(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، الآية: 23، إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، الآية: 26
﷽
(لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26))
الحمد لله مُكرِمنا بأنوار قُرآنه، وإرسال عبده المُصطفى محمد ﷺ بِبَيانه، عليه أزكى صلوات الله وعلى آله وأصحابه، الثابِتين على قَدَمه والمُقتَدين به في سِرِّ الأمر وإعلانه، وعلى من تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يوم وضع الحق لميزانه، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمُرسَلين أئمة الحق والهدى وأعيانه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقَرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين بمحض جودِه وامتنانه.
وبعد،،
فإنَّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربنا جلَّ جلاله، مررنا في آيات سورة الحديد على قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) أي: نَخلُقها ونُبرِأها ونوجِدها، (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) عِلمه بكل ذلك وتقديره وإبراؤه إيَّاه -إيجاده إيَّاه- في الوقت الذي عَيَّنَه؛ لتكونوا على قَدَمٍ قَويمٍ (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، وفي قراءة: (بِمَا أتَاكُمْ) أي جاءكم، (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) خَلَّصَنا الله سُبحانه ونَجَّانا من الاختِيالِ والفَخرِ، ومن الجَزَعِ والتَّبَرُّم.
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24))
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) وهم الذين تَسَلَّطَت عليهم الرغبةُ في التَّمَيُّز بكثرة الأموال، ويُحبون أن يتميَّزوا على الناس بذلك، فلهذا لا يُعجبهم أن يُنفِق أحد؛ حتى لا يكثر الذين يَجِدون المال، ويَبقون في ميزَتِهِم وتَفَرُّدِهِم بتوفير المال، ولهذا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.
(وَمَن يَتَوَلَّ) عن الاستجابة لأمر الله تعالى؛ (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ ) الذي لا يحتاج إلى أحد ولا إلى شيء، (الْحَمِيدُ (24)) الذي يَشكُرُ مَن أطاعَ ومَن اتقى ومن عَمِلَ الخير فَيُجازِيَهُ الجزاء الجميل.
تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25))
ثم يقول سبحانه وتعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) جلّ جلاله وتعالى في علاه.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا) وهم الذين اختارهم واصطفاهم، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، فلا يوجد لهم نظيرٌ في أصناف الخلق؛ لأنهم محل اصطِفاء الخلَّاق جلّ جلاله، فخير الخلق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
رُسُل الله وأنبياؤه أشرف خلق الله وأكرمُ، خلق الله، وأفضلُ خلق الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، لا يَلحَق بِهم وَلي ولا صِدِّيق ولا مُفَكِّر ولا مُختَرِع ولا اقتِصادي ولا سياسي ولا صانع ولا طيار، لا يَلحق بمكانة وقدر الأنبياء أحد، هُم محل اصطِفاء الذي خلق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فيجب أن ترسخ هذه العقيدة في قلوب المؤمنين :
فالشأنُ في الوجود هذا الذي نحن فيه، في العظمة والأحقِّية، هو بالتبعيَّة للأنبياء، أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، يجب أن نُعَظِّمهُم، وأن نَعرِف مَكانَتَهُم، وأنَّ حضرة الربوبية اصطفتهم واختارَتهُم مِن بَين بَقِيَّة الأجناس، من كُلِّ أفراد بني آدم والجان، مُفَكِّريهم وصانِعيهِم وطيّارِيهم، وكلهم لا يساوون شيئاً عند الأنبياء صلوات الله عليهم.
و حتى أرباب الصدِّيقية من كبار الأولياء والصالحين لا يَصِلونَ الى رُتبَة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فلهم الميزة ولهم الخُصوصية، والصدِّيقون من بعد الأنبياء أعرف الناس من غير الأنبياء بِمَعَانٍ في النبوة، ولكن لا يدركوا حقيقة النبوة وهم لم يُنبَّأوا، ولا يدرك حقيقة النبوة إلا نبي، ولذا أعرف الناس بالأنبياء: هم الأنبياء بعضهم لبعض، هم أعرف بالنبوة، وهكذا.
وإذا بعث الله تبارك وتعالى في الأرض خَليفة العدل والصدق -الإمام المَهدي-، فهو يعرف من عظمة النبوة، فأصناف أهل الزيغ والابتداع يُنكرون جانب تعظيمه للمُصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وإنزاله؛ لأنه يعرف -من عظمته- ما لا يعرف غيره، لكن إذا نزل سيدنا عيسى بن مريم، كان أعرف بمحمد وأعرف بمعاني نبوته ممن سواه؛ لأنه نبي مثله، فإن الله جعله فيمن اصطفاهم في النبوة، بل من أولي العزم من الرسل، فهو أعرف بقدر محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقد جاءنا في بعض الأحاديث أنه ﷺ ذَكَرَ عيسى بن مريم، قال: "وَلَيَأْتِيَنَّ إِلَيَّ فَيَزُورُنِي، فَلَيَقِفَنَّ عَلَى قَبْرِي، فَلَيُسَلِّمَنَّ عَلَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ" صلوات الله وسلامه عليه، وقد لقيه ليلة الإسراء والمعراج.
يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا) وفي قراءة: (رَسُلَنَا) نحن الذين أرسلناه، هذا ليس وليد فِكر أحد، ما حمله الأنبياء إلى الناس رسالة من رب الناس، ليس نتيجة تفكير يخطىء ويُصيب، ولا نتيجة اجتهاد بشري مخلوق، الأمر أكبر من ذلك، رِسالة من الخالق العليم بكل شيء.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)؛ لِيُقيموا الحُجة على الناس، (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165]، فالمعجزات التي أُعطوها هي أعظم البينات، ثم كُل ما كان من بلاغهم وهَديِهِم ومعاملتهم، شؤونٌ بَيّنة تَشهد بصدقهم وتشهد بحق ما جاؤوا به صلوات الله وسلامه عليهم، فكلها بَيِنات.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) منها شرائعهم وأحكامهم ومعاملاتهم للناس؛ بَيِّنات، ومنها مُعجِزاتُهُم ودَلائِلُهُم وحُجَجُهُم.
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ) -كتاب وميزان وحديد- (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ):
فآمنا بكل كتاب أنزله الله تبارك وتعالى..(وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) وفيه العِلم والهُدى، وتَقويم التَّصَور الصحيح والاعتقاد الحق.
(وَالْمِيزَانَ) والميزان ما تُوزَنُ به الأشياء في الظاهر والباطن، ما تُوزن به الأشياء، أَمَرَهُم أن يَأمُروا أتباعهم وأُمَمُهم؛ في بيعهم وشرائهم بالميزان -بالوزن- وهو أنواع التقدير والكيل والوزن وما يوضع في كِفَفِه لِيُعلَم مقداره، وكما أمرهم -جلَّ جلاله- أن يُنَبِّهوا أتباعهم على ما يليق وما لا يليق، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يَحسُن وما يَقبح، فهو ميزان معنوي يُعرَف به؛ وجه الحُسن ووجه القُبح، ووجه الخَيرية والشَّرِية؛ (وَالْمِيزَانَ).
(وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..(25)) ومن إنزال الميزان ما كان في أول ما نَزَل بالمدينة بعد هجرة النبي ﷺ: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * ليَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:1-6].
فوجود الإيمان أساسٌ للقيام على الميزان، والقيام بالقسط بين الناس؛ لهذا:
إذن ففي شرائع الأنبياء المصْلحة للناس كلهم، لو حكَّموا شرائعهم في أي قضية من قضايا حياتهم، لأفلحوا فيها وسلكوا سبيل الصواب، فالخير في اتباع الأنبياء، (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ).
(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ) هذا النوع من الخَلق جَعَلَ الله فيه عجائب وغرائب من فوائد الناس وحاجات الناس وما يَقوم عليه شؤونهم في الحياة الدنيا؛ في الحديد الذي أنزله جلَّ جلاله بأن أوجَدَهُ وَخَلَقَهُ وَكَوَّنَهُ للناس على ظهر الأرض:
قال: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ) مادة من المواد، ثم آلات الجهاد في سبيل الله في الحرب؛ حديد، وإذا أرادوا كذلك أن يذبحوا، لا بد لهم من الحديد، ثم جاءت لنا هذه المراكب، كانت المراكب السابقة من الحيوانات ويحتاجون لها إلى بعض الشد والمَحامل ويدخل فيه الحديد، والآن صارت كلها مَرْكبات؛ من الدراجة إلى السيارة إلى الطائرة، حديد.
(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ) يتكلم الحق عن علمٍ، هو أعلم بِخَلقِه وأعرف بما يحتاجون إليه، وكلما كانت الحاجة إليه كثيرة يجعل يُسْرَه أكثر، ووجوده أكثر..
هل رأيت الترتيب؟ هكذا رتب الحياة جلّ جلاله.
(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) قوة شديدة، كانت السيوف والرماح ونحوها، لم تزل قوة، قوة في الاتصالات والمواصلات؛ في الحديد قوة في أسلحة الدمار مثلما يقولون؛ كلها حديد، إن أتوا بصاروخ أو بقنبلة فهي من الحديد، جاءوا برصاص من الحديد، وأنواع البنادق حديد، "فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ"، من الذي رتب هذا؟ لماذا لا تكتشفون انتم؟ تصنعون لكم قوة وبأسًا شديدًا من غير حديد؟ اصنعوها من حجر من تراب، من أي شيء ثاني! ولا حتى ذهب، وفضة لا يفيد! لاينفع للصناعة إلا الحديد.
(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ) كثيرة، ابتَثَّت المنافع في مختلف شؤون حياتهم -الله أكبر-، يتكلم عن علمٍ، هو الذي خَلَق -جل جلاله-، هو الذي رتب، (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ):
(مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) ومن يتظاهر باستعماله في كذا وبعد ذلك يستعمله في ذاك، ربك عالم، (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) أي يُظهر علمه -جلَّ جلاله-.
و يرى ما رَتَّب من اختيارات عباده، أين تجري؟
(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)، ومن جُملة ذلك أيضاً من يخاف منها فيترك من أجلها دينه أو شريعته، ويقول: هؤلاء الناس عندهم أسلحة كبيرة، والذي يقررونه لنا سنمشي وراءهم، ولكنهم بهذا خَالَفوا شرع الله، عندك أوامر الدين، قالوا ماذا نعمل؟ ماذا نعمل؟!! (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) أنصر ربك -جلَّ جلاله- فينصرك (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)..
ومع عجائب أيضاً التدبير في الكون، جعل سبحانه وتعالى في هذه العقول والأفكار اتجاهات واختلافات ومُرادات مختلفة جداً متناقضة، بسببها يتم ميزان توازن بين الأشياء، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) يعني مختلف الأديان، لن تستقر، ستعمُّ الفوضى في الحياة، إلا أنَّ الله جعل أنْ يدفع بعضهم ببعض، لذا أنا أقف عند الحد، وهذا يقول كذا وهذا يقول كذا، من أجل أن يبقَ توازن في العالم، وإلا ستضطرب الحياة كلها، سبحان الله!
بعد ذلك -مع هذا التسيير كله- وحتى أحياناً بعضهم كما ينطلِقون في الحياة، شيء هم ضدهثم يقومون معه في حال من الأحوال، من أجل غرض معين (دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) [الحج:40] سبحان الله! ومَن الذي رتب هذا؟ سبحان الله! وإلا أغراض الذين هم يَدَّعون القوة في الأرض، أغراضهم ومُرادُهم لا يتحقق منها ولا العُشر، يعملون خطط كثيرة، ولو كان بيدهم (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا) [الإسراء:100].
قل كم ممن بأيديهم القوة الآن في الظاهر وبيده صنع القرار، يتمنى لو يتحقق له مراده، ولايريد من الصنف الفلاني واحد على ظهر الأرض، ولا من الصنف الثاني واحد على ظهر الأرض، والصنف هذا موجود وهذا موجود، ويضطر في بعض مواقفه لأن يدعم هذا الصنف والذي هو لا يريده !
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) [الحج:40] هو الذي يدفع فقط، يُسَلِّط هذا على هذا، وهذا على هذا، وهذا يريد أن ينتقم من هذا، لكن له مصالح عند الثاني، والثاني يقول له: لا تتعرض لهذا، لا تتعرض لهذا! وبدأنا نرى الآن في حياتنا القصيرة هذه؛ أنَّه في السنة هذه يقول له: تَعَرَّض له، وفي السنة الثانية يقول له : قِف، غَيِّر موقفك، إتخذْ موقفا آخر، ماهذا اللعب؟! لكن وسطها حِكَم: (دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ)؛ من أجل أن يَصِل الكل إلى ما سبق في عِلم الله وقَدَرِهِ، فيصل إليه فقط، لا أحد يتجاوز هذا "فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ"، ومع هذا الحاصل فإن الحكمة في (دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ)، قال: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ) [الحج:40]
والذي سينصرنا؛ يقول؛ أنا الذي أقول، وأنا الذي أدفع الناس بعضهم ببعض، وأنا الذي أُسَلِّط الدواعي على هذا وعلى ذاك، أما من صدق معي لا يخاف أحد، هُم الناس ودوافعهم، أنا فوق، ولهذا تقرأ قبلها في القرآن: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)، وفي قراءة: (إِنَّ اللَّهَ يَدفَعُ) انظر أين خطَّ الدفاع الذي معهم؟! هذا من أين يأتي؟ الله أكبر! (يَدفَعُ)، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج:38] ولكن اقتضت حكمته أن يبقوا على ظهر الأرض إلى آجالهم وإلى مَداهم الذي حدده لهم، ولا يتجاوزونه.
ولمّا جاء بالتشويش والاضطراب؛ ابن صياد -مولود ما بين اليهود في المدينة المنورة-، ويتكلم عن بعض ما في نفوس الناس مما يكنُّونه في صدورهم، ويَذكُر أشياء وهو مازال طفل، "وجاء إليه ﷺ فاستترَ بالأشجار من أجلِ أن يدهمهُ فيُؤذَن له بإيضاح حقيقته للخلق، لكن أمه نبهتهُ، تقول له: هذا محمد، فالتفت له وجلس، قالت: لو تركتْهُ لَبَيَّن، يعني سيأذن الله بإظهار حقيقته للناس وينهي فتنته، لو تركته لَبَيَّن.
قال: "وقد وضع ﷺ في نفسه سورة الدخان، فوقف عليه قال ﷺ: خبأتُ لك خباء ما هو؟ قال: الدُّخّ، ما عرف الكلمة، لم يستطع أن يكملها، قال: الدُخ، قال ﷺ: اخسأ فلن تعدوَ قدرك، استأذنه سيدنا عمر أن يقتله، ما أذن له النبي ﷺ؛ الولد من أهل الذمة، يقول له: إن يكن هو -يعني الدجال- فلن تُسلَّط عليه"، أنا قد قلت لك أنه سيأتي وسيجلس مدة كذا في الأرض، فأين يذهب الكلام؟
وهذا كلام أتيتُ به من فوق، ليس تفكير بشر، إن يكن هو فلن تُسلَّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله، تجعلنا نحن في مشاكل مع أهل الذمة، والإتفاقيات التي اتفقنا عليها مع الناس
انظر كيف كان يُكَمِّل الصحابة في وَعيهم ومداركهم، ويوسع آفاق وأبعاد نظرهم، حتى قاد عمر الأمة بعد أبي بكر قيادة لائقة بالتربية المحمدية النبوية، كثرت الفتوحات في عهده، وإلا في البداية قال: دعنا أقتل عبد الله بن أُبي، قال له: لا، قال: دعنا أقتل ابن صياد، قال له: لا، قال: مَكِنّا من قتل الأسرى الذين معك في بدر، قال له: لا.
فلما تولَّى هو بعد ذلك صار آية؛ ينصف المظلوم الكافر حتى ولو كان من مسلم، ولو ابن أمير من أمرائه الذين يَنصِبهُم، كملت تربيته على يد مأمون من فوق، فقادوا الأمة بقيادة حكيمة نورانية ربانية.
(وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ..(25)) ولهذا نحن وصلحاء الأمة أمام أنواع الفتن وأهل الوجهات الظاهرة بالسلطة وغيرها، نقول لكلٍ: "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" إنما هي حدود وآماد وآجال مرتبة من فوق، لا أحد يتجاوزها، هذه هي، ومهما تَكَهَّنوا أو دَبروا لشيءٍ من مُستَقبَل الأمة، فإن من لوازم ما سَيقع في مستقبلها:
هذه شؤون في المُستقبل راسخة ثابتة حُدِّثنا عنها من قِبَل أصدق الخَلقِ عن الخالِق الذي كَوَن، فليجتمع أهل الشرق والغرب على أن يؤخروا واحدة من هذا فلن يقدروا، ولا أن يُقَدِموا، أرسم الخطة التي تريد، ولن يكون إلا ما أراد المُبدئ المعيد الفعال لما يريد.
يقول له سبحانه: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ) [البروج:17-20] فالإحاطة له ليست لأحد ثاني، حتى لا للمَلَك ولا لأنسي ولا لجني، وهو محيط بكل شيء، وبهم كلهم (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) -كلهم عبيد- (لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95]، لا إله إلا هو، فهكذا "لن يَعدُوَ أحدٌ قَدرَهَ"؛ فلا يَفوز إلا من عَلِم عظمة الرب، وتأدب مع الإله ومشى كما يحب، هم الأقرب وهم الأطيب وهم الأرفع درجة وهم الأعظم فوزًا، هم الأعظم فوزًا؛ لأنهم قَرُبوا من صاحِب المُلك والذي بيده المُلك -جل جلاله وتعالى في علاه- فهم خير الناس وأعظمهم فوزًا بخيرات الدارين.
يقول: ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ) يبدئ ويعيد، كما قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:12-16] وربُك قوي، وقد أبْدى هذه الأشياء وأبرزها، والعَظَمَة له، ومن فاز من هؤلاء الخَلق بإدراك عظمته، أكرمهُ وحماه وقوَّاه -جلَّ جلاله- لأنه قوي عزيز، ليس كُل الناس ينتهون إلى إدراك عَظَمَتِهِ وفَضلِهِ وإحسانه وواجب العبودية له، إلا أهل السوابق لأنه لا يحتاج إلى أحد أصلاً، كل شيء محتاج إليه (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) سبحانه وتعالى، الله لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26))
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ) صلوات الله وسلامه عليهما، واختار هذين الإثنين، لأنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب..
فأما نوح -فكما سُمي آدم الثاني- يكاد يكون أبًا للباقين كلهم، ما عاد معه مَن في السفينة، إلا نحو الثمانين، والذرية من نوح أكثر من البقية الثمانين الذين معه -الموجودين على ظهر الأرض- سبحانه! أكثرهم يرجعون إلى نوح -لا إله إلا الله- ولا أحد إلا وهو منسوب إلى الذين ركبوا السفينة مع نوح، فالموجودين الذين معنا في العالم أبناء مسلمين، لكنهم كفروا هم بعد ذلك، وغَيروا وبدلُّوا، وإلّا آباءهم مسلمين لأن الكفار الموجودين في عهد نوح كلهم هلكوا ولم يبق واحد منهم، أما ولده لما لم يؤمن هلك مع الهالكين، فلا أحد موجود معنا على ظهر الأرض، أجداده ليسوا مسلمين، أجدادهم كلهم مسلمون، ثم غيروا وبدلوا وحرفوا وإلا فإن أجدادهم كلهم كانوا في وسط سفينة نوح (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) [الحاقة:11] فهم أبناء مسلمين، لكنهم انحرفوا، الذين بقوا على المنهج، هم هؤلاء المؤمنين والمسلمين على ظهر الأرض، هم على المنهج، الذين ركبوا في السفينة، وسَلِموا من الغرق، وإلا لو كانوا خالفوا هذا المنهج في ذاك المكان كانوا قد غرقوا وهلكوا، لكنهم بعد ذلك حَرَّفوا وبَدَلوا.
يقول: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ) وإبراهيم، -سبحان الله، بَين الأنبياء والرسل- خصه الله بخصوصية وجعل وفْرة من النبيين في ذريته، حتى لا يكاد في بني إسرائيل بعد ذلك مبعوث من نبي إلا كلهم من ذريته، والنبي الكبير خاتمهم من ذريته من طريق إسماعيل، بقية الأنبياء من طريق إسحاق، ورسول الله من طريق إسماعيل بن إبراهيم؛ ولهذا قال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ) وهو أرسل رسل كثير، حتى قبل نوح قد أرسل، أرسل إدريس وأرسل شيث من قبل، وآدم أول رسول، ولكن هؤلاء خُصُّوا بخصوصيات:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) يعني الوحي الموحى إلينا كان بالكتب المُنزلة، ما كلُّ نبي يكون له كتاب..
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27))
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم) -أتْبعنا من بعدهم- (بِرُسُلِنَا)، يعني رُسُل كثير ما بين نوحٍ وإبراهيم، كثرة من الرسل، وقرون كثير، وما بين إبراهيم -عليه السلام- إلى عيسى ابن مريم، كثرة من الرسل:
يقول: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) اتبعناهم آخر شيء بعيسى ابن مريم، (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ) الكتاب الذي أنزله عليه، وهو مصدق للتوراة.
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً):
بعد ذلك (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) يعني ابتدعوا رهبانية:
(فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) بعد ذلك ضيعوها وتركوها، فكان يقول ابن مسعود: يا معشر أمة محمد، حافظوا على صلاة التراويح -هذا القيام في رمضان- فإنه شيء ما فرضه الله عليكم وإنما قمتم به، ولقد عاب الله على قوم قبلكم عبدوه ثم تركوا العبادة، فتلا الآية: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا).
رَزَقَنا الله الإيمان واليقين والإخلاص، وبارك لنا في خواتيم شهرنا الذي لم يبق منه إلا القليل الله يبارك لنا في هذا القليل، ويهب لنا منه عطاءً جزيل وخيراً جليل، ودخولاً في أهل التكريم والتبجيل، ممن اتبع السبيل، وشرب من السلسبيل، واتصل بأصدق الخلق في القيل، وخيرهم في الفعل وأكرم هادٍ ودليل، محمد بن عبد الله.
ارزقنا كمال الاقتداء به والاتصال به والمحبة له من أجلك، حتى تمتلئ قلوبنا بحبك وحب رُسُلك والاقتداء بهم في جميع أحوالنا، وبَلِّغنا بذلك من خيرات الدارين فوق آمالنا، مما يليق بجودك يا منعماً يا متفضلاً، يا مبدئً يا مبتدئًا بالنعم، يا من بَدأتنا بالفضل وخَلَقتنا من العدم وأسبغت علينا الفضل والكرم، أتمم نعمك علينا، واجعل عواقبنا رابطةً بزين الوجود، نرد حوضه المورود، ونستظل بظل لوائه المعقود، وندخل معه إلى جنات الخلود، وأنت عنا راضٍ يا بر ياودود، في عطاء غير محدود ولا معدود ولا مقيد بقيود، لائق بمحض الكرم منك والجود، يا بر يا ودود.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي لنبي محمد زين الوجود
اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
29 رَمضان 1442