُلقت الأرض؟ وما مقدار ما بقي؟ لم يبقَ إلا قليل، للوصول إلى (ثَمَّ) فـ(ثَمَّ) هذه قريب، قريب:
- قريب في نظر الحق.
- قريب في نظر رسوله.
- قريب في نظر أهل الحق.
- قريب:
- قال الله عن يوم القيامة: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج:7].
- (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب:63].
- وكل آتٍ فهو قريب: (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل:1].
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ)، فـ(ثَمَّ) -إذا قَبِلَنا الله- ما أقربه! وإذًا عما قليل؛
- مجلسك وأثره (ثَمَّ)
- وثمرته (ثَمَّ)
- وعاقبته (ثَمَّ)
- وخيراته (ثَمَّ)
الله أكبر، ما أعجب (ثَمَّ)! ما أعجب ما هناك من عطاء الجواد المنعم جلَّ جلاله!
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ):
- (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ): يُسَوَّرون بها من فضة الجنة.
- وبعد ذلك السقيا والشراب.
كم كرر الله ذكر هذا الشراب في الكتاب العزيز!
- يقول: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا)، يقول: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان:6-7].
- يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:22-28].
- أنواع هذا الشراب، قال تعالى: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [محمد:15].
كل هذه الأنواع من الشراب متصل بما يُسقى لروحك وما يُسقى باطنك، ممتزج هذا بهذا، بل ومقدمات هذا الشراب سقيا للأرواح وأنت في هذه الدار:
- تُسقاها في الصوم، تُسقاها في القيام.
- تُسقاها في القرآن، تُسقاها في مجالس العلم.
تُسقى هذه الكؤوس.
شَرِبْتُ كَأْسًا مِنَ المَعَانِي *** عَايَنْتُ فِيهَا بِلَا عِيَانِ
يقول: سَقاكَ بها المأْمونُ كأْسًا رَويَّةً -يقول لأخيه الذي كان ينتقده ويهجوه وزعلان منه- لما تعلّق بالنبي ودخل في الإسلام، وإذا به مُولع بالرسول وبما جاء به وبربه سبحانه وتعالى، يقول: سَقاكَ بها المأْمونُ كأْسًا رَويَّةً، ولما قرأوا القصيدة على النبي وأنه يهجوه قال: صَدَقنا المأمون، وكان إذا وجد أخاه كعب بن زهير، يقول له؛ يقول لك اخوك: سَقاكَ بها المأْمونُ كأْسًا رَويَّةً؛ فنعم الساقي وما أبهج من سقوا، سَقاكَ بها المأْمونُ كأْسًا رَويَّةً، فشربها فطاب وأحب وعشق فوق فوق فوق؛ فنعم الحب، ونعم العشق للعلا.
وفي هذا المعنى، وهذا الشرْب، يقول سيدُنا الإمام الحداد عليه رضوان الله تبارك وتعالى:
لِجيرانٍ لنا، أي أهل المراتب القريبة من المراتب التي أوصلنا الله إليها.
لِجيرانٍ لنا بالأبطحيَّــةْ *** بعثتُ مع النَّسيماتِ التحيَّةْ
وأودعتُ النَّسيمةَ حديثَ حُبٍّ *** قديـمٍ كانَ من يومِ القضيَّةْ
فمنذُ انبثقَ النُّورُ والمحبةٌ من يومِ القضيَّة، يومَ جمعَ اللهُ الأرواحَ، وقالَ: ألستُ بربِّكم؟ فهامتْ بربِّها، وسمعتْ كلامَ ربِّها، وسجدتْ لربها، وأحبَّت ربها. قال:
وأودعتُ النَّسيم حديثَ حُبٍّ *** قديمٍ كانَ من يومِ القضيَّةْ
دفينٌ في الفؤادِ
"دفينٌ في الفؤادِ": حقائق هذه المحبة لمولاي ومن أجله لمصطفاه ولأهل قربه..
دفينٌ في الفؤادِ بهِ حياتي *** إذا صالَ الفناءُ على السويَّةْ
"السوية" بُنْيتي اللحمية الجسدانية، إذا صال الفناء عليها ومات هذا الجسد، فأنا حي بهذه المحبة المكنونة في الفؤاد..
دفينٌ في الفؤادِ بهِ حياتي إذا *** صالَ الفناءُ على السويَّةْ
وبعد قال يبعث هذه المعاني:
تزمزم الحداة بذكر ليلى *** وما هي يا فتى بالعامريه
فأصبو ثم أصبو ثم أصبو *** ولا كالصبوات العذريه
وليست للغواني والأغاني *** ولا للشهوات الدنيويه
ولا للفانيات بأي معنى *** ولكن للأمور العلويه
حقائقُ من رقائقَ قد تسامَتْ *** بأوجِ الحضرةِ القدسيَّةْ
مناظرُ للنواظرِ من قلوبٍ *** مطهَّرةٍ زكيَّاتٍ نقيَّةْ
وأرواحٌ تطيرُ إلى عُلاها *** بأجنحةِ الغرامِ المُقعَدِّيَةْ
فتسرحُ في رياضٍ من جِنانٍ *** وتأوي للقناديلِ المُضِيَّةْ
فيا شوق الفؤاد لخير عيش *** مع الأحباب في الغرف العليه
عسى الربُّ الكريمُ بمحضِ فضلٍ *** يُبلِّغُنا أقاصي الأُمنِيَّةْ
عسى الربُّ الكريمُ بمحضِ فضلٍ *** يُبلِّغُنا أقاصي الأُمنِيَّةْ
عسى الربُّ الكريمُ بمحضِ فضلٍ *** يُبلِّغُنا أقاصي الأُمنِيَّةْ
(وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ..(21)) جاءت آيات كثيرة:
- (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا..(17))، (وَسُقُوا) [محمد:15].
- وما إلى ذلك: (يَشْرَبُونَ..(5))، و(يَشْرَبُ..(6)).
لكن هنا قال: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ):
- كملت العناية، صفا الوداد.
- اكتمل لهم تجلِّي رب العباد بأسنى المحبة والوداد.
- فتولاهم بنفسه: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ).
فما هذه السقيا؟!
(وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21))، لا إله إلا الله، منها ما يكون في درجات نعيم الجنة من سقيا على:
- أيدي الوِلدان المخلدين.
- على أيدي الحور العين.
- وعلى أيدي الملائكة.
لكن بعد ذلك تَكُفُّ الأيدي هذه كلها، ويتولاهم الرب، (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ) من غير واسطة، (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا):
- (طَهُورًا):
- في حد ذاته، لا يقربه دنس ولا يُقاربه نجاسة.
- في حد ذاته لا يتغير، في حد ذاته صافٍ.
- عند شربه لا يحصل لصاحبه به صداع.
- لا يحصل لصاحبه به مرض.
- لا يحصل لصاحبه به سُكْر، ما يزول عقله.
- (طَهُورًا):
- فيشربه صاحبه لا يحتاج أن يبول.
- طهور؛ لا تخرج منه نجاسة أصلًا.
- طهور هو طاهرٌ في حد ذاته يزيد الأطهار طُهرًا فوق طُهرهم.
- طاهرٌ مُطهِّر، (شَرَابًا طَهُورًا).
كم يربح الناس اليوم في المصانع الذين يصنعون أنواع الشراب؛ بعضه معلب، وبعضه دقيق مسحوق، وبعضه في القوارير، وبعد ذلك الناس يقولون: هذا ممتاز، اشتروا من هذا، ماهي مقارنته بذاك الشراب ؟!
(وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21))، هذه العجائب كلها كيف جاءت يا رب؟
- (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً)، أنا أُجازي المؤمنين الصادقين المخلصين:
- يقوم بإيمان واحتساب في رمضان، يقول له: غفرت لك.
- صوم بإيمان واحتساب في رمضان، يقول له: غفرت لك.
- قيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، يقول له: غفرت لك.
- (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً)، أنا أُجازي على القليل اليسير بالعظيم الكبير.
(إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم) لمّا جاهدتم أنفسكم وخضعتم لمولاكم واتبعتم نبيي واقتديتم بالصالحين من عبادي، اليوم أنا أشكر سعيكم هذا (وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22))..
- (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً) وأنا أُجازي هكذا، أُجازي على اليسير الحقير من مقدور بني آدم بعطايا ما لها حد ولا غاية ولا فناء، ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..
- (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:19].
تريد أن يُشكر سعيك مَن؟ تريد أن تسعى سعيًا يشكرك عليه هيئة؟ جماعة؟ وزارة؟ دولة؟
لا تبقى، لا تبقى، لا شيءٌ منها يبقى، لا الوزارات تبقى، ولا الهيئات تبقى، ولا الشركات تبقى، ولا الدول تبقى، اسعَ سعيًا يَشكرك عليه الدائم الذي لا يموت، الحي الباقي، الله
(إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا) انوِ النية الصالحة، أنت الآن في أول رمضان؛ أن تصدق معه في الليل والنهار؛ عينًا ويدًا ولسانًا وبطنًا وفرجًا وأذنًا وقلبًا، اصدق معه، فلا تتصور كيف يجازيك! "من فتح على نفسه باب نية حسنة، فتح الله له سبعين بابًا من أبواب التوفيق".
يَنظر إلى تنافسكم في العمل الصالح، فى العبادة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا.
اجعل رب العرش ينظر إليك، وأنت في أول يوم من أيام رمضان وفي القلب نية صادقة في التوجه إليه والإقبال عليه والصدق معه، جزاؤه كبير.
- عامله، فلن تجد خيرًا منه، لن تجد خيرًا من ربك مع كل من تعامله.
- عامله بصومك، عامله بصلاتك، عامله بقراءتك.
- عامله، اخرج من ذهنك الكائنات وأوصافها.
- عامله؛ له صُم، له قُم، معه، وتوجه بقلبٍ حاضرٍ معه.
- عامله، لا تجد أكرم منه، لا تجد أسخى منه، لا تجد أجود منه.
عندما تعامله وتَصْدُق، هو سيساعدك، أنت لديك شوائب كثيرة، وإن تَصْدُق معه؛ إذا رأى الغالب عليك إرادة الصدق معه، أبعد عنك الشوائب، ويكمل لك صدقك.
وبعد ذلك؟ وبعد ذلك، لا عين رأت ولا أذن سمعت، إذا قَبِلَكَ؛ جزاؤه كبير عظيم، لا أحسن منه، فعامله تسعد به، أي شيء تستطيع أن تعامله، لن تجد معاملة أصفى من معاملة الرحمن أو أجود أو أمجد أو أرفع أو أشرف أو أوسع، الله.. الله.. الله. إذا عاملته، رأيت وأنت في الدنيا، لا يمكن أن يوصف: "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر".
فكيف بما خبأ وبما أعد في الأخرى؟ هذا هو والله حَسَن المعاملة لكل من صدق، رزقنا الله الصدق معه والإخلاص لوجهه الكريم، حتى تسمع أرواحنا خطاب: (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا).
تسمعه أرواحنا إن شاء الله، وتسمع قلوبنا، والرحمن يقول: (إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا(22)).
يابر، يا شكور، اجعلنا من أهل السعي المشكور والعمل المبرور، اجعل صيامنا مقبولًا، واجعل قيامنا مقبولًا، اجعلنا نصوم إيمانًا واحتسابًا، واجعلنا نقوم إيمانًا واحتسابًا، وافتح لنا يا ربي بابًا، وزدنا منك جودًا ومنًّا وثوابًا، وهب لنا من جزائك العلي العظيم ما أنت أهله يا علي يا عظيم، واكشف كروب الأمة في المشارق والمغارب، واجعلنا وأهل جمعنا ومن يسمعنا ممن وفَّرت حظهم من منحك في هذا الشهر الكريم، وعطاياك لأهل التكريم، من كل ذي قلب سليم، ومن أهل الصراط المستقيم، يا علي يا كريم، ويا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار. يا الله.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار. يا الله.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة ونعوذ بك من النار. يا الله.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّا
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّا
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّا، ياكريم
أَثْبِتْنَا في ديوان أصفيائه وأوليائه وأهل رضاه، وانظمْنا في سلك أهل متابعة حبيبه محمد ﷺ مصطفاه، ويُصَفِّينا به عن شوائبنا ومعائبنا ومثالبنا بما قضى علمه تعالى في علاه، ويُفرِّج كروب أمة هذا النبي في الظاهر والباطن، وفي الشرق والغرب، ويدفع البلايا عنا وعنهم، ويجمع شملهم على ما يحب، ويرد عنا وعنهم كيد النفس والهوى والشيطان وشياطين الإنس والجن أجمعين، واجعلنا في الهداة المهديين، موفقين للخير، محفوظين من كل شر وضيم.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
02 رَمضان 1439